ماذا تعرف عن مذهب “الشخصانية” ؟

ماذا تعرف عن مذهب “الشخصانية” ؟ – بقلم: عيسى بشارة

الشخصانية personalism تيَّار فلسفي مثالي انتشر في الفلسفتين الأمريكية والفرنسية في بداية القرن العشرين. ويعبر جوهره عن مذهب أخلاقي واجتماعي مبني على القول: إن للشخص الإنساني قيمة مطلقة، من حيث اتصافه بصفات تمكّنه من المشاركة العقلية والوجدانية في العلاقات الإنسانية، وتهدف إلى تحقيق وجوده كفرد. والشخصانية بهذا المعنى هي دراسة تأريخية واجتماعية للفرد وهو يتطور من شخصية إلى أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يتحلى به الفرد من أصالة في التفكير، وإبداع في التخيل، ودقة في الشعور، وقوة في التعبير، أي جميع الصفات التي تميز أسلوبه الشخصي، رأيه وهويته التي تميزه من غيره.

تطالب الشخصانية بالعناية بالشخص وشؤونه الجسمية والعقلية والروحية؛ لأنها ترى أن  الحقيقة شخصية، وأنه لا يوجد إلا الأشخاص وما يخلقونه، وأن الشخصية واعية وموجهة لذاتها، وأن الشخص هو ماهية الديمقراطية وعدو النظم الجماعية، فلا يمكن للشخص أن يعبر عن ذاته التعبير السليم إلا إذا توافر الانسجام بينه وبين طبيعة الأشياء، ولا يتأتى إدراكه لذاته كاملاً، إلا بسيطرته على نفسه، وبالتسامي بنفسه وبمصالحه، وبالقيم العليا في الحياة. وهذا يتم تدريجياً، والدليل على ذلك أن الطفل لا يشعر بشخصيته بوضوح، ولا يعرف أنه مستقل عن العالم الخارجي، لكنه حينما يكبر يمكنه أن يفرق بين جسده ونفسه، فيجرد نفسه من جميع اللواحق الخارجية إلى أن يصبح ذاتاً مستقلة يعبر عنه بـ «الأنا»، ويشير إلى الحياة العقلية والعاطفية والإدراكية والإرادية، من حيث هي موحدة ومستمرة، في شخصية الفرد.

وكان أول من استخدم اصطلاح الشخصانية في الولايات المتحدة العالم برونسون آلكوت Alcott سنة 1863، وكذلك الشاعر والت ويتمان Whitman سنة 1867؛ بيد أن باونBaun ت(1847ـ1910) هو المؤسس الحقيقي للشخصانية الأمريكية التي تميزت بارتباطها الوثيق باللاهوت البروتستنتي، ثم أعقبه شارل رينوفييه Renouvier ت(1903) في فرنسا.

تترادف الشخصانية أحياناً مع الذاتية[ر] subjectivism في القول: إن فكرة الشخصية مقولة ضرورية لإدراك العالم؛ ومع الفردية[ر] individualism في نظرتها للفرد على أنه الواقع الأولي والقيمة الروحية الأسمى، بمعنى أن الفرد هو العنصر الروحي الأول للوجود.

وتستمد الشخصانية إرهاصاتها من فلاسفة اليونان، بدءاً من هيراقليطس Heraclitusالذي عدّ الشخصية الواقع النهائي، والعقل الواقع الأساسي، واللوغوس المبدأ الخالد في عالم متغيّر، ومروراً بأنكساغوراس[ر] Anaxagoras الذي ركز على العقل أساساً للوجود، كذلك بروتاغوراس Protagoras الذي عدّ «الإنسان مقياس كل الأشياء والسبب في وجود ما هو موجود، وعدم وجود ما لم يوجد». وأيضاً سقراط[ر] Socrates بمقولته الشهيرة «اعرف نفسك بنفسك»، وأفلاطون[ر] Plato الذي أكد أنه لا يمكن بلوغ الخير إلا عن طريق الحوار بين الأشخاص؛ كما كان للاهوتيي العصر الوسيط أمثال أوغسطين[ر]Augustine تلميحات شخصانية، فقد عرّف الحقيقة أنها الصدق العقلي الذي لا يشوبه الشك، والذي يتجلّى لكل شخص، وفي داخل كل شخص.

وفي الفلسفة الحديثة تظهر ملامح الشخصانية جليّة عند ديكارت Descartes، في الكوجيتو الشهير «أنا أفكر إذن فأنا موجود»، الذي جعل الحقيقة في التجربة الشخصية، فأقام نظرية في الإبستمولوجيا وعلم النفس على أسس شخصانية.

والواقع أن العديد من الفلاسفة اهتموا بالشخصانية أمثال بركلي[ر] Berkeley، وكَنتKant ولايبنتز Leibniz، وفولف Wolff، وهيوم Hume، وهيغل Hegel، وشتيرنر Stirner، ولوتسه[ر] Lotze، ورويس Royce.

ويعدّ مين دو بيرانMaine de Biran  ت(1766ـ1824) الفيلسوف الفرنسي شخصانياً خالصاً، وتعرف فلسفته باسم فلسفة الجهد الإرادي، وقد عدّل كوجيتو ديكارت إلى «أنا أريد إذن أنا موجود». فأشار إلى بروز واقعة أولية من وجهة نظر التأمل الداخلي: الوعي أو الشخصية كما تنم عليهما الإرادة، فإلى جانب الإحساس، وهو محض نتاج للأشياء الخارجية، هناك الإدراك، وهو نتيجة النشاط الواعي. إن العطاء الرئيس لمين دو بيران في الفلسفة الشخصانية، يكمن في أنه فهم أن الكون والفرد لا يمكن تعقلهما بمعزل عن بعضهما. وأن الفعل هو الذي يدرك وحدتهما وتعارضهما، وفي المقام الأول الفعل الإرادي، مصدر كل معرفة للذات وللواقع.

  أما في الفلسفة المعاصرة فقد ظهرت جوانب من الشخصانية في حدسية برغسون[ر] Bergson، ومثالية لاشُلييه Lachelier، وكذلك لوتسه الذي كان لمثاليته الغائية تأثيراً كبيراً في الدين؛ فقد هدف من خلال المعطيات الوضعية الكثيرة التي حشدها حول الجسم والنفس  والإنسان والتاريخ، إلى أن يربط بين نتائج العلم وبين المثالية.

 حينما تلجأ الشخصانية المعاصر، خاصة في فرنسا، إلى الحقائق الأبدية، معتمدة على مكتسبات الماركسية والوجودية، فإنها تتجاوز كلا المذهبين، وهذه نقطة تلتقي عندها جميع اتجاهات الشخصانية المعاصرة، فقد أرادت شخصانية رينوفييه الفردانية، ذات النزعة الواقعية التاريخية، أن تجعل من الشخص المقولة العليا، ومركز تصور العالم. فكّون مذهبه من اعتبارات منطقية، أي من بناءات عقلية، يقوم على أساس أن معرفة الشخص هي أساس كل المعارف الإنسانية، فنزع في مؤلفه «الشخصانية» (1903) إلى القول: «إن كل معرفة هي حدس من الشعور الذي يفترض ذاتاً، نعني الشعور نفسه وموضوعاً متصوراً، وكل تصور هو، في الحقيقة، علاقة أو عدة علاقات منضوية تحت قانون». لقد حدد المقولات، وأعطى لائحتها المحتوية على تسع، آخرها الشخصية؛ «فالشخصية هي نقطة التقاء المقولات، لأن المقولات قوانين تلف كل ما يعرفه الفرد في تضامنها جميعاً، من أجل صنع المركب الخاص، الكثير التعقيد حيث يتحد جسمه بشخصه».

ولما كانت الشخصانية ترتكز على تغيير الفرد، ودعم كماله الذاتي والروحي، فقد احتلت في فرنسا مكانة خاصة بزعامة جان لاكرواLacroix  ت(1900ـ1986)، وإيمانويل مونييهMounier  ت(1905ـ1950)، اللذين أسسا مجلة «الفكر » Esprit عام1932، الناطقة بلسان الشخصانية المسيحية المعاصرة بالغرب، ومثلّت الدوائر اليسارية الكاثوليكية التي شاركت بالمقاومة الفرنسية، وتدعو اليوم إلى السلام العالمي والديمقراطية.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك