ما هي الفلسفة ؟

ما هي الفلسفة ؟ – بقلم: خيال بعيد

هي بناء معرفتك بالعالم من الصفر . وهذا البناء له طريق وخطوات محددة من الممكن اعتبارها تجربة فلسفية لأن هذه الخطوات لا تحتمل التعدد بل هي خطوات حتمية ومحددة لابد وان يسير عليها ويلتزم بها كل من قصد هذا المقصد بعينه وإلا فقد ضل الطريق . وعلى هذا فإن تاريخ الفلسفة عندي هو تتبع من قام بهذه التجربة في التاريخ الإنساني وننظر في كيفية بنائه لمعرفته بالعالم من الصفر وهل التزم بالخطوات أم لا وهل هناك خلل عنده في ترتيب الخطوات أم لا وهل وصل للمقصد أم لا . مثل هيجل وشوبنهور وكانط وديكارت وبن سينا والغزالي وارسطو فكل هؤلاء هم أشخاص قاموا ببناء معرفتهم بالعالم من الصفر ثم اختلفوا في الرأي أو في خطوات الطريق أو في آخر ما وصلوا إليه من مرتبة وخطوة .

ولذلك فإذا أردنا أن ندرس تاريخ الفلسفة فعلينا أن نصدر كتاب تاريخ الفلسفة ونفتتحه بوصف للتجربة الفلسفية في صورتها المثلى بلا خطأ وبلا ضلال وفي ترتيب خطواتها النموذجي بلا خلط أو تشويش. .فيجب تصدير كتاب تاريخ الفلسفة بشرح للتجربة الفلسفية وطريقها وخطواتها وترتيب خطواتها حتى الوصول (للحقيقة المطلقة) ثم نننظر بعد ذلك في فيلسوف فيلسوف في التاريخ الانساني لنرى هل حقق هذه التجربة بحذافيرها أم أن هناك خلل عنده في خطواته ولا يهم أن نلتزم بالترتيب التاريخي للفلاسفة بل من الممكن أن ندرس هيجل قبل افلاطون ومن الممكن أن ندرس كانط قبل أرسطو أو بن سينا قبل سقراط .

ولكن هنا معضلة يجب أن نحلها أولاً وهي اننا ندرس فيلسوف بعد معرفتنا بأنه (فيلسوف حقيقي) وليس دجالا. وهذه مشكلة عويصة لأن هذه التفرقة عسيرة خاصة مع هذه الكثرة من الدجالين والمزيفين والممثلين البارعين. كما أن تمييز الفيلسوف عن المشتبه به لا يقدر عليه إلا فيلسوف وهذه مشكلة أيضا لأن غالبية البشر لا يقدرون في الغالب على هذه التفرقة وهذا التمييز بل يختلط عليهم الأمر لأنهم يستدلون بالمظاهر والاّمارات. وهذه يمكن فيها الخداع والتزوير بل الغالب فيها هو الخداع والتزوير ولذلك فكثيراً ما ترى الناس يشيرون إلى شخص بأنه فيلسوف ولا يكون كذلك في الحقيقة مثل سارتر وماركس وفيشته وغيرهم من أدعياء الفلسفة وما أكثرهم في العالم قديما وحديثا — وخاصة في عالمنا المعاصر !!!

وكذلك عملية النمو العلمي من الصفر إلى المعرفة المطلقة يجب أولاً أن يسبقها عملية محو وهدم لكل معرفة وطبيعة وانتماء مما هو موجود عند الناس والوعي الطبيعي حتى يعود وعيك بلا صورة أو نقش أو رأي وتعود نفسك بلا رأي أو خلق أو ملامح طبع وشخصية فلا يكون لك طبع ولا ميل ولا انتماء قومي أو اسري أو عائلي أو وطني مثلما هو الحال عند الناس وكأنك قد عدت طفلا من جديد إلا انك الآن طفل لا يتعلم إلا معرفة حقيقية فقط وبعد البرهان فلا تقليد ولا تصديق بلا برهان بل أن التجربة الفلسفية ما هي إلا (إعادة تجربة تفتح وعي الطفل المولود حديثا وبدء انتقاش نفسه بالمعارف والأخلاق والميول).

ولكن هل من الممكن حقا أن يقوم بمحو كل ما انتقش في ذاته من معارف واخلاق وميول وكيف سيعيش وقتها وكيف سيتفاعل مع الناس والأشياء والمواقف فإن كان الطفل المولود حديثا والذي هو بلا وعي وبلا معرفة وبلا ميل وبلا خلق- قد قامت العناية الإلهية بتسليط الحب تجاهه في قلوب الوالدين حتى يعتنوا به ويدفعوا عنه كل مهلك ويجلبوا له كل مفيد ونافع فإن هذا لا يتكرر في التجربة الفلسفية والتي يكون فيها الفيلسوف في الغالب ما بين الخامسة عشر والعشرين من عمره . وهذا معناه ان هاهنا اشكالية كبرى سوف تظهر لنا وهي (كيف احيأ وكيف أعيش وكيف اتفاعل مع الناس بعد عملية المحو لمعارفي واخلاقي وانتماءاتي المسبقة؟؟) ومتى اغضب؟ ومتى ابكي؟ ومتى احزن؟ ومتى اخاف ؟لأن كل هذه المشاعر صارت مستحيلة الاّن بعد عملية المحو بل ربما يحضر امامك وقتها ثعبان مثلا ولا تجد في نفسك خوف منه او رغبة في الهروب منه وذلك لأن معرفتك بأن (الثعبان مؤذي او شر ) قد بطلت من ذهنك .

كما أن هناك مشكلة أخرى أعظم واطم وهي أن بناء المعرفة لا يمكن أن يكون من الصفر بل لابد من تسليم معرفة أولية حتى ننطلق منها وهي معرفة يجب أن تكون واضحة بذاتها ولا تحتاج للبرهان ولكن بعد الوصول للمعرفة المطلقة يجب أن نفهم لماذا كانت هذه المعرفة أولية وكيف حدثت في الذهن بعد عدم لأن الطفل المولود حديثا لا توجد به أي معرفة بل هو خالي خلو مطلق عن المعرفة أي أن المعرفة الأولية حدثت فيه بعد عدم فلابد من معرفة (كيف ولماذا حدثت فيه بعد عدم ) ولماذا كانت مقبولة من الذهن بلا برهان أو اعتراض.؟؟؟؟ … ولا تتعجب من هذا المنهج القاسي في الشك واليقين فقد صار هو الحل الوحيد في عصر الخداع والتضليل وبدونه فلا مجال لمعرفة حقيقة مطلقة في هذا العالم — بل سوف تقع حتما فريسة لتأثيرات النسبيين والريبيين وأدعياء العقل والفكر فليس أمامك اختيار فإما الانضمام لقافلة الشعوذة في العالم المعاصر وإما ان تبدأ اولى خطواتك في طريق بناء المعرفة من الصفر بيقين كامل مطلق لا تعتريه ذرة شك .

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك