مقالات فكرية - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/category/مقالات/مقالات-فكرية/ مكتبة شاملة Sat, 18 Apr 2026 02:54:33 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 مقالات فكرية - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/category/مقالات/مقالات-فكرية/ 32 32 116455859 تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b6%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%81-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%ac%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d9%88%d8%af-%d9%85/ Sat, 18 Apr 2026 02:52:37 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26933 ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر جرى استخدام مصطلح (وديعة) لستر العلاقة الحقيقية الَّتي تتجسَّد في القرض المحرم في التَّعاليم الكَنسية.(1) ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف (ودائع […]

The post تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر جرى استخدام مصطلح (وديعة) لستر العلاقة الحقيقية الَّتي تتجسَّد في القرض المحرم في التَّعاليم الكَنسية.(1) ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف (ودائع المصارف المأذون باستعمالها) إلى استخدام لغة مصطلحيَّة مضللة من جهة، وإلى عدم التَّحليل الحقوقي السليم لطبيعة العملية نفسها من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أن المشرع في مصر قد حسم المسألة، بعباراتٍ صائبة، حينما قرر في المادة 726 من التقنين المدني: “إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود… وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر قرضًا”. فإن المشكلة تبدأ حينما يستخدم المشرع نفسه مصطلح “الملكية”! كما في المادة 301 من قانون التجارة، حينما يقرر أن: “البنك يتملك النقود”. وحينما يقرر صراحة أيضًا في المادة 538 من التقنين المدني أن:”المقرض في عقد القرض ينقل ملكية مبلغ من النقود إلى المقترض”. وهو نص يوحي بأن النقود انتقلت ملكيتها الكاملة من المقرض إلى المقترض، وبالتَّالي صار يسيرًا ترتيب النتائج على ذلك حينما تهلك النقود، فهي تهلك على المصرف؛ لأنها المالك بموجب نص المادة! وهذا غير صحيح؛ والدليل أن النقود الَّتي يقترضها المصرف تقيَّد في ميزانيته في جانب الخصوم لا الأصول. كما أن ترخيص المشرع للمصرف بأن يدفع طلب الاسترداد بالمقاصة يؤكد على أن المصرف لم يكن مالكًا أبدًا للنقود المودعة. أضف إلى ذلك أن التزام المصرف بالرد سينعدم، بمجرد الاعتراف بملكية المصرف للنقود! وحينما نبحث عن سبب التزام المصرف، أي سبب دفع المصرف المبلغ السَّابق إيداعه، مع افتراض ملكية المصرف له، فإذا قلنا أن سبب الالتزام هو العقد، فلن يكون أمامنا سوى القول بأن مصدر الالتزام هنا سيكون الهبة والإرادة المنفردة، وهو قول يتنافى مع الواقع والمنطق الفقهيين السليمين. ونحن نرى أن التَغلْغل في عمق عملية الإيداع النقدي، المقترن بالإذن بالاستعمال، إنما يجعلنا أمام عقد قرض قائم على إيجار للنقود مع بقاء الملكية للمقرض. هذا الإيجار يتضمن بطبيعته بيع حَقي الانتفاع والاستغلال. وبيع هذين الحقين هو بمثابة بيع حصة، نصيب، في الشيء الَّذي يهلك مع كل انتفاع به واستغلال له (والنقود تهلك بتراجع قوتها الشرائية) ويمكننا أن نقارن، على هذا النَّحو، بين الرأسمالي الَّذي يبني بيتًا وفقًا لقانون حركة الرأسمال الصناعي بقصد تأجيره، وبين الرأسمالي الَّذي يستثمر النقود بإقراضها للمصرف. فالأول يحصل على ربحه ببيع حق الانتفاع والاستغلال للمستأجر. ومع الانتفاع والاستغلال عبر الزمن يأخذ البيت في التهالك حتى يصبح غير صالح لأي من الانتفاع والاستغلال، إذ في كل مرة تباع فيها المنفعة لشخص ما تأخذ قيمة البيت في التراجع. ومع كل تراجع في القِيمة، يحصل الرأسمالي، على دفعات، على رأسماله محملًا بالربح. أما الرأسمالي الثاني الَّذي أقرض المصرف، وفق قانون الحركة الرأسمال المالي فهو كذلك يحصل على دخله من وراء هذه العملية حتى تصبح نقوده، مع تراجع قوتها الشرائية عبر الزمن، غير قادرة على إنتاج الدَّخل. فلو افترضنا أنه يملك في عام 1960 مبلغ 400 جنيهًا، فسوف يظل يقرض المصرف هذا المبلغ، ويحصل على الفائدة. وفي كل مرة يراكم الفائدة ويعيد إقراض نفس مبلغ الرأسمال، حتى تصبح الـ 400 جنيه غير ذات قيمة كي يقرضها للمصرف بالأساس، ولكن هذا الرأسمالي عبر سنوات الإقراض يكون قد حصل على قيمة الـ 400 جنيه حتى تمام هلاكها في عام 2010، بتراجع قوتها الشرائيَّة وفقدها القدرة على إنتاج الربح.(2) وبالتَّالي يعد إيداع النقود مع الإذن باستعمالها قرضًا بتلك الكيفية الَّتي ترى بقاء ملك الرقبة للمقرض، وانتقال ملك المنفعة والاستغلال فحسب للمقترض.(3) وعلى هذا النحو يمكن التأسيس لعدم هلاك الوديعة على مالك الوديعة، وهلاكها على المصرف على الرغم من أنه غير مالك، وفقًا لقاعدة “تضمين الصَّانع”. وهي قاعدة أصوليَّة جرى خلقها للمصلحة(4) ويجب تطبيقها من باب أولى مع المصارف؛ لا لأن الوديعة الَّتي يستخدمها تجر عليه نفعًا فحسب، إنما لأن المصارف كذلك هي الطَّرف الأقوى والأكثر وعيًا ودراية، حتى أنه لمن الشَّائع والمألوف خروج المشرع على القواعد العامة حينما يكون المصرف هو أحد أطراف النزاع كما في قواعد الحجز، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار… إلخ. فإنَّ تتبع الجذور التَّاريخية لقاعدة تضمين الصنَّاع يكشف عن مسارٍ تشريعيّ تحوَّل من إرساء “الأمانة” كأصلٍ أخلاقي إلى فرض “الضمان” كضرورةٍ اجتماعية؛ ففي العصر النبوي وصدر الإسلام، استقرَّ الحكم على اعتبار يد الصانع “يد أمانة” قياسًا على المودع عنده، وهو تكييفٌ عكس طبيعة المجتمع القائم آنذاك ربما على الوازع الدينيّ، حيث يتحمل مالك العين تبعة الهلاك ما لم يثبت التعدَّي. غير أنَّ اتساع رقعة الدولة واختلاط البنى الاجتماعيَّة أفرز ظواهر سلوكية جديدة اتَّسمت بالإهمال أو التفريط، مما دفع العقل الفقهيّ لإعادة النظر في هذا الفراغ التشريعيّ صيانةً لحقوق النَّاس. ويبرز الإمام علي في هذا السياق بوصفه المشرِّع الأول لهذا التَّحول، حين قرر تضمين الصنَّاع انطلاقًا من مبدأ “الاستصلاح”، مرسيًا بذلك دعائم المسؤوليَّة المهنية بقولته الفاصلة: “لا يصلح الناس إلا ذاك”؛ إذ كان الهدف صون الملكية الخاصة من التآكل الماديّ تحت يد المحترفين. وقد تبلورت القاعدة تاريخيًا عبر التمييز الدقيق بين الأجير الخاص والأجير المشترك، حيث نُظر إلى الأخير باعتباره صاحب مهنة يفتح دكانه للجمهور ويجني ربحًا مطردًا من حيازة أعيانهم، وبمقتضى قاعدة “الغرم بالغنم”، أُلحق به الضمان التزامًا بتبعات النَّفع الذي يجنيه. وقد استند التأصيل الفقهي لهذه القاعدة إلى سد الذرائع، درءًا لما قد يتذرع به الصناع من هلاكٍ قهري لستر إهمالهم أو خيانتهم، فكانت القاعدة سياجًا حمائيًا يمنع الإغراء بالتبديد قبل أن تكون جزاءً على الفعل. وتعمق هذا المنحى لدى المالكية بتقرير الضمان في كل ما “يغيب عليه الصانع”، وهو ما نقل الفقه من دائرة البحث في النوايا والتقصير إلى دائرة النتائج المادية الملموسة؛ فالعين تلفت في حوزة الصانع المنفردة، مما يوجب عليه الضمان بقوة القانون. وهذا النَّسق التَّاريخيّ يتقاطع كليًا مع الوضع الرَّاهن للمصارف؛ فإذا كان الفقه قد شدد في ضمان “الخياط” و”الصبَّاغ” حمايةً لأعيان يسيرة، فإنَّ الأولوية تقتضي تضمين المصرف حمايةً للقوة الشرائية لمدخرات المجتمع، نظرًا لتحقق علة الضمان في المصرف بتركيزٍ أكبر بوصفه الطرف الأقدر على إدارة المخاطر والأولى بتحمل تبعات الصنعة الائتمانية.

حواشي

——-

(1) انظر:

Baudry-Lacantinebie, Albert Wahl, Traité théorique et pratique de droit civil: De la société, du prêt, du dépôt (Paris: Librairie du Recueil général des Lois et des Arrêtés et du journal du palais, 1898), pp.423-424.

(2) نجد عند ايرفنج فيشر (1867-1947) وصفًا قريبًا لهذه العملية بمصطلح “معدل الرسملة”، والَّذي يقصد به عدد السنوات الَّتي يتدفق خلالها مبلغ من الدخل مساو للرأسمال. انظر:

Irving Fisher, The Nature of Capital and Income (New York: The Macmillan & Co., Ltd, 1906), p.194.

(3) وليس كذلك وديعة ناقصة، كما تصور السنهوري. انظر: السنهوري، الوسيط، ، ج5، ص429.

(4) “وخصص العلماء من ذلك الصناع وضمنوهم نظرًا واجتهادًا لضرورة الناس… فلو علموا أنهم لا يضمنون ما تلف لسارعوا إلى أخذ أموال الناس. والضرورة داعية إليهم”. انظر: المعداني، كشف القناع عن تضمين الصناع، تحقيق: محمد أبو الأجفان (تونس: الدار التونسية للنشر، 1986)، ص73-78. وقال الشاطبي في الموافقات:”إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين”. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق محمد عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، ج4، ص291. وكذلك: الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: سليم الهلالي (الرياض: دار ابن عفان، 1992)، ج2، ص617. مالك بن أنس، المدونة الكبرى، رواية سحنون بن سعيد التنوخي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ج3، ص399. أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (القاهرة: دار الحديث، 2004)، ج4، ص18. السرخسي، المبسوط، (بيروت: دار المعرفة، 1986)، ج15، ص82. ابن قدامة، الكافي في فقه الإمام أحمد (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ج2، ص184.

The post تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26933
لاهوت القيمة – بقلم: محمد عادل زكي https://maktaba-amma.com/%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a7%d8%af%d9%84-%d8%b2%d9%83%d9%8a/ Tue, 17 Mar 2026 16:51:46 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26928 (1) مأزق الوحدة المفقودة في الاقتصاد السياسي إنّ تتبّع المسار التَّاريخي لتطوّر “مقياس القيمة” في الفكر الاقتصادي، بدءًا من الإرهاصات الأولى ]نتجاوز هنا التحليلات المبكرة عند أرسطو وابن خلدون[ مع […]

The post لاهوت القيمة – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
(1) مأزق الوحدة المفقودة في الاقتصاد السياسي

إنّ تتبّع المسار التَّاريخي لتطوّر “مقياس القيمة” في الفكر الاقتصادي، بدءًا من الإرهاصات الأولى ]نتجاوز هنا التحليلات المبكرة عند أرسطو وابن خلدون[ مع آدم سميث، مرورًا بالتنقيحات الَّتي أدخلها ريكاردو، وصولًا إلى البناء النظري الَّذي شيده ماركس، يضعنا وجهًا لوجه مع أزمة معرفية يصعب غض الطَّرف عنها؛ وهي أنّ الاقتصاد السياسي، وهو العلم المنشغل بقانون القيمة، لم يفلح قط في إقامة “وحدة قياس موضوعيَّة” ومنضبطة للقيمة. القيمة الَّتي يشيد عليها الجسم النظري للاقتصاد السياسي وتتمفصل حولها قوانينه الموضوعية الحاكمة للانتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي.

لقد ظل “العمل” يُقدَّم طوال تاريخ الاقتصاد السياسي باعتباره المقياس النظري العام. غير أنّ المعضلة الكبرى بدأت حين اصطدم هذا التجريد بالواقع؛ فاختلاف الأعمال في مشقتها الجسدية، وتباينها في درجة الشدة والبراعة، جعل من تحويل الجهد البشريّ إلى “معيار قياس فعلي” وقابل للتطبيق أمرًا غير محسوم إبستمولوجيًا. وهكذا، استقر المبدأ النظري في مرتبة العقيدة الثابتة، بينما بقيت “أداة القياس” غائبة تمامًا، تاركةً فجوة هائلة بين ما تقوله النظرية في صمتها وبين ما يمارسه الواقع في ضجيجه. ان هذا المقال يوضح كيف تحوّل مفهوم اقتصادي يُفترض فيه الطابع العلمي الكمي إلى “عقيدة” محصنة بالتأويل، حيث يُقبل المقياس (الزمن) إيمانيًا لا برهانيًا.

(2) الهروب نحو السوق: استقالة النظرية عن دورها التفسيري

أمام العجز عن بلوغ وحدة قياس تنبع من داخل الجهاز المفاهيمي للنظرية نفسها، لجأ مؤسسو الاقتصاد السياسي إلى “حلٍ عملي” بسيط في مظهره، لكنه أزمة في حقيقته: وهو إحالة المسألة برمتها إلى “السُّوق”. هناك، وفي خضم التفاعل العشوائيّ بين المنتجين، تتحدد العلاقات بين المنتجات فعلياً وتُختزل الأعمال المختلفة إلى أوزان نسبية عبر آلية العرض والطلب.

بيد أنّ هذه الإحالة لم تكن حلاً معرفيًا بقدر ما كانت “هروبًا” صريحًا؛ إذ فقدت النظرية، منذ تلك اللحظة، سيادتها وقدرتها على الاكتفاء بذاتها كنسق تفسيري مستقل. فبدلاً من أن تمتلك النظرية أدواتها الخاصة لتفسير الظَّاهرة الَّتي تدرسها (القيمة)، أصبحت تقف موقف المتفرج القلق، تنتظر بوقار “حكم السُّوق” لكي يمنحها الصلاحية والمعنى. إنّ النظرية الَّتي تستمد معيارها التفسيري الجوهري من ظاهرة تقع خارج حدودها (السُّوق) لا تقدّم تفسيرًا علميًا بقدر ما تقدّم وصَفاً لغوياً متأخرًا لواقعٍ قد حدث بالفعل، مما يحولها من “علم” يحلل القوانين الكلية إلى مجرد “وصف” يبرر النتائج القائمة.

(3) ماركس والقداسة النصية: الدفاع العقائدي في وجه الفحص العلمي

لقد تعاملت الأدبيات الاقتصادية اللاحقة مع هذا الارتباك لدى الرواد الأوائل باعتباره ضريبة ضرورية لمرحلة “البدايات التأسيسية”. غير أنّ الأمر اكتسب طابعًا مختلفًا تمامًا، بل وخطرًا، عند الانتقال إلى التحليل الماركسي. فماركس لم يُقرأ كاقتصادي خاضع لمبضع النقد والتفنيد، إنما تحول في المخيال الجمعي لأتباعه إلى مرجعية فكرية كبرى وقبلة أيديولوجية لا يأتيها الباطل، الأمر الَّذي جعل التعامل مع نصوصه أقرب إلى “الدفاع العقائدي” المستميت منه إلى “الفحص العلمي” المحايد.

لقد قرر ماركس، بعبارة صريحة لا تحتمل اللبس في نصوصه، أنّ القيمة تُقاس بـ “زمن العمل الضروريّ اجتماعيًا”. ووفق هذا التَّعريف، تصبح قيمة السلعة (كالقلم مثلًا) مساوية تمامًا لعدد السَّاعات الَّتي استغرقها إنتاجها. غير أنّ هذه الصياغة بحد ذاتها تطرح مشكلة منطقيَّة ولغوية فادحة؛ فإذا كانت القِيمة تُعرَّف جوهريًا بأنها “كمية العمل المتجسد” في السلعة، فإنّ القول بأن قيمة السلعة تساوي “ثلاث ساعات” يعني أننا حددنا “الزَّمن” الَّذي استغرقه الإنتاج، ولم نحدد “القيمة” ذاتها.

(4) معضلة الزمن: حين لا تفي المسطرة بالغرض

إنّ السَّاعة، في جوهرها الفيزيائيّ، هي وحدة قياس للزَّمن، وليست ولن تكون وحدة قياس للقيمة. ومن هنا، فإنّ ردّ القيمة إلى زمن العمل لا يقدّم قياساً حقيقياً لها، بقدر ما يستبدلها بشيء آخر غريب عن طبيعتها. إنّ العلاقة الوثيقة بين العمل والقيمة لا تكفي وحدها لشرعنة جعل “الزَّمن” وحدة قياس كونية لها. إنّ وحدة القياس، في أي علم رصين، يجب أن تنتمي في ماهيتها إلى طبيعة الكمية الَّتي تقيسها؛ ولهذا لا يمكن قياس الطول بالجالون، ولا قياس الارتفاع بالنيوتن، وبالمثل تماماً، لا يمكن لـ “وحدة الزمن” المجرّدة أن تكون وحدة قياس مباشرة لماهية القيمة الاقتصادية.

تظهر هشاشة هذا المقياس المقترح بوضوح أكبر عندما نحاول إنزاله من برج التَّجريد النظريّ إلى أرض الواقع المهني. فإذا كانت “ساعة العمل” هي المسطرة الوحيدة للقياس، فإنّ المنطق الدَّاخلي للنظرية سيقودنا حتماً إلى نتيجة عبثية ومجحفة: وهي أنّ ساعة عمل البنَّاء تعادل في قيمتها ساعة عمل الجرّاح، طالما أنّ كلتيهما تمثلان “ساعة واحدة” من العمل الضروريّ اجتماعيًا. هذا التجاهل القسري للفروق النوعية الهائلة بين الأعمال يضع النظرية أمام مأزق أخلاقي وعلمي لا مخرج منه، ويجعلها في صراع دائم مع الواقع المعاش.

(5) الانزياح نحو التأويل: “روبين” ونفي الوظيفة العملية

عند هذه النقطة الحرجة، برزت في الفكر الاقتصاديّ ثلاثة مسارات ممكنة للتَّعامل مع هذا الانكسار النظري:

المسار الأول: وهو الأقل رواجًا، يتمثل في الإقرار بوجود خلل بنيوي في “مقياس القيمة”، والبحث عن مقياس علمي دقيق يستعيد للاقتصاد السِّياسي صلابته التَّحليلية. وهذا المسار هو الَّذي انتهجتُه في أبحاثي، بدءًا من تفكيك المقياس السَّائد (زكي، 2021)، مرورًا بصياغة المقياس الصحيح علميًا للقيمة في إطار نقد الاقتصاد السِّياسي (زكي، 2021). وانتهاءً بإدخال الزَّمن في تكوين القيمة (زكي، 2025).

المسار الثاني: وهو المسار الَّذي سلكه ماركس وأسلافه، بالعودة الاضطراريَّة إلى “السُّوق” كحَكم نهائي يمتلك القدرة على معادلة الأعمال المختلفة وتحويلها إلى قيم تقريبية دون أي قانون موضوعي!

المسار الثالث: وهو الأكثر تعقيدًا وضعفًا في نفس الوقت، فبعد أن تم، وعلى استحياء وربما تَكتم، اكتشاف قصور النظرية وتوقفها على أبواب السُّوق تستجدي نسب التبادل بين الأعمال الَّتي تختلف شدةً وبراعة. جرى الدفاع عن النظرية عبر “تأويل” مشوَّه لنصوص ماركس بطريقة تنقذها من أزمتها، حتى لو انتهى الأمر بتغيير مضمونها الجوهري.

ولقد سلك عدد من المنظّرين، ومنهم إسحاق إيليتش روبين، هذا الطريق الأخير. فبدلًا من البحث عن المقياس الصحيح علميًا للقيمة، تم التأكيد، بالمخالفة تمامًا لجميع نصوص ماركس نفسه، على أن القيمة ليست ذات وظيفة عملية! وأن مهمة نظرية القيمة ليست القياس، وإنما تفسير “الطبيعة الاجتماعيَّة” للقيمة. وبذلك، تحوّلت المشكلة من مسألة قياس علمي إلى مسألة تأويل فلسفي. غير أنّ هذا التحول لم يحل المعضلة، بل أعاد صياغتها في لغة أكثر غموضًا وضبابية؛ حيث أصبحت القيمة تُعرَّف باعتبارها “شكلًا اجتماعيًا”، والعمل المجرد لم يعد استهلاكًا للطَّاقة البشرية بقدر ما أصبح تعبيرًا عن “علاقة اجتماعيَّة” تتجلى في السُّوق. وبهذا جرى نقل النقاش من ميدان القياس الكمي إلى ميدان المفاهيم المجردة، والضبابية، الَّتي يصعب إخضاعها لأي تحليل علمي رصين.

(6) حتمية الرقم: حينما تسقط النظرية بسقوط الحساب؟

لكن هذا المسار التَّأويلي يطرح سؤالًا بسيطًا وحاسمًا: مَن الَّذي قرر أنّ القيمة ليست ذات وظيفة عملية؟ وإذا كانت نظرية القيمة مجرد بناء نظريّ لا علاقة له بالقياس، فلماذا، وكيف، شيّد ماركس تحليله الكامل والضخم للرَّأسماليَّة عليها؟ إنّ كتاب “رأس المال” قائم في جوهره وفي جميع تفاصيله على حسابات محدّدة وصارمة: الأجور، الأرباح، الريوع، وتجديد الإنتاج الاجتماعي. كلها تعتمد كليًا على وجود كميات قابلة للحساب والمقارنة.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فإذا كانت القيمة غير قابلة للقياس، فإنّ الحديث عن “القِيمة الزائدة” يفقد كل معناه العملي. إنّ الاستغلال الاقتصاديّ، مثلًا، لا يمكن إثباته عبر الانطباعات الأخلاقيَّة، بل عبر المقارنة الكمية الدقيقة بين العمل المدفوع والعمل غير المدفوع. فالاستغلال ليس إحساسًا اجتماعيًا مبهمًا، وإنما هو علاقة كمية قابلة للحساب في دفاتر الأرقام. الأمر نفسه ينطبق على ما يسمى بالتبادل غير المتكافئ بين الدول. فالكلام عن انتقال القيمة من جنوب متخلّف فقير إلى شمال متقدم غني يظل خطابًا إنشائيًا مُفعم بكلماتٍ عاطفية ما لم يتحول إلى أرقام محددة: كم ساعة عمل انتقلت وسُلبت؟ وكم قيمة مادية انتُزعت ونهبت؟ من دون هذا التحديد الكمي، يظل الخطاب الاقتصادي أقرب إلى الرطانة اللغوية منه إلى التَّحليل العلمي الجاد.

(7) حين تنتهي البلاغة ويبدأ الرقم

إنّ العلم، في تعريفه الأكثر صرامة، يبدأ حيث يبدأ القياس. فحين تتحول المفاهيم إلى كيانات هلاميَّة غير قابلة للحساب، تفقد بالضرورة قدرتها التفسيرية. ولهذا فإن النظرية الَّتي تعجز عن تحديد وحدة قياس واضحة لظاهرتها الأساسية لا تقدّم قانونًا علميًا بقدر ما تقدّم وصفًا لغويًا، ومتهافتًا، للعالم.

إن الدفاع الأجوف عن النظرية، دون مواجهة مأزقها المركزي، يُفضي حتمًا إلى تجريدها من صبغتها العلميَّة وتحويلها إلى مجرد “لاهوت” عقائديّ. فالمراوغة المنهجية عبر بناء منظومة لغوية من المفاهيم الضبابية تنتهي، في التحليل الأخير، بالارتهان لقوانين السُّوق بوصفها الحكم النهائي. بيد أنَّ الواقع الماديّ للاقتصاد يتسم بصرامة تتجاوز تلك الصياغات المجازية؛ فعلاقات الإنتاج تقوم على استحواذ الرَّأسمالي على “القِيمة الزائدة” المستخلصة من كدح العامل (سواء أكان حفار المنجم أم أستاذ الجامعة)، بعيدًا عن أي تأويلات وجدانية أو مشاعر جياشة! فهذه القيمة تخضع لقوانين الحساب الرياضيّ، فتُقيد في الدفاتر المحاسبية وتتحول إلى أرصدة بنكية سائلة؛ وعند هذه النقطة، تسقط الأقنعة كافة، وتنفرد حقيقة الأرقام الصماء وحدها بالمشهد.

مراجع

Rubin, I. I. (1972) Essays on Marx’s Theory of Value. Translated by M. Samardžija and F. Perlman. Detroit: Black & Red.

Zaky, M. A. (2021a) ‘A Critique of the Measure of Value: A Study in the Principles of Political Economy’, Economic Consultant, 4, pp. 84–110.

Zaky, M. A. (2021b) Critique of Political Economy. Vol. 1. Cairo: Hindawi Foundation.

Zaky, M. A. (2025) ‘Value / Time: An Essay on the Principles of Political Economy’, African Journal of Economic Review, 13(2), pp. 90–103.

The post لاهوت القيمة – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26928
عسكرة الشرق الأوسط بقلم: دكتورة سحر حنفي https://maktaba-amma.com/%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%b3%d8%b7-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%b3%d8%ad%d8%b1-%d8%ad%d9%86%d9%81/ Wed, 18 Feb 2026 08:25:32 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26923 من أكثر المناطق توتراً في عالمنا المعاصر يحتل الشرق الأوسط موقعاً متميزاً، وتتبدى مظاهر هذا التوتر في الصراعات الحدودية، والاضرابات في العلاقات الثنائية بين الدول،(1) والهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات […]

The post عسكرة الشرق الأوسط بقلم: دكتورة سحر حنفي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
من أكثر المناطق توتراً في عالمنا المعاصر يحتل الشرق الأوسط موقعاً متميزاً، وتتبدى مظاهر هذا التوتر في الصراعات الحدودية، والاضرابات في العلاقات الثنائية بين الدول،(1) والهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات والأسلحة، والاتجار بالبشر. كما تبرز جلية على صعيد الاستعداد الدائم والمتأجج للمعارك الحربية الوشيكة، وهو الأمر الذي استصحب، بالتالي، الإنفاق المتزايد على التسليح من قبل دول الشرق الأوسط بصفة خاصة الدول التي تمثل بؤر التوتر، والتي صار الأمن العسكري هاجساً لا يغادر قادتها، وفيما يلي نحاول باختصار، بطبيعة الحال، ترسيم الخطوط العريضة التي تحدد ملامح التوتر العسكري في الشرق الأوسط خلال عشرين عاماً تقريباً (2000-2018) وسوف نعتمد على التقارير الصادرة عن المؤسسات البحثية الدولية كالمعهد الدولي لأبحاث السلام في استكهولم (SIPRI)(2)

(1)

فقد تزايدت احتمالات تفجر مواجهات عسكرية مباشرة في شرق المتوسط في فبراير 2018، فعقب اعتراض البحرية التركية لسفينة تابعة لشركة إيني الإيطالية كانت تستكشف الغاز قبيلة السواحل القبرصية، قامت إيطاليا بنشر قطع بحرية في المتوسط لحماية عمليات التنقيب التابعة للشركة، كما عززت مصر من انتشار قواتها البحرية بالقرب من حقل ظهر النفطي وتمركزت حاملة الطائرات المصرية ميسترال بالقرب من منصات الأنتاج، كما تصاعدت التوترات علي السيطرة منطقة البلوك 9 بين لبنان وإسرائيل عقب تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، بالتصدي عسكرياً لعمليات التنقيب وتهديد زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله في 16 فبراير 2018 بالرد عسكرياً علي إسرائيل في حال اعتدائها علي حقوق لبنان في استكشاف الغاز قبالة سواحلها.

(2)

نظمت الدول المطلة علي المتوسط عدة مناورات عسكرية ضخمة، فقد أعلنت تركيا اعتراضها التام علي تنفيذ مناورات “ميدوزا-5″(3) بين مصر واليونان، والتي عقدت خلال الفترة من 3 أكتوبر الي 4 نوفمبر 2017، وادعت أنقرة أن المناورات تخالف معاهدة باريس للسلام عام 1947 التي تحظر التدريبات العسكرية في رودس، وقامت تركيا بإرسال طائرات استطلاع لجمع المعلومات عن خطط سير هذه المناورات.

ولم تمر أيام علي إنتهاء المناورات المصرية- اليونانية حتي أعلنت تركيا أنطلاق مناورات عسكرية مشتركة تحت مظلة حلف الناتو تحمل مسمي “الحوت الأزرق” خلال الفترة من 7 الي 16 نوفمبر 2017 بمشاركة كل من الولايات المتحدة وبلغاريا وبريطانيا ورومانيا وتركيا، وقامت إسرائيل أيضاً بأجراء عدة مناورات عسكرية في المتوسط كان أبرزها المناورات البحرية المشتركة مع الولايات المتحدة في مايو 2017، والتدريبات التي أجرتها مع قبرص في ديسمبر 2017.

أما روسيا فقد نظمت عدة مناورات بالقرب من السواحل السورية، ففي يوليو 2017، أغلقت روسيا أجواء المياه الدولية في شرق البحر المتوسط، استعداداً لمناورات أجرتها القوات البحرية والجوية الروسية بالذخيرة الحية، وسبق أن أجرت روسيا مناورات مماثلة في مايو 2017 امتدت بعض فعالياتها الي السواحل الليبية، وتخللت هذه المناورات عمليات إطلاق صواريخ من الغواصات الروسية في المتوسط.

(3)

حصلت الدول المطلة علي البحر المتوسط علي منظومات تسلح نوعية لتعزيز قدراتها العسكرية حيث امتلكت مصر حاملتي مروحيات من طراز “ميسترال-أ” وتسلمت غواصتين هجوميتين من طراز “209” من ألمانيا، و4 فرقاطات من طراز “الفتح” تم تصنيعها بصورة مشتركة مع فرنسا، وتعاقدت علي 50 مقاتلة من طراز “ميج-29إم”، 46 مروحية هجومية من طراز “كا-52″، ونظام “إس-300 في إم” للدفاع الجوي من روسيا.

وتسلمت إسرائيل في مطلع عام 2017 الغواصة النووية الألمانية من طراز “دولفين”، وفرقاطة من طراز”ساعر-6″، و2 من المقاتلات متعددة المهام “إف-35” من الولايات المتحدة، فضلا عن التصنيع المشترك لصواريخ “السهم2” و “السهم3” مع الولايات المتحدة.

أما تركيا فقد أنهت التعاقد للحصول علي منظومات الدفاع الجوي الروسية “إس-400” في ديسمبر 2017 بقيمة 2,5 مليار دولار، علي الرغم من اعتراض الولايات المتحدة وتحفظات حلف الناتو، حيث تخطط روسيا لتوريد هذه الصواريخ الي تركيا في مارس 2020.

وكشفت تقارير تسليم الأسلحة في عام 2017 الصادرة عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، عن تسلم الجزائر في عام 2016 فرقاطتين من طراز “ميكو آية- 200” من ألمانيا، و 14 مقاتلة من طراز “سوخوي-200 أم كي أي”، ومروحيات هجومية من طراز “مي-28 إن إي”، و200 دبابة من طراز “تي-90 إس اية” من روسيا ضمن التعاقد علي صفقات تسليحية ضخمة مع روسيا.

(4)

وعلي مدار العامين الماضيين عكفت روسيا علي توسيع وتجهيز قاعدتي طرطوس البحرية(4) وحميميم الجوية(5) كي تصبحا مؤهلين لاستيعاب الوجود العسكري الروسي طويل الأمد في سوريا، وأصبحت القاعدتان نقاط ارتكاز للانتشار العسكري الروسي في البحر المتوسط، الذي تعتبره بعض الدول الأوروبية اختراقاً لمجالها الحيوي في جنوب المتوسط.

وقامت مصر بإفتتاح قاعدة “محمد نجيب” في مرسي مطروح في يوليو 2017، التي تعد أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويضاف الي ذلك القاعدة العسكرية في “سيدي براني” قرب الحدود مع ليبيا، وهو ما يعد مؤشراً علي تصاعد تركيز مصر علي تأمين الجبهتين الشمالية والغربية.

وقامت إيران بتأسيس عدة قواعد عسكرية في سوريا، ففي ديسمبر 2017، نفذ الطيران الإسرائيلي غارات جوية مكثفة علي قاعدة عسكرية ومنصات صواريخ ومخازن أسلحة تابعة لحزب الله اللبناني في سوريا.

ورصدت تل أبيب وجود محاولات إيرانية لنشر غواصات في المواني السورية، وهو ما دفعها لتعزيز انتشارها العسكري في البحر المتوسط حيث نشرت منظومات متقدمة للإنذار المبكر ومنصات القبة الحديدية المضادة للصواريخ وزوارق دورية.

(5)

يعد الصراع علي احتياطات الغاز ضمن المحفزات الأساسية للتوترات في البحر المتوسط فعلي الرغم من وجود بعض الأتفاقيات علي ترسيم الحدود البحرية ونطاقات التنقيب عن الغاز فإن قطاعات واسعة لا تزال موضع نزاع بين دول المتوسط.

ويستدل علي ذلك بقيام تركيا في يوليو 2017 بالضغط علي قبرص لوقف تنقيب شركة توتال الفرنسية عن الغاز في مياهها الإقليمية وأرسل الجيش التركي سفناً وغواصة للمراقبة والاستطلاع لعرقلة عمليات التنقيب، كما أعلنت أنقرة أنها تعتزم البدء في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في منطقتي البحر المتوسط والبحر الأسود فضلاً عن الأتفاق مع روسيا علي مد خط “توراك ستزيم” الذي يمر عبر البحر المتوسط الي أوربا والتفاوض مع إسرائيل علي إنشاء خط أخر للغاز عبر المتوسط.

وتعتزم إسرائيل استكشاف 24 قطاعاً بحرياً في شرق البحر المتوسط مجاورة لحقل الغاز ليفياتان، وهو ما دفع وزارة الدفاع الإسرائيلية لشراء منظومة صواريخ ونظام للتحكم والمراقبة لحماية حقول الغاز في البحر المتوسط في يوليو 2017 بتكلفة 430 مليون دولار.

وتقوم شركة “سيويوز نفت جاز” الروسية بالتنقيب في إطار اتفاقات تطوير حقول الغاز والنفط البرية والبحرية بين موسكو ودمشق، كما تقوم شركة ” نوفاتيك” الروسية بالتنقيب عن الغاز قبالة السواحل اللبنانية ضمن كونسورتيوم دولي يضم “توتال الفرنسية” و “إيني الإيطالية”.

وفي أكتوبر 2017 تمكنت شركة “روس نفط” الروسية من إتمام صفقة شراء 30% من مشروع “حقل ظهر” المصري للغاز بقيمة 1,25 مليار دولار، وبذلك تصبح الشريك الثالث في إدارة الحقل المصري العملاق مع “إيني الإيطالية” التي تملك 60% من المشروع و “بي بي” البريطانية التي تملك 10% من المشروع.

ويتصل ذلك بتحول مصر الي مركز إقليمي للطاقة في ظل اكتشافات الغاز الضخمة في المياه الإقليمية المصرية وخطط التحول لمركز لتسييل وإعادة تصدير الغاز ونقطة تقاطع لمسارات أنابيب النفط الإقليمية الواصلة الي أوربا.

(6)

شهدت منطقة شرق المتوسط صعودا للتحالف المصري- اليوناني- القبرصي في ظل تقارب مصالح الدول الثلاث، حيث عقدت خلال الفترة من نوفمبر 2014 حتي نوفمبر 2017 خمس قمم لقادة الدول الثلاث كان آخرها في قبرص لتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري، وخلال اجتماع وزراء دفاع الدول الثلاث في ديسمبر 2017 في مدينة لارنكا في قبرص تم الاتفاق علي تأسيس آلية للتنسيق والتعاون العسكري تشمل عقد اجتماع سنوي لتعزيز التعاون في المجالات الدفاعية.

وفي المقابل اتجهت تركيا لتعزيز تحالفاتها الإقليمية من خلال الانتشار العسكري في قطر وسوريا والسعي لتأسيس قواعد عسكرية علي البحر الأحمر، حيث افتتحت تركيا قاعدة عسكرية بجنوب العاصمة الصومالية مقديشو في 30 سبتمبر 2017.(6)

وسعت أنقرة خلال زيارة الرئيس رجب طيب اردوغان الي السودان في ديسمبر 2017 لضم الخرطوم الي التحالف التركي- القطري والسيطرة علي نقاط استراتيجية في مسارات الملاحة البحرية في البحر الأحمر بتولي إدارة وتطوير جزيرة سواكن السودان.

(7)

لم تحسم بعد الخلافات حول ترسيم الحدود بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لإسرائيل والمياه الإقليمية اللبنانية، كما تهيمن إسرائيل عسكرياً علي المياه الإقليمية لقطاع غزة، وفي السياق ذاته توظف تركيا الخلافات الحدودية بين شطري الجزيرة القبرصية لفرض نفوذها علي البحر المتوسط. ولم تنته الخلافات المغربية- الجزائرية حول ضبط الحدود المغلقة بين الدولتين، وهو ما كشفته تصريحات وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل التي اتهم فيها المغرب بغسيل “أموال تجارة المخدرات عبر الاستثمارات في أفريقيا” في أكتوبر 2017، واحتجاج الأمن المغربي حول تسهيل الجزائر عبور لاجئين سوريين الي المغرب في أبريل 2017، ويرتبط ذلك بالمواقف المتعارضة للدولتين من عدة قضايا من بينها مصير الصحراء المغربية وحقوق سكان منطقة القبائل الأمازيغية في الجزائر.

(8)

تتبع بعض دول المتوسط سياسات التدخل العسكري في دول الجوار مثل قيام تركيا بتنفيذ عملية “غصن الزيتون” في يناير 2018 للسيطرة علي عفرين السوريه، وسبق وأن قامت تركيا بنشر قواتها في مدينة إدلب السورية في أكتوبر 2017 ضمن اتفاق لخفض التصعيد توصلت اليه أنقرة مع إيران وروسيا. وتحولت روسيا الي فاعل إقليمي مركزي نتيجة الانتشار العسكري الدائم لموسكو في البحر المتوسط انطلاقاً من قواعدها العسكرية في سوريا، وعززت إيطاليا كذلك من وجودها العسكري في ليبيا والنيجر في يناير 2018 ضمن خطط التصدي للهجرة غير الشرعية وتأهيل القوات الأمنية والعسكرية المحلية لمواجهة التهديدات.

(9)

الشرق الأوسط إذاً هو أرض المعارك الضارية بين شركات السلاح من جهة، وشركات النفط والطاقة من جهة ثانية(7)، وشركات الإنشاءات والتعمير من جهة ثالثة، أي أرض الصراع بين الشركات الإمبريالية دولية النشاط، ووراء كل شركة تقف دولة بكل ما تملك من ترسانة عسكرية وسياسية وإعلامية. وسيكون بحثاً عبثياً كل بحث علمي لا يأخذ في اعتباره أن خروج الرأسمالية العالمية من أزمتها إنما يتوقف على مدى تأجيجها للحروب وخلق بؤر التوتر، وإثارة الفتن الطائفية، والصراعات الإثنية.

————————————-

الهوامش

(1) فمع بدايات القرن وقعت الاشتباكات المسلحة بين أسبانيا والمغرب في جزيرة ليلي في يوليو 2002 نزلت على شواطئ الجزيرة مجموعة من الجنود المغاربة لغرض مراقبة عمليات الهجرة الغير شرعية حسب تصريحات الحكومة المغربية. كان رد الجيش الأسباني محاصرة الجزيرة برا وجوا والقبض على الجنود المغاربة وتعمد تسليمهم إلى السلطات المغربية عبر الحدود عند سبتة في خطوة تاكيدية لسيادة إسبانيا على سبتة وجزيرة ليلى. وفي يوليو 2011 هدد القذافي بشن هجمات صاروخية ضد الدول الأوروبية وهو ما قاد مجلس الأمن الدولي لتبني قراراً يقضي بفرض حظر على الطيران فوق الأجواء الليبية واتخاذ كافة التدابير الضرورية الأخرى لحماية المدنيين من قصف القوات الموالية للقذافي، في الوقت الذي توعد فيه القذافي بمهاجمة بنغازي. وصوتت على القرار الذي رعته بريطانيا وفرنسا ولبنان والولايات المتحدة 10 دول وامتنعت 5 دول من الدول الـ 15 الأعضاء في مجلس الأمن. وتضمنت مسودة القرار فرض”حظر على كافة الرحلات في الأجواء الليبية عدا رحلات طائرات الاغاثة”. ويخول القرار الدول الاعضاء اتخاذ كافة التدابير الضرورية لحماية المدنيين والمناطق التي يقطنها المدنيون المهددون بالهجمات. ويشدد الحظر على تصدير الأسلحة الى ليبيا بدعوة جميع الدول الأعضاء إلى “تفتيش كافة السفن والطائرات القادمة من ليبيا او الذاهبة اليها”. كما يدعو الى توسيع تجميد الأرصدة الليبية بما فيها سلطة الاستثمار الليبية والبنك المركزي الليبي وشركة النفط الوطنية الليبية. ومن ثم صار البحر المتوسط مسرحاً للهجمات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي علي ليبيا. أضف إلى ذلك إشكاليات الهجرة غير الشرعية والتهريب ونشاط عصابات الجريمة المنظمة، والتغير المناخي والتوازن الديمغرافي وأزمات الهوية وتذبذب أسعار النفط، وتفاوت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بين ضفتي المتوسط، وتهديدات الفاعلين المسلحين من غير الدول لأمن المتوسط، خاصة الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم “داعش” وفروع تنظيم القاعدة، والميلشيات المسلحة في مناطق الصراعات الداخلية في سوريا وليبيا، وعصابات التهريب العابرة للحدود.

(2) تشمل سلسلة منشورات المعهد

SIPRI Yearbook: Armaments, Disarmament and International Security

SIPRI Monographs

SIPRI Research Reports

SIPRI Chemical & Biological warfare Studies

SIPRI Policy Papers

SIPRI Insights on Peace and Security

SIPRI Fact Sheets and Policy Briefs

Multi-author volumes

Pocket-size summaries of the Yearbook in English and a number of other languages

(3) ذكر المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية العقيد تامر محمد الرفاعي أنه: “من المقرر أن تشارك في التدريب حاملة المروحيات “سجم أنور السادات” طراز ميسترال، والفرقاطه “سجم تحيا مصر” طراز فريم، والغواصة “41”، وعدد من القطع البحرية اليونانية بالإضافة إلي تشكيل من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طراز إف 16″.

(4) هي منشأة عسكرية تابعة للبحرية الروسية في ميناء يقع في مدينة طرطوس، سوريا. اعتبر الخبراء منذ وقت طويل أن رفض روسيا التخلي عن تلك المنشآت في سوريا الحليفة منذ العهد السوڤياتي، من الأسباب التي تدفع السلطات الروسية إلى مقاومة الضغوط الغربية الرامية إلى إرغامها على التخلي عن الرئيس بشار الأسد. غير أن القاعدة متواضعة نسبيا وفيها عدد قليل من العاملين والميناء ليس عميقا بما يكفي لترسو فيه كبرى البوارج، حتى أن بعض المحللين يعتبرون أن كلمة “قاعدة” غير مناسبة بينما يفضل الجيش الروسي استعمال عبارة “نقطة إمدادات ومساعدة تقنية”.

(5) قاعدة جوية عسكرية روسية تقع جنوب شرق مدينة اللاذقية في محافظة اللاذقية، سوريا. وتتشارك القاعدة بعض مسارات الهبوط مع مطار باسل الأسد الدولي، لكنها فقط محصورة للعمال الروس. كانت القاعدة صغيرة المساحة حيث أنها مخصصة سابقاً للطيران المروحي، لكن القوات السورية استخدمتها لاحقا لاستقبال الطائرات المدنية الصغيرة والمتوسطة. وقد وقعت روسيا اتفاقا مع سوريا في أغسطس 2015 يمنح الحق للقوات العسكرية الروسية باستخدام قاعدة حميميم في كل وقت من دون مقابل ولأجل غير مسمى.واستخدمت روسيا القاعدة لتنفيذ مهام قتالية ضد فصائل المعارضة السورية .وبعد مرور سنة على التواجد الروسي أعلنت روسيا عزمها توسيع قاعدة حميميم بغرض تحويلها إلى قاعدة جوية عسكرية مجهزة بشكل متكامل.

(6) افتتحت تركيا رسميا قاعدة عسكرية كبيرة بجنوب العاصمة الصومالية مقديشو. وتعد القاعدة، التي تضم ثلاث مدارس عسكرية بجانب منشآت أخرى، أكبر معسكر تركي للتدريب العسكري خارج تركيا. وتقع القاعدة على ساحل المحيط الهندي، وتعمل بطاقة تدريب تصل إلى 1500 جندي صومالي. والهدف الرئيسي من إقامة هذه القاعدة هو المساعدة في إنشاء جيش صومالي قوي قادر على مواجهة حركة الشباب الإسلامية المتشددة وغيرها من الجماعات المسلحة.

(7) تعتبر شركات النفط العالمية الكبرى من أقدم المشروعات دولية النشاط. وقد شهدت السوق العالمى للنفط مراحل مختلفة لسيطرة عدد محدود مِن شركات النفط العملاقة على جانب كبير من تلك الأسواق؛ فخلال الفترة من 1928 وحتى 1938، تم توقيع عدة إتفاقيات بين ثلاث شركات كبرى تهدف إلى تقسيم العالم بين كارتل: ستاندارد أويل أوف نيوجيرسى (إكسون موبيل حالياً) وشل، وبريتش بتروليوم (الإنجلو/إيرانيان) ثم إنضم إلى هذا الكارتل: ستاندارد أوف نيويورك وستاندارد أوف كاليفورنيا وجولف وتكساكو، وأضيف إليهم منذ أواخر الخمسينات الشركة الفرنسية للنفط. ولقد كان هذا الكارتل حتى عام 1949، يسيطر على 97% من إنتاج النفط فى النصف الشرقى للكرة الأرضية، وعلى نحو 80% من إنتاج أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبى. وبشأن الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتها بالنفط وجبروت حروبه، فنحن أمام أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ متعطشة للنفط، تلك المادة التى تُحرك صناعاتها، وأساطيلها وجيوشها، ومن أجل ذلك شنت حروباً مفتوحة لا نهاية لا، ومن أجل ذلك أيضا استقدمت المؤسسة الرأسمالية الدائمة إلى إدارة الولايات المتحدة”رئيس حرب”، هو رجل نفط وإبن رجل نفط، هو جورج بوش، كما إستقدمت له نائباً سبق وأن شغل منصباً مرموقاً لأكبر شركة لخدمات النفط فى العالم ومركزها تكساس، هو “ديك تشينى” ووزيرة خارجية، وهى التى ستأتى فيما بعد كمستشارة للأمن القومى كونداليزا رايس، والتى كانت عضو مجلس إدارة كبرى شركات النفط التى دشنت إحدى ناقلات النفط العملاقة حاملة إسمها. إنه الفريق الذى أتى كى يُدير الحرب المفتوحة، فى العراق، من أجل النفط. وبعد سنة واحدة من غزو العراق، وحسب ما ورد فى صحيفة “الفاينانشال تايمز” زادت أرباح شركة “هاليبرتون” 80%، وزادت أرباح شركة بكتل 160%، وزادت أرباح شركة شيفرون تكساكو 90%، أما أسهم شركة “لوكهيد مارتن” لصناعة الأسلحة فزادت 300% خلال سنة منذ تولى جورج بوش الحُكم. وتعود العلاقة بين الزيت وبين القوة العسكرية إلى السنوات اأاولى من القرن العشرين؛ حينما حولت القوى المتحاربة، ألمانيا، وبريطانيا العظمى أسطولهما البحرى من التسيير بالفحم إلى التسيير بالنفط. ولما كانت بريطانيا تَفتقر إلى الزيت، فقد وجدت نفسها مُعتمدة على إحتياطيات النفط فى الشرق الأوسط، ولهذا أصبحت حماية هذه الاحتياطيات حاسمة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فظهور الدبابة والغواصة والطائرة المقاتلة التى تعمل بمحرك ديزل، عمل على تعميق أهمية الزيت، وعند نهاية الحرب كان الوصول إلى النفط وبصفة خاصة النفط فى المناطق البعيدة؛ عاملاً رئيسياً فى التخطيط الاستراتيجى للقوى المتنافسة.وأستمر الوضع على ما هو عليه بعد الحرب. وحاولت بريطانيا، التى كانت حينئذ مسيطرة فعلياً على حقول الزيت فى إيران، أن تمد نفوذها إلى الحقول فى العراق والكويت. وكانت فرنسا هى الأخرى تبحث عن موطىء قدم فى هذه المنطقة. وركزت اليابان على منطقة الانديز الشرقى الهولندى، والتى كانت منطقة مُنتِجة آنذاك للنفط. وبدأت الولايات المتحدة بحثها عن النفط على إمتداد الحافة الجنوبية للخليج، كانت كُل هذه القوى، إضافة إلى ألمانيا والإتحاد السوفيتى، تعرف أن الوصول إلى الزيت سيكون سبب النصر فى الحرب القادمة، ولهذا كرس الجميع، عندما إندلعت الحرب العالمية الثانية، قوات أساسية للحصول عليه. ولقد قدمت اليابان نموذجاً واضحاً للإقدام على الحرب من أجل النفط؛ فلم تكن اليابان مؤمنة من تلك الجهة، وكان شبح فقد أو نقص النفط دائماً ما كان يتراقص أمام أعين القادة فى طوكيو، ولذلك كان القرار هو الاستيلاء على الحقول المنتِجة فى منطقة الانديز الشرقى الهولندى. قامت اليابان بالعدوان على حقول النفط وهى تعلم يقيناً أن أمراً كهذا لا شك يثير غضب الولايات المتحدة، فكان القرار الثانى هو توجيه ضربة عسكرية إستباقية إلى الأسطول الأمريكى فى بيرل هاربر فى هاواى. ومن ثم صارت الولايات المتحدة أحد اأطعضاء الرئيسيين فى دائرة القتال العالمى. ولم يكن التقدم، المؤقت، الذى أحرزه الزحف الألمانى فى الأراضى السوفيتية فى عام 1941، إلا من أجل النفط، بالسيطرة على الآبار فى منطقة القوقاز.أدركت الولايات المتحدة ما بعد الحرب أن الدور الذى يلعبه الزيت هو دور فيصلى ويتعلق بالأمن القومى، ومن هنا عملت دوماً على ترسيخ وجودها فى الخليج العربى ضماناً لانسياب النفط. ولم يقتصر هذا التواجد فقط على الخليج العربى وإنما إمتد إلى العديد من الأجزاء على مستوى العالم؛ وتظهر إعتبارات أمن الزيت بالنسبة للولايات المتحدة فى برنامج المساعدة العسكرية لاذربيجان وكازخستان، فوفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية فإن جزءً مهماً من مبلغ الخمسين مليون دولار المخصص لأذربيجان فى السنة المالية 2004 سيُنفَق من أجل تعزيز “أمن الحدود البحرية” للبلد؛ وفى كازخستان تستخدم المساعدة الأمريكية لتجديد القاعدة الجوية القديمة من العهد السوفيتى فى “أتيروا” على الساحل الشمالى لبحر قزوين، قرب حقل زيت “تنجيز” الغنى بالزيت. ومن أجل الزيت كان الزحف السوفيتى على أفغانستان وصولاً إلى المناطق الأبعد الغنية بالنفط، ومن أجل الزيت تم قذف العراق، ومن قبله أفغانستان، وإن كان السبب الأكثر أهمية، بتصورى، هو ضبط أسواق المخدرات التى كادت تشهد الانفلات على صعيد الإنتاج والتوزيع العالميين. ومن المعروف مدى إرتباط بارونات المخدرات وأباطرة الدواء بتلك السوق. ومن أجل الزيت تم قذف ليبيا، وإن الأمر لا يقتصر على العدوان العسكرى من أجل تثبيت الأقدام وضمان الإمداد المستمر، وإنما يصل إلى المشاركة الفعالة فى الانقلابات العسكرية وتأجيج الحروب الأهلية والصراعات الآثنية خلقاً لبؤر التوتر على الصعيد العالمى وهو الأمر الذى يضمن عدم تولى حكومة وطنية السلطة فى بلاد الزيت. ومن أجل الزيت، كذلك، تدور حروب مريرة فى نيجيريا البلد الرئيسى المنتِج للنفط فى أفريقيا بعد أن نهب الجنرالات الثروة، ولم تكن دول حوض بحر قزوين أحسن حالاً فلقد شهدت تلك المنطقة أيضاً صراعاً دموياً سقط معه عشرات الضحايا وبصفة خاصة فى أوزبكستان فى مارس 2004، ومن أجل الزيت، أيضاً، حدثت المجازر فى الشيشان؛ والتى عادة ما يتم تقديم الصراع الدامى فيها على أساس من كونه صدام بين قوى معادية، إثنية ودينية، أو صراع على السلطة بين الحكومة المركزية فى موسكو وبين سكان يسعون إلى الاستقلال، بيد أن ثمة بُعد جيوبولتيكى مهم: فقد كانت جروزنى، فى ظل الحكم السوفيتى، مركزاً رئيسياً لتكرير الزيت، كما كانت نقطة ترانزيت حرجة لانابيب النفط التى تحمل طاقة بحر قزوين إلى جمهورية روسيا، وأوكرانيا، وأوروبا الشرقية. وبصدد عالمنا العربى، وبصفة خاصة الأجزاء منه المنتِجة للنفط، فلا شك أن الأزمة تتبدى بوضوح فى عدم الاستفادة، وبمعنى أدق عدم سماح الإمبريالية العالمية، بأن يستفيد العرب من نفطهم فى التنمية المستقلة المعتمدة على الذات، إبتداءً من إحتكار الغرب لوسائل الإنتاج وعدم السماح للاقتصاد الوطنى بالمشاركة فى أى مرحلة من مراحل الإنتاج أو التوزيع أو التسويق، فكل تلك المراحل تحتكرها الشركات الكبرى، ولا تترك للحكومات الطبقية سوى الريع، الذى يتم إيداعه فوراً فى خزائن المصارف الغربية، كى يقترضه العرب بعد ذلك بأسعار فائدة أكثر إرتفاعاً. ولم تزل الشرايين مفتوحة!!

The post عسكرة الشرق الأوسط بقلم: دكتورة سحر حنفي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26923
البلدان المتخلفة من هيمنة المستعمِر إلى قهر الدين الدولي – بقلم: دكتورة سحر حنفي  https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%84%d8%af%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ae%d9%84%d9%81%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%8a%d9%85%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d9%85%d9%90%d8%b1-%d8%a5/ Wed, 18 Feb 2026 08:21:28 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26920 ما أن انتهت الحرب العالمية الثانية؛ إلا وأن صار من المؤكد اتجاه العالم المعاصر نحو التنظيم: القانوني (الأمم المتحدة)، والمالي والنقدي (البنك والصندوق الدوليين)، والتجاري (سابقاً: الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية […]

The post البلدان المتخلفة من هيمنة المستعمِر إلى قهر الدين الدولي – بقلم: دكتورة سحر حنفي  appeared first on المكتبة العامة.

]]>
ما أن انتهت الحرب العالمية الثانية؛ إلا وأن صار من المؤكد اتجاه العالم المعاصر نحو التنظيم: القانوني (الأمم المتحدة)، والمالي والنقدي (البنك والصندوق الدوليين)، والتجاري (سابقاً: الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، ومنظمة التجارة العالمية حالياً). وما ننشغل به في سلسلة مقالاتنا الراهنة هو التنظيم المالي والنقدي الذي تولى أمرهما البنك والصندوق الدوليين.

(1)

فإذ ما بدأنا منهجيا بالبنك الدولي، يمكننا القول بأن نشاط البنك(1) الأساسي يتركز في الإقراض، وتتأتى موارده من اقتراضه من أسواق رأس المال الدولية، أي أن الدول الأعضاء لا تدفع مساهماتها بشكل مباشر، وتتمثل أهداف البنك الدولي كما وردت فى المادة الثانية من الاتفاقية المنشئة له فيما يلي:

أولاً: المساعدة فى تعمير وتنمية الدول الأعضاء به وذلك عن طريق تسهيل استثمار رؤرس الأموال فيها. وإعادة بناء اقتصاداتها.

ثانياً: المساعدة فى تطوير الموارد والإمكانيات الإنتاجية فى البلاد المتخلفة وتشجيع التنمية فيها.

ثالثاً: تشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة عن طريق ضمان القروض المقدمة منها أو المساهمة فى تلك القروض والاستثمارات الأجنبية غير الحكومية وتمويل المشروعات الإنتاجية بشروط ملائمة.

رابعاً: العمل على تحقيق التوازن لميزان المدفوعات فى الدول الأعضاء بتشجيع تنمية الموارد الإنتاجية لتلك الدول وتحقيق النمو المتوازن للتجارة الدولية.

خامساً: التنظيم بين القروض التى يقدمها البنك وبين القروض التى يضمنها والمقدمة من مصادر أخرى لتحديد الأولوية للمشروعات الأكثر نفعا.

(2)

ويمكننا إيجاز مهام البنك الدولي في أمرين: أولهما: تقديم وضمان القروض على الصعيد العالمي. ثانيهما: تقديم المساعدات الفنية للدول المدينة.

وبالنسبة للقروض فيشترط الآتي:

(1) موافقه الدولة التى اقترض البنك من أسواقها، والدولة التى يقدم القرض بعملتها.

(2) يمنح البنك قروضا متوسطة وطويله الأجل تتراوح ما بين سنتين وخمس سنوات من تاريخ عقد القرض وتصل الى 25 سنه بالنسبة للمشروعات المتعلقه باْقامه معدات راْسماليه تستخدم فى الأغراض الإنتاجية.

(3) يجب أن لا يتجاوز جملة ما يقدمه البنك من قروض وضمانات نسبه الـ100% من قيمه رأسماله.

(4) يحدد البنك معدل فائده على الاقتراض وفقاً للمعدل الذى يدفعه البنك نفسه للاقتراض وقت عرض القرض فضلاً عن1% عمولة سنوية. ويبلغ معدل الفائدة فى الوقت الراهن 7,5% تقريباً من إجمالى المبلغ الذى ينفق فعلاً على المشروع.

أما الشروط المتطلبه فى المشروع: فهي:

(1) يعتبر البنك الدولى مؤسسة مالية وانمائية على حد سواء وتقضي الاتقافية المنشئة للبنك بان المشروعات التى يقوم بتمويلها يجب أن تكون مشروعات إنتاجية فى نطاق التعمير والتنمية.

(2) يجب أن يكون المشروع محدد ومعين بالذات ويقدم القرض وفقا لظروف كل مشروع على حدة.

(3) يجب أن يتمتع المشروع بأولويه متقدمه في خطط التنميه للدولة طالبه المساعدة. رابعاً: يهتم البنك بالمشروعات التى تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية معاً.

(3)

أما صندوق النقد الدولي، فقد انشئ بموجب ذات الاتفاقية التى أنشيء بها البنك الدولى. وقد ترتب على وجود مقر صندوق النقد الدولى فى واشنطن بجوار مقر البنك الدولى، ارتباط توجههما ارتباطاً منهجياً. واذا كان البنك الدولى يعد أحد أهم مؤسسات النظام الاقتصادى الدولى. فإن دور الصندق لايقل أهمية. خاصة وأنه قد عهد إليه بمهمة استقرار أسعار الصرف وحرية تحويل العملات بين الدول والإسهام فى أقامة نظام نقدى دولى مستقر وقادر على تشجيع التوسع فى التجارة الدولية ومعالجة الخلل المؤقت فى موازين مدفوعات الدول. وأصبح الصندق والبنك الدولى يمثلان ثنائياً مشتركاً لما اصطلح على تسميته”الإصلاح الاقتصادى” منذ بداية الثمانيات خاصة بالنسبة للأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي.

ومن الجدير بالذكر أن الموارد المالية للصندوق تقوم على أساس نظام الحصص للدول الأعضاء التى تتحدد وفقا لمعايير مختلفة؛ من بينها وضع الدولة فى الاقتصاد العالمى وحجم التجارة الدولية والناتج القومى لكل دولة. ويعاد تقدير الحصص كل خمس سنوات. ويتوقف مدى قدرتها على الالتجاء الى الصندوق للاقتراض على حجم الحصة التي تقدمها الدولة. كما يتوقف على قدر هذه الحصة القدرة التصوتية فى مجلس أدارة الصندوق؛ حيث تقوم كل دولة عضو بايداع حصتها فى الصندوق بما يعادل 25% منها ذهب أو 10% من أصولها الرسمية وباقى الحصة يتم إيداعها فى شكل عملة محلية. ويمكن لأية دولة عضو أن تشترى من الصندوق عملات أخرى مقابل عملتها المحلية فى حدود 25% من قيمة حصتها السنوية بشرط ألا تتجاوز عملية الشراء 200% من قيمة حصتها من العملة المحلية لدى الصندوق.

(4)

ويمكننا وفقا لنص المادة الأولى من الاتفاقية المنشئة للصندوق حصر أهداف الصندوق فى النقاط التالية: (1) تشجيع التعاون الدولى بين الدول الأعضاء فى المجال النقدى.

(2) تشجيع النمو المتوازن فى مجال التجارة الدولية لرفع مستوى الدخول وتنمية الموارد الإنتاجية للدول الأعضاء.

(3) العمل على تحقيق ثبات أسعار الصرف.

(4) إلغاء القيود الجمركية والتنظمية التى تعيق حركة التجارة الدولية.

(5) تحقيق الاستقرار النقدى بين الدول الأعضاء عن طريق معالجة الاختلالات التى قد تصيب موازين مدفعوعاتهم والعمل على تقصير أمدها والتخفيف من مداها.

وتعد المهمة الرئيسية للصندوق هى مساعدة الدول الأعضاء فى مواجهة العجز المؤقت فى موازين مدفوعاتها بوضع العملات المختلفة التى لدى الصندوق تحت تصرف الدول التى تعاني من صعوبات فى موازين مدفوعاتها فى المدى القصير أو المدى المتوسط.

وتتمثل ألية صندوق النقد الدولى عند القيام بدوره فى مجال المساعدات النقدية على اتباع سياسه تحرير الاقتصاد القومى وأبعاد الدوله عن التدخل فى الحياه الاقتصادية وترك الحريه لقوى السوق أو تقويه دور الدولة لدعم حركه قوى السوق.(2)

ويقدم الصندوق قروضة التنموية لمدد قصيرة تتراوح عادة مابين ثلاث الى خمس سنوات بعد أن يقوم بدراسة الأوضاع الاقتصادية للدولة المقترضة ويتاكد من أن الإصلاح المزمع إجرائه يسمح لها بسداد ديونها وإعادة القروض وفوائدها خلال المدة المحددة.

ولكن، ونظراً لقصر مدة سداد القرض فأن الدول المدينة لا تستطيع تحقيق الإصلاح الاقتصادى المتفق عليه أو تحقيق النمو المطلوب لأن معظم الدول المدينة تعانى من اختلالات هيكلية عميقة فى نظامها الاقتصادى، وتحتاح الى قروض أكثر تيسيراً لتحقيق الإصلاح الاقتصادى المطلوب وبالتالى فان هذه الدول قد تعجز حتى عن سداد القروض وأن قامت بسدادها فإنها تسددها بقروض أخرى. (3)

وبوجه عام يمكن القول بأن آلية الصندوق تتمثل فى أن يطلب من الدول اتباع سياسه تحرير الاقتصاد القومى وتشجيع الاستثمار الخاص المحلى والدولى وابتعاد الدولة عن التدخل فى النشاط الإنتاجى والحياة الاقتصادية باعتبار أن هذا التدخل يمثل عائقاً أمام حركه التجاره الدولية وإضعاف لقوى السوق التى يمكن أن تتاثر بتدخل الدولة ودعمها لبعض السلع المحلية فى مواجهة السلع المستورده.

كما يطلب الصندوق من الدولة طالبة المساعدة أن تقوم بتحرير الأسعار فى الداخل وإلغاء الدعم وتعديل الأسعار الداخلية لتتناسب مع الأسعار العالمية وعدم تدخل الدولة فى سوق العمل وعدم الالتزام بتشغيل الخريجين باعتبار أن ذلك يمثل المزيد من الأعباء على موازنة الدولة وزيادة، غير مبررة، في الإنفاق ويتبع الصندوق هذه السياسة مع الدول كافة التى تطلب مساعدته على الرغم من وجود فروقات شاسعه بين الدول من الناحية الاقتصاديه والاجتماعيه(4).

(5)

وإجمالاً يمكننا تلخيص الأفكار المركزية التي يعتنقها البنك والصندوق الدوليين في الآتي:

أولاً: الأهمية الارتكازية التي تعطى للنقود وللسياسة النقدية في تفسير سير النظام الاقتصادي.

ثانياً: جميع الأزمات الاقتصادية في البلدان النامية هي مشاكل نقدية فحسب.

ثالثاً: يأتي مكافحة التضخم النقدي على قمة انشغال السياسة الاقتصادية.

رابعاً: تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتصفية المشروعات المملوكة للدولة، وبيع تلك المشروعات للقطاع الخاص. مع الانسحاب الكامل للدولة من مجال الخدمات العامة تاركة إياها، كلياً أو جزئياً، للقطاع الخاص.

خامساً: الرفض القاطع لتمويل العجز بالموازنة العامة للدولة من خلال التمويل التضخمي.

سادساً: حل البطالة من خلال تخفيض مستويات الأجور، مع وجوب إلغاء الدعم العيني، وتقليص إعانات البطالة بل إلغائها. وتحجيم دور نقابات العمال، بل والوصول إلى درجة المطالبة بحلها!

سابعاً: رفع لواء الحرية الاقتصادية، والمناداة بلا هوادة بالرجوع إلى عالم آدم سميث، العالم الذي تسيره قوانين طبيعية خالدة وتتحكم في أموره يد خافية تنسق بين كل شيء، وتوفر الهارمونية للنظام الاقتصادي.(5)

(6)

ومن المهم هنا إبراز أهم مظاهر تدخل الصندوق في أدق الشئون الداخلية للدول المدينة، ويمكننا تحديد تلك المظاهر في ثلاثة أوجه رئيسية: التدخل في السياسات الاقتصادية. وفي منظومة الأثمان الداخلية. وفي نوعية الهيكل الاقتصادي.

(أ)

من أهم (شروط) صندوق النقد الدولي هو أن تقوم الدولة طالبة المساعدة باتخاذ إجراءات تضمن أن يكون مستوى وتوزيع الطلب الكلي يتوافقان مع الأهداف العامة التي حددتها السلطات في مجال الاستثمار والنمو الاقتصادي، وبحيث تؤدي هذه الإجراءات إلى مكافحة التضخم والحد من عجز ميزان المدفوعات.

وهنا تبرز في توصية/ روشتة البرنامج ضرورة الحد من عجز الموازنة العامة للدولة عن طريق زيادة الضرائب والعمل على رفع قيمة حصيلتها، وإلغاء الدعم السلعي، وزيادة أسعار البيع لمنتجات شركات القطاع العام والخدمات الحكومية، مع رفع أسعار الطاقة.

ورغم أن أحداً لا يختلف حول ضرورة علاج العجز بالموازنة العامة للدولة وتصحيح أوضاع القطاع العام كإجراءات هامة في تحسين الآداء الاقتصادي بتلك الدول، إلا أن الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه الصندوق في هذا الخصوص هو ضرورة إجراء تحويل تدريجي للموارد الاقتصادية لصالح القطاع الخاص؛ باعتباره القطاع الأكفأ في توزيع وتخصيص الموارد وقيادة عملية التنمية، من وجهة نظر الصندوق المتبني لأفكار النيوكلاسيك والنقديين منهم على وجه التحديد كما ذكرنا، ولذا، فإن أهم ما ينشغل به الصندوق هنا هو إلزام الحكومة بالتقيد بحد أقصى للتوسع الإجمالي للائتمان والقروض التي تقدمها البنوك للحكومة وللقطاع العام، مع إعطاء الأولوية للقطاع الخاص في الاقتراض. أما كيف يستخدم القطاع الخاص تلك القروض، وهل يستخدمها في إنتاج ما هو ضروري ويلزم لاشباع الحاجات الأساسية للجماهير؛ أم أنه يبددها في وجوه استثمارية طفيلية وكمالية، لا نفع ولا طائل من ورائها… فتلك أمور لا يهتم بهما الصندوق، المهم، وفقاً لتعاليم النقديين، هو تحويل الموارد بشكل متزايد للقطاع الخاص مهما كانت اتجاهات استثماره.

(ب)

من (الشروط) الهامة والجوهرية كذلك التي يشترطها الصندوق لمنح الدول النامية مساعدات هو ان تقوم الدولة طالبة المساعدة باتخاذ إجراءات تضمن التأثير في توزيع وتخصيص الموارد، بحيث ينتج عن ذلك ارتفاع في معدل النمو الاقتصادي وفي حجم السلع المتاحة للتصدير أو المنتجة كبديل للواردات.

وفي هذه الإجراءات يقترح خبراء الصندوق تخفيض الاعتماد على المشروعات الصناعية التي تحتاج إلى فترات إنشاء طويلة وإنفاق استثماري ضخم، والتركيز على المشروعات سريعة العائد. وعموماً، فإن أهم ما يرد في برامج التكييف في هذا الشأن يتمثل في أمرين جوهريين هما: إشكالية الأسعار المحلية، وإشكالية سعر الصرف والمعاملات الخارجية.

(أولاً) إشكالية الأسعار المحلية: ويرى الصندوق، ومعه البنك الدولي، ضرورة، وذلك كشرط، تغيير سياسات التسعير ونظم الأسعار، والاقتراب من النظام غير المقيد لقوى العرض والطلب. وهنا يطالب الصندوق، ومعه البنك الدولي، بضرورة رفع الدعم المقدم للفلاحين لقاء منتجاتهم القابلة للتصدير، وبصفة خاصة تلك السلع التي حافظت الحكومة لفترات طويلة على مستوى أسعارها بشكل منخفض أكثر من اللازم عن السعر العالمي.

حيث أدت هذه السياسة، ضمن عوامل أخرى، إلى تخفيض المنتجين لإنتاجهم، وبذلك تناقصت حصيلة الدولة من العملات الأجنبية. ونفس هذا المطلب يصر عليه الصندوق بالنسبة لأسعار الطاقة، وأسعار منتجات القطاع العام والخدمات الحكومية. ويضاف هنا أيضاً مسألة رفع أسعار الفائدة المدينة والدائنة(11).

(ثانياً) إشكالية سعر الصرف والمعاملات الخارجية: كذلك يصر الصندوق إصراراً بالغاً على ضرورة إجراء تخفيض في سعر الصرف للعملة المحلية! مع إلغاء القيود المفروضة على المعاملات الخارجية. وإذا كان غالبية المواطنين تضار من عملية التخفيض تلك، ومن تحرير التجارة الخارجية، إلا أن المستفيدين من وراء ذلك هم المشتغلون بالتصدير، محليون كانوا أم أجانب، وكل من يحصل على دخل بالعملة الأجنبية، فضلاً عن تجار العملة. وهؤلاء في الواقع هم السند الاجتماعي الذي يستند إليه الصندوق، ومعه البنك الدولي، في تمرير هذه السياسات.

(ج)

يتمثل الوجه الثالث من أوجه التدخل السافر من قبل الصندوق، ومعه البنك الدولي، في صميم الشئون الاقتصادية الداخلية للبلدان النامية في (اشتراطه) قيام الدول طالبة المساعدة، أو حتى إعادة جدولة ديونها، بتحويل هيكل إنتاجها القومي نحو التصدير. وذلك مطلب بديهي. ذلك أن تنمية قطاع الصادرات يضمن، من خلال ما يدره من نقد أجنبي، تسديد الديون التي اقترضها البلد النامي، سواء من الصندوق نفسه أو من المنظمات الدولية الأخرى. كما أن تنمية موارد النقد الأجنبي، من خلال استراتيجية الإنتاج الموجه للتصدير، تضمن تمويل تحويلات أرباح وفوائد ودخول رؤوس الأموال الأجنبية المستثمرة داخل البلد.

وفي هذا الشأن تتكامل توصيات الصندوق مع توصيات البنك الدولي بصدد السياسات التي (يشترطونها) مثل: ضرورة الترحيب بالاستثمارات الأجنبية التي ستعمل في قطاع التصدير، وحفزها للمجيء من خلال مظلة المزايا الضريبية والحماية من التأميم أو المصادرة وتوفير الحرية لها في تحويل أرباحها للخارج! والسماح لها بالمشاركة في ملكية المشروعات المحلية، مع القطاع العام أو القطاع الخاص، وأن تتاح لها إمكانية الاقتراض من سوق النقد المحلي… إلخ.

تلك هي، بإيجاز شديد بطبيعة الحال، أهم ملامح الخطوط المنهجية التي تتضمنها برامج التثبيت التي يمولها صندوق النقد الدولي مع البلاد النامية. والجدول أدناه يوضح البلدان التي أدخلت تعديلات تشريعية وهيكلية، وعدد تلك التغيرات، وفقاً لبرامج المؤسسات المالية والنقدية الدولية.

البلدان التي أدخلت تعديلات تشريعية وهيكلية، وعدد تلك التغيرات

البند 2000 2001 2002 2003 2004 2005 2006 2007 2008

عدد البلدان 60 65 70 71 72 82 103 93 93

عدد التغيرات 145 139 150 207 247 242 270 205 184

المصدر: World Investment Repot 2008,

(7)

وإذ ما أردنا، وهو ما يتعين علينا منهجياً، الانتقال خطوة فكرية للأمام، كنقلة تطبيقية، يمكننا أن نضرب هنا مثلاً حالة رواندا (6)، على أن نستكمل تلك الحالات في سلسلة مقالاتنا القادمة: فقد توجهت بعثة من البنك الدولي إلى رواندا في نوفمبر 1988 لاستعراض برنامج المصروفات العامة في رواندا. ووضعت سلسلة من التوصيات بغية إعادة رواند إلى طريق النمو الاقتصادي المستدام. وعرضت بعثة البنك الدولي على الحكومة الخيارات السياسية أمام البلاد في شكل سيناريوهين. السيناريو الأول المسمى”دون تغيير استراتيجي” يطرح خيار بقاء نظام تخطيط الدولة القديم. في حين كان السيناريو الثاني المسمى “مع التغيير الاستراتيجي” يقوم على إصلاح الاقتصاد الكلي، والانتقال إلى سياسات “السوق الحرة”. وبعد عدة عمليات “محاكاة” اقتصادية دقيقة للنتائج السياسية المحتملة استخلص البنك الدولي، بقدر من التفاؤل، أنه إذا اعتمدت رواندا السيناريو الثاني، فستزيد مستويات الاستهلاك زيادة ملحوظة فيما بين 1989 و1993 إلى جانب انتعاش الاستثمار وتحسين ميزان المدفوعات.

كما أثارت”المحاكاة” إلى آداء تصديري إضافي ومستويات أدنى كثيراً من المديونية الخارجية. وتتوقف هذه النتائج على التنفيذ السريع للوصفة المعتادة وهي تحرير التجارة وتخفيض سعر العملة، إلى جانب إلغاء كل المعونات للزراعة والتصفية التدريجية للموظفين المدنيين، والإسراع في خصخصة منشآت الدولة.واعتمد السيناريو الثاني”مع التغيير الاستراتيجي” ولم يكن أمام الحكومة خيار آخر، ونفذ تخفيض يبلغ 50% لسعر الفرنك الرواندي في نوفمبر 1990 بعد ستة أسابيع فحسب من غزو جيش الجبهة الوطنية الرواندية المتمردون أوغندا. وكان المقصود من تخفيض سعر العملة هو زيادة صادرات البن. وصور للرأي العام باعتباره وسيلة لإصلاح اقتصاد دمرته الحرب. وليس مما يثير الدهشة أن نتائج مضادة تماماً هي التي تحققت، مما أدى إلى تفاقم محنة الحرب الأهلية، فمن وضع الاستقرار النسبي للأسعار أسهم هبوط الفرنك الفرنك الرواندي في إطلاق التضخم وانهيار الدخول الحقيقية.

وبعد بضعة أيام من تخفيض سعر العملة أعلنت زيادات كبيرة في أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية الأساسية. وزاد مؤشر الأسعار الاستهلاكية من 1% في عام 1989 إلى 19,2% في عام 1991. وتدهور وضع ميزان المدفوعات تدهوراً شديداً، وزاد الدين الخارجي القائم، الذي كان قد تضاعف بالفعل في عام 1985، بنسبة 34% فيما بين عامي 1989 و1993. ودبت الفوضى في جهاز الدولة الإداري، ودفعت منشآت الدولة إلى الإفلاس، وانهارت الخدمات العامة، تحت وطأة تدابير التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي. ورغم إقامة “شبكة أمان اجتماعي” خصصها المانحون للبرامج في القطاعات الاجتماعية، فقد زادت بشدة نسبة سوء التغذية الحادة بين الأطفال، وزاد عدد حالات الملاريا المسجلة بنسبة 21% في العام الذي أعقب اعتماد برنامج صندوق النقد الدولي، وذلك إلى حد كبير نتيجة عدم توافر الأدوية المعتادة للملاريا في مراكز الصحة العامة. وأدى فرض رسوم مدرسية في المدارس الابتدائية إلى انخفاض شديد في نسبة الالتحاق بالمدارس.

وبلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها حين اقتلع المزارعون الروانديون 300000 شجرة بن فرغم الأسعار المحلية المتزايدة جمدت الحكومة سعر البن في المزرعة عند مستواه في عام 1989 (125 فرنك للكيلو) بمقتضى أحكام اتفاقها مع مؤسسات بريتون وودز. ولم يكن مسموحاً للحكومة (بمقتضى قرض البنك الدولي) أن تحول موارد الدولة إلى صندوق التسوية. وفي يونيو 1992، أمر صندوق النقد الدولي بإجراء تخفيض جديد لسعر العملة، مما أدى، في ذروة الحرب الأهلية، إلى مزيد من تصاعد أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية الأساسية. وهبط إنتاج البن بنسبة 25% أخرى في عام واحد.

ونتيجة الإفراط في زراعة أشجار البن نقصت، بشكل متزايد، الأراضي المتاحة لإنتاج الأغذية، ولكن لم يكن من اليسير أن يتحول الفلاحون ثانية إلى المحاصيل الغذائية. كان الدخل النقدي الضئيل المتحقق من البن قد تآكل، ولكن لم يعد هناك شيء يمكن الاعتماد عليه، ولم تكن العائدات النقدية من البن غير كافية لشراء الأغذية فحسب بل أن أسعار المدخلات الزراعية قد ارتفعت بشدة وأصبحت العوائد النقدية من البن غير كافية. وارتدت أزمة اقتصاد البن على إنتاج المواد الغذائية التقليدية، مما أدى إلى انخفاض شديد جداً في إنتاج تلك المواد الغذائية. في الوقت نفسه تحللت تعاونيات الإقراض والإدخار التي كانت تقدم الإئتمان لصغار الفلاحين. وفضلاً عن ذلك؛ فمع تحرير التجارة وإطلاق أسواق الحبوب كما أوصت مؤسسات بريتون وودز كانت الواردات الغذائية الرخيصة والمعونة الغذائية من البلاد المتقدمة تدخل رواندا ومعها زعزعة الأسواق المحلية.

كذلك، ونتيجة لتدابير التقشف وانخفاض رواتب الموظفين المدنيين (وهي الطبقة التي اشترط البنك تقليصها) شاع جو من عدم الأمان العام الذي تجلى في عام 1992.

وقد وثقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) جيداً خطورة الوضع الزراعي، وحذرت من وجود مجاعة واسعة في الأجزاء الجنوبية. وكان قرار تخفيض سعر العملة، وفقاً لطلب صندوق النقد الدولي، قد صدر بالفعل في 17 سبتمبر 1990، قبل نشوب المنازعات، في اجتماعات رفيعة المستوى عقدت في واشنطن بين صندوق النقد الدولي وبعثة برئاسة نتيجوريروا وزير المالية الرواندي، وأعطى “الضوء الأخضر”: ومنذ أوائل أكتوبر في اللحظة التي بدأ فيها القتال، جاءت ملايين الدولارات مما يسمى”مساعدة ميزان المدفوعات” (من مصادر ثنائية ومتعددة الأطراف) تصب في خزائن البنك المركزي. وخصصت هذه الأموال التي يديرها البنك المركزي (من جانب المانحين) للواردات السلعية. ولكن يبدو مرجحاً أن حصة كبيرة من هذه “القروض سريعة الدفع” قد حولها النظام (ومختلف أجنحته السياسية) إلى شراء العتاد العسكري من جنوب أفريقيا ومصر وأوروبا الشرقية. وإلى جانب ذلك فقد اتسعت القوات المسلحة بين يوم وليلة منذ أكتوبر 1990 من 5000 رجل إلى 40000 رجل، مما تطلب بالحتم (في ظل ظروف ميزانية التقشف) تدفقاً كبيراً من الأموال الخارجية. وجاء المجندون الجدد أساساً من صفوف العاطلين في المدن الذين تضخمت أعدادهم كثيراً منذ انهيار سوق البن في عام 1989. كما اجتذب آلاف الجانحين والشباب الخاملين إلى الميليشيات المدنية المسئولة عن المذابح. ومكن جزء من مشتريات الأسلحة القوات المسلحة من تنظيم رجال الميليشيات وتسليحهم.

وبشكل عام، فمنذ بداية المعارك (التي توافقت زمنياً مع تخفيض سعر العملة والتدفقات الأولى من الأموال الجديدة) في أكتوبر 1990، بلغت قيمة المدفوعات 260 مليون دولار أمريكي، مع قدر كبير من الإسهامات الثنائية من فرنسا وألمانيا وبلجيكا والجماعة الأوروبية والولايات المتحدة. وإذا كانت القروض الجديدة قد أسهمت في تحرير الأموال لدفع خدمة الدين فضلاً عن تجهيز القوات المسلحة فإن الشواهد توحي بأن جانباً كبيراً من مساعدات المانحين لم يستخدم على نحو إنتاجي أو يوجه إلى تقديم الإغاثة في المناطق التي أصابتها المجاعات. وجدير بالذكر أن البنك الدولي (من خلال رابطة التنمية الدولية التابعة له والميسرة للقروض) قد أمر في عام 1992. بخصخصة منشأة الكتروجاز المملوكة للدولة. وكان مفروضاً أن توجه حصيلة الخصخصة إلى خدمة الدين.

وبمقتضى اتفاق قرض اشترك في تمويله بنك الاستثمار الأوروبي وصندوق التنمية الفرنسي كان نفروضاً أن تتلقى السلطات الرواندية في المقابل (بعد تلبية المشروطيات) مبلغاً متواضعاً هو 39 مليون دولار أمريكي يمكن أن ينفق بحرية على الواردات السلعية كما شملت الخصخصة التي نفذت في قلب الحرب الأهلية عمليات فصل للعاملين وارتفاعاً مباشراً في سعر الكهرباء مما زاد في شل المرافق العامة في الحضر. ونفذت عمليات خصخصة مماثلة لروانداتل، وهي شركة الاتصالات السلكية واللاسلكية المملوكة للدولة والتابعة لوزارة النقل والمواصلات في سبتمبر 1993. وراجع البنك الدولي بعناية برنامج الاستثمار العام الراوندي. وبعد فحص مذكرات المشاريع أوصى ببيع أكثر من نصف مشاريع الاستثمار العام في البلاد.

وفي مجال الزراعة طلب البنك الدولي بتخفيض كبير في استثمارات الدولة، بما في ذلك التخلي عن برنامج استصلاح أراضي المستنقعات الداخلية التي كانت الحكومة قد بدأته؛ استجابة للنقص الشديد في الأراضي الصالحة للزراعة (واعتبره البنك الدولي غير مربح).

وفي القطاعات الاجتماعية اقترح البنك الدولي ما سمى (برنامج الأولويات) بمقتضى شبكة الأمان الاجتماعي القائم على زيادة الكفاءة، و(تخفيف العبء المالي على الحكومة) عن طريق اقتضاء رسوم المستخدمين، وتسريح المدرسين وعمال الصحة، وخصخصة الصحة والتعليم. وكلها أمور كان من شأنها تهديد، بل وهددت فعلاً، السلم والأمن الاجتماعيين في تلك البلد التي تعتصرها الصراعات والأوضاع الاقتصادية المتردية بالأساس.

الحواشي

————————–

(1) للمزيد من التفصيل، انظر:

L .Williams International Monetary Plans after Bretton Woods Foreign Affairs, VOL.23(1944_1945),p.39 et seq.Clement R. ,The World Bank , Constitution and -function-s, Journal of the Institute of b Bankers,vol. 89 ,August 1968, p.375.Richard J.H. ,International Economic Institutions , London 1970, p.93 Ko-var-“R” les regale s applicable aux relations entre pays en voie de development, p.299 Alting von Geusau: the Lome convention and a new inter. Economic order, 1977, .p. 116 William B. weather, JR.and keith davis, hunan resources and personal management, NEW YORK MCGRAW-HILL BOOK Co., 1989 Broches sella: inter. bank for reconstructions and development, foreign development lending, 1971, p. 86 Koeing L assistance technique ET les operations de Pré-investissement de la Banque Mondiale. Finances ET Developpment, Revue, 1967, P.234 -235 Mateeki .B.E: Establishment of the International finance corporation, a case study, International Organization Revue V.X (1956) .pp.261 – 274

(2) فإذ ما ضربنا على ذلك مثالاً بسيطاً، فوفقاً لعقد القرض الموقع بين الحكومة المصرية والبنك الدولي في 19/ديسمبر/ 2015، بقيمة 1,000,00مليون دولار، بغرض تطوير عدة محافظات مصرية، كان الأهداف المرجوة، في الواقع كانت الشروط، هي:

(أولاً) تعزيز ضبط أوضاع المالية العامة من خلال زيادة معدلات تحصيل الإيرادات، والحد من تضخم فاتورة الأجور، وتدعيم إدارة الدين.

(ثانياً) ضمان توفير إمدادات الطاقة المستدامة من خلال مشاركة القطاع الخاص.

(ثالثاً) تعزيز مناخ ممارسة الأعمال من خلال قوانين الاستثمار، واشتراطات إصدار التراخيص الصناعية، فضلاً عن تعزيز المنافسة. انظر:

http://www.moic.gov.eg/Front/Projects/ProjectDet.aspx?ProjID=2812

وتلك الشروط، المتعلقة بالسياسات الاقتصادية الداخلية للدولة طالبة المساعدة، لا نصادفها، ربما، على الإطلاق في المساعدات المقدمة من الدول ولا من المؤسسات المالية والنقدية الأخرى، فعلى سبيل المثال، وفي إطار مبادلة الديون بمساعدات تنموية، في إطار اتفاقية نادي باريس الموقعة في مايو 1991 بشأن جدولة المديونية الخارجية لمصر المستحقة للدول الدائنة أعضاء نادي باريس. قامت الحكومة المصرية بعقد مجموعة من الاتفاقات مع ألمانيا، وإيطاليا، وسويسرا، وفرنسا، ولا نجد في أي اتفاق بين الحكومة المصرية وبين أي من تلك الدول ما يشير إلى أي تدخل من أي نوع في السياسات الاقتصادية للأولى: أولا: النموذج الألماني: تم بتاريخ 15/11/2001 توقيع اتفاقية مع الحكومة الألمانية لمبادلة مبلغ 204.5 مليون يورو، وهو يمثل جزء من أعباء خدمة الديون المستحقة على مصر لألمانيا عن الفترة من 1/1/2002 حتى 1/1/2016 ، على أن يستخدم المقابل المحلى لهذا المبلغ على النحو التالي:

تخصيص نسبة 50% من المبلغ لتمويل مشروعات تخدم مجالات الحد من الفقر وحماية البيئة، والتعليم الأساسي.

تخصيص نسبة 50% الأخرى لوزارة المالية لدعم الموازنة العامة للدولة.

يتم تنفيذ هذا الاتفاق على مراحل: حيث تم توقيع الاتفاق التنفيذي لعدد ثماني مراحل حتى تاريخ المتابعة في 30/6/2011، بقيمة إجمالية بلغت 204.469 مليون يورو وذلك على النحو التالي: المرحلة الأولي: حيث تم تنفيذ الأعمال الاتية: رصف طرق ريفية. وأعمال مياه شرب بالقرى الأكثر فقراً . وأعمال صرف. وتغطية مجاري مائية. المرحلة الثانية: بناء المدارس الابتدائية. المرحلة الثالثة: حيث تم تنفيذ الأعمال الآتية: رصف طرق ريفية. وأعمال مياه شرب بالقرى الأكثر فقرا. وأعمال صرف صحي تغطية مجارى مالية. المرحلة الرابعة: بناء وصيانة المدارس بمحافظات قنا، والفيوم، والمنيا، وأسيوط. المرحلة الخامسة: لتمويل مشروع البنية الأساسية للصرف الصحي بمحافظة قنا. المرحلة السادسة: لإنشاء وصيانة عدد 37 مدرسة بمحافظات الفيوم، والمنيا، وأسيوط. المرحلة السابعة: لتمويل مشروع تحسين مياه الشرب والصرف الصحي في المناطق ذات الدخل المنخفض. المرحلة الثامنة: لمكافحة السل والإيدز والملاريا.

ثانيا:النموذج الايطالي: تم توقيع ثلاث اتفاقيات لمبادلة جزء من الإقساط والفوائد المستحقة لايطاليا على مصر. ووفقاً للاتفاق الأول لمبادلة الديون: وقع في 19/2/2001 وتم بموجبه مبادلة مبلغ 149.09 مليون دولار. والاتفاق الثاني: وقع في 3/6/2007 ويتم بموجبه مبادلة 100 مليون دولار لتمويل مشروعات التنمية. أما الاتفاق الثالث لمبادلة الديون: فقد وقع في 10/5/2012، ويتم بموجبه مبادلة 100 مليون دولار، ويتم تحويل الدين إلى: التنمية الاقتصادية والاجتماعية، المشروعات البيئية ومشروعات الصحة والأمن الغذائي والتنمية الريفية والحد من الفقر ودعم المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية في مصر.

ثالثا:النموذج السويسري: تم في 25/5/1995 توقيع اتفاقية مع سويسرا بمبادلة الديون مبلغ 150 مليون فرنك سويسري يمثل جزء من أعباء الديون المستحقة لسويسرا على مصر وذلك بهدف تخفيف عبء المديونية الخارجية، وكذا دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تمويل مشروعات تنموية تنفذها جمعيات أهلية فى مجالات مختلفة مثل خلق فرص عمل وزيادة الدخل للطبقات الفقيرة ومشروعات البيئة ومحو الأمية والامومة والطفولة.

رابعا: النموذج الفرنسي: تم بتاريخ 30/3/1994 توقيع اتفاقية مع فرنسا بمبادلة مبلغ 58 مليون فرنك فرنسي يمثل جزء من أعباء خدمة المديونية المستحقة لفرنسا على مصر عن الفترة من 1/4/1994 حتى 1/1/1998، حيث تم إعفاء مصر من سداد أقساط بقيمة مبلغ المبادلة، على أن يحصل الصندوق الاجتماعي للتنمية على المقابل المحلى لها في مواعيد استحقاقها ثم يقوم بتمويل مشروعات التنمية في مصر بمعرفته. وتلك المشروعات هي: مشروع التدريب و التأهيل لتوفير فرص عمل والمخصص له تمويل قدره 4 مليون. ومشروع إحياء تراث الحرف اليدوية القائمة على الألياف الزراعية والمخصص له تمويل قدره 0.240 مليون جنيه مصرى و المحول منه 0.165 مليون. ويمكننا من تحليل تلك الاتفاقيات، سواء من الجانب القانوني أو الاقتصادي، أن نخرج، ولو نظراً على أقل تقدير، بأن تلك الاتفاقيات لم تمس، من قريب أو من بعيد، السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، فلا نجد اشتراط مساهمة قطاع معين، كما لا نجد، حتى المساعدات المقدمة لدعم موازنة الدولة، أية اشتراطات تخص تقليص الأجور، أو تخفيض العمالة. وإذ ما اتخذنا من منظمات التمويل الأخرى، غير البنك والصندوق الدوليين، أمثلة نؤكد من خلالها على تفرد البنك والصندوق الدوليين بالتدخل السافر، فسنصل إلى نفس النتائج؛ إذ لا تقترن المساعدات المقدمة من منظمات التمويل على تدخل منهي عنه وفقاً لأحكام القانون الدولي، فعلى سبيل المثال: الاتفاق الموقع بين بنك الاستثمار الأوروبي والحكومة المصرية، بتاريخ 6/12/2015، لتمويل بناء محطة توليد كهرباء جديدة بنظام توربينات الغاز ذات الدورة بطاقة إجمالية تصل إلى 1.8 جيجا وات قرب مدينة دمنهور، بمحافظة البحيرة، مصر. فهو يخلو من أي اشتراطات تدخلية. مثال آخر: الاتفاق الموقع بين بنك التنمية الأفريقية، والحكومة المصرية كذلك، بتاريخ 8/8/2015، بقيمة 550,00 مليون دولار، فيتضمن الاتفاق بناء محطة كهرباء بخارية قدرة 650 ميجاوات في موقع قريب من مدينة السويس علي بعد 150 كيلومتر تقربيا شرق القاهرة. مثال ثالث: الاتفاق الموقع بين البنك الإسلامي للتنمية وبين الحكومة المصرية في 2/2/2015، بقيمة 222,00 مليون دولار، للمساهمة في تمويل انشاء محطة توليد كهرباء غرب القاهرة قدرة 650 ميجاوات. ووفقاً لتلك الأمثلة وغيرها نتمكن أن نؤكد على الطبيعة المتفردة للبنك والصندوق الدوليين، فهما يشذان عن مجمل منظومة التمويل الدولية بتدخلهما السافر في شئون الدول السياسية الاقتصادية.

(12) “إن الرأسمالية العالمية قد استغلت هذه الحالة الهستيرية التي حدثت في الإقراض للبلاد المتخلفة لكي تخفف، بقدر الإمكان، من أزمتها الكسادية، ذلك أن تلك القروض الضخمة التي انسابت إلى البلاد المتخلفة المدينة قد أدت إلى زيادة صادرات السلع الغذائية والاستهلاكية والمصنعة من الدول الدائنة إلى تلك البلاد، حيث أن الجزء الأعظم من تلك القروض كان مقيداً، أي مشروطاً بشراء سلع وخدمات من الدول المانحة. وبذلك ساعدت تلك القروض على التخفيف من حدة البطالة وتعطل الطاقات الإنتاجية وتقليل معدل التضخم بالبلاد الرأسمالية. وعليه، نستطيع أن نقرر، أنه لولا تلك القروض لكانت عمليات التردي التي حدثت في تراكم الرأسمال والنشاط الاقتصادي بالبلاد الدائنة، أشد خطورة مما بلغته بالفعل”. رمزي زكي، أزمة القروض الدولية (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1987)، ص21. وهو ما يتأكد بتقرير الشمال والجنوب: برنامج من أجل البقاء، تقرير اللجنة المستقلة المشكلة لبحث قضايا التنمية الدولية برئاسة فيلي برانت. ترجمة الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، الكويت 1981، ص204. وراجع:

William R. Cleine International Debt, Systematic Risk and Policy Response (Washington: Institute for International Economics, 1999), p 54-9.

للمزيد من التفصيل: رمزي زكي، أزمة القروض الدولية: الأسباب والحلول المطروحة مع مشروع صياغة لرؤية عربية، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1987. رمزي زكي، القروض الخارجية وآثارها على الخطط الإنمائية بالبلاد العربية، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، 1984.

(4) للمزيد من التفصيل، انظر:

James Raymond, The IMF and Economic Development, Cambridge University Press, 2005. Ana Maria Alvarez, L, Intervention du F.M.I. dans la Rénégociation de la Dette des PVD, th.Paris, 1983, p.41. Joseph Gold The Next Stage in Development of International Montery Law, the deliberate control of Liquidity, A.J.I.L. Vol.62(1968),p.366 et seq. Postman,S.: The Roll of Special Drawing Rights in the International Monetary System . -union- Bank Switzerland August 1972

(5) للمزيد من التفصيل، انظر:

L. Moss, The Economics of Ludwig von Mises: Toward a Critical Reappraisal, (Kansas City: Sheed and Ward, Inc, 1976(. E. Dolan, The Foundations of Modern Austrian Economics (Kansas City: Sheed and Ward, Inc, 1976(. James Buchanan, Cost and Choice: An Inquiry in Economic Theory (Indianapolis, IN: Liberty Fund, Inc= NY: The Foundation for Economic Education, 1999(. O Driscoll Gerald, Economics as A Coordination Problem: The Contributions of Friedrich Hayek (Kansas City: Sheed and Ward, Inc, 1977(. Beyond Neoclassical Economics: Heterodox Approaches to Economic Theory, Ed: Fred E. Foldvary (Cheltenham: Edward Elgar Publishing-limit-ed, 1996). Klaus H. Hennings, The Austrian Theory of Value and

Capital: Studies in the Life and Work of Eugen von Bohm-Bawerk (Cheltenham: Edward Elgar Publishing-limit-ed, 1997) Samuelson and D. Nordhaus, Economics (New York: McGraw-Hill Companies 2005).R. G. Lipsey and P. N. Courant, Economics (New York: Addison-Wesley, 1999). Milton Friedman, Capitalism and Freedom, University of Chicago Press, Chicago, 1962.M.Friedman, Adam Smith`s Relevance for today, in: Challenge, March/ April, 1977, pp, 6-12. David Friedman, The Machinery of Feedom, Harper & Row, New York, 1973.

(6) للمزيد من التفصيل، انظر:

Myriam Gervais, Etude de la pratique des ajustements au Niger ET au Rwanda, Labour, Capital and Society, Vol.26. No.1, 1993, p.36.

Ray Bush, Poverty and Neoliberalism: Persistence and Reproduction in the Global South, op, cit, p.78-9.

Marches tropicaux, 26, Feb, 1992, p, 569. Marches tropicaux, 26, Oct, 1993, p, 2498.

ميشيل تشوسودوفيسكي، عولمة الفقر، ترجمة محمد مستجير مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013، ص6-20.

جيرمي سيبروك، ضحايا التنمية: المقاومة والبدائل، ترجمة فخري لبيب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2002. ص292، وما بعدها.

جان زيجلر، إمبراطورية العار: سادة الحرب الاقتصادية: الإقطاعيون الجدد، ترجمة هالة عيسوي، إصدارات سطور الجديدة، القاهرة،2007. بوجه خاص: الفصل السادس. تقرير منظمة الأغذية والزراعة، تقرير حالة الأغذية والزراعة (1993) و(1994).

The post البلدان المتخلفة من هيمنة المستعمِر إلى قهر الدين الدولي – بقلم: دكتورة سحر حنفي  appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26920
أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق https://maktaba-amma.com/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7/ Thu, 12 Feb 2026 10:41:57 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26916 أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي مقدمة قبل ذي بدء لقد أفرغت بعض الأفكار منذ الاطلاع على الصفحة الأولى، وعندما تابعت ما تبقى من صفحات، حينئذ؛ أتخذت سبيلاً آخر؛ بدراسة […]

The post أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق appeared first on المكتبة العامة.

]]>
أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي

مقدمة

قبل ذي بدء لقد أفرغت بعض الأفكار منذ الاطلاع على الصفحة الأولى، وعندما تابعت ما تبقى من صفحات، حينئذ؛ أتخذت سبيلاً آخر؛ بدراسة المقال بتأنٍ ودون عجل، ثم قمت برسم وبعشوائية على ورق أصم بعض الجمل، والكلمات، والمصطلحات، والتساؤلات التي أثارت انتباهي ثم المعلومات التي لم أكن على علمٍ بها بالإضافة لبعض الآراء فى نقاط معينة ثم اتخاذ القرار بالبحث عن بعض المعلومات الواردة حيث لا يجوز نقد أو إبداء الرأي في شيء نحن لا ندري عن بعض أجزائه شيئا. ثم اتخذت قراراً بإعمال الفكر وبيان الرأي العملي والنقد البناء دون تحيز وكشف الرؤية التي ربما قد تتناسب أو لا تتناسب مع واقعنا المرير وكل ذلك جاء بعد تهيئة البيئة المناسبة للقراءة والتفكير في المقام الأول. وقبل الخوض في أياً مما سبق، لقد أبهرني مقام العرض الإبداعي الأدبي والأفكار المطروحة. لكنني ومع ذلك قطعت عهداً عند دراستي لهذا المقال ألا أتحيز لرأي أو فكر أو إبداء وجهة نظر دون تأمل عميق ومن ثم عرض أرائي المسبقة لبعض النقاط المطروحة، وكل هذا إعمالاً لفكرة التحرر ذاتها، تحرير الفكر دون قيود تحجب عنه الرؤية، أي؛ سنقوم بالتطبيق العملي للفكرة ذاتها، كما أن الكتابة وحدها تُعد تحرراً.

لماذا تلك المقدمة التفصيلية؟ يرجع ذلك إلى كثرة ما انشغل الذهن وتلاحق بعمقه الأفكار، حتى أصاب العقل “Error” حيث عجز عن اختيار أياً من تلك الأفكار الملحة التي يمكن البدء بها؟ ولربما تكون فكرة “تهيئة البيئة المناسبة للقراءة والتفكير” أبعد ما تكون عن مضمون ما وودت أن أعرض  لكن فى الحقيقة هي أساس لفكرٍ صافٍ وإنتاج عمل لائق بل هي أساس عمل الباحث والمفكر والطالب حيث كثيراً ما نغفل عن مناقشة ذلك الأمر وكأنه شيئاً غير مهم أو غير ضروري، ومن وجهة نظري الخاصة؛ لولا تهيئة البيئة ما كتبت حرفاً من هذا، ربما يعتمد ذلك على تغاير سيكولوجة كل إنسان عن الآخر، ومن هنا تأتي مسألة دراسة الباحث كإنسان فى المقام الأول، قبل دراسة فكر الإنسان وقدراته العقلية والأفكار التي من شانها أن تضيف جديداً للمجتمع، فمدخل الدراسة يجب أن يكون مدخلاً  لسيكولوجية الباحث، وتهيئة ما يؤهله على التركيز والتعلم والإنتاجية؛ لينتج نبتة الإبداع المنتظرة. حتى نستطيع أن ننتقل بهدوء إلى المراحل التالية دون قفز للدور المائة بمبنى هش ضعيف التأسيس.

سأقوم بتناول هذا البحث القصير المعبر عن بعض الآراء الخاصة جهة الباحث بعد الإطلاع على مقال دكتور محمد عادل زكي “أزمة العلم الإقتصادي فى الوطن العربي” من خلال ثلاث مباحث رئيسية:

 المبحث الأول: أزمة العلم بصفة عامة؛ ما بين الحدود المفروضة

المبحث الثاني: أزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة؛ ما بين الحدود المفروضة

المبحث الثالث: أراء ومقترحات الباحث، من حيث؛ الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة، وعلم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالوطن العربي

المبحث الأول

أزمة العلم بصفة عامة؛ ما بين الحدود المفروضة

أولاً: فكرة التقدم والتخلف ما بين العلم والأخلاق والمصطلحات المغلوطة

_ يتناول جلال أمين، بكتابه “خرافة التقدم والتخلف” مصطلحات ومفاهيم مغلوطة مُصدرة إلينا من الغرب، ويتم تدريسها دون نقد واعٍ بما وراء الترويج لها. والأفكار والشعارات الغربية التي يتناولها الكتاب يمكن تناولها على نحوٍ مبسط كالتالي:

١. فكرة “التقدم والتخلف” هى فكرة مصدرة إلينا من العالم الغربي للهيمنة على العقل العربي، فيتم قياس تلك الفكرة بمقياس (التنمية الاقتصادية) بصفة عامة، ويتم قياس العالم المتقدم بصفة خاصة؛ بمقياس (التنمية الإنسانية). ويثور الشك حول كيفية هذا القياس، فيتم التنديد بستة محاور لقياس فكرة “التقدم والتخلف” وهم ميادين: (الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وعلم الأخلاق، وثورة المعلومات، والنظم الاقتصادية).

٢. هناك تناقض فى فكرة التقدم، إذ  ليس له مؤشر صعودي إلى ما لانهاية، ففكرة التقدم ما هى الا عجلة، نقطة البداية فيها هى نقطة النهاية ونقطة الانطلاق هى نقطة التوقف؛ والعكس.

٣. يحتوي التعليم العصري على بعض الأفكار والمسلمات والعقائد، والمجبر على الطلاب تعلّمها على إنها حقائق، رغم الشك فى مصدقيتها. مثل؛ الاعتقاد “بفكرة التقدم”.

٤. موقف الاقتصاديين من قضية التقدم الاقتصادي فى “البلاد الفقيرة “backward”: وهو اسمها الشائع فى (أوائل القرن ٢٠) فكانت شعار التنمية الاقتصادية لم يتشكل بعد والكتابات فيها، نادرة؛ لتعارضها مع أهداف الاستعمار ومصالحه، فالتنمية تؤدي إلى (ارتفاع مستوى الأجور، وتصنيع المواد محلياً، وإنتاج سلع بديلة للواردات). والمجتمعات المتقدمة كانت لها ذات الظروف التي تشكو منها المجتمعات الفقيرة، وهى ظروف جاءت نتيجة للركود الاقتصادي وليس سبباً له.

٥. يرى المتنورين والمفكرون الاشتراكيين قديماً؛ ارتباط الأخلاق بالتعليم ولكن مع مرور الوقت ظهر للأخلاق قانوناً خاصاً به غير مرتبط بالتعليم إطلاقاً، وهو “قانون المنفعة” او “مبدأ المنفعة” للكاتب “بنثام” فنفي تلك الفكرة من الوجود! “ويرى مفكروا التنوير فى القرن الثامن عشر، والمفكرون الاشتراكيين فى القرنين التاسع عشر والعشرون أن ارتفاع مستوى التعليم وانتشاره بين الطبقات سيزيد من الارتفاع فى مستوى الأخلاق، لكن ثبت خطأ هذا الاعتقاد؛ حيث اُكتشف أن للتطور الخُلقي قانوناً خاصاً ضعيف الصلة بتطور العلم وانتشار التعليم”. كما تدخل الغرب بإعلان رغبته فى تغيير مناهج الدين إلى مادة علمية او مُقرر يطلق عليه “الأخلاق” ليتم تدريسه لكافة العقائد. وجدير بالإشارة؛ أن هناك علاقة وثيقة ما بين [ الأخلاق، والشعور بالولاء والإنتماء ] أي أن الصفة الأخلاقية تزيد قوتها عند الإنتماء إلى شىء خاص؛ أي عند الإنتماء إلى فئة معينة او عقيدة بذاتها وبالتالي يكون أضعف للإنتماء إلى شىء عام؛ أي عند الإنتماء إلى بعض الشعارات العامة “كشعار الإنسانية” مثلاً. (١)

_ ويتناول روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)؛ مفهوم التقدم على النحو التالي:

١. المعيار الأوحد لفكرة التقدم الكلية؛ هو النمو العلمي والتقني؛ ليقيس قدرة الإنسان على الطبيعة والبشر، فالمعنى الكلي للتقدم؛ كما عبر عنه “كوندورست” بالقرن ١٨ و”أوجست كونت” بالقرن ١٩ وذلك فى “قانون الحالات الثلاثة”، وبالقرن ٢٠ مع مفاهيم التنمية والنمو معتمداً على تلك الثقافات السابقة (القرنين السابقين)؛ الثامن عشر والتاسع عشر، تجلى على إثرها ثقافة “النهضة” حيث جاءت بثلاثة فروض:

  • فرض”ديكارت“: “جعلنا أسياداً وملاكاً للطبيعة”، “الطبيعة المنتقصة المختزلة فى شكلها الميكانيكي”.

إذن؛ هى علاقة سيطرة على طبيعة مجردة من كل غاية! حيث؛ استبعد القوى المحركة لتلك الآلية، معتمداً على الرؤية المادية البصرية والملموسة فقط، أي؛ قام بالتركيز على الحركة والسكون للطبيعية ومسألة توازنها. ويمكن تقسيم تلك الميكانيكا؛ في الديناميكا؛ التي تفسر حركة أي جسم، والإستياتيكا الذي تركز على سكون تلك القوى ومسألة إتزانه،  بفرع الطبيعية والفيزياء حيث؛ تقوم بالبحث عن القوى والطاقة، وتأثيرها فى حركة وسكون الجسم (٢).

____________________

١.جلال أمين، خرافة التقدم والتخلف، دار الشروق، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.

٢. قاموس المعاني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

ب. فرض”هوبز“: “عرّف العلاقات بين البشر “بالإنسان ذئب الإنسان”؛ قيامها على التنافس  بالأسواق، صراع الغابة بين؛ الأفراد، والجماعات، علاقة؛ السيد والعبد، وحالياً بالقدرة التقنية، “توازنات الخوف”.

ج. فرض “مارلو“،  بكتابه “فاوست” أعلن وفاة الإله: “أيها الإنسان، عن طريق عقلك القوي، تصبح إلهاً، المالك والسيد لكل العناصر”. (١)

وجدير بالذكر ورداً على “مارلو” و “ديكارت” أن (الله الأحد الصمد) قد جعل الانسان خليفة فى الأرض وسيداً على الطبيعة وعلى كافة العناصر، أما التفكير الفلسفي البحت الذي يتبنى العدم فلا رثاء لهذا الفكر. والانفصال العقيدي عن الفكري لا يتبعه سوى التيه. وتأكيداً على افتراضات ديكارت ومارلو إننا بالفعل أسياداً على الطبيعة، أسياداً فانيين على طبيعة فانية! فما بالك يا مارلو بإله فاني؟!!

يشمل مفهوم “التقدم”: البحث عن “معيار موضوعي” على أساسه يتم القياس الكلي؛ لكافة القيم. كما يلزم أن يتجلى بمجتمعاً به عامل مشترك لتلك القيم والمتمثلة فى اقتصاد السوق؛  فكل القيمً تصبح سلعية، تُقاس؛ بالوحدات النقدية عندما يتم الانتقال من الجزء إلى الكل؛ أي تعميم العلاقات الاجتماعية. ومن حيث؛ التقدم والحضارة الكمية، انحصر التقدم فى (التقنية والعلم) اللازمان للنجاح (الصناعي والتجاري)، وهو المعيار الوحيد “للتقدم” بصفة عامة؛ وقابل للقياس؛ بالوحدات الكمية. وخدمت “العلوم الإنسانية” هذه النظرية للتقدم بعكس الاقتصاد السياسي فى البداية الذي كّون باالقرن ال١٨ خرافة “الإنسان الإقتصادي” أي (منتج، ومستهلك) يعمل مصلحته الفردية فتشكلت الحضارة الكمية، ويتساءل جارودي عن نتائج العولمة بناءاً على المفهوم الكمي؛ للتقدم والتنمية بالمستوى الحالي؟ (٢) ويراعي أن العلم والوسائل التقنية ليست المعيار الوحيد لتقدم أمة، فماذا نعمل بمدن تكنولوجية كاملة وعلوم بلغت الأفاق ووصلت لمنتهاها ويتراجع معها قيم أخلاقية ليست بميكانيكية أو قابلة للقياس بالوحدات النقدية؛ للأجيال الناشئة، لتمحى هويته والوعي بالغاية من وجوده، حتى يصبح كالطيور الضالة التي ليس لها وجهة ثابتة ترحل إليها!

___________________

١. روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م. ص٩٤،٩٥

٢. المصدر السابق؛ ص٩٦_٩٨

ثانياً: العلم التقني والأهداف النهائية

سنعرض بعض أفكار العلم لروجيه جارودي بكتابه “حفارو القبور”، الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها (١) على النحو التالي:

١.اعتقد كِلا من النظامين (السوفيتي والأمريكي) أن “العلم” التجريبي والرياضي والتكنولوجي أو التقني سيحل مشكلات العالم وستضمن منهجيته؛ تحقيق السعادة لقيادة الإنسانية! لكنه فشل وولد نوعاً جديداً New gender من البشر، وهو “الإنسان المبرمج”؛ عقله كعقل الكمبيوتر. حتى أُغفل عقل الإنسان الذي يطرح الأسئلة الأخيرة، والأهداف النهائية، وأسئلة؛ لماذا؟!

٢. فلا يمكن لآلة تقنية؛ كالكمبيوتر تعيين تلك الأهداف النهائية، إذ لعقله المبرمج حدود ألا وهو العلم ذاته والأسلوب الفني والتقني الذي يتم فيه على الدوام محو وإضافة وتعديل وتطوير؛ وأياً كان هذا  العقل الذي يبهرنا لأي مفكر أو باحث عبقري سابق سواء؛ لنيوتن أو لأينشتاين أو غيرهم. فأزمتنا الآن هى أزمة التساؤل حول أهدافنا، حقيقةً! أما التساؤل عن تلك الأهداف النهائية فقد انشغلت بها الأديان على مر العصور، إذ ولد مع الإنسان البحث عن إجابات حول (المستقبل، ومعنى الحياة، والموت، وما بعد الموت.. إلى آخره)، أما الشعب الأمريكي فقد استغنى عن أبعاده الربانية؛ “السمو، والبحث عن المعنى”.

٣. فالمشكلة العميقة المتعلقة بالأهداف النهائية والأخيرة هى الإيمان؛ إذ أن الأديان وحدها تتساءل وتبحث وتجيب عنها أما الغرب فقد أخفقوا فى الوصول إلى تلك الإجابات! (وبالنسبة إلى الشرق العربي فهم على علم بالفعل بالنتائج المترتبة على هذه الأهداف!). ونؤكد على إثارة ذات التساؤل “لماذا لم تتمكن العلوم والتقنيات من حل مشكلات عالمها”؟ وقد أكد “لورا جورهان” فى كتابه “الحركة والكلمة”: (“إنه لا يجب مقايضة إنسانية البشر بتقدم التقنيات!” ويتساءل معجم روبير “من المستفاد من التقدم الحديث للتقتية والعلم؟”.

_ وجدير بالإشارة؛ أن العلم بالفعل قد حل بعضاً من مشكلات العالم فى حدود فكره البشري أما ما يتخطاه إلى اللاحدود، فيكون محاولة التفكير فيه عبثاً ودوران فى دائرة مغلقة. لانه لا يصل بنا إلا لمفترفين؛ مفترق؛ العدم أو الأبدية. فالفكر وحده لا يخدم مشكلات حياتنا الوجودية بل إن الغيبيات والروحنيات كفيلة بخدمة مشكلات العالم النفسية حتى يكون لديه المقدرة على الاستمرارية أثناء حل أزمات ومشكلات العالم المادية التي لا تنتهي بسلاسة ودون تضارب ما بين العقل والايمان القلبي بالخالق!

وجدير بالذكر؛ أن كل عصر أخذ اسمه من التقنية التي تم إعتمادها فيه: فلدينا “عصر: الحجارة المنحوتة، الحجارة المصقولة، البرونز، الحديد، ماكينة البخار والكهرباء والذرة… إلى آخره”. (لكن الباحث يشق عليه اختيار اسماً لهذا العصر؛ هل هو عصر التقنية أم عصر الذكاء الاصطناعي أم عصر الجهل البشري، أم عصر التشتت، أم عصر المادية، أم عصر اللا أخلاق، أم عصر الجهل المتقدم!)، ويستمر روجيه جارودي بسرد أفكاره؛ فقد حلم ديكارت بكون ميكانيكي ضئيل ليس فيه حدود للقوة الإنسانية، تقنية عظيمة؛ لتحريك الجبال، والحركة الحرة بالفضاء، والرحيل للقمر! ماذا نفعل بكل تلك القدرات عدا أن ننميها بلا حدود وإلى اللانهاية! نتسائل دوماً بكيف وننسى أن نسأل بلماذا؟! ولما لا نعمل الذهن ونتركه ينشغل بالأهداف النهائية؟ فالبؤس العظيم لعلم المستقبل؛ هو الدوران حول طاحونة؛ “مراكز القرار؛ المتعلقة بالشركات، أو الجهات المعنية، أو إعداد الأراضي، والتخطيط، أو خدمات الدفاع الوطني”. ليخدم العلم بالشركات مسألة التسويق؛ على المدى الطويل؛ فقط، لاستغلال الأراضي!

____________________

١.روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م، ص٧٧_ ص١٠٢. بترتيب البيانات: (ص٨٩، ص٩٠، ص٧٧، ص٨٨،ص٩٣، ص٩٥، ص١٠٣، ص١٠١، ص١٠٢). 

المبحث الثاني

 أزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة؛ ما بين الحدود المفروضة

أولاً: نظرة عامة في النظرية النيوكلاسيكية

برز الفكر النيوكلاسيكي بأواخر (ق. ١٩) بواسطة؛ ستانلي جفونز، وكارل منجر، وليون فالراس ثم ألفريد مارشال، وباريتو، وفون بوم بافرك، ويتحدد أسلوب تحليلهم “بالمنفعة الحدية” أي منفعة آخر وحدة. ففي قانون القيمة تتمثل “تناقص المنفعة الحدية” في إلحاح الفرد لإشباع حاجة ما ثم يقل الإلحاح بذلك الاشباع ومعه تتناقص المنفعة من الحاجة، ومن أي وحدة إضافية تزيد عن حاجته، وتلك المنفعة ترتفع وتنخفض، بحسب الندرة؛ إن كان عدد وحدات سلعة ما قليل ترتفع المنفعة، والعكس. ومن مبادئها؛ تغذية النظام الرأسمالي العالمي مع الإبقاء على الطبقة العاملة وتدعيم وجودها، إهمال زيادة الصادرات فى مقابل الاهتمام بدراسة سلوك الأفراد وإشباع الحاجات، سواء؛ المادية، أو الغير مادية؛ متمثلة فى الخدمات؛ المسبب الرئيسي للثروة الاجتماعية بسبب ندرتها النسبية بالمقارنة بينها وبين الحاجات المادية. بالإضافة لعدم الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية بل جعلها بين أفراد وأشياء، وعلم الإقتصاد لديهم علم طبيعي؛ كأي علم طبيعي آخر، أي؛ ليس إجتماعي. (ويندهش الباحث من أن انعدام قيمة أو منفعة ما يقال عليه من وجهة نظرهم “أموالاً”بالسوق)، مثل؛ الشمس أو الماء حيث أن قيمته بالسوق: صفراً، ومنفعته الحدية: صفراً. (لكن الباحث يرى أنه لولا وجودهم ما كان هناك زراعة فى الأصل وإن كانت المنفعة غير مباشرة أو غير ملموسة !). وبالتوزيع لديهم يتحدد أجر العامل بإنتاجية آخر عامل، والفائدة بآخر وحدة مضافة من رأس المال، وتوزيع دخل المستهلك ما بين الانفاق بالحاضر والادخار لانفاقه بالمستقبل (منفعة حدية).  ومن فكرهم أن النشاط الإقتصادي بمجتمع رأسمالي  مسئولية الأفراد ليس الدولة إلا تدخلاً استثنائي، ووجود منافسة كاملة بالسوق. وتُلخص أفكارهم في الاهتمام بالمستهلك مع إهمال الاستهلاك الكلي للدولة (١).

____________________

١.سوزي عدلي ناشد، محاضرات فى الإقتصاد السياسي، دار المطبوعات الجامعية، ٢٠١٨م، الإسكندرية، ص١١٨- ١٢٣ بتصرف.

ثانياً: نقد النظرية النيوكلاسيكية

١. ليس بالضرورة أن يتصف المستهلك بالعقلانية عند شراؤه للسلعة

إن كانت المدرسة النيوكلاسيكية تعتمد على سلوك المستهلك بصفة عامة بوصفها عقلانية أو رشيدة؛ فلم تأخذ بعين الاعتبار أن من ضمن مستهلكي بعض السلع؛ كالحلوى أو الألعاب؛ أطفالاً! إذ يتم ترويج تلك السلع وتسويقها على نحو يتلاعب بمركز أعصاب المخ للمستهلك بتكرار عرض السلعة أمام ناظريه بعد تجميلها بأبهى الأشكال والألوان وتلك التآثيرات الصوتية التي تلعب على مراكز الحس للوصول إلى ضرورة شرائها أو الرغبة الملحة لامتلاكها وإن كانت من الكماليات أو لا تضيف شيئاً جديداً وقد يمحو ذلك المثال البسيط مسألة “فكرة المنفعة” إذ ليس بالضرورة أن تكون السلعة ذات منفعة؛ لأجل شرائها. كما أن طرق ومنهجية عرضها تعد سبباً فى زيادة رغبة المستهلك فيها من عدمه، ليس لأنه بحاجة إليها، بل قد تكون رغبة فى التجربة أو التغيير أو الجشع أو الاستهلاك فقط من أجل الاستهلاك رغم عدم حاجته إليها، لكن بالنسبة إلى المنتج؛ فإن التربح بالفعل أساس صناعته، وأساس تجارة التاجر حتى يصل المُنتَج إلى المستهلك سواء رغب في ذلك المنتج ضرورةً أم رفاهةً، يلزم فقط ها هنا أن يؤخذ بعين الاعتبار مسألة أنه ليس بالضرورة أن يكون المستهلك رشيداً!

٢. الدراسة الجزئية لسلوك الفرد منفرداً كان أو لسلعة أو وحدة

تعميم الشيء الجزئي على الكلي أمر مرفوض تماماً، إذ أن التغييرات في ذلك الشيء الجزئي سواء كان لمستهلك أو سلعة أو وحدة؛ يُحال مراقبته على الدوام أو قياس ذلك التغيير بدقة، تلك المتغيرات المستمرة ليست ثابتة ليتم القياس عليها الإقتصاد في مجموعه، وكيف ذلك؟! إذ أن سلوك كل فرد يختلف من شخص لآخر وحتى الاهتمامات أو الاذواق ليست ثابتة وبالتالي فإن استهلاكه لن يسير على وتيرة واحدة أو خط مستقيم حاله كحال السلعة؛ محال دوام توافر المواد الأولية بالكميات المطلوبة إذ لا يؤخذ في الاعتبار تقلبات الأحوال التي تحول دون توافرها سواء أزمات إقتصادية أو عسكرية أو سياسية.. إلى آخره. الكمال في عرض النظرية والمثالية المفرطة، واقعياً، وفي حقيقة الأمر؛ لا يوجد مثل هذا، وبطبيعة الحال نحن نحاول دراسة الواقع فى حد ذاته وتقلباته، ربما ذلك التوازن العام قد يحدث ولكن بظروف معينة وفى حالات استثنائية؛ لكن ليست القاعدة أو الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه على أية حال.

٣. الاعتماد على المستهلك والمنتج كوحدة تحليل إقتصادي بالمدرسة النيوكلاسيكية

كيف يتم جعل المستهلك والمنتج، وحدة أساسية؛ للتحليل الإقتصادي بالاعتماد على المتغيرات من زيادة وحدة أو نقصانها سواء عند الطلب؛ طلباً لمنفعة، أو عند التكلفة؛ بإضافة أو نقصان وحدة إنتاجية! الوحدة الأساسية التي يجب أن يتم القياس عليها لتحليل إقتصادي سليم هو حساب مجموع السكان بالدولة ثم بناء البنية الأساسية من مصانع منتجة لأساسيات المعيشة أولاً والمؤسسات الخدمية التي تكفل التعداد السكاني بدون تكدس ثم فيما بعد يتم النظر لكماليات الإنتاج والبذخ والإسراف المفرط وإهدار الحقوق من تلك الموارد جشعاً وظلماً! وما يعد دون ذلك مجرد إهدار للموارد بغرض التربح ليس إلا، والاستيلاء على أكبر قدر من الثروة!

المبحث الثالث

أراء ومقترحات الباحث، من حيث؛ الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة، وعلم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالوطن العربي

أولاً: الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة بالحدود المفروضة

١. تغيير مسار التعليم من التلقين إلى التفكير

التلقين وحده بالمدارس والجامعات لن يحقق حل معضلة رجعية الدولة وزحفها البطيء نحو التقدم إن كانت وبحق تسير فى المسار الصحيح نحوه! لزاماً تحرير الفكر؛ بجعل المناهج الدراسية عبارة عن مراجع من أمهات الكتب الأصلية؛ مهمتها الرئيسية إطلاق العنان للطالب أو الباحث بقرائتها ثم بيان رأيه بعرض بحثه الخاص القائم على التفكير الناقد بخصوص موضوع ما أو جزء ما أثار انتباهه، وبالاطلاع على كتب فرعية آخرى بجوار أصولها؛ أي إنتاج عمل خاص في كل عام دراسي من مراحل سنوات الباحث الدراسية. إن إختيار أمهات الكتب ما بين الاطلاع على أجزاء منها ثم مناقشتها بالإضافة إلى الواجب المنزلي المتمثل في القراءة الفردية ونقد أي جزء يراه الطالب أو الباحث أو القارىء أنه يستحق النقد، ويتم ذلك خلال الترم الأول من العام الدراسي يليه اختيار البحث واتمامه حتى الترم الثاني. (يمكن أن نستعيض عن مصطلح العام الدراسي بالعام الفكري، لا الإنتاجي بل الفكري) كما يمكن أن يتم اختيار كتابين أو مرجعين لكل عام من أصول الكتب ثم إقامة الأبحاث عليها طوال العام الدراسي، وفى كل الأحوال مهمة الدراسة ستكون ما بين الاطلاع والمناقشة والنقد والبحث، أي؛ ليس حفظاً أعمى، ليكون هذا العمل أو هذا البحث الخاص شهادةً فى حد ذاته للمساهمة العلمية والفكرية داخل المؤسسة بل وخارجها، يمكن أن نغير المصطلح ها هنا ليتماشى ويتناسب وربما ليتطابق مع فكرتنا إلى “المؤسسة الفكرية” بدلاً من المؤسسة التعليمية، وذلك حتى لا  يكون طالب العلم متلقن بائس، تُمحى كافة المعلومات التي تلقاها من ذاكرته خلال سنوات دراسته مع مضي الزمن؛ ليصبح عقلاً فارغاً مثله مثل الجاهل الذي لم يتعلم قط! إن كنا حقاً نريد تطوراً، فلنبدأ بالسير فى المسار الصحيح نحو تصحيح الفكر وتغيير نظرتنا تجاه التعلم والتعليم والغرض من المعرفة بصورة عامة، ونتسائل ما الهدف من الإرتقاء بوعي الإنسان من عدمه؟! تغيير إستراتيجية التعلم بالمدارس والجامعات من شأنها أن تثري الوطن العربي بمفكرين وأصحاب رؤى بكافة المجالات العلمية والنظرية ويمكن أن يتحقق ذلك بقرار بسيط وواعٍ من صناع القرار ومن لديه اليد العليا بشأن إتخاذ تلك القرارات التي من شأنها أن تنقذ عقول الأجيال القادمة من بأس نظام التعليم العقيم المدمر للأذهان الذي لا يجدد ومع الأسف سوى جهلاً، مناهج التعلم تسير في ذات الدائرة؛ كحمارٍ يحمل أسفارا يدور حول ساقية الجهل، التخلص من القيود الفكرية وإختيار المسار الصحيح؛ بإختيار الأسلوب والمنهجية الصحيحة للتعلم من أجل الإنتاج الفكري سيمزق وبحق قيد معاناة المتعلم الجاهل!

٢. الأزمة أزمة عرض وطلب؛ للأفكار

يتم قطع العلاقة بين الطالب الأكاديمي وبين فروع علوم المعرفة الآخرى منذ اللحظة التي يفارق فيها الثانوية العامة، ليبقى على  علم، فى حقيقته قراءات، كم معلوماتي يتلاشى فور انتهاء الاختبارات، يتلاشى دون وضعه في الفعل، معلومات من الممكن أن تكون منبعاً لابتكار وتكوين أفكاراً جديدة من لحظة الخطوة التي خطا بها باب الجامعة؛ لكن العمر ينقضي، والأفكار تحتضر؛ لهؤلاء، والأجساد تتلاشى، ويأتي هدراً آخر من العقول فى طريقه إلى مقبرة انتهاء الأجل. الأزمة فى الحقيقة إنما هي أزمة عرض وطلب، ليس بالمفهوم الاقتصادي الذي نعرفه، وإنما هي أزمة عرض الأفكار وأزمة طلبها، أزمة طلب أفكار الباحثين؛ بسبب التكلفة المرتفعة والاجراءات التعسفية التي تعوق طلبها! لا أدري لماذا على الباحث أن يحمل ذاته تكلفة باهظة وأن تسلب منه بضعة سنوات من الجهد العظيم؛ لأجل أن يساهم بمساهمة علمية! فهل من العدل والمساواة تقديم كل تلك التضحيات من أجل شهادة أو لمجرد كتابة أسمه على جهده الخاص الذي هو حقاً طبيعياً له! إذ إنه هو باذل ذلك الجهد والوقت الذي أُقتص من عمره في سبيل ترك آثراً لأفكاره التي أنتجها من عصارة فكره للمجتمع العام، وللأجيال القادمة! لإشعال قنديلاً آخر بمسار المستقبل! هناك فجوة عظيمة ما بين الاثنتين؛ ما بين عرض الأفكار وطلبها فى حين أن إعادة تشكيل وهيكلة المنظومة التعليمية لن يحتاج إلى تكلفة عظيمة كما يعتقد البعض، بل قد لا يحتاج لتكلفة على الإطلاق بالنسبة للعلوم النظرية على وجه الدقة، إن كانت الأزمة أزمة تمويل! فلا تمويل! الباحث وطالب العلم لا يحتاج سوى الموافقة دون شروط تعسفية لتكملة مساره الفكري، لا لشيء سوى لطلب العلم فى حد ذاته، الأزمة هنا هى أزمة إدارة، أن تدرك الإدارة خطورة موقعها ومدى إيمانها الداخلي بأن هناك قرارات هينة من شأنها أن تغير منظومة التعليم قالبة إياه عقباً على رأس؛ بإعتدال!

٣. تحمل الباحثين عبء تكلفة أبحاثهم من أجل درجة علمية!

النقد الفكري للعلم ذاته بالمساهمات العلمية؛ أمر مطلوب من أجل التطوير وتعجيل مسار التقدم، حبذا لو كانت تكلفة تلك المساهمات؛ صفر تكلفة.  حيث أن قلة المساهمات الفكرية ترجع إلى التربح المؤسسي من خدمات التعليم والأبحاث، وبسبب ذلك تجلت أزمة إهدار العقول، أزمة رفع التكلفة على الباحث وكأن المؤسسة زاهدة فى اِسهام الباحث الفكرية! فصارت العقول الشابة الواعدة؛ يتيمة، بل وتلك التي على عتبة الركود! ركودها الفكري؛ صار عقلها صحراء مقفرة! فالباحثين اليتامى؛ يتامى توجيه وإشراف ودعم، لا أب مؤسسي لهم يتبناهم، كما تتطلب أمهات الكتب القاسية دعمهم؛ لإنجازها! فأين هؤلاء بحياة هؤلاء!! الأزمة حالياً أزمة إنقاذ الشباب، عقلاً، وفكراً، وأملاً، ليس الشباب فحسب، بل كل من لديه فكر بغض النظر عن عمره، وعنصره، وجنسيته، فإنه مساهم فكري؛ لإنتاج علم يخدم وطنا العربي ككل؛ لذا يمكن أن نُلخص بأنها أزمة إنسان، وستظل أزمة إنسان.. بسبب إنسان!

٤. الاجراءات التعسفية 

الباحث لا يحتاج سوى ورقة واحدة فقط من الجامعة بالقبول؛ لاستئناف دراسته وأبحاثه التي يعمل عليها، لا؛ للإجراءات التعسفية والعوائق التي تعطل ملكته الفكرية عن السير قدماً! تلك الإجراءات المعقدة سبباَ رئيسياً من أسباب تعطل أفكاره، وإهدراً للجهد والوقت؛ لاستئناف الموضوع الذي انشغل الذهن به، ومشاركة مساهماته الفكرية! ثم تأتي أزمة مشرفين غير متواجدين، وذل القبول جهتهم، وأزمة أموال طائلة والمعاناة من قبل المؤسسة وتعسف الإدارة فقط ليقدم الباحث عمره ووقته وجهده على طبق من ذهب؛ ليساهم بأفكاره لخدمة المجمتع!! ذلك يعد تدمير ذهني وإضاعة سنوات هباءاً ويرجع السبب التعسير على هؤلاء الباحثين! هل تلك التعسفات من شأنها أن تحافظ على الأذهان التي لديها قابلية للابتكار أو الإنتاج الفكري؟!

هناك ساحات وقاعات خارج الجامعة، إن لزم الأمر فليلقي البروفيسور بمحاضراته خارج الجامعة أو بمتنزه مفتوح أو بأي مبنى خارجي خاص تابع للجامعة، الأزمة ليست أزمة أماكن، فلو وضعت مجالس العلم فى الطرقات لذهب إليها طالب العلم أو ذلك الباحث غير مكترث! ما الأزمة إذاً؟ هل هي أزمة مشرفين؟! لماذا دائماً هناك متلقي للعلم وآخر أستاذاً في حين أن الطالب بكل بساطة يمكن أن يكون أستاذاً إن كانت مهمته تتطلب تفسير بعض المعلومات التي تلقاها على يد غيره، أو نقل الحقائق ثم يضيف رأيه مزيلاً بأنه رأيه الخاص! ربما سيتيح ذلك عملية ربط أفكار العقول ببعضها البعض وإنتاج أفكاراً علمية مبتكرة! لما لا يتم تفعيل تطوع الطالب؛ كمعلم. وتقديم شهادة خبرة من الجامعة تأكيداً على جهده وممارسته في نقل المعرفة، فكل طالب يمكن أن يكون معلماً لطالباً آخر، حينها لن يكون هناك؛ لا أزمة علم، ولا ازمة نسيانه، ولا أزمة أساتذة! هنا لا أتحدث عن مهنة الأساتذة؛ بمقابل مادي. بل بمقايضة المعرفة بمعرفة!،

على سبيل المثال: عند إلقاء المحاضرة من قبل استاذ لمجموعة من الطلبة؛ فلنتفترض ثلاثون طالباً أو باحثاً، فمهمة هؤلاء هي إلقاء ذات المحاضرة بعد يومين أو ثلاث بعد البحث وتجميع المعلومات والتدرب عليها إلى ثلاثون طالباً آخرين، وبتوثيق تلك المحاضرات عن طريق محاضرة تبث مباشرةً أو تسجيلها ثم حفظها على أحد الأجهزة وجمعها فيما بعد ربما للتقييم من قبل الطلاب التي تلقت تلك المعرفة أو بصوت مسجل فقط ثم عمل موقع إلكتروني خاص بالجامعة ورفع تلك المحاضرات التي تعد بمثابة توثيق تعليم الطالب أو الباحث لغيره حيث ستصبح شبكة نقل الأفكار والمعلومات بين طلاب العلم على نحوٍ يثير الدهشة، بل ستغير من ثقافة المجتمع إذ أن مشاركة العلم فى حد ذاته لآخر تعد دافعاً ودعماً معنوياً طبيعياً للإستمرارية والشعور بأهميته وآثره فى دائرة مجتمعه. يجد الباحث أن  ذلك الحل أقرب حل بذلك العصر الجنوني الذي نعيش فيه من تشتت وضياع! تقوم الفكرة على التقايض الخدمي للمعرفة والأفكار؛ لخدمة للمجتمع ككل من الناحية العلمية والثقافية ولإنتاج الفكر، هذا الأمر ينطبق على المشرفين، إن لم يكن هناك مشرفين كفاية للإشراف على الرسائل العلمية فليتم إذاً استقبال من يملك تلك الخبرة ولو من خارج الجامعة ليسد تلك الفجوة متطوعاً، الأمر كله يتعلق بالعلم من أجل العلم، لا بسلطة أو مال أو شهرة، الأزمة لدينا أزمة الوعي بأن هناك طالبين للعلم؛ إحداها يسعى من أجل العلم ذاته،لا مستأنس بذهب أو فضة أو سلطان؛ تحجب عنه ملكة أفكاره، وطالب علم؛ هدفه تحصيل أجر أو التربح من علمه هذا. ذلك الانقسام بين هؤلاء وهؤلاء يجب أن يكون واضحاً ومعروفاً لدي الجميع لعدم هدر تلك العقول وظلمهم بأفكار رجعية هدامة!

ثانياً: الحلول العملية لأزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالحدود المفروضة

١. إنفصال دراسة علم التخصص عن العلوم الآخرى!

يتم دراسة علم التخصص بمعزل عن العلوم الآخرى طوال سنوات الدراسة لتمحى من الذاكرة أساسيات العلوم التي تم دراستها فيما سبق، ولا أدري لماذا لا يتم الآخذ فى الاعتبار بمسألة؛ القدرات! القدرة على تذكر العلم من عدمه، إذ يختلف ذلك الأمر من باحث أو طالب علم عن آخر حيث إن كل منهما منفرداً له منهجيته الخاصة؛ لإدخال المعلومات عمق عقله بعد إدراكها ثم تشفيرها بأسلوبه؛ لإعادة استرجاعها فيما بعد إذا شاء، ومنه من يهمل بعضها عمداً لعدم جدواها من وجهة نظره، ومنه من يتناسها عمداً؛ لتتسع ذاكرته لمعلومات ذات أهمية عن تلك؛ ربما معلومات يمكن تطبيقها بالواقع العملي أو موضوع علمي ما انشغل به ذهنه على وجه الخصوص. الطلاب والباحثين ليسوا بآلة تخزين معلومات بقدر ما هم عقول تحاول ساعية جاهدة نحو تحقيق نفع خاص؛ نفعاً فردياً، وعام؛ إن كان من المحتمل أن يكون ذات نفع للمجتمع بصورة أو بآخرى؛ وذلك سواء بالمحيط الأكاديمي أو خارجه. هذا من ناحية تدريس وتدريب الباحث أو الطالب على كيفية التعلم، وتخزين المعلومات، وكيغية استرجاعها، وكيفية وضع مخطط زمني للقيام بمراجعتها، ووضع أساسيات الدراسة، والمنهج؛ الذي يعد أصولاً لا فروعاً، وتوقيت المهام العلمية؛ من كتابة، واطلاع، وتنظيم، وتدريب، وتفكير، واستخدام المؤقت الزمني؛ لزيادة التركيز، وعدم إهدار الوقت، وما المنهجية المناسبة لتنظيم المهام؛ لعدم الشعور بالتيه والعشوائية، كل هذا سبباً من أسباب تدمير الباحث أو طالب العلم، إذ لا يدري من أين يبدأ؟ وكيف يبدأ؟ بل وكيف يستمر؟ فهل يوجد نظام ودليل خاص للباحث ينظم له كل هذا؟ حيث يقتطع نصف عمره فى البحث عنه حتى يتوصل في النهاية لابتكار نظامه الخاص ليكون فقط اكثر استقراراً وان يكون لديه القدرة على الاستمرارية بعصر التشتت! وهل ذلك يؤخذ بعين الاعتبار بالمؤسسات التعليمية، كلا؛ قطعاً لا يؤخذ العامل النفسي الخاص بطلاب وطالبات العلم، وكيفية توظيف قدراتهم من حيث؛ تنظيم أوقاتهم وأمورهم الحياتية وكيفية التعامل مع عبء وضغوطات الحياة، وبماذا يفكرون؟ وما هى أهدافهم التي يسعون لتحقيقها، فهل تمد المؤسسة التعليمية يد العون للباحث وطالب العلم فى ذلك؟! بل أمر التوجيه ومع الأسف مغيب بالكامل! وإذا قمت بسؤال أي باحث أو طالب علم؛ ما هي أحوالك؟ سيخبرك بكل ذلك التيه والسراب والمسار الضبابي والتجارب الحياتية البائسة التي يخوضها من أجل فقط أن يعلم بأي اتجاه يسير! ناهيك عن جهله بكيفية أن يكون باحثاً حراً  أو كيف ينشر أبحاثه الحرة ومقالاته بطرق يسيرة غير معقدة أو كتبه دون تكلفة ليس بمقدوره تحمل عبئها وكل ذلك بأقل تقدير! مسألة ازمة التعليم ليست بالمعلومات والمعرفة فحسب بل بدراسة خبايا الإنسان العميقة؛ لاقتلاع أي سبل للتخلف، فأسباب التخلف؛ داخلية بالمقام الأول قياساً بالحالة الفردية.

تحتاج المؤسسة الفكرية إلى مشرف خاص لكل طالب علم أو باحث ولن يتحقق ذلك الأمر سوى أن يكون طالب العلم والباحث معلماً ومشرفاً لمن هو أدنى منه بالمراحل الدراسية درجة، وطالباً لمن هو أعلى منه درجة؛ إعمالاً بقوله تعالى: “وفوق كل ذي علم عليم”. سورة: يوسف (الآية: 76).  لتحقيق التوازن ما بين فئة الطلاب والباحثين وفئة المعلمين، ويمكن قياس النقاط العلمية بذلك الإسهام الميداني البسيط كما يمكن تحرير العقل بتلك الفكرة عن طريق تنازل هؤلاء الطلبة وطالبات العلم الباحثين عن بعض الأمور: صك التنازل عن التعين أو إبداء أي رغبة بأي سلطة أو تدرج وظيفي أو طلباً لأجر أو التربح. فطلب العلم منزه عن أن يكون الغرض من طلبه؛ طمعاً في مال أو شهرة أو سلطان، بل هو حق طبيعي لأي إنسان؛ أن يتعلم؛ ليعلم، ليتفكر، ليساهم برغبته الحرة المنفردة عن أفكاره المبتكرة؛ لهدفاً أسمى وهو نقل المعرفة من جيل لآخر؛ لتستمر “رسالة عمران الأرض”.

مع التأكيد بأنه لا تقتصر أزمة العلم بالوطن العربي على علم الإقتصاد وحده بل العلوم الآخرى بما يندرج تحتها من قسم نظري وآخر تطبيقي. حيث أن فروع العلم المغايرة متشابكة لا يجوز لها الانفصال، وإذ تحدثنا عن علم الإقتصاد السياسي؛ كمدخل فيجب أن نبدأ أولاً: بدراسة الإنسان؛ كإنسان ليس من الناحية الجسمانية فحسب كإشباع الحاجات الضرورية من مأكل ومسكن وملبس وإدراج ذلك بمجال تخصصنا وبصورة سطحية تعوق الفهم السليم بل دراسته من الناحية العقلية ومسألة الإدراك ووسيلة ربط الأفكار بالدماغ وبالجهاز العصبي، دراسة الإنسان من الناحية الفسيولوجية والسيكولوجية أي؛ مراجعة الجسد البشري وتكوينه، وعمله، سواء من إحتياجات ضرورية كتلك التي يمكن الاستغناء عنها، وتلك التي تعتبر مكملات لوجوده وكيانه. وفهم سيكولوجيته؛ لنصل فيما بعد إلى دراسة أفكاره وكيفية التوصل إلى إنتاجه المعرفي، والأمر لا يتطلب سوى عدم فصل علم التخصص كعلم الإقتصاد السياسي عن “علم النفس الفسيولوجي” على سبيل المثال، ووضع دليل علمي ومرجع أصيل شامل كحد أدنى يمكن الرجوع إليه أثناء دراسة علم التخصص، ليُدرج بالتخصص، حتى لا يشرد الباحث أو الطالب. قد تساعده القراءة بغير مجاله على فتح أفاق للتفكر والتأمل بصورة أعمق وأوضح وأكثر ابتكاراً، وربما معرفة تساؤلات أثارت دوماً ذهنه وكانت عائقاً في تقدمه وتطوره الفكري؛ بسبب السجن بدائرة النظريات والأفكار التي تكرر ذاتها، ولا يجد منفساً بالتحرر سوى الخروج من تلك الدائرة زمناً؛ ليستعيد نشاطه العقلي وربما الحفاظ على ما تبقى من عقله من قدرة على الابتكار بدلاً من أن تمحوها الرتابة والتكرار الأنيق، إذ بعالم الانعزال قد تلوح له بالأفق أفكاراً أكثر ابداعاً عن تلك التي تُخلق وسط الضوضاء والتشتت والعشوائية!

ولا يدري الباحث لماذا دوماً يتم فصل العلوم العلمية عن النظرية، إذا تحدثنا عن الإقتصاد فصلنا عمق الإنسان ومخططاته وأفكاره وقدراته عن رؤوس أمواله، إننا نحتاج لدراسة عقل ذلك الكائن أولاً، ولا يتطلب الأمر؛ التعمق بل يكفي المباديء الأساسية التي لا تجعلنا منفصلين تماماً عن فهم انفسنا! إذ أن هناك أموراً يجب ألا تغيب عن أذهاننا وتكون دائماً محل عرض أمام عقولنا أثناء دراسة تخصص ما، ذلك يتيح الكشف عن إجابات لبعض التساؤلات التي من شأنها تكوين أفكاراً ذات أصالة، نحتاج إلى العودة خطوات؛ لنتفكر، ولنعلم أولاً بأنها أزمة الجهل بالإنسان، الجهل والتخلف لعدم معرفة الإنسان،عدم معرفة أنفسنا!

٢. حركة التاريخ أم تقدم التاريخ؟

لماذا يتم ذكر على الدوام مصطلح حركة التاريخ، التاريخ بطبيعته متحرك وليس ثابت معتمداً على تقدم الزمن في خطٍ مستقيم إلى الأمام، ليس إلى الخلف ولا إلى اليمين أو اليسار، فحركته لن تكون في أي إتجاه بل فى إتجاه واحد فقط وهو السير وراء الزمن كتابع مطيع! لذا يمكن إستبدال كلمة حركة بتقدم فهذا أدق وأصوب من وجهة نظر الباحث.

٣. تهيئة البيئة المناسبة

تعد البيئة المناسبة عامل مهم للتفكير والإنتاجية، إذ أن مجتمع الضوضاء يؤثر بالسلب على عقول الباحثين حيث أن العقل يعمل بكفاءة عند الاسترخاء وفى بيئة هادئة بعيداً عن التلوث السمعي والبصري، ويمكن تهيئة تلك البيئة بشتى الوسائل وبحسب ميول كل باحث، فيمكن تيسير بطاقات دخول للمكتبات العامة أو تركه يعمل على أبحاثه بالمنزل دون تشتيت بمحاضرات حضورها إجباري وقد لا تضيف له شيئاً جديداً، فيجب أن تكون مسألة الحضور اختيارية حسب احتياجات كل باحث، بل والسماح بحضوره للمحاضرات بأقسام الكليات الآخرى دون عوائق إن كان ذلك سيخدم بحثه. كما يمكن أن يقدم تقريراً نهاية العام عن أفضل الطرق والمنهجية المتبعة لإنجاز البحث، ومحيط البيئة التي اعتمدها من أجل الإنجاز حتى يكون دليلاً لمن يأتي من بعده؛ فيقتصر زمناً من التجربة وتيسيراً لهم. وبذلك قد ننتج دليلاً عملياً بمساهمة الباحثين أنفسهم بشأن مسألة البيئة والتنظيم وغيرها من الأمور الخاصة التي تكون بخلفية عمل الباحث ولا يجد من يلهمه أو يشدد بعضده.

٤. دار نشر عربية غير هادفة للربح؛ لنشر الأبحاث العلمية

 يلزم وجود دار نشر غير هادفة للربح من أجل نشر الأبحاث الأكاديمية التي يستعصي على باحثيها نشرها إما بسبب؛ عوائق التكلفة؛ لتكملة أبحاثهم ودراستهم بمؤسسة التعليم العالي، وإما بسبب؛ عدم القدرة على النشر أو معرفة الاجراءات. كما يمكن تيسير الأمر بأن يكون ذلك الموقع إلكتروني إن شق النشر الورقي على المؤسسة ذاتها، وبذلك يضمن الباحث نشر عمله على ألا يكون مخزناً بالأدراج فتنعدم جدواه!

٥. إنشاء موقع للباحثين مجاني مثل جامعة الشعب University of people (UoPeoole)

إنشاء موقع عربي للباحثين والمفكرين الأحرار يمكن إطلاق عليه (جامعة الشعب العربية) يقوم على تواجد المتطوعين من خبراء وأساتذة المجال فى علم الإقتصاد السياسي من كل مجال؛ ليتم توجيه الباحثين الشباب بصدد أبحاثهم الحرة، وبالإشراف عليهم واعتماد تلك الأبحاث من قبلهم وتوثيق المناقشة أون لاين، الغرض من الموقع؛ تبادل العلم والمعرفة والأبحاث العلمية، وكأنه سوق مقايضة للمعرفة والأفكار دون عوائق مادية أو إجراءات تعسفية، مجرد لقاءات وكتب وأبحاث حرة وأفكار مبتكرة جديدة ونشر الأبحاث العلمية الدقيقة التي لا تخلو من أخطاء سواء بالهيكل أو المضمون أو الأخطاء الإملائية أو النحوية وبذلك سنثري المجتمع العربي بأفكار منتجة وبمساهمات علمية جديدة.

٦. فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية

 مسألة فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية أمراً غير صائب ولن يجعل العلم كاملاً كما نظن أو تسريع عجلة تقدمه، فإطلاق حرية التفكير فى موضوع ما، وعرضه من شتى الجوانب المتاحة بحسب منهجية تفكير كل باحث؛ قد نصل من خلاله إلى إستنتاجات أقرب إلى الكمال وحل المعضلات التي تواجهنا دون قيود إستبعادية. إننا ننظر للماضي بإعتباره درساً لتوظيف حاضرنا على نحوٍ أفضل لكن لماذا ننظر إلى تسلط السلطة الكنسية وتدهور حال البلاد بالماضي حتى أصابنا ذعر إدماج الدين مجدداً! ولماذا الذعر من بعض الأحكام الإقتصادية في هذا الشأن على نحوٍ يحقق المنفعة وبحق خالصةً للمجتمع ككل وليتلمسه كل مواطن فى إقتصاد منزله الصغير، تلك الخلية الصغيرة المدموجة فى شبكتنا العنكوبتية الضخمة، لماذا نغفل عظمة الدين الإسلامي وأحكام معاملاته الراقية ونهمل مواعظ مالك الأرض، ثم نبجل مواعظ مؤجريها وضيوفها؟! لماذا لا نجرب من باب التجربة؛ للحكم على الأشياء بموضوعية، كمثال؛ عمر بن الخطاب، لماذا لا نأخذه مثالاً لتقدم دولة بدلاً من أن نأخذ مثال الحكم الكنسي كمدمر لها، وبين إنصاف وعدم إنصاف هؤلاء وهؤلاء تفاوت عظيم؛ هؤلاء؛ حكموا بالطمع والجشع، وهؤلاء؛ بالعدل والإحسان، لماذا لا نضبط ميزان توزيع الثروة إنصافاً وعدلاً وكرامة! فإذا تحدثنا عن النظريات الإقتصادية من باب أولى أن نضبط أولاً الأمور الأولية من زكاة بدلاً من أن تكون له صيغته الضريبية، والقضاء على حرب الربا والفوائد. فتطهير رؤوس الأموال من المركبات، بداية؛ يمكن بعدها النظر إلى ابتكار تلك النظرية البديلة التي تقوم على العدل لا الجشع أو الطمع المسبب الرئيسي للفقر والذل والهوان وللحالة الإقتصادية البائسة التي تنحدر يوماً تلو الآخر. ولنضرب مثالاً آخر عن العمران؛ ألم يُذكر دخول البيوت الغير مسكونة إن كانت ذات نفع للغير؟! في قوله تعالى: “ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم”. ( سورة النور: آية: 29) للآية الكريمة تفاسير عدة. لكن ما بال الناس يلقون حتفهم بالبرد من الصقيع كالقطط! وأصحاب المباني الغير مسكونة لا يدفعون ما عليهم من زكاة؛  تسكين مواطن فقط دون مأوى بشقة واحدة فقط؛ زكاة لهذا المال المتجمد! البيوت الغير مسكونة حقاً طبيعياً؛ لأولئك الملقون بالطرقات لهم ولأطفالهم! أين حقوق هؤلاء بالمسكن كمواطنين، ليس كمواطن بل فى أبسط وصف كأدمي وإنسان؟! إن تكفل كل شخص بجهده، مهندس؛ للإستشارة والإشراف، صاحب شركات الحديد؛ لتمويل عمارة واحدة على الأقل كل عام بنسبة من المعادن تلك التي يمتلكها، أو إرسالها لبعض عمال البناء كفريضة زكاة مع الإشراف عليها أثناء توظيفها، ومتطوعون بالجهد ولو لشهر واحداً فقط كل عام فى سبيل بناء مبنى مخصص لإسكان هؤلاء المساكين، التضامن دفعة أولية؛ لحماية بعضنا البعض، إعانة لحياة أقرب للإحسان وللكرامة البشرية! إن إشكالية فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية يتطلب بحثاً عميقاً مركزاً على مقارنات حازمة وقاطعة ببيان نقاط قوة وضعف الفصل من عدمه!

٦. فصل علم الأرقام الإقتصادي عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية

بالنظر إلى جوانب الموضوع المطروح بالعلم من  الناحية؛ الرياضية والنظرية والتطبيق العملي لبيان مدى الفاعلية والأخطاء الواردة لتصحيحها وتعديلها، يعد تكامل متوازن لعرض الموضوع؛ وبالنظر إليه من كل الزوايا، وحتى وإن كانت المعادلات الحسابية والأرقام تُستخدم فى علم الإقتصاد، فإن نقده بالكامل وفصله بالتمام في علم الإقتصاد السياسي ليس حلاً، بل محاولة استخدام الأرقام التقريبية في بعض أجزاء ذلك العلم. وإن تم استخدام تلك الأرقام والحسابات بصورة كلية؛ فيعد ذلك بمثابة تناول الموضوع فى قسم علم الإقتصاد بصفة عامة. أما علم الإقتصاد السياسي؛ إن شاء، استفاد من علم الأرقام الإقتصادي التقريبي فقط لخدمة النظرية المطروحة وعلى نحوٍ فيه تخصيص؛ لأجزاء معينة بعينها، حيث أن الرفض الكامل؛ لن يخلق سوى أجزاء ناقصة ليس إلا، التركيز يكون على كيفية الإستفادة القصوى من العلوم المطروحة بأخذ ما يخدم الموضوع المطروح وترك ما دون ذلك، ليس النقد من أجل النقد فحسب، بل يلزم بيان الغرض من النقد ذاته ألا وهو طرح أفكار تساعد على تطوير العلم نفسه وخدمة موضوعاته البحثية.

مراجع

  • جلال أمين، خرافة التقدم والتخلف، دار الشروق، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.
  • روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م.
  • سوزي عدلي ناشد، محاضرات فى الإقتصاد السياسي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ٢٠١٨م.
  • محمد عادل زكي، أزمة العلم الإقتصادي في الوطن العربي، مقالات وآراء، المستقبل العربي – العدد 563، عدد صفحات المقال: سبع، (ص 126 _ 132)، https://doi.org/10.65506/26127
  • قاموس المعاني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

The post أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26916
الإسلام ونظرية التطور، صراع حقيقيٌ أم مُخْتَلَق؟! – بقلم: د. محمد عجلان https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1%d8%8c-%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d9%8a%d9%8c-%d8%a3%d9%85/ Sun, 14 Dec 2025 22:02:09 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26905 ربما يبدو للوهلة الأولى أن الإسلام ونظرية التطور نقيضان لا يلتقيان، للدرجة التي جعلت البعض من طرفي الخلاف يربط نظرية التطور بالعلمانية والإلحاد ويربط الطرف الآخر رفضها بالدين أو الدفاع […]

The post الإسلام ونظرية التطور، صراع حقيقيٌ أم مُخْتَلَق؟! – بقلم: د. محمد عجلان appeared first on المكتبة العامة.

]]>
ربما يبدو للوهلة الأولى أن الإسلام ونظرية التطور نقيضان لا يلتقيان، للدرجة التي جعلت البعض من طرفي الخلاف يربط نظرية التطور بالعلمانية والإلحاد ويربط الطرف الآخر رفضها بالدين أو الدفاع عنه. لكن هل هذا الخلاف حقيقيٌ بالفعل، هل ثمة تصادمٌ بين الإسلام ونظرية التطور؟! الإجابة على هذا السؤال المُشْكِل والمفخخ بمواقف تحمل في طياتها صراعًا بدأ منذ عشرات السنين، ولا يبدو أنه على وشك الانتهاء، كانت هي مدار اشتغال كتاب “هل يمكن للمسلم أن يكون تطوريًا؟” لـ “جانر تسلمان”، ترجمة الباحث المصري “إسلام سعد”.

ملاحظات أولية حول الكتاب والترجمة:

جاءت ترجمة الكتاب رصينةً بما يليق بعُمق العمل وراهنية قضيته، على الرغم من امتدادها تاريخيًا لعشرات السنين في الماضي، إلا أنها ما زالت قائمة، بل وملتهبة أيضًا. فلا تشعر أثناء القراءة أن الترجمة خذلتك، أو أن اللغة المُتَرجَمَ إليها (العربية) قد عجزت عن عرض القضية بوضوح وجلاء. ربما يعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها بالطبع تمكُّن المترجِم من لغته وأدواته، وأيضًا حالة الانشغال بالقضية التي تُشير إليها اهتمامات المُترجِم، حيث قام بترجمة عدة أعمال عن الإنجليزية تدور في فلك قضية الانفتاح العقلي على العديد من الرؤى، سواء كان الأمر متعَلِّقًا بقضية التطور أو غيرها من القضايا الإشكالية، على سبيل المثال ترجمته لكتاب “تنويعات التجربة الدينية” للفيلسوف الأمريكي “وليم جيمس”، وكذلك ترجمته لكتاب “الدين وأصل الكون والحياة” لـ “جيمس كلارك”. وهذا ما أورثه ثراءً فكريًا حين تعرَّض بالترجمة للكتاب الذي نتناوله بالعرض.

وانتقالًا من الترجمة إلى المؤلِّف، نجد أنه لا يحاول مناصرةَ القضية أو دعم معارضتها، بقدر ما يحاول أن يعرض لحالة يُمثّلها القرآن الكريم، والذي هو النص الرسمي للإسلام، وهل ثمة تعارضٌ أو تأييدٌ يحمله هذا الكتاب بين طياته لنظرية التطور؟ محاولًا على امتداد العمل أن يكون موضوعيًا، فلا يُحمِّل النصَّ فوق ما يحتمله التأويل السليم، خاصةً إذا ركَّزنا على كونه لا يدعم رأيًا أو يُعارض آخر، بل يعرض بشكل منطقي موضوعي بشكل كبير لسياقات النص القرآني، ويعرض لمدى توافقها أو تعارضها مع تصورٍ ما. كما يؤكد في سياق ما يعرضه، وستكون لنا عودة لهذه النقطة، أن الصراع بين الدين ونظرية التطور، نشأ في الأصل بين الدين المسيحي (بالذات) وبين نظرية التطور، وأن جزءًا مُعْتبرًا من الصدام الناشئ بين الدين الإسلامي ونظرية التطور، جاء من نقلٍ غير واعٍ لرجال الدين الإسلامي عن تفسيرات وتأويلات رجال الدين المسيحي، رغم اتساع الشُقّة بين المجالين، نظرًا للمؤسِّسات العقائدية في الدينين. وهنا كان الالتباس سببًا لصراعٍ لا داع له في علاقة الإسلام بنظرية التطور، حسب وجهة نظر الكاتب.

جليٌّ للغاية في الكتاب العرضُ الموضوعي للأفكار، فلا اصطناع ولا تكلُّف، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أن الكاتب نفسه لا يدعم أي وجهة نظر، سواء كانت قابلةً أو رافضةً لنظرية التطور، مما جعله متحررًا من الحُمولة النفسية لكل من فريقي النزاع. وهذا ما خدم سياق العرض الموضوعي للفكرة، وجعل الكاتبَ في غنى عن التبرير أو المداهنة لأي طرفٍ من الطرفين. كل ما قام به هو الكشف الهادئ والموضوعي لحقيقة الأمر، محاولًا أن يكون كتابُه مجرد كشفٍ لحقائق الأمور لا عرضًا منحازًا لطرفٍ على حساب آخر. وأعتقد أن هذه النقطة كانت عامل قوةٍ كبير في الكتاب، حيث يمكن لكل الأطراف قراءته بحالةٍ من التسامح والاطمئنان، دون خوفٍ من التلاعب الأيديولوجي بعقل القارئ، وصولًا لإجباره، بطرقٍ ملتوية لتبني قضيةٍ أو موقفٍ ما.

الأفكار المركزية في العمل:

جاء الكتاب على هيئة تساؤلات، يمثل كل تساؤلٍ مبحثًا مستقلًا، يمكن قراءته منفردًا دون الإخلال بفكرة المبحث أو سياق العمل في شموليته. لذا لن يجد القارئ فصولًا بل مباحث، يُسَّلِم السابق للاحق في تسلسل مستقيم بنائيًا. ولتقديم رؤية شاملة لا تُخلّ بترابط العمل وتكامليته، سوف نحاول أن نعرض للكتاب من خلال التركيز على خطوطه المركزية.

هل نظرية التطور تدعم أو تعارض موقفًا اعتقاديًا (ديني – إلحادي – لا أدري) بعينه؟ وهل هي محسوبة على أي طرف خارج سياق علميتها؟

هل المسيحية والإسلام (باعتبارهما دينين) لهما نفس الموقف (جوهريًا) من نظرية التطور؟

– فكرة الخلق، هل هناك في الإسلام الجوهري ما يعارض تصورها التطوري؟

هل الهدف من الكتاب هو الدفاع عن الإسلام؟ هل هو توطين لنظرية التطور في بيئة يختلقها لذلك اختلاقًا؟ أم أن الفكرة المركزية هي تسليط الضوء على مساحات البراح التي يمنحها لنا القرآن حين لم يقطع في أمور دنيوية علمية؟ تلك البراحات التي تجعلنا أكثر حريةً حين نتعاطى مع العلم في عمومه، ونظرية التطور، نظرًا لخطورة دورها وأهميتها في العديد من المجالات، على وجه الخصوص؟

على سبيل التهيئة المعرفية للقارئ، خاصةً حين لا يكون مُلّمَّا بموضوع الكتاب، قام الكاتب بعرض موجز لطبيعة العلاقة بين الدين والعلم، وكيف تحول مركز الثِقل مع العصر الحديث من حَاكِمية الدين، معرفيًا وروحيًا، إلى حَاكِمية العلم معرفيًا، مما جعل درجة الموثوقية في كلام العلم، فيما يتعلق بأمور هذا العالَم، أقرب إلى المصداقية والقبول. إلا أن المُلْفِت في الأمر، أن علماء من أمثال ديكارت وجاليليو وكبلر ونيوتن، وهم يُمثِّلون رواد العصر الحديث، كانوا متدينين تدينًا مُخْلصًا، حسب تعبيرات الكاتب نفسه، إلا أن ثمة مواقف، ربما تبدو متضاربةً، نشبت ما بين ممثلي العلم ورجال الدين. فيقول: “في الأزمنة الحديثة، في وجود السلطة المتزايدة للعلم، أصبح السؤال المتعلق بكيفية توطيد العلاقات بين العلم والدين يُمَثِّل قضية حيوية عند المتدينين أصحاب الاعتقاد، يُصرُّ بعض المفكرين على وجود الصراع بين العلم والدين، بينما يُعزز بعضٌ آخر تحقيقَ الفصل بين هذين المجالين. يدافع آخرون عن مقاربة التكامُل، متيقنين من إمكانية تأسيس علاقة إيجابية وتوافقية بين العلم والدين. أميلُ صوب التكامُل؛ وأتبنى رأي فيلسوف القرن الثاني عشر ابن رشد القائل بأن العلمَ والدينَ صاحبان، وأتبنى رأيَ العالِم-اللاهوتي جون بولكينغهورن الذي اعتبرهما ابنَي عم”. ومن هنا أعلن المؤلِّف موقفه من البداية، والذي سيكون المجال الذي سيعرض من خلاله علاقة الإسلام بالذات (كَدين) مع العلم في عمومه، ونظرية التطور على وجه الخصوص.

انتقل الكاتب لعرض التطور التاريخي لنظرية التطور، فيقول: “تنص نظرية التَّطَوُّر على تَطَوُّرِ كل أشكال الحياة على الأرض من كائن حي أحادي الخلية (أو له بضع خلايا)، عبر ملياري عام من الطفرات والوراثة. وتضطلع آليات مثل الانتقاء الطبيعي والطفر والانتقاء الجنسي، إلخ، بأدوار حاسمة في العمليات التَطَوُّريّة. فلقد تطورت النظرية نفسها عبر التاريخ من المنظورين اللاماركي [نسبة للامارك والدارويني وصولًا للداروينية الجديدة”. وعلى الرغم من ارتباط “نظرية التَّطَوُّر” باسم تشارلز داروين، إلا أن ألفريد والاس طَوَّر نظريةَ التَّطَوُّر عبر الانتقاء الطبيعي على نحوٍ مستقل في نفس وقت تطوير داروين لها. ثم عرض بعض التفاصيل التي تدور في سياق هذا التطور التاريخي للنظرية.

ينتقل “جانر تسلمان” بعد ذلك للسؤال الجوهري، والذي يمكن القول إن الكتاب في مجمله يدور في فلكه، ألا وهو، هل ثمة تعارض بين نظرية التطور والإيمان بالله؟ وهل نظرية التطور مرتبطة بنيويًا بالإلحاد؟ ويرى وهو بصدد الإجابة على هذا السؤال أن ثمة خطأ شائعًا يتعلق بالمطابقة بين كل الإلحاديين ونظرية التطور، وكذلك التعارض بين كل التأليهيين ورفض هذه النظرية. فيقول: ” إن ربطَ نظريةِ التَّطَوُّر بالإلحاد وربط رفض هذه النظرية بالتأليهية أمرٌ خاطئ”. مستدلًا على رأيه بوجود علماء يؤمنون بنظرية التطور ومؤمنون في الوقت نفسه.

وتأكيدًا على التبسيطية المُخلّة لثنائية (تطوري/ ملحد) وثنائية (رفض التطور/ مؤمن) يعرض بمزيد من التفصيل لأصناف الاعتقادات والمعتقدين حول نظرية التطور، والتي قسّمها إلى تسعة أصناف كالتالي:

أ)

  1. 1. مُعْتَقِدون في صدق نظرية التَّطَوُّر لا-أدريون.
  2. 2. مُعْتَقِدون في صدق نظرية التَّطَوُّر ملحدون.
  3. 3. مُعْتَقِدون في صدق نظرية التَّطَوُّر تأليهيون.

ب)

  1. 1. رافضون لنظرية التَّطَوُّر لا-أدريون.
  2. 2. رافضون لنظرية التَّطَوُّر ملحدون.
  3. 3. رافضون لنظرية التَّطَوُّر تأليهيون.

ج)

  1. 1. لا-أدريون بالأساس، ولا-أدريون تجاه نظرية التَّطَوُّر.
  2. 2. ملحدون بالأساس، ولا-أدريون تجاه نظرية التَّطَوُّر.
  3. 3. تأليهيون بالأساس، ولا-أدريون تجاه نظرية التَّطَوُّر.

وهذه الدائرة من الاحتمالات الواسعة تؤكد على ضيق، بل وخطأ، الثنائية الضامّة لموقفين صارمين، إما الإيمان أو الاعتقاد بصدق نظرية التطور.

وانتقالًا من العموم إلى الخصوص، سنعرض لتصور الكاتب حول علاقة الإسلام بنظرية التطور، وما موقفه منها، هل هو موقف الدعم والتأييد، أم موقف الرفض والمعارضة، أم أن ثمة حالةً ثالثة فتحها بَرَاح النص القرآني مما جعل المسلم، بخلاف غيره، غيرَ مجبرٍ على موقفٍ بعينه، سواء رفضًا أو قبولًا. ينطلق الكاتب من فكرة أن الرفض والقبول في الإسلام قائم على موافقة أو معارضة قضية ما لنص قرآني بما يحمله من دلالات واضحة وتأويلات ممكنة ومحتملة، فما يتفق مع القرآن وتأويلاته الممكنة مقبول، وما يعارضه قطعًا مرفوض لدى المسلم. ولا يمكن رفض أي تصور طالما أنه يتفق مع تأويلٍ ما للقرآن الكريم، حتى لو تعارض مع تأويلات أخرى.

وفيما يتعلق بالمصدر الثاني الأكثر أهمية في الإسلام، ألا وهو السنة النبوية، يرى المؤلِّف أن مساحاتٍ واسعةً من الحديث عن الكون ونشأته وكيفية الخلق وبدء الحياة هي عبارة عن أحاديث موضوعة، وتوسعت في تفصيلات سكت عنها النصُّ القرآني ذاته. خاصةً أن معظم هذه الأحاديث المتعلقة بقضايا الخلق والحياة تُدرج ضمن دائرة “خبر الواحد”، وهو الذي لا يمكن أن يقوم عليه يقينٌ في قضية إيمانية. وبناءً عليه، جعل الكاتب مصدره الموثوق هو النص القرآني، ليحدد من خلاله الإجابة على سؤاله المركزي: هل يمكن للمسلم أن يكون تطوريًّا؟

واستنادًا إلى آيات قرآنية، يحاول الكاتب التأكيد على نقطة منهجية مهمة، ألا وهي أن هدفه ليس التأكيد على صحة نظرية التطور، بل يترك هذه المسألة للمتخصصين العلميين، لكن كل هدفه هو التأكيد على عدم تعارض القرآن مع النظرية سواء كانت صحيحة أو خاطئة. فيقول: ” على الرغم من ذكر القرآن بوضوح أن كل الأنواع الموجودة في الحياة، ومن بينها البشر، خلقها اللهُ، لا يوحي القرآن بـ كيفية تنفيذ هذا الأمر فعليًا. عاقبة ذلك الأمر أن ادعائي بـ “إمكانية أن يَكونَ المسلمُ تَطَوُّريّا” لا يمكن تحويله إلى “يلزم على المسلمِ أن يَكونَ تَطَوُّريّا”. على نحوٍ تعاقبي، لا يمكن تحويل ادعائي القائل بأن “التَّطَوُّر متوافق مع القرآن الكريم” إلى “القرآن الكريم يستلزم التَّطَوُّر”. فنحن أمام موقف يمكن القول إنه محايد من نظرية التطور. وهذا الحياد هو ما اعتبرناه براحَا قرآنيًا لمعتنقي الإسلام، حيث لا يلزم على المسلم أن يكون أو لا يكون تطوريًّا على أساس اعتقادي. والنقطة المهمة هنا أيضًا، أن حديث العلم، ومن بينه نظرية التطور، حين يتحدث في تفصيلات الخلق ونشأة الحياة، لا يتعارض مع جزئية أن هذه العمليات ناتجة عن تصميمٍ واعٍ، لأن هذه ليست دائرة العلم ولا يمكنه أن يقدم فيها شيئًا. بل إن المؤمنين حين يعتبرون نظرية التطور أو غيرها من النظريات العلمية متعارضة مع الدين، فإنهم يقدمون خدمةً للملحدين بالأساس، لأنهم تحركوا في سياق فرضية ارتباط الإلحاد بنظريات العلم، وأن الدين يعارض هذه النظرية، وهذا من وجهة نظر الكاتب غير صحيح.

نقطة أخرى ركّز عليها الكاتب، وهي فكرة إله الخلق وإله الفجوات، وباختصار ففكرة إله الفجوات تتمثل في كون الإيمان بوجود إله تتمثل في وجود فجوات غير مفهومة حول الكون، وأن فكرة الإله تملؤها، وبالتالي حين نجد تفسيراتٍ لسد هذه الفجوات المعرفية بخصوص الكون، فلن يكون ثمة ضرورة لوجود إله نُفسِّر من خلاله أي شيء خاصٍ بالكون. إلا أن المؤمنين بإله الخلق، يرون أن معرفة الطبيعة ذاتها وسيلة لتمجيد الخالق، فالإيمان بإله خالق مبدع وليس مجرد إيمان قائم على فكرة الفجوات وغياب التفسيرات. والإسلام على سبيل المثال يشجع أنصاره على المعرفة بكافة أشكالها، ومعرفة أصل الكون والحياة بشكل خاص، مثلما ورد في الآية الكريمة: ” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.

ويؤكد ” جانر تسلمان” على أن آية الخلق “كن فيكون” لا تعني الخلق اللحظي، فخلق الله للسماوات والأرض والحياة، لا يعني أنه خلقها لحظيًا أو فوريًا. فالأمر الإلهي بـ “الكينونة” لا يتنافى مع الخلق على مراحل، فحين يقول الله للشيء كن، يعني أن إرادة الله نافذة بالفعل، لكنَّ نفاذها لا يعني بالضرورة أن يكون الأمرُ فوريًا، بل يمكن أن يمرَّ بمراحل، وهذا لا يتعارض مع “كن فيكون”. وهذه المرحلية ظهرت واضحةً في سياق ما ورد في القرآن حول خلقه سبحانه للكون في ستة أيام، ومع تعدد تفسيرات “اليوم” الذي يتراوح بين اليوم العادي واليوم الذي يبلغ خمسين ألف سنة، فإن التأويل يبقى مفتوحًا، بما يستوجبه ذلك من انفتاح المعنى على دلالات لا تتنافى مع ما توصل إليه العلم حول قِدم عمر الكون.

النقطة الأخيرة والمهمة في هذا المقال، والتي يؤكد عليها المؤلِّف، هي فكرة “خلق الإنسان من طين”، حيث يرى أن ثمة معنى أكثر وضوحًا واتساقًا، بخلاف المعنى الشائع للخلق من طين، والذي يرتبط في الغالب بخلق آدم “الإنسان الأول”، وهو أن الخلق من طين يعني أن الإنسان جزء من الأرض، وأن تكوينه مرتبط بها من حيث المكونات، حيث يتغذى على ما جاء من الأرض، وبالتالي هو نفسه يُعد مخلوقًا من الأرض، لكن ليس فقط بالمعنى الشائع عن الخلق المباشر من طين. ويرى أن هذا التفسير يجعل التصور القرآني للخلق لا يتعارض مع نظرية التطور، وإن كان في الوقت نفسه لا يدعمها. ونؤكد على ما بدأ به هذا العرض، وهو أن الكاتب نفسه لا يحاول دعم تصور على حساب آخر، بل كل ما يسعى إليه، وأرى أنه نجح فيه بشكل كبير، هو أنه لا تعارض بين نظرية التطور على وجهٍ خاص، والمكتشفات العلمية في العموم، مع النص القرآني باعتباره النص المركزي في الإسلام.

The post الإسلام ونظرية التطور، صراع حقيقيٌ أم مُخْتَلَق؟! – بقلم: د. محمد عجلان appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26905
الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%af%d8%a7%d8%ac%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a/ Tue, 24 Jun 2025 05:12:27 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=26857 مدخل لم يعُد الاقتصاد السياسي يُدرَّس، بل يُدفن حيًّا في قاعاتٍ جامدةٍ لا تُنجب إلا الخضوع؛ فقد تَحوّل من علمٍ للصراع إلى تقنيةٍ للطمس، ومن أداة لفهم التاريخ إلى خطابٍ […]

The post الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
مدخل

لم يعُد الاقتصاد السياسي يُدرَّس، بل يُدفن حيًّا في قاعاتٍ جامدةٍ لا تُنجب إلا الخضوع؛ فقد تَحوّل من علمٍ للصراع إلى تقنيةٍ للطمس، ومن أداة لفهم التاريخ إلى خطابٍ يُنكر وجوده. في ظلّ هيمنة نيوكلاسيكية تُقدِّس التوازن وتُجرِّد الإنسان من طبقته وتاريخه، تُحوَّل السوق إلى قانونٍ طبيعي، والعقل إلى آلةٍ لحساب المنفعة. أما في بلادنا العربيَّة، فالتَّعليم، وقد تَكلَّس في بيروقراطية تَخنق وتُلقِّن، لا يُنتج إلا عقولًا مستعمَرة، تَحفظ ولا تفكر، وتُكرّر شعائر الطَّاعة في معابد السلطة. الجامعة، التي وُلدت لتُعيد إنتاج السيطرة، لا تصنع حرية، بل تُقنِّن الانكسار وتُطبع الاستلاب. وهذا النصّ ليس شكوى ولا توصية، بل إعلان قطيعة مع وهم الحياد، وتذكير بأن لا خلاص بلا تمرُّد معرفيّ جذريّ، يعيد الاقتصَاد السّياسيّ إلى حضن الفكر، والتَّعليم إلى مجاله الطبيعيّ: التحرُّر.

(1)

وإذا كان الاقْتصَاد السِّياسيّ، كما تبلور في القرن التَّاسع عشر، تعبيرًا عن صيرورة الْفكر الأوروبيّ وقدرته على تحويل نمط الإنتَاج الرَّأسماليّ إلى “عِلم”، فإن ما يُطلق عليه اليوم اسم “الاقتصَاد النيوكلاسيكيّ” [الَّذي يعدمون به الطلبة في الجامعات]، ليس استمرارًا، ولو حتى، مموهًا لهذا المسار، إنما هو القطيعة المعرفيَّة، ابتداءً من لغة مفرَّغة من أي جدلٍ تاريخيّ، حيث تُقدَّم العلاقات الاجتماعيَّة الرَّأسماليَّة بوصفها معطيات طبيعيَّة، أبدية، محايدة. لقد وُلدت النظرية النيوكلاسيكية في خضم الأزمة النظريَّة الَّتي ضربت الاقتصَاد السِّياسي الْكلاسيكيّ بعد ماركس، لا بوصفها تطويرًا له، وإنما بوصفها طمسًا لجوهره النَّقديّ. فبدلًا من تحليل العلاقات الطبقيَّة والبُنى الاجتماعيَّة الَّتي تُنتِج وتعيد إنتاج الثروة، تنسحب النيوكلاسيكية إلى فضاء رياضيّ تجريدي، حيث الأفراد ذوو عقلانيَّة مطلقة، والسُّوق يتوازن كما لو كان قانونًا من قوانين الطَّبيعة. إن أكثر ما يميز النيوكلاسيكيَّة هو ادعاؤها الٍحياد: حياد السُّوق، حياد الدَّولة، حياد العِلم. لكنها تجهل، أو تتجاهل عمدًا، أن كل علم هو نتاج اجتماعيّ وتاريخي، وأن افتراض “الحياد” لا يعني إلا إعادة إنتاج الأيديولوجيا السَّائدة في هيئة معادلات ورموز ودوال رياضيَّة. فالعقلانيَّة الَّتي تفترضها النيوكلاسيكية ليست إلا انعكاسًا لعقل بورجوازيّ يقدّس التبادُل، ويقيس كل شيء بمقياس المنفعة الفردية. فالتحليل النيوكلاسيكي ينطلق من فرضية مركزية: أن الإنسان، بغض النظر عن أي خصوصية اجتماعيَّة وتاريخيَّة، كائن يسعى إلى تعظيم منفعته ضمن قيود مفروضة عليه. وهكذا، يتحول الاقتصَاد إلى (عِلم!) للاختيار، وتختفي الأسئلة الجوهريَّة حول مَن يملك وسائل الإنتاج، ومن يُنتج، ومن يُستغل، لصالح أسئلة تقنية حول التَّخصيص الأمثل للموارد! هذا الهروب من التَّاريخ لا يُعبّر إلا عن خضوع النَّظرية لرغبة دفينة في استبعاد الصراع، وإنكار التناقض، وتجميل واقع تُهيمن عليه الرأسماليَّة. أما مفهوم التَّوازن الَّذي تحتفي به النظرية، فهو صورة أخرى من صور هذا الإنكار. فالسُّوق، في هذا النموذج، لا يعرف الفوضى، ولا يعرف الاحتكار، ولا يعرف البطالة البنيويَّة. التَّوازن هنا ليس إلا صورة مثاليَّة لعالم لا وجود له إلا في مخيلة المنظرين، أما الواقع، فشيء آخر تمامًا: واقع اللا مساواة، واقع الرأسمال الَّذي لا يكف عن مراكمة الثروة على حساب العمل. لقد جاء مارشال وڤالراس، مؤسسا التيار النيوكلاسيكي، بلغة جديدة حاولت أن تمنح العلم الاقتصَادي صفة “العلم الطبيعيّ”. فلم يعُد الاقتصاد، وفق تصورهم، معنيًا بتحديد طبيعة القِيمَة أو أصل الربح، بل بتحليل السلوك الفردي. ومع ولادة هذا النموذج، بدأ الانزياح الكامل من الاقتصاد السِّياسيّ إلى “علم الاقتصَاد”، أو بالأحرى إلى علمٍ لا يقول شيئًا عن السياسة، ولا عن السلطة، ولا عن الطَّبقات. إن النيوكلاسيكية [التي تلقن في الجامعات بوصفها العلم الوحيد والصحيح تاريخيًّا!] هي في جوهرها محاولة لإنتاج اقتصاد بلا بشر، بلا صراع، بلا تاريخ. إنها الوجه الآخر لعقلانيّة تكنوقراطيَّة تُخفي مصالح الرأسمال وراء أقنعة المعادلات والرسوم البيانيَّة. وإذا كانت الماركسيَّة قد دعت إلى قلب الواقع لكشف التناقضات الكامنة فيه، فإن النيوكلاسيكية تُمارس نقيض ذلك: تغطي التناقضات، وتعيد إنتاج الواقع، وتُقدّمه بوصفه نهاية التَّاريخ. ومن ثم، فإن نقد النيوكلاسيكية لا يمكن أن يكون نقدًا تقنيًا أو جزئيًا، بل لا بد أن يكون نقدًا جذريًّا، حضاريًّا، يعيد الاعتبار للاقتصَاد السّياسي بوصفه علمًا للصراع، لا علمًا للوفاق الكاذب.

(2)

وفي بلادنا العربيَّة المنكوبة، حيث تلتقي مفارقةُ الفوضى التنظيميَّة مع تشدّد البيروقراطيَّة الجافة، صار التَّعليم جزءً من منظومة معقدة لإعادة إنتاج الجهل المنظَّم وتكريس الهيمنة الاجتماعيَّة والسياسيَّة. التَّعليم، الَّذي يفترض به أن يكون مِفتاحَ العقل الحر ورمزَ التحوُّل الحضاريّ، صار اليوم معملًا بيروقراطيًّا لإنتاج كائنات مفرغة من الفكر، مهيّأة للركوع التلقائيّ لكل سلطة، تُدرَّب لا على السُّؤال، بل على الصمت المُنظَّم. هذا التَّعليم الرَّسميّ لا يهدف إلا إلى تكريس الواقع الاجتماعيّ الطبقيّ، ويعمل جاهدًا من أجل ترسيخه؛ من خلال فرض ثقافة الطَّاعة الَّتي تتناقض جذريًا مع روح الفكر النقديّ. فكيف لمؤسسة تعتمد على التلقين والحفظ أن تُنتج حرية التَّفكير؟ إنّها صناعة زائفة تُعيد تدوير المعرفة الميتة وتفرض حدودًا صارمة على فضاء العقل، في حين تقدّم نفسها كصمام أمان للحضارة والتقدم. إن المدارس والجامعات (التي تعلم العلم الاقتصادي!)، والَّتي ينبغي أن تكون منابر للتحرّر الفكريّ، باتت مسارح لأداء متكرر وممسرح لآليات التلقين الَّتي تعيد إنتاج الفوارق الطبقية والهيمنة الرمزية. والمعيار، بالتَّالي، ليس الفهم ولا الإبداع، بل القدرة على تكرار النصوص المقدَّسة للسلطة كما يُتلى النَّشيد في حضرة الطغيان؛ إنها منظومة تُعيد تدوير العقل المستعمَر بأساليب لا تختلف كثيرًا عن تلك الَّتي ابتكرها المستعمِر لصناعة خَدَمه المخلصين! وفي مشهد مأساوي آخر، يتحول الْمُعلم إلى ضحية للنظام البيروقراطيّ ذاته؛ ومحرومًا من أدنى شروط العمل، يُطلب منه أن يُخرج أجيالًا من المتلقين الَّذين لا يحملون أكثر من شهادة مزخرفة بلا جوهر. فكم هو مثير للسخرية أن يُطلب من الْمُعلمين الَّذين يعانون من التهميش وقلة الإمكانيَّات، بل وقلة العلم نفسه، أن ينتجوا أجيالًا واعية، بينما هم أنفسهم أسيرون لثقافة القهر والرتابة. هذا هو التَّعليم الذي يُعيد إنتاج البطالة والتخلُّف، لأنه لا يبني سوى الوهم، ويزرع في النفوس ثقافة التردد والرضا بالقليل. إنّ التَّعليم في عالمنا الْعَربيَ المنكوب، يستند إلى فرضيَّة، مركزية، قوامها أن الأجيال القادمة مجرد أدوات للاستقرار السياسيّ، وليسوا مواطنين. تلك الفرضية تتحول إلى حقيقة مؤلمة حين نرى المناهج تُكرّس الذهنيَّة السلطوية، وتُجهّز العقول للاستسلام بدلاً من الثورة على الواقع المر. علينا إذًا أن نعيد التَّفكير الجذري في وظيفة التَّعليم وأدواته، فلا نهضة تُبنى على ركام الجهل المُقنَّن، ولا تحرّر يُولد من رحم الوصاية الفكرية. فالتَّعليم الَّذي لا يُحرّر العقل من سطوة السلطة، ولا يُشعل شرارة الشك الخلَّاق في الوعي، ليس إلا أداة لتعميم العجز وتدوير الانكسار. إنّه قيدٌ خفيّ، لا يُحسّ إلا حين يُصبح العقل عاجزًا عن السُّؤال. قيد لا سبيل لكسره سوى بإعادة تعريف التَّعليم كفعل تمرُّد على الرداءة، لا كوسيلة اندماج في نسق الخراب. فهل سنواصل إذًا السير في هذا الطريق المسدود، نُنتج المزيد من الجهل والامتثال تحت مسمَّيات براقة؟ أم أننا سنختار تحطيم القيود القديمة ونؤسس تعليمًا يكرّس الإنسان ويفتح له آفاق الحرية والخلق والإبداع؟ هذه هي معركة العقل والحضارة الَّتي لا يمكن أن نتهرب منها، لأنها محور خلاصنا أو استمرار مآسينا.

(3)

إن التَّعليم الجامعيّ، في تَجلّيه الحديث، لم يكن محْض انتقالٍ من “المَعْرفَة من أجْل المَعْرفَة” إلى “المَعْرفَة من أَجْلِ السُّوق”، بل كان دوْمًا أداةً من أدوَات السُّلْطة في صيغتها الأيديولوجيَّة؛ تُنْتجُ الوهْمَ كما تنْتج الشَّهادة، وتُخْضع العَقْل كما تخضع الجَسد. فمُنذ لحْظة انْبثاق الجامِعة كَكيان حداثيّ في أحشاء المدينة الأوروبيَّة الصَّاعدة، لم يكنْ غرضُها الأسمى تحرير العقْل، بل إعادة إِنْتاج البنْية الاجتمَاعية السَّائدة، وتَثبيت تَقسِيم العمل الاجتماعيّ، وترْسيخ الأَساطير المعَاصرة للشَّرعيَّة العلميَّة! فالجامِعة الحدِيثة ليست مؤسَّسة حياديَّة، بل هي تعبيرٌ مركَزيٌّ عن روحِ الحضَارة الرَّأْسماليَّة؛ تلْك الَّتي لا ترى في الإِنْسان إِلَّا رأْسْمالًا بشريًّا، وفي المعْرفَة إِلَّا مدْخلًا للإِنْتاج، وفي العَقل إِلا أدَاةً للْحسَاب. وإنْ كانتِ الكَنيسَةُ في العُصور الوسْطى قد حكَمت باللَّاهُوت، فإنَّ الجَامعةَ اليوْم تحْكُم بالتَّصْنيفات الأَكاديميَّة، ومعايير الجوْدَة، ومَقَاييس النَّشْر، وتمنح ما يُشبه ختم المشروعية الحديث: الاعتماد! وليس من قبيل المصادَفة أنْ تتحوَّل الجامعَاتُ في الأطْرافِ، في عالمِنا العَرَبيّ مثلًا، إلى نُسَخٍ مُشوَّهَة من مراكزِها الغربيَّة؛ حيث تُسْتورَد البرامج كما تُستورَد السّلعُ، ويُعَاد إنْتاج الجَهْل في صُورة الحداثَة، ويُلقَّن الطَّالب “المناهج” كما يُلَقَّن العَامل تَعْليمَات المَاكينة. فكما أنَّ الاقْتصادَ التَّابع لا يُنْتج إِلَّا التبعيَّة، فإنَّ الجامعة التَّابعة لا تُنتجُ إلَّا الاسْتلاب! إنَّ المطلُوب اليوم ليس إِصلاحًا إداريًّا للجامِعة، بل نقدًا جذريًّا لوظيفتها، وتفكيكًا لبنيتها، وكشفًا عن نسبها الحضاريّ. علينا أنْ نتحرَّر من وهْم أنَّ الجَامعة معنيَّةٌ بتحرير العقُول، وأنْ ندرك أنَّها، بهياكلهَا وطرُقها ومنَاهجها، جزءٌ من منظومَة السَّيطرة؛ تُنتجُ الاخْتصاصيَّ المُنضبط لا المُفكر الحُرَّ، وتدرّبُ على الطَّاعَة وتُهمّش الخَلْق، وربما سفهته وعاقبت عليه. الجامعَةُ، بهذا المعنى، ليْسَت بيت العلم، بل بيْت الطَّاعَة!

خاتمة

ليست الأزمة البيداجوجيَّة للاقتصاد السياسي إذًا عرضًا عابرًا، بل تجلٍ لبنيةٍ أعمق، حيث تتشابك المعرفة والسلطة في رقصةٍ قديمة من الهيمنة. فما يُدرَّس باسم “العلم” ليس إلا إعادة إنتاج لموقع الرأسمال، وتكريس لشرعية السُّوق كقدرٍ محتوم. وفي جامعاتٍ تُشبه مصانع صامتة، يُصاغ العقل على مقاس الطَّاعة، وتُصنَّف الشهادات كأوراق اعتماد في مزاد الامتثال. إن تحرير الاقتصاد السّياسي من أسر النيوكلاسيكية، وتحرير التَّعليم من عباءة الوصاية، ليس رفاهًا فكريًّا، بل ضرورة حضارية. فإمّا أن نعيد للعقل حقَّه في السُّؤال والصراع، وإما أن نستمرّ في تدوير العجز بأدواتٍ تبدو علميَّة، وهي في جوهرها أدوات قمع.

The post الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26857
تأثير أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم على ألبرت أينشتاين https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a3%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%af%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%af-%d9%87%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%84/ https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a3%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%af%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%af-%d9%87%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%84/#respond Wed, 14 Aug 2024 11:47:21 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=25882 في عام 1915، كتب ألبرت أينشتاين رسالة إلى الفيلسوف والفيزيائي موريتس شليك، الذي كان قد كتب مؤخرًا مقالًا حول نظرية النسبية. أشاد أينشتاين بالمقال قائلاً: “من المنظور الفلسفي، لا يبدو […]

The post تأثير أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم على ألبرت أينشتاين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
في عام 1915، كتب ألبرت أينشتاين رسالة إلى الفيلسوف والفيزيائي موريتس شليك، الذي كان قد كتب مؤخرًا مقالًا حول نظرية النسبية. أشاد أينشتاين بالمقال قائلاً: “من المنظور الفلسفي، لا يبدو أن هناك شيئًا أكثر وضوحًا كُتب حول هذا الموضوع”. ثم تابع ليعبر عن دَينه الفكري لديفيد هيوم، قائلاً: “لقد درست بإعجاب كبير كتاب ‘رسالة في الطبيعة البشرية’ لهيوم قبل وقت قصير من اكتشاف نظرية النسبية. من الممكن جدًا أنه بدون هذه الدراسات الفلسفية، لم أكن لأتوصل إلى الحل”.

بعد أكثر من 30 عامًا، لم يتغير رأيه، حيث قال في رسالة إلى صديقه المهندس ميشيل بيسو: “بقدر ما أستطيع أن أكون على دراية، كان التأثير المباشر لهيوم عليّ أكبر. لقد قرأته مع كونراد هابشت وسولوفين في برن”. نحن نعلم أن أينشتاين درس كتاب هيوم “رسالة في الطبيعة البشرية” (1738-1740) في حلقة دراسية مع عالم الرياضيات كونراد هابشت وطالب الفلسفة موريس سولوفين حوالي عام 1902-1903. وكان هذا أثناء عملية تطوير نظرية النسبية الخاصة، التي نشرها أينشتاين في النهاية عام 1905. ومع ذلك، ليس من الواضح ما الذي وجده أينشتاين في فلسفة هيوم مفيدًا لفيزياءه. لذلك يجب علينا أن نلقي نظرة أقرب.

في كتابات أينشتاين الذاتية من عام 1949، يوسع كيف ساعده هيوم في صياغة نظرية النسبية الخاصة. كان من الضروري رفض “الفرضية الخاطئة للطبيعة المطلقة للوقت، أي التزامنية”، حيث أن افتراض التزامنية المطلقة كان غير معترف به ومترسخًا في اللاوعي. رؤية هذه الفرضية بوضوح واعتبارها اختيارية تعني بالفعل حل المشكلة. نوع التفكير النقدي المطلوب لاكتشاف هذه النقطة المركزية [إنكار الوقت المطلق، أي إنكار التزامنية المطلقة] تم تعزيزه بشكل حاسم، في حالتي، خاصة من خلال قراءة كتابات ديفيد هيوم وإرنست ماخ الفلسفية.

وفقًا لجون د. نورتون، أستاذ تاريخ وفلسفة العلم في جامعة بيتسبرغ، تعلم أينشتاين نظرية تجريبية للمفاهيم من هيوم (ومن المحتمل أيضًا من ماخ والتقليد الوضعاني). ثم طبق هذه النظرية التجريبية للمفاهيم في حجته حول نسبية التزامنية. النتيجة هي أن المراقبين المختلفين لن يتفقوا على ما إذا كانت حادثتان قد حدثتا في نفس الوقت أم لا. خذ مثلاً فتح نافذتين، نافذة غرفة المعيشة ونافذة المطبخ. لا توجد حقيقة مطلقة حول ما إذا كانت نافذة غرفة المعيشة تفتح قبل نافذة المطبخ، أو ما إذا كانت تفتحان في نفس الوقت أو بترتيب عكسي. ترتيب هذه الأحداث الزمنية يعتمد على المراقب؛ فهو مرتبط بالإطار المرجعي المعين.

بمجرد أن تم إثبات نسبية التزامنية، تمكن أينشتاين من التوفيق بين الجوانب التي تبدو غير قابلة للتوفيق في نظريته، مثل مبدأ النسبية ومبدأ سرعة الضوء. هذا الاستنتاج تطلب التخلي عن الرؤية القائلة بوجود وقت غير قابل للملاحظة يقوم بتحديد الترتيب الزمني. هذه هي الفكرة التي استلهمها أينشتاين من هيوم.

تأثير هيوم على الثقافة الفكرية هائل، ويشمل جميع مجالات الفلسفة والعديد من التخصصات العلمية. في استطلاع للرأي أجري قبل عدة سنوات مع فلاسفة محترفين، طُلب منهم تسمية الفيلسوف، الذي لم يعد على قيد الحياة، والذي يربطون أنفسهم به أكثر. فاز هيوم بفارق كبير. وفقًا لتقدير جوليان باجيني، فإن “العلماء المعاصرين، الذين غالبًا ما لا يملكون وقتًا للفلسفة، غالبًا ما يستثنون هيوم”. قبل أن نقول المزيد عن أهمية هيوم الدائمة، يجب أن نعود إلى سياق القرن الثامن عشر في عصر التنوير. يعود تأثير هيوم إلى تجريبيته الراديكالية، التي لا يمكن فهمها بالكامل دون دراسة الحقبة التي عمل فيها.

كانت النظرية السائدة في المعرفة في فلسفة عصر التنوير هي نظرية الأفكار. الأفكار تشير إلى كل من الحالات العقلية ومواد تفكيرنا. الحالة العقلية هي، على سبيل المثال، ألم الأسنان، ومواد تفكيرنا هي الأفكار، على سبيل المثال، عن كائن رياضي مثل المثلث. كان المدافع الأوضح عن نظرية الأفكار هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي يعتبر التحقيق الفلسفي تحقيقًا في أفكار العقل. في إحدى رسائله، يشرح لماذا تعتبر الأفكار مهمة للغاية: “أنا متأكد من أنني لا أستطيع أن أحصل على أي معرفة عما هو خارج نفسي إلا من خلال الأفكار التي لديّ داخل نفسي”. إذا أردنا الحصول على أي يقين في تحقيقاتنا حول أي جانب من جوانب العالم – سواء كان موضوع تحقيقنا هو العقل البشري أو بعض الظواهر الطبيعية – فنحن بحاجة إلى فكرة واضحة ومتميزة عن الموضوع الممثل.

نظرية هيوم للأفكار تختلف عن ديكارت لأنها ترفض الفطرية. هذه الفكرة تعود إلى عقيدة أفلاطون حول “التذكر”، والتي تفيد بأن كل التعلم هو شكل من أشكال الاستذكار لأن كل ما نتعلمه موجود فينا قبل أن نتعلمه. النسخة الحديثة المبكرة من الفطرية تؤكد على أن العقل ليس لوحًا فارغًا، ولكننا مجهزون ببعض الأفكار قبل ولادتنا وقبل إدراكنا الحسي. يبدأ هيوم من نفس النقطة التي بدأ منها البريطاني السابق له، جون لوك. يبدأ العقل في تكوين الأفكار عندما يبدأ في الإدراك. يسأل لوك في “مقالة حول الفهم البشري” (1689): متى يكتسب الإنسان الأفكار لأول مرة؟ والجواب هو “عندما يبدأ في الإدراك؛ لأن امتلاك الأفكار والإدراك هما نفس الشيء”. بناءً على هذه الرؤية، صاغ هيوم مبدأ النسخ.

يقترح هيوم أننا نحصل على فكرة الزمن من خلال إدراك التغيرات.

بالنسبة لهيوم، يتم تقسيم الإدراك إلى أفكار وانطباعات. الفرق بين الاثنين هو فرق في الدرجة، وليس في النوع. الانطباعات أقوى وأكثر حيوية من الأفكار. على سبيل المثال، أتذكر أنه عندما كنت طفلًا، وضعت إصبعي على زجاج المدفأة في غرفة المعيشة. عندما وضعت إصبعي على الزجاج، شعرت بالألم (انطباع)، والآن لديّ ذكرى عن تلك الإدراك (فكرة). كل الأفكار البسيطة تشبه بعض الانطباعات البسيطة. الأفكار هي نسخ من الانطباعات. إذا كان أي مصطلح يجب أن يكون ذا معنى، فيجب أن يرتبط بفكرة مبنية على انطباع. في عمله اللاحق “تحقيق في الفهم البشري” (1748)، اقترح هيوم استخدام مبدأ النسخ كاختبار معرفي لـ”طرد كل تلك الهراء، التي استحوذت لفترة طويلة على النقاشات الميتافيزيقية وجلبت العار عليها”. هذا هو كيف يجب تطبيق المبدأ:

عندما نشك في أن مصطلحًا فلسفيًا يستخدم دون أي معنى أو فكرة (كما يحدث بشكل متكرر)، فإننا نحتاج فقط إلى أن نسأل: من أي انطباع اشتقت تلك الفكرة المفترضة؟ وإذا كان من المستحيل تحديد أي منها، فهذا سيثبت شكوكنا.

هل يمكننا أن نربط مصطلح “الزمن المطلق” بفكرة قائمة على انطباع؟ هنا يمكننا بالفعل رؤية “نوع التفكير النقدي المطلوب” لاكتشاف النسبية الخاصة التي يتحدث عنها أينشتاين. مبدأ النسخ مهم لفهم فلسفة هيوم للزمن. كيف نكتسب فكرة الزمن في المقام الأول؟ يقدم حجته في الجزء الثاني من الكتاب الأول من “رسالته”، حيث يقترح أننا نحصل على فكرة الزمن من خلال إدراك التغير. الزمن “لا يمكن أن يُنقل إلى العقل من خلال شيء ثابت وغير متغير”، كما يكتب هيوم. يمكن ملاحظة التغير إما في تعاقب الأشياء أو في حركتها النسبية. مثال جيد على التعاقب هو تتابع الأوتار الموسيقية. نحن لا نحصل على فكرة الزمن من وتر واحد مستمر. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون هناك تعاقب: وتر، وقفة، وتر، وتر مختلف، وهكذا. مصدر آخر لفكرة الزمن هو الحركة النسبية المرئية. إدراك الحركة يسبب فكرة الزمن لأن “كل لحظة كانت مميزة بموقع مختلف” للكائن المتحرك.

الزمن، كما يظهر لنا، يتكون من لحظات غير قابلة للتجزئة وهي أجزاء من التعاقب. في التفسير الذي يقدمه الفيلسوف دونالد إل. م. باكستر في كتابه “صعوبة هيوم” (2007)، لا يمكن أن تكون هناك لحظة من الزمن بدون تعاقب.

هذه الرؤية التجريبية تنتهي بفكرة مذهلة: الزمن لا يتواجد في غياب إدراكنا الحسي له. الزمن لا يتواجد إلا في تعاقب الإدراكات الحسية. لا توجد فكرة زمنية أساسية تقع وراء إدراكنا للزمن. وكما يقول هيوم، عندما تُفكر من خلال مبدأ النسخ، “فكرة الزمن الأبدية، المستمرة، غير المتناهية، غير المقسمة، المتماثلة، غير المتغيرة، تنمحي بالكامل”. في كل مرة نشكل فيها فكرة عن الزمن، فهي تعتمد على انطباع ملاحظ للتغير. علاوة على ذلك، بالنسبة لهيوم، يعتمد تصورنا للعالم الخارجي ككل على استمرارية إدراكنا الخاص به.

رفض هيوم للمثالية والتحقيق في الاستدلالات حول السببية

يتفق كل من هيوم وأينشتاين على أن إدراكنا الزمني للعالم مرتبط بجزء من إطارنا الذهني. بالنسبة لكلا الفيلسوفين، لا يمكن أن يكون هناك وقت مستقل عن الطريقة التي ندرك بها العالم. قد يبدو هذا مشابهًا لفلسفة المثالية كما يتضح في مقولة جورج بيركلي “أن تكون هو أن تكون مدركًا”، والتي تعني أن الأشياء التي لا نملك انطباعات أو أفكارًا عنها لا يمكن أن توجد. ومع ذلك، يرفض هيوم المثالية. على الرغم من أن الزمن لا يمكن أن يوجد بدون الإدراك، إلا أن العالم المادي الخارجي موجود بالتأكيد. كيف نعلم أن هذا هو الحال؟ حيث أن هيوم هو فيلسوف راديكالي من منظورنا اليوم، فقد يتم شكره على تطوير نوع من الشكوكية المتواضعة التي أدت إلى حركة الفلسفة الحديثة. الفرق بين هيوم والشكوكية الحديثة هو أن هيوم يقدم توضيحًا على حدود العقل البشري، وليس على قدراته. في الفصل الرابع من “التحقيق في الفهم البشري”، يجادل هيوم بأن السببية لا يمكن أن تكون موضوع تحقيقات استدلالية. السببية ليست شيئًا يمكننا إثباته منطقيًا، ولكن يجب أن نتعلمها من خلال إدراكنا.

تأثير هيوم وأينشتاين على فهم الزمن كان له تأثير عميق على الفلسفة والعلم. إسهام هيوم في فهمنا للزمن والسببية لا يزال يؤثر على الفلسفة المعاصرة، في حين أن أينشتاين غيّر جذريًا كيفية فهمنا للزمان والمكان من خلال نظرياته في النسبية.

مصدر المقال

The post تأثير أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم على ألبرت أينشتاين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a3%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%af%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%af-%d9%87%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%84/feed/ 0 25882
القابلية للتكذيب عند كارل بوبر https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%b0%d9%8a%d8%a8-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d8%a8%d9%88%d8%a8%d8%b1/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%b0%d9%8a%d8%a8-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d8%a8%d9%88%d8%a8%d8%b1/#respond Wed, 17 Jul 2024 04:43:06 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=25092 مبدأ القابلية للتكذيب (Falsifiability) هو واحد من أبرز إسهامات الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر في فلسفة العلم. بوبر طرح القابلية للتكذيب كمعيار للتمييز بين ما يُعتبر علماً وما يُعتبر غير […]

The post القابلية للتكذيب عند كارل بوبر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
مبدأ القابلية للتكذيب (Falsifiability) هو واحد من أبرز إسهامات الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر في فلسفة العلم. بوبر طرح القابلية للتكذيب كمعيار للتمييز بين ما يُعتبر علماً وما يُعتبر غير علمي. لنفهم الفكرة بدقة، لنستعرضها في عدة نقاط تفصيلية:

1. تعريف القابلية للتكذيب

القابلية للتكذيب هي خاصية النظرية التي تمكن من إثبات خطأها من خلال التجربة أو الملاحظة. بمعنى آخر، يجب أن تكون النظرية قابلة للاختبار بحيث يمكن تصور تجربة أو ملاحظة ما تُثبت أن هذه النظرية خاطئة.

2. السياق الفلسفي والتاريخي

  • السياق الفلسفي: كان بوبر يعمل في وقت كانت فيه الفلسفة الوضعية المنطقية تهيمن على فكر فلسفة العلم، والتي ركزت على معيار التحقق (Verification) كمقياس للعلمية. ولكن بوبر رأى أن هذا المعيار غير كافٍ لأنه يُمكِّن الكثير من النظريات الزائفة من التسلل إلى العلم.
  • السياق التاريخي: كانت هناك نظريات تُعتبر علمية مثل التحليل النفسي لفرويد والنظريات الماركسية، واعتبر بوبر أن هذه النظريات تفتقر إلى القابلية للتكذيب لأنها تفسر كل شيء ولا يمكن تكذيبها بأي شكل من الأشكال.

3. معيار القابلية للتكذيب مقابل معيار التحقق

  • معيار التحقق: النظرية تكون علمية إذا كانت قابلة للتحقق تجريبياً.
  • معيار القابلية للتكذيب: النظرية تكون علمية إذا كانت هناك إمكانية لتكذيبها عبر التجربة أو الملاحظة.

4. أمثلة على القابلية للتكذيب

  • النظرية النسبية لأينشتاين: تعتبر نظرية علمية لأنها تقدم تنبؤات يمكن اختبارها تجريبياً. على سبيل المثال، انحناء الضوء حول الشمس أثناء كسوف الشمس كان اختباراً مهماً للنظرية.
  • التحليل النفسي لفرويد: وفقاً لبوب، يعتبر غير علمي لأنه يفسر كل شيء بحيث لا يمكن إجراء اختبار يُثبت خطأ النظرية.

5. أهمية القابلية للتكذيب في تطور العلم

  • النموذج العلمي: بوبير يرى أن العلم يتطور من خلال الفرضيات التي تُختبر ثم تُكذب أو تُعدل، وليس من خلال تأكيد النظريات. العلم في نظره هو عملية تصحيح مستمر للأخطاء.
  • التمييز بين العلم واللاعِلم: القابلية للتكذيب تسمح بتمييز النظريات العلمية الحقيقية من تلك الزائفة أو الميتافيزيقية.

6. نقد ومعارضة

  • بعض الفلاسفة والعلماء يرون أن معيار القابلية للتكذيب ليس كافياً لوحده للتمييز بين العلم واللاعلم، لأن هناك نظريات مهمة قد تكون غير قابلة للتكذيب بشكل مباشر ولكنها تساهم في التقدم العلمي من خلال طرق غير مباشرة.
  • آخرون يرون أن معيار بوبر قد يكون صارماً جداً ويُقصي بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية التي قد لا تكون تجريبية بحتة.

7. تطبيقات وممارسات حديثة

  • يتم تطبيق معيار القابلية للتكذيب في المجالات العلمية الحديثة لضمان أن الأبحاث والنظريات العلمية تستند إلى أسس صلبة وقابلة للاختبار.
  • تُعتبر القابلية للتكذيب جزءاً مهماً من منهجيات البحث العلمي ومن مراجعات الأقران في الأبحاث الأكاديمية.

في النهاية، تعد القابلية للتكذيب إحدى الركائز الأساسية لفلسفة العلم الحديث، وتساعد في ضمان أن النظريات العلمية تتعرض للاختبار والتحقق المستمرين، مما يساهم في تقدم المعرفة العلمية.

The post القابلية للتكذيب عند كارل بوبر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%b0%d9%8a%d8%a8-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d8%a8%d9%88%d8%a8%d8%b1/feed/ 0 25092
فلسفة ديكارت .. رحلة من الشك إلى اليقين https://maktaba-amma.com/%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%83%d8%a7%d8%b1%d8%aa-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%83-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%82%d9%8a%d9%86/ https://maktaba-amma.com/%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%83%d8%a7%d8%b1%d8%aa-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%83-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%82%d9%8a%d9%86/#respond Tue, 16 Jul 2024 07:39:33 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=25024 يُعَدُّ رينيه ديكارت (1596-1650) واحدًا من أهم الفلاسفة في التاريخ الغربي، وهو غالبًا ما يُطلَق عليه “أب الفلسفة الحديثة”. قدم ديكارت مساهمات جوهرية في الفلسفة والرياضيات، وكانت فلسفته مبنية على […]

The post فلسفة ديكارت .. رحلة من الشك إلى اليقين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
يُعَدُّ رينيه ديكارت (1596-1650) واحدًا من أهم الفلاسفة في التاريخ الغربي، وهو غالبًا ما يُطلَق عليه “أب الفلسفة الحديثة”. قدم ديكارت مساهمات جوهرية في الفلسفة والرياضيات، وكانت فلسفته مبنية على الشك المنهجي للوصول إلى اليقين.

الشك المنهجي

بدأ ديكارت فلسفته بما يُعرف بالشك المنهجي، وهو شكل من أشكال الشك المتطرف حيث شك في كل شيء يمكن الشك فيه. أراد ديكارت أن يؤسس فلسفة على أساس صلب وغير قابل للشك. لذا، قرر أن يشك في كل معتقداته السابقة وكل ما تعلمه، متسائلًا عمّا إذا كان هناك أي شيء يمكن أن يكون مؤكدًا بلا شك.

الكوجيتو: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”

من خلال الشك المنهجي، وصل ديكارت إلى نقطة وجد فيها أنه يمكن الشك في كل شيء ما عدا حقيقة واحدة لا يمكن الشك فيها: إذا كان يشك في وجوده، فإن هذا الشك بحد ذاته دليل على وجوده. هذا ما قاده إلى الكوجيتو الشهير: “أنا أفكر، إذن أنا موجود” (باللاتينية: “Cogito, ergo sum”).

هذه الفكرة تمثل نقطة الانطلاق لدي ديكارت في بناء فلسفته، حيث أُثبِتت وجود الذات المفكرة كأول يقين لا يمكن دحضه.

اليقين والمعرفة الواضحة والمتميزة

بعد إثبات وجوده الخاص، سعى ديكارت إلى إيجاد معايير أخرى لليقين. قرر أن الأفكار التي تكون واضحة ومتميزة هي أفكار صحيحة ولا يمكن الشك فيها. وعليه، قام بتطوير منهج فلسفي يقوم على تحليل الأفكار ومحاولة الوصول إلى الأفكار الواضحة والمتميزة.

إثبات وجود الله

من النقاط المحورية في فلسفة ديكارت كانت محاولته لإثبات وجود الله. جادل بأن فكرة الله كموجود كامل ومطلق لا يمكن أن تكون نابعة من ذاته الناقصة؛ لذلك، فإن وجود الله ضروري لتفسير وجود هذه الفكرة في ذهنه. هذا الإثبات أعطى ديكارت اليقين بأن الله موجود وأن الله لا يمكن أن يكون مخادعًا، مما يعني أن العالم الخارجي، الذي يبدو له واضحًا ومتميزًا، يجب أن يكون حقيقيًا.

الازدواجية الديكارتية

جزء آخر مهم في فلسفة ديكارت هو ازدواجيته الشهيرة بين العقل والجسد. جادل ديكارت بأن العقل (الروح) والجسد (المادة) هما جوهران منفصلان. العقل هو مصدر الأفكار والعواطف، بينما الجسد هو آلة مادية يمكن دراستها بواسطة العلوم الطبيعية.

تأثير فلسفة ديكارت

أثرت فلسفة ديكارت بشكل كبير على الفلسفة الغربية والعلم الحديث. كانت طريقته في الشك المنهجي ووضع أسس للمعرفة الجديدة تُعَدُّ ثورة في التفكير الفلسفي. كما أن ازدواجيته أثرت في الفلسفة وعلم النفس والعلوم الطبية.

خاتمة

أحدث رينيه ديكارت تحولًا جذريًا في الفلسفة من خلال منهجه القائم على الشك المنهجي والسعي للوصول إلى يقين لا يمكن دحضه. ابتداءً من الشك في كل شيء، توصل إلى يقين وجوده الخاص ومن ثم وجود الله والعالم الخارجي. فلسفته تمثل نقلة نوعية في الفكر الفلسفي وأسست لأسس الفلسفة الحديثة والعلوم التجريبية.

The post فلسفة ديكارت .. رحلة من الشك إلى اليقين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%83%d8%a7%d8%b1%d8%aa-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%83-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%82%d9%8a%d9%86/feed/ 0 25024