الانتقاص من المرأة مرض نفسي ليست قناعة أو رؤية

الانتقاص من المرأة مرض نفسي ليست قناعة أو رؤية – بقلم: حمودة إسماعيلي

كل الرجال منافقون، عنوان قصة كتبها محمود كامل عن أنثى كانت تشفق على غباء الفتيات اللواتي تنصاع مشاعرهن للثقة بالرجل، تظل واقفة بالشرفة كل مساء تستغرب سذاجة النساء السعيدات وهن بسيارات رفقائهن، مستندة على قصص الرجال الكذابين من صديقاتها. إلى أن وجدت نفسها بنفس الموقف الذي كانت بحسب اعتقادها محصنة منه عاطفيا وفكريا، أيقظ الإغواء الذكوري أنوثتها وحنانها وغيرتها، حتى صارت تلك النزهة الليلية بسيارة رفيقها أحلى مبتغياتها.

تكمن عقدة القصة في سفر العشيق للعمل بجهة أخرى، لتنقطع أخباره. لتجد فجأة البطلة ـ التي أنهكها الإنتظار ورسائل الغرام المعاتبة ـ أن حبيبها منشغل بقصة غرامية أخرى مع إحدى الراقصات.. بذلك يتعمم حكمها على جميع الرجال بالنفاق.

هل كل الرجال منافقون ؟ الأوغاد منهم بالتأكيد! كما أن هناك منافقات من النساء. لطالما تكرر هذا الكليشيه بالمجتمع ثقافيا، وهو ما سعت القصة لتسليط الضوء عليه، حيث تصوير المرأة كائنا هشا يسهل تدميره وتخديره والتحكم به، انطلاقا من نقص عقله وعاطفته المفرطة الأشبه بالعاهة الشاملة جسديا ونفسيا؛ المنطلق الذي يخفي تصوّرا تاريخيا عن عقلانية الرجل الملائكي، وشهوانية المرأة الجنسية : ويجب على العقلانية حكم الشهوانية، هذه الأخيرة التي تتوه منجرّة خلف أي سراب جنسي مبهرج. ولا يتعلق بالأمر بطرح مفاهيمي أو رؤية أخلاقية، بل بقناعة وهمية أسسها مرضى نفسيون مرتابون من النساء.

ينقلب الموقف على المرأة باعتقادها أنها كائن غبي ويسهل خداعه انطلاقا من الجانب العاطفي : فإما تستسلم لقدريتها المصوّرة تاريخيا، أو تتعقّد نفسيا كعملية حماية ذاتية وحذر من الإغواء، أو الارتماء كحل أخير لحكم القبيلة والسكوت علامة الرضى.

الأنثى أذكى من هذه البورتريهات المؤطِّرة، سواء اقتنعت بانخفاض أهميتها وقيمتها مقارنة بالرجل أم لا، فهي تظل كائنا ذكيا لا يقل عن الرجل، سواء اعتمد هذا الأخير النفاق أو النبل. يجب أن نعي أن الخداع يعتمد على الانخداع، ولا يقع بلحظة أو موقف، إنما هو سلسلة تؤدي إلى نتيجة، قد يكون أحد الأطراف ارتهن للعماء خلالها إلى أن اصطدم بالنتيجة. تصوير المرأة كضحية وغبية وساذجة تستيقظ بعد الصدمة ـ بالدارج كما بالقصة ـ لا يعالج المسألة بقدر ما يعززها، طالما وزن القضية يميل بكل ثقله لجهة، مغيّبا الجهة المقابلة ـ والمساهمة ! لتظل كذلك (مغيّبة).

الأغرب من كل ذلك أن مثل هذه القصص والأحداث الشبيهة، يتم ربطها بالحب لتنزل التهم والتعميمات والتفسيرات الملتوية حتى يتم ربط أي حماقة أو انفعال عرضي بالعشق ومتاهاته.

في كل صديق هناك نصف خائن، كتب أنطوان دو ريفارول، وكان ريفارول أذكى من تحديد جنس الصديق !

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك