هل تخلط ما بين الثقافة والحضارة ولا تعرف الفرق بينهما ؟ .. هذا المقال يوضح لك الفرق

هل تخلط ما بين الثقافة والحضارة ولا تعرف الفرق بينهما ؟ .. هذا المقال يوضح لك الفرق – د. محمد عجلان

يُعد مفهوم الثقافة Culture من بين المفاهيم ذات الطابع الإشكالي،  فمن الصعب على الباحث أن يطمئن إلى تعريف واحد لمفهوم الثقافة باعتباره تعريفاً جامعاً مانعاً، فمفهوم الثقافة من المفهومات المراوغة، فما أن تصل إلى تعريف تظنه شافياً، إلا وتُباغَت بأن ثمة بُعداً قد أُغفل، أو تغيراً قد تم. ويبدو ذلك من خلال الفيض الهائل من التعريفات لذلك المفهوم.

وتعود جذور كلمة culture إلى اللفظ اللاتيني culture الذي يعنى حرث الأرض وزراعتها. وقد ظلت اللفظة مقترنة بهذا المعنى طوال العصرين اليوناني والروماني، حيث استخدمها شيشرون مجازاً بالدلالات نفسها، فقد أطلق على الفلسفة Mentis culture أي زراعة العقل وتنميته، مؤكداً أن دور الفلسفة هو تنشئة الناس على تكريم الآلهة، وقد ظلت الكلمة هكذا حتى القرون الوسطى، حيث أطلقت فى فرنسا على الطقوس الدينية Cultes. وفى عصر النهضة اقتصر مفهوم Culture على مدلوله الفني والأدبي، فتمثل فى دراسات تتناول التربية والإبداع. وبعدها عمد فلاسفة القرن السابع عشر إلى تطبيق المناهج العلمية فى دراسة المسائل الإنسانية، وأفردوا مضماراً خاصاً للعمليات المتعلقة بمفهومCulture . ففي كتابه “تقدم المعرفة” يعتمد فرنسيس بيكون صورة التثمير الزراعي للدلالة على أحد مرامي الفلسفة الكامن فى هذا المفهوم. واستخدمها بذات المعنى فولتير وأقرانه من مفكري فرنسا، حيث كانت كلمة Culture تعنى لديهم تنمية العقل وغرسه بالذوق والفهم وتزيينه بالمعرفة. واستعملها توماس هوبز بمعنى العمل الذي يبذله الإنسان لغاية تطويرية سواء أكانت مادية أم  معنوية ([1]) .

ظهر مصطلح الثقافة فى اللغة الإنجليزية وبدأ يدخل حيز التنفيذ إلى جانب غيره من المصطلحات مثل: الصناعة، الديمقراطية، والفن، فى أواخر القرن الثامن عشر ([2]). ويُعتبر ادوارد ب. تايلور أول من تصدى لتعريف الثقافة فى كتابه “الثقافة البدائية” Primitive Culture فيرى أن الثقافة هي “ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقد، والفن، والأدب، والأخلاق، والقانون، والعرف، والقدرات، والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً فى المجتمع” ([3]). ولكن تعريف تايلور قد أُخذ عليه عموميته، وطابعه الوصفي، وإهماله حركية وديناميكية الظاهرة الثقافية، إضافة إلى إهماله العلاقة بين الثقافة والمجتمع البشرى الحامل لتلك الثقافة من جهة، والبيئة والمحيط الخاص بتلك الثقافة من جهة أخرى. فحاول ك. رايت تجنب تلك المآخذ فعرفها بأنها “النمو التراكمي للتقنيات، والعادات، والمعتقدات لشعب من الشعوب يعيش فى حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية” ([4]).

إلا أن تعريف رايت لم يتمكن من التخلص كلية من الطابع الوصفي الذي أُخذ على تعريف تايلور، كما أنه لا يتضمن الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة فى توجيه سلوك الإنسان، وبالتالي لا يتضمن دور الثقافة فى صنع حاضر الإنسان ومستقبله. إلا أن ثمة تعريفات تُعنى بدور الثقافة ومهماتها، فيعرف مالينوفسكي الثقافة بأنها “جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل، وضع يواكب المشاكل التي تواجه الإنسان فى هذا المجتمع أو ذاك، فى بيئته وفى سياق تلبيته لحاجاته الأساسية” ([5]).

إلا أن تعريف مالينوفسكي أيضاً قد انتابه النقص، فهو وإن كان قد أبرز دور الثقافة التوجيهي والإعدادي للإنسان، إلا أنه قد أهمل دور الفرد واعتبره متلقياً سلبياً، فإن كانت الثقافة ذات دور تشكيلي بالنسبة للإنسان، إلا أن الإنسان بدايةً هو صانع تلك الثقافة، حيث أن الثقافة ليست فطرة يُولد الإنسان وهو مزود بها، وإنما اكتساب يمثل ثمرة صراع البشر وحراكهم. فكما يقول تيرى إيجلتون: “إن البشر ليسوا منتجات للوسط المحيط بهم، كما أن الوسط المحيط بهم ليس مجرد صلصال يُشكلونه هم على نحو تعسفي. وإذا كانت الثقافة تغير مظهر الطبيعة، فإنها مشروع تفرض عليه الطبيعة حدوداً صارمة ([6]). فالثقافة بناءً على التعريفات السابقة ذات أوجه عدة يركز كل تعريف على أحد تلك الأوجه أو بعض منها.

وثمة تداخل بين مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة Civilization إلى الدرجة التي جعلت البعض يعتبرهما مفهوماً واحداً، فكلمة حضارة مشتقة من الأصل اللاتيني Civis مدني Civitas مدينة أو حاضرة، وهى مكان تجمع الناس وحضورهم لإقامة مصالحهم المشتركة وحفظها. ثم أخذت الكلمة تتجه لتعني صفات الأدب والعلم وحسن العشرة، وغيرها من الصفات المحمودة التي يكتسبها الإنسان المتمدن. وبعد ذلك اكتسبت الكلمة المعنى الشائع اليوم، وهو إما إشارتها إلى الوحدات الحضارية التي ظهرت فى تاريخ البشرية، وإما إشارتها إلى الحضارة بالإطلاق، أي حضارة الإنسان منذ البداية.

أما فى اللغة العربية، فإن الحضارة لا تختلف فى معناها عن المعنى الأصلي للكلمة باللاتينية، أي أن الحضارة هي الإقامة فى الحضر وهى خلاف البداوة. ويعتبر ابن خلدون الحضارة والبداوة درجتين من العمران البشرى، أو طورين أو جيلين بحسب تعبيره، فهو يستخدم اصطلاح العمران ليشير إلى معنى قريب مما نشير إليه بمصطلح الحضارة، إلا أنه أضيق منه ([7]).

وعلى الرغم من التداخل بين المفهومين إلى أن ثمة اختلافاً بينهما، فيرى البعض أن الثقافة تشير إلى ما هو عقلي، فى حين أن الحضارة تشير إلى ما هو مادي. وتعتبر الحضارة فى الاستخدام الأنثروبولوجى -الأمريكي خاصة- إما محصلة التاريخ الثقافي للإنسان، وإما ثقافة مجتمع كبير نسبياً على الأقل، بشرط أن تستمر هذه الثقافة لفترة طويلة من الزمن، وأن تتضمن قيام المدن والتنظيمات السياسية والإدارية، وأن تشتمل على التخصص فى المهن والأعمال والأدوار الاجتماعية، وبتعبير أوضح ألا تكون ثقافة شعب بدائي فقط. ويقابل المجتمع الحضري أو المتحضر المجتمعات البدائية على أشكالها وأنواعها، والتي تملك شيئاً من الثقافة، بمعنى أنماط تعبير خاصة، دون أن يرتفع بها ذلك إلى مستوى الحضارة. فالحضارات هي من صفات المجتمعات المتطورة الحائزة على قسط من العمران والتمدن، فهي تشير إلى نوع محدد من الثقافة. ووفق هذا التمييز بين الثقافة والحضارة فإننا نستطيع أن نتحدث عن ثقافة الهنود الحمر فى أمريكا، كما نستطيع أن نشير إلى ثقافة الإسكيمو، ولكننا لا نستطيع أن نصف ثقافة هؤلاء أو أولئك بالحضارة، مع العلم بأن الحضارة الإنسانية هي حصيلة ثقافات الشعوب منذ ظهور هذه الثقافات حتى اليوم، فليست كل الثقافات حضارات، فى حين أن كل الحضارات ثقافات، إذ إن الحضارة الواحدة هي التركيب الأعلى لجميع الثقافات ([8]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

(1) نصر محمد عارف : الحضارة – الثقافة – المدنية، دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، ط2 (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994) ص: 19 – 20.

(2) Matthew Rampley: Exploring Visual Culture, Definitions, Concepts, Contexts (Edinburgh University Press, 2005) P: 5.

(3) معن زيادة : معالم على طريق تحديث الفكر العربي (الكويت: عالم المعرفة، 1987) ص: 30.

(4) المرجع ذاته، ص: 30 ، 31.

(5) معن زيادة : معالم على طريق تحديث الفكر العربي، ص: 31.

(6) تيرى إيجلتون: فكرة الثقافة، ترجمة شوقي جلال، ط1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005) ص: 18.

(7) معن زيادة، مرجع سابق، ص : 48 .

(8) معن زيادة : معالم على طريق تحديث الفكر العربي، ص: 43 – 44.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك