مقالات فكرية

لماذا نصل دائماً إلى نتائج خاطئة ؟!

لماذا نصل دائماً إلى نتائج خاطئة ؟! – د. محمد عجلان

آفةُ البحثِ النظرةُ الجزئية والاقتطاعُ من السياقات العامة، فهذه النظرة المقتطعة من سياقها لن تؤدي للنتيجة الأساسية للبحث وهي الوصول للحقيقة أو مقاربتها، بل فقط سوف تدعم الرؤية التي يريدها من يبحث بهذه الطريقة. فتجد كثيرين يقرأون التاريخ قراءة انتقائية، إما بهدف التقديس المطلق، أو بهدف التشنيع الشامل. مدعومين في ذلك بعدم قراءة الأحداث أو الأفكار في سياقها التاريخي، وعدم تناول ما يعرضون له في سياقه الثقافي العام. ويؤدي ذلك إلي نتائج ظاهرها العلم وباطنها التعصب لفريق أو التعصب ضد فريق. مجرد أشخاص يريدون أن ينتصروا لقناعات سابقة علي البحث ذاته، ويفتشون على ما يدعم هذه القناعات، ثم يعلنون نتائج ليست بنتائج، بقدر ما هي قناعات ذاتية لا قيمة لها في ميزان البحث الموضوعي.

ألمح هذا أكثر ما ألمحه لدى المؤدلَجين، الذين يدافعون عن أيديولوجيتهم بكل ما أوتوا من نزق، فهذا فريق سلفي ينظر لأشخاص تاريخيين أصابوا حينا وأخطأوا حينا آخر، على أنهم مقدسون، لا ينفذ إليهم الخطأ من أي زاوية، وكأنهم فوق الضعف البشري، وكأن إيمانهم لا يزيد وينقص كعادة من تحدث عنهم نبي الإسلام. وعلى الشاطئ الآخر تجد فريقا آخر يرفض أنصاره السياقات الدينية في عمومها، لكنهم في الوقت نفسه يستحضرون أجزاءً مقتطعة من سياقها بهدف التشويه، وكأن الأجزاء التي اقتطعوها من سياق عام يرفضونه كله هي الأصح والأدق تاريخيا. يرفض القرآن مثلا ثم يقرأه قراءة خاصة ليحاجج به، ويرفض الأحاديث على اعتبار أنها زائفة أو ملفقة، لكنه لا يتورع في ذكر نماذج لوقائع تاريخية لا يقوم عليها دليل؛ بهدف تقديمها كحجج تدعم ما يذهب إليه.

من حق الجميع أن يؤمنوا بما شاءوا من أفكار، وأن يدافعوا عنها بما راقهم من الوسائل المشروعة، لكن ليس من حق أحد أن يعلن نتائج قامت على مقدمات خاطئة فوصلت إلى نتائج ملتبسة، أن يعلنها وكأنها حقائق كونية غير قابلة للطعن عليها. يجب أن نتحلى جميعا بروح البحث المحايد -قدر الطاقة البشرية -نتطرق لما نريد بحثه، دون تعبئة مسبقة (مع أو ضد). ولا نسقط من حسابنا البحثي السياق الزمني والمكاني والثقافي لموضوع البحث، سواء كان شخصية تاريخية أو كان فكرة أو مذهبا، لأن إسقاط السياقات يورطنا في نتائج خاطئة، وكأنه من الجائز مثلا أن نحكم علي الإنسان البدائي بمنطق الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع عدم وجود تلك القيم في هذا الظرف التاريخي. مراعاة السياقات السابق الحديث عنها، تجعلنا نفهم الأمور وفقا لما يجب أن تُفهم على أساسه، فلا نريد أن نظلم التاريخ ولا نحب له التقديس.

المكتبة العامة

موقع المكتبة العامة يهتم بنشر مقالات وكتب في كافة فروع المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى