معلومات ربما لا تعرفها عن الفيلسوف الأمريكي جون ديوي

معلومات ربما لا تعرفها عن الفيلسوف الأمريكي جون ديوي – د. محمد عجلان

1- مؤثرات النشأة:

وُلد جون ديوى فى سنة 1859 وهى السنة التى أصدر فيها ” داروين ” كتابه ” أصل الأنواع ” Origin of Species الذى يمكن عَّده فاصلاً بين عصرين ثقافيين ، عصر ثقافى قبله يتصور العالم سكونياً ثابتاً ، وعصر ثقافى بعده – يمتد حتى وقتنا الراهن – يجعل حقيقة العالم تغيراً وتطوراً وحركة . وكان ذلك الميلاد فى برلينجتون بولاية فيرمونت ، حيث تلقى تعليمه فى جامعة الولاية وجامعة جونز هوبكنز ، وحصل على الدكتوراة فى الفلسفة فى عام 1884 ([1]).

لم يكن ديوى براجماتياً منذ أول نشأته ، بل تأثر فى أولى مراحله بالفلسفة الهيجلية ، ولم يكن له بد من ذلك ؛ لأنه لم يجد حوله إلا أساتذة يذهبون فى الفلسفة هذا المذهب ، فأخذ عنهم ، ثم أخذت ظروفه تتطور حتى اتخذ لنفسه طريقه البراجماتى بقية حياته . وقد كانت الأعوام التى شكلته من الوجهة الفلسفية تشكيلاً حاسماً ، هى الأعوام العشرة الممتدة من 1894 إلى 1904 وذلك حين كان رئيساً لقسم الفلسفة فى جامعة شيكاغو ، وحين قام بتجربة فى التربية على نطاق واسع ، أجراها على مدرسة ملحقة بالجامعة ، فعندئذ نفض يديه من الفلسفة الهيجلية ، وبدأ فى وضع الأساس لوجهة نظره التى التزمها منذ ذلك الحين ، وهى التى يُطلق عليها اسم المذهب الأداتى Instrumentalism وهو مذهب شديد الشبه بما كان يدعو إليه وليم جيمس فى ذلك الوقت نفسه باسم الفلسفة البراجماتية ([2]) .

وذا كان ثمة تأثير للبيئة فى تشكيل فكر الإنسان وتحديد توجهاته ، وإن كان من الممكن أن يؤثر فيها بعد ذلك، فإن ذلك يصدق أكثر ما يصدق على حياة ديوى؛ فلقد نشأ فى ولاية فيرمونت ، وهى منطقة ريفية هادئة يعيش أهلها على الزراعة ، بكل ما تقتضيه الزراعة من أخلاق المحافظة على القديم، وإيثار السلامة والأمن والدعة على المخاطرة ، ثم انتقل فى رجولته إلى ما يُعرف فى الولايات المتحدة بالغرب الأوسط ، وهو إقليم نزح إليه المغامرون من شرقى الولايات المتحدة الذى كان أول ما عمره الوافدون من أوروبا ، حتى ازدحم . فلقد شهد ديوى فى الغرب الأوسط خلال الستة عشر عاماً التى أقامها هناك حياة اقتصادية تختلف اختلافاً بعيداً عن حياة موطنه الزراعى الذى نشأ فيه ، إذ رأى الثراء الطائل يجمعه صاحبه فى لمح البصر وقد يفقده بالطريقة نفسها ، رأى الناس تغلب عليهم المغامرة  والمخاطرة ، وأميل إلى العمل الجرئ الحر منهم إلى العمل المستقر الثابت الآمن ؛ لأن هذا الثبات وهذا الأمن والاستقرار يكلفهم الخضوع للسيطرة المستمرة للحكومة، ويكلفهم بالتالى الحد من أصالة التفكير وقدرة الابتكار ([3]) .

كانت الحياة كما شهدها معرضة للمخاطر ، ولكن بلوغ النجاح كان كبير الاحتمال ، ولم يكن ” البحث عن اليقين ” أو ” طلب اليقين ” جزءاً من حياة الناس . ومن هنا انعكس الأمر على تفكير ديوى ، حين أخرج فيما بعد كتابه ” البحث عن اليقين ” The Quest for Certainty ليسخر من طلب اليقين فى حياة الفكر وحياة العمل على السواء . فكان سكان الغرب الأوسط جميعاً ممن نزحوا حديثاً ، فقلما تجد العائلات المعمرة والأكثر ازدهاراً قد امتدت إقامتها هناك لأكثر من جيل أو جيلين انحدرا من الرواد الذين استقروا فى البلد ، دون أن يُبقوا على شئ من موقف أجدادهم من العرف الموروث ، فلم يعد أحد يهتم بعادات الماضى وثقافته ، واعتقد الجميع أن التقدم مؤكد وسيكون سريعاً ([4]) . ذلك هو طراز القوم الذى جاء ديوى ليعلم أبناءهم ، فى تلك البيئة المفعمة بالحركية والبحث عن الجديد ، فأى شباب نتوقع له أن يتعلم ؟ شباب كالآباء يريدون العلم الذى يعين على العمل ، يريدون الفكر الذى يرسم طريق النجاح .

فما كان لفيلسوف حساس لما حوله ، إلا أن يأتى فكره متأثراً بهذا الجو الجديد ، أن يأتى تفكيره ليوائم بين الفكر والعمل . فكان لابد له أن يتأثر بالواقع وقوته ، وأن تأتى فلسفته مرتبطة بهذا الواقع ، وأن يكون مقياس الصواب عنده هو النتائج . إن كل شئ فى حياة الإنسان قابل للتغير ، ولا مفر من تغييره إن دعت الضرورة لذلك ، فلا يجوز لشئ – كائناً ما كان – أن يقف حائلاً فى طريق الإصلاح الاجتماعى ، وتوفير العيش الرغد للإنسان العامل . فلابد من تغيير قواعد الأخلاق ذاتها إن اقتضى الإصلاح هذا التغيير، وكذلك لابد من تغيير أسس السياسة والاقتصاد والتربية وكل ما يُظن به الدوام والثبات ، فى سبيل تغيير الحياة تغييراً يجعلها أكثر ملاءمة لظروف العصر الجديد ([5]) . من هذا المنطلق جاءت فلسفته لتأخذ بكل جديد ، وكل تغير يهدف إلى صالح الإنسان ، وجاءت لتعكس حياة المجتمع الأمريكى بكل آرائه وتقلباته ومناهجه ونظمه المختلفة .

هكذا أثَّرت البيئة التى انتقل إليها ديوى فى تشكيل رؤيته الفلسفية ، مما يؤكد دينامية فكره وقابليته الاستجابية كلما اقتضت ضرورة الإصلاح ذلك ، فلم يكن دوجماطيقياً Dogmatic فى أفكاره أو فى نظرته للأمور ، بل كان التغيير والبحث الدائب عن الجديد هو منهجه ، إذ أننا نجد أنفسنا بإزاء فيلسوف لا يعنيه أن يقدم حقائق بعينها بقدر ما يريد أن يقدم منهجاً صالحاً للتطبيق فى كل  موضوع ، ففلسفته فى حقيقتها منهج Method لا يدعى امتلاك الحقيقة ، لكنه يوجه الناس نحو الحياة الأفضل ، القابلة بدورها للتغيير والتجديد .

2- المؤثرات الفكرية: 

أ- تشارلز بيرس :

أما تشارلز بيرس C. S. Peirce ([6]) فكان بمثابة أول فيلسوف أمريكى يخرج على العالم بفكر جديد يبلور فيه الحياة العقلية كما تمثلت فى القارة الجديدة ، فهو الذى بلغ بها غاية كمالها ، فإذا ما جاء بعده التابعان الكبيران اللذان سارا على نهجه ( جيمس – ديوى ) لم يسعهما إلا أن يتحركا فى الإطار نفسه ، برغم ما جاءا به من تعديل وتحويل ([7]) .

ولقد اشتغل معظم حياته باحثاً علمياً يبتكر الجديد ، ويشق لنفسه فى الفكر طريقاً فريداً ، فكانت الثمرة هذا الإنتاج الذى بدأ مدرسة فكرية جديدة ، أخذت تضرب بجذورها حتى أصبحت تنشر اليوم ظلها على الولايات المتحدة باسم ” الفلسفة البراجماتية ” ، بل أخذت تمتد خارج بلادها فيؤيدها المؤيدون ، ويحترمها الناقدون ([8]) .

ولعل السؤال الرئيسى عند بيرس – وعند فلاسفة غيره كثيرين – هو هذا : ما هى ” الفكرة ” Idea ؟ فمتى تكون ” الفكرة ” جديرة بهذا الاسم ؟ وما طبيعتها ؟

يقول البراجماتيون إن الذى يحدد حقيقة ” الفكرة ” هو ما تستطيع أن “تفعله” فى دنيا الأشياء . فالفكرة أداة تُطلب لما تؤديه ، وليست هى كالصورة الفنية ننظر إليها فى ذاتها . الفكر كمفتاح الباب ، مثلاً ، ليس المهم فيه أن يكون مصنوعاً من حديد أو خشب ، بل المهم هو أنه يفتح الباب المغلق ، فإذا لم ينفتح به باب ، لم يكن مفتاحاً مهما اتخذ لنفسه من صور المفاتيح ([9]) .

أما بيرس ، فيرى أن الفكرة خطة للعمل ، وقيمتها فى نجاح الخطة ، هى كالخريطة التى قيمتها كلها مرهونة ، لا بجمال ألوانها وحسن شكلها ، بل بكونها أداة صالحة فى يد المسافر يعرف بها أين النهر وأين الجبل . وإذن فمقياسنا هو : ماذا عساى أن أصنع بهذه الفكرة أو بتلك ، وبهذا الذى أستطيع أن أصنعه يتحدد معنى الفكرة ([10]) .

إن برجماتية بيرس هى نظرية فى ” المعنى ” ([11]) ولا شأن لها بعد ذلك أصدق الكلام أم لم يصدق على الواقع . فمتى تكون للعبارة ” معنى ” عند بيرس ؟ .

تكون العبارة عنده ذات معنى إذا ما كانت ألفاظها دالة على خبرة حسية يمكن اللجوء إليها فى عالم التجربة ، وليس لأية لفظة من معنى سوى مجموعة تلك الخبرات الحسية المتوقع حدوثها . فمثلاً إذا قلت عن شئ إنه ” صلب ” ، فما معنى الصلابة ؟ معناها خبرات نخبرها حين نستخدم ذلك الشئ فى حياتنا العملية ، فنراه يخدش غيره و لا ينخدش بغيره ، ونراه يكسر غيره ولا ينكسر بغيره وهكذا . إجمع معنى هذه ” الأفعال ” الممكنة كلها فى قائمة ، يكن لك معنى كلمة ” صلب ” التى نصف بها الشئ الذى وصفناه بها . وأما إذا لم يكن لكلمة ما مثل هذه الإجراءات العملية التى تحدد معناها ، فهى عندئذ بغير معنى ، مهما أكثر الناس من استعمالها فى أحاديثهم ([12]) .

ولقد جاءت أداتية ديوى أقرب إلى براجماتية ” تشارلز بيرس ” الذى يرى أن الأفكار الكلية إن هى إلا عادات سلوكية اعتادها الإنسان ليتصرف بها فى المواقف العملية التى تشير إليها تلك الكلمات ، فكأنما الفكرة الواحدة من هذه الأفكار الكلية هى بمثابة خطة تضبط السلوك وتوجهه ، وهكذا ارتأى ” ديوى ” حين جعل الأفكار أدوات توجه السلوك وتضبطه توجيهاً وضبطاً يحقق للإنسان غايته  المنشودة ، فمهما تكن الفكرة فهى تتضمن خطة للعمل ، وإذا لم تكن كذلك فهى ليست من الفكر فى شئ ([13]) .

ب- وليم جيمس :

أما ” وليم جيمس ” William James ([14]) ، فإنه يلى بيرس فى الترتيب الزمنى ، وإن كان أوسع منه شهرة وانتشاراً . تتلمذ وليم جيمس على يد العديد من الأساتذة فى كافة المجالات التى برع فيها ، ومنهم سويدنبرج Swedenberg وفوريير Fourier . وتلقى برنامجاً علمياً على يد لويس أجاسيز Louis Agassiz وكان أستاذاً عالماً فى مجال علم التشريح المقارن ، اصطحبه معه فى رحلة علمية إلى الأمازون ، وتعلم منه أهمية الملاحظة عن قرب للحقائق ، والدقة الكاملة فى مجال البحث العلمى ، ولازمته هذه التعاليم حتى نهاية حياته ، بالإضافة إلى الإدراك الواعى وحدس الفنان والدقة الموضوعية اللازمة للعالم ([15]) .

وقد كان لجيمس اتصالات متعددة بالكثير من الفلاسفة المعاصرين ، فكانت له مراسلات عديدة مع كل من رنوفييه Renouvier وبرجسون Bergson فى  فرنسا ، وبرادلى Bradley وبوزانكيت Bosanquet وغيرهما فى إنجلترا ، وقد نشرت مراسلاته مع هؤلاء فى مجلدين ضخمين ([16]) .

وتعد الفكرة الرئيسية فى فلسفة جيمس هو نفسها الفكرة الرئيسية فى كل الفلسفة البراجماتية وهى فكرة ” المعنى ” حيث يتفقون جميعاً حول تحديد مقصودها، إلا أن جيمس ينفرد عنهم بنظرية عن ” الحق ” أو ” الصدق ” ، ذلك أن العبارة ذات ” المعنى ” لا يتحتم أن تكون صادقة ، بل حسبها لتكون ذات ” معنى ” أن تكون مفهومة على أساس ما عساه أن يصادف الحواس من خبرات لو كانت صادقة . ومن البراجماتيين – مثل بيرس – من يكتفى بنظرية ” المعنى ” وحدها ، ولا شأن له بأن تصدق العبارة ذات المعنى بعد ذلك أو لا تصدق ، أما وليم جيمس ، فيهتم أيضاً ” بصدق ” الكلام متى يكون وكيف يكون ، فيقول إن العبارة تكون صادقة ( لا مجرد كونها ذات معنى مفهوم ) إذا تصرفت على أساسها فلم تجد ما يعترض طريقك الذى يوصلك على غايتك . والأمر فى ذلك شأنه شأن الفروض العلمية  ذاتها ، فكيف يقرر العالم أن فرضه الذى يفرضه ليفسر به ظاهرة معينة هو فرض صحيح ؟ إنه يقرر ذلك على أساس أنه لا يجد ما يعترض سبيله فى تطبيقه وفى التصرف على أساسه ، أما إذا وجد من الوقائع ما يندُّ عن ذلك ، عرف أن فرضه باطل . فهكذا الحال فى كل جملة تقولها عن أى شئ فى حياتك اليومية ، فقولك – مثلاًُ – عن منزل صديقك إنه يقع عند ملتقى شارع كذا بشارع كيت ، هو تماماً كقول العالم إن بئراً تقع عند ملتقى ذلك الجبل بشاطئ البحر . كلا القولين يكون صادقاً لو تصرفنا على أساسه فنتجت لنا النتائج المرتقبة ([17]) .

فليس ” الحق ” كياناً مجرداً قائماً بذاته مثل ذلك ” الحق ” الذى يبحث عنه الفلاسفة والمتصوفة قروناً . بل ليس ” الحق ” صفة تصف الجملة الصحيحة فى ذاتها حتى ولو لم يكن لها انطباق على واقع ، بل ” الحق ” هو طريقة عمل ، هو طريقة أداء من شأنها أن تنجز أمراً وأن تحقق هدفاً . وهكذا تصبح كلمة ” الحق ” وكلمة ” النفع ” مترادفتين ، فنقول عن فكرة إنها نافعة لأنها حق ، أو أنها حق لأنها نافعة ([18]) .

أما عن أثره فى ديوى ، فكان ذلك من خلال كتابه ” أصول علم النفس ” Principles of Psychology الذى كان هو الضوء الذى اهتدى به ديوى أخيراً فى تشكيل منهجه فى التفكير والبحث ، فلم يكن ذلك الكتاب مجرد كتاب فى علم النفس كسائر الكتب ، بل كان فاصلاً بين عهدين فى ذلك العلم ، إذ اعتبر ” العقل ” Mind نمطاً معيناً من السلوك ، يعالج به الإنسان بيئته على نحو يعينه على الحياة ، فالعلامة الدالة على وجود العقل فى أية ظاهرة سلوكية هى أن نلحظ فيها استهدافاً لغايات مستقبلة ، واختياراً للوسائل المؤدية إلى بلوغ الغايات . وتتضمن العبارة السابقة عدة نتائج أقام عليها ديوى منهجه وبنى عليها تفكيره وهى:

– أن العقل ليس كائناً روحانياً غيبياً يختلف عن الجسم الحى الفعال ، لكنه سلوك ذو طابع معين .

– أن القيم والغايات التى يعمل الإنسان على أساسها ، إما أن تكون جزءاً من العالم الخارجى فيدركها الإنسان ، ثم يعمل على تحقيقها ، أو تكون من خلق  الإنسان ، يخلقها لتكون له وسائل يوائم بها بين نفسه وبين العالم الطبيعى أو المجتمع الذى يعيش فيه ، وهى على كلا الفرضين ليست سابقة على وجود العالم الطبيعى أو المجتمع ، بل تنشأ نتيجة لازمة لاتصال الإنسان بمحيطه .

– أن نشاط الإنسان تجاه بيئته ، يجعل المستقبل هو رائد ذلك النشاط ، بمعنى أن نشاطه لا يكون إلا بالنظر إلى ما يتولد عنه من نتائج من شأنها أن تغير أوضاع الأشياء تغييراً يكون سبباً فى إزالة مشكلاته التى اعترضت سبيله .

– وبناءً على ما سبق فإنه ليست هناك قيم ثابتة بشكل دائم ، وإنما تتغير القيم وفقاً لتغير الحياة ؛ مما يعنى أن القيم ما هى إلا أدوات Instruments يستخدمها الإنسان فى توجيه سلوكه . وذلك هو الأساس الذى أقام عليه ديوى  أداتيته ([19]).

جـ- نظرية التطور :

  لقد اهتز العالم القديم فى عام 1859 اهتزازاً كبيراً بنشر كتاب داروين Ch . R .Darwin ([20]) عن ” أصل الأنواع ” ، ولم يكن هذا الكتاب مجرد عرض لفكرة غامضة عن تطور الأنواع العليا من أنواع سفلى ، ولكنه جاء مفصلاً وحافلاً بالأدلة عن حقيقة عملية التطور بواسطة الانتخاب الطبيعى Natural Selection ، أو بقاء الأجناس المفضلة فى تنازع البقاء ([21]) .

ولقد قرأ داروين كتاب ” مقال عن مبادئ السكان ” لمالتوس T . Malthus (1776 – 1834 ) والذى ذكر فيه أن عدد السكان يتزايد بشكل أسرع من موارد الغذاء على الأرض ، ومن ثم لابد من وجود عوامل إعاقة طبيعية أو اصطناعية لإيجاد التوازن بينها . حينئذ طبق داروين تلك النظرية على الحيوان والنبات ، قائلاً بتنازع الكائنات الحية على القوت ، وبالصراع فى سبيل الجنس ، وفى سبيل البقاء، وتعلم داروين من تجارب مربى الحيوانات أن المزاوجة بين الفصائل الجيدة تنتج أصنافاً لها خصائص تكون أكثر تلاؤماً مع البيئة ، وأقدر على البقاء والتنازع . وخلص من ذلك كله إلى أن الحياة يحكمها قانون الانتخاب الطبيعى ، وأنه يشبه الانتخاب الصناعى ، إلا أنه يحدث بالصدفة ، ويتأكد بالوراثة ، وليس فيه قصد ولا نظام ، ولا يدل على علة تحدثه ، ويشير إلى أن الأنواع الحية الموجودة هى الأنواع الأعلى التى تسلسلت من أنواع أدنى ([22]) .

وكان أول اتصال لديوى بفكرة التطور عند داروين عبر كتاب ” علم الفسيولوجيا ” لـ  ” توماس هكسلى ” T . H . Haxly ( 1825 – 1895 ) الشارح لمذهب داروين فى النشوء والارتقاء ، فاستمد من دراسته صورة قوية من وحدة الكائن الحى ، خلقت فى نفسه نموذجاً لنظرة أشمل وأوسع للأشياء ، تلك النظرة الشاملة التى تتميز بها الدراسة الفلسفية ([23]) . ومنذ ذلك الوقت ظهر التأثير الواضح لنظرية التطور البيولوجى لداروين على فلسفة ديوى ، حتى وجدناه يعبر عن هذا التأثير مراراً وتكراراً عبر مؤلفاته ، حيث يقول ديوى : ” إن كتاب أصل الأنواع يقدم لنا نموذجاً للتفكير ، أعد فى نهاية الأمر لتحويل المعرفة ومعالجة الأخلاق والسياسة والدين ” ([24]) .

وبذلك اصطبغت فلسفة ديوى بطابع تطورى ، واتخذ من التغير سمة أساسية لجميع آرائه الفلسفية والأخلاقية ، فالفلسفة لم تعد تبحث عن الثابت اللامتغير بل تخضع للتغير ، فيقول ديوى : ” إن التغير لا الثبات هو معيار حقيقة الوجود الآن . فالتغير موجود فى كل مكان ، والقوانين التى يعنى بها رجال العلم قوانين حركة وتوالد وتتال ” ([25]).

وبناء على ما سبق ، نجد أن الخطاب الذى أنتجه ديوى فى ضوء مؤثرات عدة ، لم يكن تكراراً لخطاب ثقافى آخر ، بل هو منتج أنتجته ظروف حياتية وبيئية جديدة ، مما يؤكد ما سبق طرحه من أن الفكر منتج ثقافى مفعم بروح التاريخ والبيئة ، ولا يتحرك فى إطارات المطلق الذى يعتقد أن الحقيقة قد اكتملت قسماتها ولا مجال لإضافة جديد ، اعتماداً على أن التغير والتجديد علامة  نقص ، بما لا يتفق مع طبيعة المطلق الكامل .

ولا تعنى جدة خطاب ديوى أن ثمة قطيعة ابستمولوجية قد تمت على جانبى الأطلنطى ، لكننا بصدد تفعيل لمنتج أوروبى فى بيئة جديدة ، أكسبته خصوصيتها وتحررها من الإرث الذى لم تستطع أوروبا أن تتحرر منه تماماً، فلم يعرف التاريخ أمة لم تمر بطور الطفولة والتخبط ، بل بدأت واعية بأهدافها ومقاصدها كالأمة الأمريكية . فالخطاب الثقافى الأمريكى الذى يمثل ديوى إحدى دعاماته هو المؤدَّى المنطقى لأطروحات الخطاب الثقافى الأوروبى ، القائم على عدة دعائم أساسية ، يأتى العلم التجريبى فى مقدمتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) انظر فى ذلك :

– زكى نجيب محمود : من زاوية فلسفية ، المرجع السابق ، ص: 218 .

– Stumps . Samuel Enoch : Philosophy, History and Problems, 4 ed ( New York : McGraw-Hill Books Company, 1989 ) P : 422 .

(2) زكى نجيب محمود : حياة الفكر فى العالم الجديد ( القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ،      د . ت ) ص : 194 – 195 .

(3) نفس المرجع ، ص : 195 – 196 .

(4) وليم كلى رايت : تاريخ الفلسفة الحديثة ، ترجمة محمود سيد أحمد ( القاهرة : المجلس الأعلى للثقافة ، 2001 )  ص : 489 – 490 .

(5) زكى نجيب محمود : من زاوية فلسفية ، مرجع سابق ، ص : 220 – 221 .

(6) تشارلز بيرس C. S. Peirce ( 1839 – 1914 ) ولد ف مدينة كيمبردج بولاية  مساشوستس ، وهو ابن بنجامين بيرس الذى كان فى ذلك الوقت رائد أمريكا فى العلوم  الرياضية ، والكثير من نشأة تشارلز بيرس الأولى كان علمياً : فقد حصل على الماجستير فى الرياضيات ، وفى عام 1861 كان أول من حصل على بكالوريوس العلوم فى الكيمياء من جامعة هارفارد ، ثم انصرف إلى الفلسفة والمنطق عام 1889 ، فكان أول فيلسوف أمريكى يدخل كلمة براجماتية Pragmatism إلى الفلسفة ، لم ينشر كتباً ، لكنه طرح فلسفته فى مجموعة من المقالات والبحوث ، نشرت بعد ذلك فى ثمانية مجلدات باسم “مجموعة بحوث تشارلز بيرس” The Collected Papers of Charles Sanders Peirce . انظر فى ذلك ، فؤاد كامل وجلال  العشرى : الموسوعة الفلسفية المختصرة ( بيروت : دار القلم ، د . ت ) ص : 138 .

(7) زكى نجيب محمود : من زاوية فلسفية ، مرجع سابق ، ص : 202 .

(8) زكى نجيب محمود : حياة الفكر فى العالم الجديد ، مرجع سابق ، ص : 146 .

(9) زكى نجيب محمود : من زاوية فلسفية ، المرجع السابق ، ص : 207 .

(10) نفس المرجع ، ص : 207 ، 208 .

(11) ويجدر بنا هنا أن نفرق فى هذا الموضوع بين شيئين لأهمية تلك التفرقة فى فهم الفلسفة المعاصرة ، بل فى فهم الفرق بين برجماتية بيرس ، وبرجماتية جيمس ، برغم كونهما من مدرسة فلسفية واحدة . والشيئان هما ” المعنى ” من جهة ، و ” الصدق ” من جهة أخرى . فإذا كنت بإزاء جملة قالها قائل ، مثل قوله ” على سطح القمر جبال ووديان “، فهناك أمران متميزان: أولهما أن يكون لهذا الكلام ” معنى ” مفهوم ، وثانيهما أن يكون هذا المعنى ” صادقاً ” على الواقع . وبالطبع لا يتحقق ” الصدق ” على الواقع ما لم يكن للكلام معنى . ولكن قد يكون للكلام معنى مفهوم دون أن يكون صادقاً على الواقع .

(12) زكى نجيب محمود : من زاوية فلسفية ، مرجع سابق ، ص : 208 ، 209 .

(13) زكى نجيب محمود : حياة الفكر فى العالم الجديد ، مرجع سابق ، ص : 204 .

(14) وليم جيمس ) William James 1842 – 1910) وهو عالم نفس وفيلسوف أمريكي من أصل سويدي أسس مذهبه البراجماتى على أصول أفكار بيرس ، ويؤكد أن العمل والمنفعة هما مقياس صحة الفكرة ودليل صدقها . ولقد اكتسب شهرة واسعة بعد نشره لكتابه الأول مبادئ علم النفس عام 1890 ، ثم توالت كتبه ، موجز علم النفس 1892 ، إرادة الاعتقاد 1897، أنواع التجربة الدينية 1902 ، البراجماتية 1907 ، كون متكثر 1909 يعارض فيه وحدة الوجود . ويؤكد جيمس في كتبه الدينية أن الاعتقاد الديني صحيح لأنه ينظم حياة الناس ويبعث فيهم  الطاقة .

(15) Wright . William Kelley : A History Of Modern Philosophy ( New York : Macmillan Company , 1949 ) P : 507 .

(16) زكريا إبراهيم : دراسات فى الفلسفة المعاصرة ( القاهرة : مكتبة مصر ، د . ت ) ص : 25 .

(17) زكى نجيب محمود ، من زاوية فلسفية ، مرجع سابق ، ص : 214 ، 215 .

(18) نفس المرجع ، ص : 215 .

(19) زكى نجيب محمود : حياة الفكر فى العالم الجديد ، مرجع سابق ، ص : 202 – 204 .

(20) تشارلز داروين ( 1809 – 1882 ) عالم تاريخ طبيعى إنجليزى ، اكتسب شهرته كواضع لنظرية التطور ، ولقد بدأ اهتمامه بالتاريخ الطبيعي أثناء دراسته للطب ثم اللاهوت في الجامعة. ومن خلال ملاحظاته للأحياء أثناء رحلة له دامت لمدة خمس سنوات ، قام داروين بدراسة التحول في الكائنات الحية عن طريق الطفرات وطوّر نظريته الشهيرة في الانتخاب الطبيعي عام 1838 . ومع إداركه لردّة الفعل الذي يمكن أن تحدثه هذه النظرية، لم يصرّح داروين بنظريته في البداية إلا إلى أصدقائه المقربين في حين تابع أبحاثه ليحضّر نفسه للإجابة على الاعتراضات التي كان يتوقعها على نظريته. وفي عام 1858 بلغ داروين أن هنالك رجلا آخر ، وهو ألفريد رسل والاس ، يعمل على نظرية مشابهة لنظريته مما أجبر داروين على نشر نتائج بحثه . من أشهر أعماله كتابه ” أصل الأنواع ” Origin of Species .

(21) ول ديورانت : قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوى ، حياة وآراء أعاظم رجال الفلسفة فى العالم ، ترجمة فتح الله محمد المشعشع ط6 ( بيروت : منشورات مكتبة المعارف ، 1988 ) ص : 456 .

(22) عبد المنعم حفنى : موسوعة الفلسفة والفلاسفة ، جـ1 ، ط2 ( القاهرة : مكتبة مدبولى ، 1999 ) ص : 566 .

(23) أحمد فؤاد الأهوانى : جون ديوى ، مرجع سابق ، ص : 22 .

(24) Dewey . J : The Influence of Darwin Philosophy ( New York : Peter Smith , 1910 ) P : 2 .

(25) جون ديوى : التجديد فى الفلسفة ، ترجمة أمين مرسى قنديل ، مراجعة زكى نجيب محمود ( القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، د . ت ) ص : 135 – 136 .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك