لماذا اختفت مراكز القوي في عصر عمر بن الخطاب؟

لماذا اختفت مراكز القوي في عصر عمر بن الخطاب؟ – بقلم: سامح عبد الله

ما الذي كان يحول دون تقسيم دولة عمر ؟!!
ما الذي كان يحول دون التمرد والانقلاب عليه ؟!!
ما الذي كان يحول دون أن تتآمر عليه مراكز القوي ؟!!

عمر بن الخطاب ومراكز القوي

الرابعة والستون

لو أتيح لنا أن نعطي معنى منضبطا بعض الشيء لمصطلح مراكز القوي ( Centers of Pouer ) سنجد أن أقرب التعريفات إلي ذلك هو أنها “مناطق ذات مركز استراتيجي في العالم يسود فيها نفوذ سياسي أو ثقافي أو عسكري أو اجتماعي” ..
وربما كان هذا التعريف هو الذي أخذ بنا إلي تقسيم هذا العالم إلي عالم أول وعالم ثانى وثالث.
وهذا التعريف وإن كان يلامس الحقيقة فيما يتعلق بالعلاقات الدولية بين المناطق ذات النفوذ المستمد من إحدى المعايير المشار إليها إلا أنه لم يتعرض إلي مراكز القوي داخل النظام الواحد وهو ما نريد أن نناقشه هنا في هذه الحلقة ..
ولنعيد طرح التساؤل بشكل أوضح..
هل كان لمراكز القوي دورٌ في دولة العمر ؟!!..
وهل لم يكن للرجل مناوئون له في مباشرته مهام حكم هذه الدولة الكبري التى تجاوزت حدود الأمة العربية بحدودها الراهنة ؟!!
وإذا كان لهذه المراكز وجود ..
لماذا لم تنتصر علي هذه الدولة ؟!
ولماذا لم نجد حتى شروعا في تمرد أو عصيان ؟!
الحقيقة أن التساؤل يطرح نفسه بقوة إذا ما علمنا أن عمر بن الخطاب نفسه وعند طرح اسمه من أبي بكر لكي يخلفه عندما اشتد به المرض لم يلق القبول الكاف ولعل ذلك أغضب الخليفة غضبا شديدا. لقد كانوا يخشون غلظته وقالوا له :
إنه شديد علينا وأنت بيننا ومن قبلك رسول الله فما بالك عندما يخلفك ويستقر به الأمر.
هم يتحدثون بالمنطق الذي كان الخروج عليه علي ما يبدو هو سر عبقرية عمر.
وتولي الرجل الخلافة وكان هذا الشديد الذي كان يخافه الناس ومن بينهم صحابة الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ هو الرجل الذي حمل جوال الدقيق فوق كتفه لعجوز فقير وهو الذي أمر زوجته بأن تساعد امرأة فاجأها المخاض وهو الرجل الذي حرم علي نفسه طعاما في عام الرمادة غير الخبز والزيت والذي أقسم ألا يأكل غيرهما حتى يحيا الناس.
وعندما استقر به الأمر لم يكن طريق الحكم مفروشا أمامه بالورود ولم يكن ممهدا دون عسرات وواجهته تحديات كثيرة لو كان غيره لعصفت به وبدولته.
يكفي أن نشير إلي عام الرمادة وهو ما تناولناه تفصيلا من قبل وقلنا أنه لم تقم ثورة جياع لأن الحاكم ببساطة لم يكن منعزلا عن الناس واتخذ إجراءات حاسمة من أجل مقاومة هذا الخطر الذي كان يحصد أرواح الأبرياء. لم يخش الرجل أن يقول أحد أنه عطل حدا من حدود الله وهو السرقة ولم يخش أن يقولوا أنه انتزع أموال الأغنياء في حقد طبقي عندما أمر بتأميم بعض المقاطعات لصالح الناس ولم يخش أن يشكك أحد في إيمانه عندما لم يلجأ إلي صلاة الاستسقاء إلا كإجراء أخير. لقد لجأ الرجل إلي الأسباب قبل مسبب الأسباب.
كان هذا العام كافيا لأن تحدث ثورة جياع ويغير القوي علي الضعيف وتحدث فوضى عارمة لكن ذلك لم يحدث واستطاع الرجل تجاوز الأزمة.
وأتخيل عند عزله خالد بن الوليد ( وهو من هو في قومه وعند جيشه وجنده ) لماذا لم يتمرد عليه هذا القائد الفذ وهو يملك الجند والسلاح ومن قبلهما يملك القبيلة والشرف !!
وأتخيل آخر كلمات خالد علي فراش الموت فوق سريره ( الذي ما تمنى أبدا أن يموت فوقه ) وهو يقول :
“قد كنت وجدت عليه في نفسي في أمور لما تدبرتها في مرضي هذا وحضرني من الله حاضر عرفت أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل ”
أتخيل هذا وأقول :
ما الذي كان يمثله عمر في نفس قائد معزول في وزن خالد بن الوليد حتى انه يبرئه وهو علي فراش الموت ؟!
وأتخيل قائدًا مثل عمرو بن العاص يرسل اليه عمر ( وقت عام الرمادة ) خطابا يشدد عليه فيه يقول له :
” أتتركنا نهلك ومن معنا وأنت تنعم ومن معك ” ..
أتخيل عَمْرًا عندما يستدعيه هو وابنه ينهرمها من أجل مصري من عامة الناس وبصرف النظر عن التشكيك في صحة الرواية وهو أمر مقبول إلا إنها في أضعف حالاتها تعكس سياسة عمر مع الولاة.
أتخيل لماذا لم يستقل عمرو بن العاص بمصر ويعلن نفسه أميرا عليها ويجلس علي عرشها وهي في أقصي شمال المدينة مقر القيادة المركزية.
ما الذي حمل عمرو بن العاص علي طاعة رجل لا يملك سلاحا ولا حرسا أميريا يمكنه أن يتدخل وقت الحاجة كما هو شأن كل رؤساء العالم اليوم ؟!
أتخيل أبا عبيدة بن الجراح الذي قال عنه الرسول الكريم أنه أمين الأمة وهو يتلقي خطابا عمريا شديد اللهجة عندما يسأله أبو عبيدة وهو حاكم الشام كله عن الرأي في قتل ذمي علي يدي مسلم وعما إذا كان يطبق الحد عليه..!!
أتخيل كيف غضب عمر وقال يسألني أبو عبيدة عن قتل مسلم لذمي..!!
إنه شرع الله !! من قتل يقتل إلا أن يعفو ولي الدم.
وأتخيل أبا عبيدة وهو يتلقي خطاب عمر بعزل خالد بن الوليد وأن يتولي هو قيادة الجيش بدلا منه وأن يقتسم كل ماله حتى أنه يقتسم معه نعلاه وكيف كان الأمر ثقيلا ثقيلا علي نفس أبى عبيدة لكنه امتثل.
وأتساءل لماذا لم يستقل أبو عبيدة بالشام ويعلن نفسه عليها أميرا للمؤمنين !!
أتساءل لماذا لم يتذمر الرجل ولماذا لم تراوده علي الأقل فكرة الانفصال وهو أمين الأمة..!!
أتخيل كل الولاة الذين اختارهم عمر وهم يملون بأيديهم كل يمتلكون من ثروات قبل أن يبدؤوا أعمالهم في محررات تحفظ ويمكن من خلالها مراقبة ما طرأ علي ثرواتهم من زيادة وهو ما توصلت إليه كل نظم الحكم الحديثة وكان من بينهم صحابة رسول الله.
أتساءل لماذا لم يغضب هؤلاء ولماذا لم ينتفضوا في وجه عمر والمبرر قائم ولن يكون غريبا أن يسأله أحدهم.. كيف يا عمر ترتاب في ذمة صحابى صادقه رسول الله..؟!
أتساءل لماذا لم تنتفض مراكز القوي ضد الرجل لماذا لم تتحالف مصالح سياسية واجتماعية واقتصادية ضد الرجل !!
لماذا لم تقم ضد هذا الأمير الأعزل القابع في المدينة يرتب أمور الدولة الكبري ثورة أو انقلاب أو تمرد !!
من أين لرجل مثل هذا تلك القوة الفريدة التى جعلته يقود هذه الدولة بلا سيف يشهره في وجه والٍ أو في وجه أحد من رعيته..!! كيف تمكن أن يحكم دولة فيها خالد وعمرو وأبو عبيدة وغيرهم دون أن يحدث ازدواج في السلطة ودون أن تتصدع أركانها !!
لماذا لم يخش عمر بن الخطاب الرجل الثانى الذي دائما ما يكون مصدر ريبة وكذا الجيش الذي يعبر عن القوة وقوى المعارضة وحكومات الظل وهي دائما موضع قلق !!
تتحدثون عن العدل.. نعم.
تتحدثون عن القدوة.. نعم.
تتحدثون عن إنكار الذات.. نعم.
تتحدثون عن الإخلاص .. نعم.
تتحدثون عن الهيبة في غير قسوة.. نعم.
تتحدثون عن اللين في غير ضعف.. نعم.
تتحدثون عن الإيمان الذي ملأ قلب رجل فأشع منه نورا وحكمة وعدلا.. نعم.
ريما في كل هذه تكمن الإجابة… ربما !

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك