ماذا تعرف عن “الاجتهاد” في الدين .. وكيف يتم ؟

ماذا تعرف عن “الاجتهاد” في الدين .. وكيف يتم ؟

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو الطاقة، ولا يستعمل إلا فيما يحتاج إلى كلفة ومشقة. وفي اصطلاح علماء أصول الفقه الإسلامي: هو استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها المقررة شرعاً، أو هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، أو استنفاد الطاقة للوصول إلى الحكم من مصدره الشرعي.

مصادر الاجتهاد وطريقته:

ليس الاجتهاد عند أكثر العلماء مقصوراً على القياس: وهو إلحاق الأمور بأشباهها المنصوص عليها. وإنما يشمل كل ما لا نص فيه وما فيه نص، سواء في العبادات أم المعاملات، وسواء قصد به التحقق من ثبوت النص النبوي، أم بيان المراد من النص كالإيجاب والندب والعموم والإطلاق والتقييد، أم النظر فيما لا نص فيه بالإجماع أو القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح أو العرف أو سد الذرائع أو الاستصحاب أو شَرْعُ مَنْ قَبلَنا الثابت الصحة، ونحو ذلك من مصادر التشريع، أم بأمارات أخرى يرشد إليها العقل السليم، كقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل، وقبح العقاب بلا بيان وغيرها، واستعمال الرأي أو العقل، كاجتهاد أبي بكر في الكلالة وقوله: «إنها ما عدا الوالد والولد».

وأمثلة الاجتهاد: اشتراط النية في العبادات والطهارة في الطواف، والعلم بالمبيع والثمن والمأجور والأجرة، وضوابط تطبيق الحدود الشرعية والعقوبات التعزيرية الأخرى، وإناطة ذلك بالحكم، أي الدولة، وقواعد المعاهدات في الإسلام.

وقصر الإمام الشافعي الاجتهاد بمعنى الاستنباط على القياس على أمر ورد في الكتاب أو في السنة. وأضاف إلى ذلك الاستدلال بالأصول، أي الاجتهاد بالمفهوم العام.

ولم يُجز الظاهرية الاجتهاد في غير دائرة النص قط، واقتصرت المصادر عندهم على القرآن والسنة وإجماع الصحابة فقط، وأنكروا العمل ببقية المصادر الاجتهادية، ومنها شَرْع مَ‍نْ قبلنا.

وعمل أغلب الأئمة بجميع مصادر الاجتهاد وهم أبو حنيفة ومالك وأحمد وجابر بن زيد مؤسس مذهب الإباضية وزيد بن علي زين العابدين مؤسس مذهب الزيدية. إلا أن الزيدية إذا عدمت هذه الأدلة جعلوا للعقل سلطاناً على معرفة ما في الأفعال من حسن وقبح، فرأوا مثلاً في الحظر والإباحة: أنه ليس الأصل في الأشياء الإباحة، وإنما ما يراه العقل في الأشياء من نفع أو ضرر، فالعقل عندهم هو الحاكم إذا لم يقم دليل، وعلى هذا فلا يقولون باستصحاب الإباحة الأصلية.

ويرى الشيعة الجعفرية أن أدلة الأحكام الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة ثم الإجماع ثم العقل، والمراد بالإجماع: اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي الإمام المعصوم. ولا يأخذون بالقياس والاستحسان، ولكن عندهم أصولاً أخرى يعتمدون عليها هي القواعد الشرعية. ويراد بدليل العقل عندهم الأصول الأربعة: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب.

والاجتهاد في محاكم القضاء اليوم يطلق على المسلك الذي يتبعه القضاة في أحكامهم، سواء منها ما يتعلق بنصوص القانون، أو باستنباط الحكم الواجب تطبيقه عند عدم النص. ومجاله ضعيف في بلادنا التي لها قوانين مدونة، ويكثر الاعتماد عليه في الدول التي ليس لها قانون مدون جامع مثل إنجلترا، وهذا هو العرف العام، ويتقيد الحاكم فقط باجتهاد المحاكم العليا.

والمنهج العام للمجتهد أو طريقة الاجتهاد إذا وقعت حادثة أو أراد المسلم معرفة حكم الشرع في مسألة: أن ينظر العالم المجتهد المتمكن من البحث والنظر أولاً في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، سواء في دلالة النص أو ظواهر النصوص بمنطوقها ومفهومها، مقدِّماً القرآن على السنة، ثم ينظر في إجماع العلماء ثم في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولاً ويقدِّمها على الجزئيات، ثم يأخذ بالمصادر الاجتهادية الأخرى كالاستحسان والاستصلاح (المصالح المرسلة) والعرف، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي، والاستصحاب.

الحكم الشرعي:

الاجتهاد أصل من أصول الشريعة وهو مشروع بدلالة القرآن والسنة وفعل الصحابة، قال الله تعالى: )إِنَّا أَنْزَلْنَا إِليْك الكتَاب بالحقِّ لتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ( (النساء: 105) فهذا يتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس، وطالب القرآن الكريم بالتفكر والتدبر في أحكام الشرع وغيرها، فقال تعالى: )إِنَّ في ذلكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون( (الرعد:3) و )يَعْقِلوْن( (الرعد:4).

وقال النبي: فيما أخرجه الجماعة عن عمرو بن العاص وغيره: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر». وأجمع الصحابة على الاجتهاد، فكانوا إذا حدث لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، اجتهدوا إن لم يجدوا نصاً أو خبراً في الكتاب أو في السنة.

والاجتهاد: إما فرض عين على المجتهد في حق نفسه فيما طرأ له من حوادث، أو إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره، لأن عدم الاجتهاد يقضي بتأخير البيان عن وقت الحاجة وهو ممنوع شرعاً.

وإما فرض كفاية إذا لم يخف فوت الحادثة على نحو شرعي ووجد غيره من المجتهدين، فيجب على أحدهم الاجتهاد، فإذا اجتهد أحد المجتهدين، سقط الطلب عن الباقين، وإن تركه الجميع أثموا.

وإما مندوب: وهو الاجتهاد بافتراض المسائل قبل حدوثها، واستنباط حكمها استعداداً لمواجهة الأحداث والاحتياط للنوازل، سواء سئل عنها المجتهد أو لم يسأل.

وإما حرام: وهو وقوع الاجتهاد في مقابلة نص قاطع من كتاب أو سنة أو في مقابلة الإجماع، وفيما عداه يكون جائزاً، كما يكون حراماً إذا كان صادراً ممن ليس أهلاً للاجتهاد، أو كان نتيجة الأهواء والشهوات والأغراض.

الفرق بين الاجتهاد والإفتاء وحكم الحاكم:

الإفتاء أخص من الاجتهاد، فالاجتهاد استنباط الأحكام للمسائل سواء أكان السؤال في موضوعها أم لم يكن، فيشمل الاجتهاد في الوقائع النازلة، والمسائل الافتراضية أو المحتملة المتوقع حدوثها في المستقبل.

أما الإفتاء فإنه لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرف الفقيه حكمها، وتتطلب الفتوى السليمة عدا توافر شروط الاجتهاد شروطاً أخرى، وهي معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الفتوى سلباً وإيجاباً.

والمفتي في الأصل هو المجتهد أو الفقيه الذي يكون أهلاً للاستدلال والاستنباط أو الترجيح أو التخريج، إلا أن لفظ المفتي أصبح في عصرنا يطلق على متفقهة المذاهب الذين يقتصر أمرهم على مجرد نقل نصوص كتب الفقه الإسلامي، وتطبيقها على الوقائع المستفتى عنها، وهذا الإطلاق من باب المجاز أو الحقيقة العرفية الموافقة لعرف الاصطلاح الحكومي والعوام.

وأما حكم الحاكم أو القاضي: فهو ما يصدره من حكم يفصل فيه في الخصومة الواقعة المرفوعة إليه، معتمداً على نصوص الشريعة الصريحة أو الظاهرة، أو فتوى الفقهاء، أو الاجتهاد فيما لا نص فيه. ويتميز بأن له صفة الإلزام أو الإجبار من جهة الدولة، وتتولى جهة التنفيذ المخصصة من قبل الدولة تنفيذ الأحكام القضائية بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية جبراً عن المحكوم عليه.

أما الاجتهاد والإفتاء: فليس لهما صفة الإلزام أو الجبر من قبل الدولة، وإنما يجب ديانة على المقلد أو المستفتي الذي ليس أهلاً للاجتهاد العمل بفتوى المجتهد أو الفقيه واتباع قوله في المسألة المستفتى فيها، لأن العمل بالظن الغالب واجب شرعاً، ولأنه لا سبيل إلى معرفة أحكام الشرع من غير طريق المجتهد.

محل الاجتهاد:

هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، وعلى هذا تكون الأحكام الشرعية للاجتهاد، نوعين: ما يجوز الاجتهاد فيه، وما لا يجوز الاجتهاد فيه.

أما مالا يجوز الاجتهاد فيه فهو مايلي:

الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أي بالبداهة، والأحكام التي ثبتت بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، مثل فريضة الصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج والشهادتين، وتحريم الزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والقتل وأكل أموال الناس بالباطل، وحل البيع والزواج، ووجوب الوفاء، وإعطاء الذكر ضعف نصيب الأنثى في الميراث عند تساويهما في الدرجة، وإرثهما بالتعصب. وفرض العقوبات الشرعية كالحدود، والكفارات المقدرة وجميع المقدرات الشرعية التي لا مجال للرأي فيها، وثبتت بالسنة المتواترة، كأعداد الركعات ومواقيت الصلوات، ومقادير الزكوات، ومناسك الحج، ونحو ذلك من كل ما جاء في القرآن الكريم صراحة أو في الأحاديث المتواترة التي نقلتها جموع غفيرة جيلاً عن جيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

والأحكام المقررة بإجماع سابق للعلماء، حتى لو لم يرد فيها نص قطعي، كتوريث الجدات السدس، وإباحة عقد الاستصناع ومنه المقاولة في عصرنا.

وأما ما يجوز الاجتهاد فيه فهو مايلي:

ما ورد فيه نص ظني الثبوت والدلالة معاً، أو ظني الثبوت أو ظني الدلالة، فإذا كان النص ظني الثبوت، كان مجال الاجتهاد فيه البحث في سنده وطريق وصوله إلينا وصحة ثبوته ودرجة رواته من العدالة (الاستقامة على أحكام الشرع) والضبط في النقل، فينظر المجتهد في ذلك ويحكم بعد البحث بصحة الحديث النبوي وضعفه. ومجال هذا السنة النبوية فقط، لأن القرآن الكريم قطعي الثبوت.

وإذا كان النص ظني الدلالة، كان الاجتهاد فيه بالبحث في معرفة المعنى المراد من النص وقوة دلالته على المعنى. ومجال هذا يكون في القرآن وفي السنة أيضاً فقد يكون النص عاماً أو مطلقاً أو وارداً بصيغة النهي أو الأمر، والعام قد يكون باقياً على عمومه، وربما يكون مخصصاً ببعض مدلوله، والمطلق قد يجري على إطلاقه، وقد يقيد ببعض القيود. والأمر وإن كان في الأصل للوجوب، فربما يُراد به الندب أو الإباحة، والنهي وإن كان حقيقة في التحريم، فأحياناً يصرف إلى الكراهة، وهكذا.

والقواعد اللغوية ومقاصد الشريعة هي التي يلجأ إليها لترجيح وجهة على ما عداها، وهذا سبب في اختلاف اجتهادات المجتهدين.

وإذا لم يكن في الحادثة نص أو إجماع:

حينئذ يبحث المجتهد عن حكم الحادثة بأدلة عقلية في ضوء مبادئ الشريعة وروح التشريع العامة، وهذا هو الاجتهاد بالرأي، ويتعرف على الحكم بالقياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو الاستصحاب أو العرف، ونحو ذلك من الأدلة المختلف فيها، ومجال الاجتهاد فيه أوسع من غيره، مثل شؤون الشورى ونظام الحكم، وقوانين الإجراءات والمرافعات ونحوها.

وقد أثمرت جهود الفقهاء في هذا المضمار ثماراً يانعة، وأنتجت ثروة كبرى من الأحكام الشرعية بالاجتهاد لا نظير لها، ويمكن تصنيفها في نوعين:

أحكام مستقرة ثابتة لا تختلف المصلحة فيها باختلاف الأحوال أو الأزمان.

وأحكام جزئية روعيت فيها مصالح الناس وأعرافهم، وهذه قابلة للتجديد والتغيير باختلاف المصالح والأعراف، بعكس النوع الأول.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك