التنوير - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/التنوير/ مكتبة شاملة Sun, 11 Aug 2024 11:09:34 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 التنوير - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/التنوير/ 32 32 116455859 موسوعة ديدرو https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%88%d8%b9%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%b1%d9%88/ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%88%d8%b9%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%b1%d9%88/#respond Sun, 11 Aug 2024 11:09:34 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=25825 موسوعة ديدرو (Encyclopédie) هي واحدة من أكثر الأعمال الفكرية تأثيرًا في القرن الثامن عشر، وكانت جزءًا أساسيًا من حركة التنوير التي انتشرت في أوروبا. أسس هذه الموسوعة الفيلسوف الفرنسي دينيس […]

The post موسوعة ديدرو appeared first on المكتبة العامة.

]]>
موسوعة ديدرو (Encyclopédie) هي واحدة من أكثر الأعمال الفكرية تأثيرًا في القرن الثامن عشر، وكانت جزءًا أساسيًا من حركة التنوير التي انتشرت في أوروبا. أسس هذه الموسوعة الفيلسوف الفرنسي دينيس ديدرو بالتعاون مع جان لو روند دالمبير وآخرين. تعتبر هذه الموسوعة مشروعًا فكريًا ضخمًا هدفه جمع ونشر المعرفة البشرية في جميع المجالات المتاحة في ذلك الوقت، واعتبرت أداة لنشر الأفكار التنويرية.

الخلفية التاريخية

بدأت فكرة الموسوعة في منتصف القرن الثامن عشر، وكان الهدف منها تقديم ملخص شامل لكل المعارف المتاحة وتقديمها بطريقة مفهومة لعامة الناس. كانت الموسوعات في ذلك الوقت تُكتب باللغة اللاتينية وتستهدف بشكل رئيسي الطبقة المتعلمة، ولكن موسوعة ديدرو كانت استثناءً حيث كُتبت باللغة الفرنسية وكانت تستهدف جمهورًا أوسع.

أهداف الموسوعة

  • نشر المعرفة: كان الهدف الرئيسي للموسوعة هو نشر المعرفة بين العامة وتقديم المعلومات بطريقة مفهومة وسهلة الوصول.
  • التشكيك في السلطة: سعت الموسوعة إلى التشكيك في السلطات التقليدية، بما في ذلك الكنيسة والنظام الملكي، من خلال تقديم معلومات تستند إلى العقل والتجربة بدلاً من العقائد الدينية.
  • الترويج للأفكار التنويرية: عكست الموسوعة الأفكار التنويرية التي دعت إلى العقل، العلم، والتقدم الاجتماعي. كانت تهدف إلى تحرير العقل البشري من الخرافات والجهل.

محتويات الموسوعة

تتألف الموسوعة من 28 مجلدًا نُشرت بين عامي 1751 و1772، وتضم مقالات في مجموعة واسعة من الموضوعات، بما في ذلك الفلسفة، العلم، الفنون، التقنيات، والاقتصاد. تضمنت الموسوعة أيضًا العديد من الرسوم التوضيحية التفصيلية التي قدمت تعليمات حول مختلف العمليات الصناعية والحرفية.

تأثير الموسوعة

كان للموسوعة تأثير كبير على الفكر الأوروبي والعالمي، حيث ساهمت في تشكيل حركة التنوير وفي نشر الأفكار التنويرية التي دعت إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي. كان العمل بمثابة تحدٍ مباشر للسلطات التقليدية واعتبرته الكنيسة تهديدًا لعقائدها، مما أدى إلى إدراجه في قائمة الكتب المحرمة.

التحديات التي واجهت الموسوعة

واجه ديدرو وفريقه العديد من التحديات أثناء إعداد الموسوعة، بما في ذلك الرقابة الصارمة من السلطات، والانتقادات من بعض المفكرين الذين اعتبروا أن الموسوعة تنشر أفكارًا هدامة. بالإضافة إلى ذلك، كان نشر مثل هذا العمل الضخم يتطلب تمويلًا كبيرًا وجهودًا تنظيمية هائلة.

الإرث

تظل موسوعة ديدرو أحد أهم الأعمال في تاريخ الفكر الغربي، فقد ساعدت في نشر الأفكار التنويرية وتحفيز الحركات الثورية في أوروبا، كما أنها وضعت الأساس للموسوعات الحديثة التي تهدف إلى نشر المعرفة بطرق منظمة ومنهجية. يتم الاحتفاء بموسوعة ديدرو اليوم كرمز للحرية الفكرية والعقلانية.

The post موسوعة ديدرو appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%88%d8%b9%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%b1%d9%88/feed/ 0 25825
كل ما تريد معرفته عن التنوير والعصر الذي ظهر فيه https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b0/ https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b0/#respond Fri, 19 Jul 2024 05:56:50 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=25167 التنوير هو حركة فكرية وفلسفية ظهرت في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. ركزت الحركة على استخدام العقل والتفكير النقدي كأساس لمعرفة الحقائق والعلم وتحرير الفكر من الخرافات والأفكار […]

The post كل ما تريد معرفته عن التنوير والعصر الذي ظهر فيه appeared first on المكتبة العامة.

]]>
التنوير هو حركة فكرية وفلسفية ظهرت في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. ركزت الحركة على استخدام العقل والتفكير النقدي كأساس لمعرفة الحقائق والعلم وتحرير الفكر من الخرافات والأفكار المسبقة.

الخلفية التاريخية

بدأت حركة التنوير في القرن السابع عشر وبلغت ذروتها في القرن الثامن عشر. جاءت هذه الحركة كرد فعل على العصور الوسطى التي تميزت بسيطرة الكنيسة والتفكير الديني المطلق. الثورة العلمية التي بدأت في القرن السابع عشر أسهمت بشكل كبير في بروز التنوير، حيث قدمت طرقًا جديدة في التفكير وفهم العالم من خلال التجربة والملاحظة.

أبرز أفكار التنوير

  1. العقلانية: التأكيد على أن العقل هو الأداة الأساسية لفهم العالم.
  2. الحرية: الدعوة إلى حرية الفكر والتعبير والاعتقاد.
  3. الفردانية: التركيز على قيمة الفرد وحقوقه.
  4. العلم والتقدم: الإيمان بأن العلم والتكنولوجيا يمكن أن يحققا تقدما للبشرية.
  5. النقد والشك: تشجيع النقد والشك في الأفكار التقليدية والموروثات الثقافية.

أبرز ممثلي التنوير

فلاسفة وعلماء

  1. جون لوك (1632-1704):
    • يعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الذين أسسوا لنظرية المعرفة على أسس عقلانية.
    • طرح أفكارًا حول الحرية الفردية وحقوق الإنسان والديمقراطية.
  2. فولتير (1694-1778):
    • اشتهر بكتاباته النقدية الساخرة للكنيسة والمؤسسات التقليدية.
    • دعا إلى التسامح الديني وحرية الفكر.
  3. جان جاك روسو (1712-1778):
    • طرح أفكارًا عن العقد الاجتماعي وأسس الديمقراطية الحديثة.
    • كتب “العقد الاجتماعي” الذي يعتبر من الأعمال الأساسية في الفلسفة السياسية.
  4. إيمانويل كانت (1724-1804):
    • أكد على أهمية العقل في معرفة الحقائق الأخلاقية.
    • طرح فكرة أن التنوير هو “خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه بحق نفسه” بسبب استخدامه للعقل بشكل غير مستقل.
  5. آدم سميث (1723-1790):
    • يعرف بأنه أبو الاقتصاد الحديث.
    • كتب “ثروة الأمم” حيث طرح أفكارًا حول السوق الحرة وتقسيم العمل.

تأثير التنوير

  1. الثورات السياسية:
    • ألهمت أفكار التنوير العديد من الثورات مثل الثورة الأمريكية (1775-1783) والثورة الفرنسية (1789-1799).
    • أدت هذه الثورات إلى تشكيل حكومات تعتمد على المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
  2. التقدم العلمي:
    • حفزت حركة التنوير على تقدم العلوم الطبيعية والرياضيات.
    • تم تأسيس العديد من المؤسسات الأكاديمية والعلمية خلال هذه الفترة.
  3. التغيرات الاجتماعية:
    • أدت حركة التنوير إلى تغيرات في الأنظمة التعليمية والاجتماعية.
    • تم التركيز على التعليم العام ونشر المعارف بين الناس.
  4. النقد الأدبي والفني:
    • أثرت أفكار التنوير في الأدب والفن حيث تم التركيز على العقل والنقد الاجتماعي.
    • ظهرت أعمال أدبية وفنية جديدة تعبر عن روح التنوير وتعزز قيمه.

الخلاصة

حركة التنوير كانت ثورة فكرية واجتماعية كبيرة غيّرت وجه العالم. من خلال التأكيد على العقل والحرية والعلم، وضعت أسسًا للحداثة والتقدم في مختلف المجالات. ساهم العديد من الفلاسفة والعلماء في نشر أفكار التنوير، مما أحدث تغييرات عميقة في المجتمعات الأوروبية والعالمية.

The post كل ما تريد معرفته عن التنوير والعصر الذي ظهر فيه appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b0/feed/ 0 25167
الآراء المتناقضة حول عصر التنوير https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%b6%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%b6%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1/#respond Wed, 28 Jun 2017 01:10:41 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=12143 الآراء المتناقضة حول عصر التنوير – د. أشرف منصور  كان عصر التنوير الأوروبي، الذي يمتد من أواخر القرن السابع عشر وإلى نهاية القرن الثامن عشر، مثار نزاعات كثيرة بين المفكرين والمؤرخين، […]

The post الآراء المتناقضة حول عصر التنوير appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الآراء المتناقضة حول عصر التنوير – د. أشرف منصور 

كان عصر التنوير الأوروبي، الذي يمتد من أواخر القرن السابع عشر وإلى نهاية القرن الثامن عشر، مثار نزاعات كثيرة بين المفكرين والمؤرخين، وشمل هذا النزاع كذلك أدباء وعلماء من كافة أفرع العلوم الإنسانية. فلم يكن هناك عصر مثله أثار آراء متناقضة أشد التناقض، والسبب في ذلك أنه كان عصراً محورياً مؤسساً لما بعده؛ وبالتالي نظر إليه المفكرون الذين يركزون على التقدم الذي حدث بعده على أنه كان أساس هذا التقدم، ونظر إليه المفكرون الذين أبرزوا كل الشرور والسلبيات التي ظهرت في الحضارة الغربية من بعده على أنه هو أيضاً أساسها

كان عصر التنوير هو عصر العقل والعقلانية، وعصر النقد، نقد السلطة ونقد التراث والمؤسسة الدينية، نقد الثقافة والمجتمع. كما كان عصر التأسيس الفكري للقيم والمبادئ التي قامت عليها الثورات اللاحقة في كل مكان، وأهمها الثورة الفرنسية. وقد وضع مفكرو عصر التنوير كل شيء محل النقد، وقاموا بمساءلة كل المسلمات التي ارتكنت إليها الإنسانية طويلاً، ومنها قدرات العقل البشري نفسه على التوسع والامتداد، ليستطيع استيعاب الطبيعة كلها ويفهم قوانينها ويصيغ هذه القوانين في لغة العقل، وهي لغة رياضية برهانية؛ ولما كان العقل يستطيع حسب عقيدة عصر التنوير استيعاب الطبيعة وقانونها وصياغة هذا القانون بلغة العقل، وفك ألغاز وغوامض الظواهر الطبيعية، فهو يمكنه التوسع والامتداد إلى التفكير في السياسة والدين والمجتمع، ومُساءلة شرعية السلطات القائمة، والتفكير في مبرر وجود المؤسسات الدينية، ومدى مصداقية الأديان التاريخية، وحقيقة إيمان المذاهب والطوائف الدينية المختلفة، وسبب وجود التراتبات الاجتماعية القائمة آنذاك على امتيازات طبقية وعلى هيمنة الطبقة الأرستقراطية اجتماعياً وسياسياً، ومدى شرعية الحكم الملكي المطلق. وعندما رفض مفكرو عصر التنوير النظم السياسية والدينية والاجتماعية القائمة، أسسوا لقيم جديدة، وهي المساواة والحرية والعدالة والعقلانية، وأصروا على ضرورة إعادة بناء المجتمع والسياسية على أساس هذه القيم، ومنها ظهرت أفكار الدين الطبيعي ومبادئ الحكم الجمهوري وقيم العدالة الاجتماعية والمساواة، والتي كان لها أبلغ الأثر في الثورة الفرنسية.

ولكن لم يكن عصر التنوير محل اتفاق بين كل المفكرين، سواء أثناء ذلك العصر نفسه أو بعده، على الرغم مما يبدو على القيم والمبادئ التي دعا إليها من طابع كلي مطلق وإنساني عام. فلم ينظر الكثير من المفكرين التالين إلى عصر التنوير على أنه ذلك العصر الذهبي المؤسس لكل ما ظهر بعده من تقدم وازدهار، بل حمَّلوه كل الشرور والمثالب التي أتت لاحقة له. ومن أهم الفلاسفة الذين نقدوا عصر التنوير من الجيل التالي مباشرة، الفيلسوف الألماني الشهير هيجل (1770 – 1831). قدم هيجل أول نقد سياسي وأيديولوجي من منظور فلسفي لعصر التنوير في كتابه “فينومينولوجيا الروح” سنة 1807. ففي هذا الكتاب وضع هيجل فصلاً في غاية الدلالة عنوانه “الحرية المطلقة والإرهاب”، وذهب فيه إلى أن الأفكار المجردة التي دعا إليها عصر التنوير، وعندما وضعها الثوار موضع التطبيق المباشر في شكل ثورة سياسية، أدى ذلك إلى الفوضى التامة والانهيار الاجتماعي والسياسي، مما نتج عنه ما يسمى بعصر الإرهاب في الثورة الفرنسية، حيث انقلب الثوار على بعضهم وحرقت الثورة أبناءها. والذي أكد عليه هيجل في تحليلاته أن القيم والمبادئ المجردة يمكن أن تتحول بسهولة إلى نقيضها، وذلك بسبب تجريديتها العالية هذه وطابعها الإطلاقي؛ فالحرية المطلقة تنقلب إلى فوضى، وذلك من جراء الاعتقاد في أن هذه الحرية غير مقيدة وبالتالي تصير منفلتة، وتصبح هي حرية الأفراد في أن يفعلوا ما يشاؤون.

وقد ذهبت طائفة من نقاد عصر التنوير إلى أن المساواة المطلقة تنقلب إلى تعميم الفقر، ومبدأ السيادة الشعبية يتحول إلى الديكتاتورية نظراً لأن الشعب غير المحكوم بأي ضوابط وغير القابل لتأسيس سلطة جديدة في حاجة إلى ديكتاتور يسيطر عليه ويقضي على حالة الفوضى. وينطوي مبدأ السيادة الشعبية في ذاته على بذور الديكتاتورية كما ذهب المفكر السياسي الفرنسي بنجامين كونستان (1767 – 1830)، ذلك لأن الاعتقاد في أن الشعب هو مصدر كل السلطات وصاحب الحق في أن يتصرف فيها كما يشاء، يؤدي حسب كونستان إلى الحق في أن يمنح الشعب كل هذه السلطات إلى شخص واحد يمثله، وبذلك يصنع الشعب ديكتاتوراً. كما أن مبدأ العدالة ومبدأ المساواة حسب الفيلسوف الفرنسي أليكسي دي توكفيل (1805 – 1859) في كتابه “النظام القديم والثورة الفرنسية” قد تحولا إلى نقيضهما بعد أن عملا على تدمير النظام الاجتماعي القائم والقضاء على الطبقات القديمة والتي كانت تُحدث شيئاً من التوازن في المجتمع، وذلك دون أن تتمكن القيم التنويرية القديمة من تأسيس نظام سياسي واجتماعي جديد ومستقر. وإلى نفس هذا الرأي ذهب جوستاف لوبون (1841 – 1931) في كتابه “روح الثورات والثورة الفرنسية”، حيث حمَّل مسؤولية الفوضى التي أثارتها الثورة على عاتق فلاسفة التنوير الذي عملوا على تهييج الناس ورفع سقف توقعاتهم إلى خارج ما هو متاح تحقيقه. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من النقد المبكر الموجه لعصر التنوير قد أتى من الفكر المحافظ والرجعي المعادي للثورة الفرنسية.

والكشف عن انقلاب القيم التنويرية إلى عكس ما كانت تنادي به هو التحليل الجدلي لعصر التنوير، والذي يطلق عليه أعضاء مدرسة فرانكفورت في النقد الثقافي، خاصة تيودور أدورنو (1903 – 1969) وماكس هوركهايمر (1895 – 1973)، مصطلح “جدل التنوير” Dialectic of Enlightenment وهو عنوان الكتاب الذي أصدراه سنة 1944. والكتاب عبارة عن رؤية نقدية لتاريخ الحضارة الغربية، بالتركيز على عصر التنوير وتبعاته السياسية والأيديولوجية، وتسوده فكرة أساسية، وهي أن قيمة العقل التي دعا إليها عصر التنوير انقلبت إلى ضدها، إذ تحولت العقلانية من الرشادة في تنظيم حياة الفرد والمجتمع والسياسة، إلى أداة للسيطرة على الفرد والمجتمع بيروقراطياً وتكنولوجياً. فالعقلانية حسب أدورنو وهوركهايمر تحولت إلى عقلانية أداتية تهدف الوصول إلى غايات نفعية، وبعد أن كان العقل وسيلة للتحرر صار أداة للهيمنة. وبذلك كشفا عن الجدل المتضمن في تصور عصر التنوير للعقل: العقل كمبادئ كلية عليا، والعقل كسيطرة وتحكم. ومنشأ هذا الجدل أن الإنسانية كلما توصلت إلى وسيلة للتحرر، انقلب هذه الوسيلة بفعل الجدل التاريخي إلى وسيلة للهيمنة. والملفت للنظر في نقد أدورنو وهوركهايمر للتنوير أنه صادر من عَلَمين من أعلام الماركسية الجديدة واليسار الثقافي الجديد، وقد كان من المفترض وفق توجهاتهما الفكرية والأيديولوجية أن يكونا من مناصري أفكار عصر التنوير الذي كانت الاشتراكية إحدى ثمارها. لكن الذي حدث لهما أنهما بعد ما تعرضت له أوروبا من كوارث في الحربين العالميتين فقدا الثقة في أي أفكار ومبادئ مطلقة وانقلبا عليها وحملوها مسؤولية الحروب وتبعاتها من فاشية ونازية وعنصرية.

ويجب علينا الانتباه إلى أن نقد عصر التنوير قد جاء من قبل مفكرين مختلفين تماماً عن بعضم. فقد رأينا كيف أن النقد المبكر لعصر التنوير جاء من مفكرين باتجاهات محافظة ورجعية (كونستان، دي توكفيل، لوبون) وجاء أيضاً من مفكرين يساريين أو ماركسيين. وهذا لا يدل في نظري على اتفاق ما حول إنكار عصر التنوير ورفضه بقدر ما يدل على نفور حديث من القيم المطلقة والمبادئ الكلية المجردة إذا ما وُضِعت في التطبيق العملي؛ هذا هو النفور الذي يجمع مفكرين من خلفيات أيديولوجية معاكسة لبعضها البعض، ويعبر عن مزاج عقلي نشأ بعد عصر العلم، لا يثق في المطلقات والمجردات. وقد كان عصر التنوير هو عصر المطلقات والمجردات بامتياز. لكنه كان مضطراً للدفاع عن القيم والمبادئ الجديدة في صورة مطلقة ومجردة لأن السياق التاريخي الذي كان يعيشه كان في حاجة إلى طريقة الدفاع هذه بالذات، لمواجهة مطلقات ومجردات قديمة احتكرتها السلطة الملكية والمؤسسة الدينية.

المصدر: مصر المحروسة

The post الآراء المتناقضة حول عصر التنوير appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%b6%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1/feed/ 0 12143
سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/#respond Sat, 17 Dec 2016 22:11:44 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5408 تتوخى هذه المحاولة البحث في المرجعية الفكرية والتاريخية لمسألة الحداثة، من  خلال تقديم قراءة تسعى إلى مقاربة مسألة الحداثة في الفكر الغربي الحديث، عبر تحليل مجموعة ملامح وسمات فكرية وتاريخية، […]

The post سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
تتوخى هذه المحاولة البحث في المرجعية الفكرية والتاريخية لمسألة الحداثة، من  خلال تقديم قراءة تسعى إلى مقاربة مسألة الحداثة في الفكر الغربي الحديث، عبر تحليل مجموعة ملامح وسمات فكرية وتاريخية، وذلك بالوقوف عند نماذج ومحطات فلسفية كانت أهم من نظر وفكر في مسألة الحداثة في الفكر الأوربي الحديث… سيتم ذلك من خلال مبحثين رئيسيين: المبحث الأول يحمل عنوان: تحديدات مفاهيمية، والمبحث الثاني تحت عنوان: الحداثة مشروع  تاريخي.

 همنا في المبحث الأول، هما إبستمولوجيا مفاهيميا بالتحديد، حيث نود  التساؤل عن ماهية الحداثة وطبيعتها، ثم نروم في مقام ثان بتمييزها عن لفظ آخر يقاسمها الاشتقاق اللغوي والفكري وهو التحديث، في محاولة للفصل  الإجرائي بين ماهو فلسفي فكري ،وماهو سوسيولوجي تاريخي. ثم سعينا إلى بسط افتراض مؤداه أننا بصدد حداثات ممكنة بالجمع وليس حداثة بالمفرد تاريخياً وجغرافياً.

بينما كان الهم  الثاني، هو رصد أهم لحظات وملامح تشكل مسألة الحداثة من خلال التطرق لسؤال التنوير باعتباره عتبة الحداثة مع كل علم من هؤلاء الإعلام: (شارل بودلير، رينيه ديكارت، إيمانويل كانط، وفريدريك هيجل).

المبحث الأول: تحديدات مفاهيمية:

الأكيد أن أي عمل علمي، أو يسعى لأن يكون كذلك، لابد وأن يبدأ بتحديد ومساءلة الأرضية التي يشتغل عليها، ومنها المفاهيم والمصطلحات قيد البحث. وبما أننا هنا بصدد دراسة مسألة الحداثة، فمن البداهة أن نبادر بالسؤال الإشكالي التالي: ماذا يعني مفهوم الحداثة وما علاقته بمفهوم التحديث وهل الأمر يتعلق بحداثة أم بحداثات؟

(1) في معنى الحداثة:

بالعودة إلى مرجع أساسي في تناول هذا الموضوع الشائك، نجد المفكرالفرنسي (جان بودريار/1929_2007) يستهل حديثه عن الحداثة Modernitéla، باعتبارها “ليست لا مفهوماً سوسيولوجياً، ولا مفهوماً سياسياً أو حتى مفهوماً تاريخياً، إنها نمط حضاري خاص يتعارض دوماً مع نمط التقليد”[1]. حيث إنها تقوم في وجه التعدد الثقافي والرمزي في المجتمعات “التقليدية” كشكل متجانس يجتاح العالم انطلاقاً من الغرب الحضاري، الشيء الذي يضفي عليها هالة من الأسطر لدرجة يتماها في مظاهرها ماهو واقعي بماهو أسطوري.

ومع ذلك،يظل لها مدلولاً ملتبساً يشيرمن جهة إلى تطور تاريخي، ومن جهة ثانية  إلى تغير في الذهنية، أنها معطى متشابك يمتزج فيه الواقعي بالأسطوري، واقع يتميز في كل المجالات: “دولة حديثة، تقنية حديثة، موسيقى ورسم وعادات وأفكار حديثة، على هيأة مقولة عامة وضرورة ثقافية”[2].

إن الحداثة بما أنها نشأت عن كثير من التحولات العميقة في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والديني والثقافي، فهي تتحقق على مستوى العادات وطرائق العيش وأنماط الحياة اليومية، إلى درجة أنها تتحول إلى صورة كاريكاتورية في جانبها التحديثي، إنها متغيرة في أشكالها وسيرورتها من حيث الزمان والمكان، وبالتالي فهي غير ثابتة ولا قابلة  للتصور إلا كمنظومة من القيم، بل كأسطورة. وبهذا المعنى يتعين كتابتها بحروف بارزة تماماً مثل التقليد للتعبير عن ماهيتها.

مفهوم الحداثة وماهيتها:

وبما أنها “ليست مفهوماً تحليلياً، فإنه ليست هناك قوانين للحداثة، بل فقط معالم للحداثة، ليست هناك أيضاً نظرية للحداثة، بل منطق وإيديولوجيا للحداثة”[3]. حيث أنها  منظومة قيمية مقننة للتغير تتعارض مع المنظومة القيمية المقننة للتقليد، لكنها مع ذلك  تتبدى في بعض الأحيان حذرة من كل تغير جذري قد يحدث طفرة واحدة.

إن ماهية الحداثة مرتبطة بأزمة تاريخية وبأزمة الإنسان الحديث، وبالتالي فإنها لا تعدو أن تكون إلا تجل معين لهذه الأزمة، إذ أنها لا تقوم بتحليل هذه الأزمة، بل تعبر عنها بطريقة غامضة، بهروب مستمر إلى الأمام. فهي تلعب “دور فكرة القوة ودور إيديولوجيا سائدة متسامية بتناقضات التاريخ كمفاعيل للحضارة، إنها تجعل من الأزمة قيمة وأخلاق متناقضة”[4]. وهكذا يصح لنا أن نستنتج مع منظري الحداثة، أنها فكرة تتعرف فيها الحضارة على نفسها، وتلعب في ألآن ذاته دور تنظيم ثقافي، وهي بذلك تلتحق خلسة بالتقليد.

وإذا كان (بودريار) يعتبر أن الحداثة ليست نظرية بقدر ما تنطوي على منطق وإيديولوجيا يميزانها عن التصورات التقليدية للعالم، فإنه يرى أن منطق الحداثة هذا يتشكل من ثلاثة أبعاد هي:

1. البعد التقني ــ العلمي، حيث تطور الوجود الإنساني بشكل غير مسبوق نوعا وكماً وكيفاً، وبشكل تدريجي للعلوم والتقنيات وللنمو العقلاني والمنهجي لوسائل الإنتاج ولأساليب تسييرها وتنظيمها، حتى صارت معه ” كأنها عصر الإنتاجية”[5].

2. المفهوم السياسي للحداثة، حيث تجسدت الدولة كفكرة مجردة جامعة وتحددت “في صيغة الدستور، ومن خلال الوضع الاعتباري للفرد، وتحت عنوان الملكية الخاصة”[6]، وذلك ما شكل البنية السياسية للحداثة. إن هذه الوضعية تعلن عن تجاوز لكل الأنظمة السابقة، إذ كانت الحياة السياسية تتحدد في شكل تراتبية تؤطرها وتتحكم فيها العلاقات الشخصية والأطر الاجتماعية والمعرفية التقليدية.

3. المفهوم السيكولوجي، ذلك أنه في مواجهة الرؤية الموحدة للعالم ذات المضامين السحرية الدينية والرمزية للمجتمع التقليدي، يقف “العصر الحديث موسوماً ببزوغ الفرد بوصفه كائناً يحوز وعياً مستقلاً، بنفسيته ونزوعاته الشخصية ومصلحته الخاصة”[7]، مؤسساً بذلك لرؤية جديدة للذات وللعالم.

(2) حداثة أم تحديث؟

بعدما حاولنا في مرحلة أولى تتبع مفهوم الحداثة من حيث تحديداته الفكرية والابستمولوجية، يدور حديثنا هنا عن التمييز بين الحداثة والتحديث وذلك باستحضار أهم التحليلات والكتابات في مجال السوسيولوجيا والفكر السياسي الحديث، حتى يتسنى لنا توضيح ما المقصود من كلا المفهومين بقدر الإمكان. يرى الباحثان السوسيولوجيان ريمون بودون وفرانسوا بوريكو في “المعجم النقدي للسوسيولوجيا” أن كلمة التحديث Modernisationla تستعمل لدى المؤرخين وعلماء الاجتماع، ويقصد بها “مجموعة التغيرات المعقدة جداً والمؤثرة في جميع المجتمعات الإنسانية، وإن بطريقة متفاوتة وبناء على آليات  انتشار جد متنوعة، اعتباراً من القرن السادس عشر وانطلاقاً من أوربا الغربية”[8].

تعابير التحديث:

فإذا نظرنا إلى التحديث في بلدان أوربا الغربية حيث نشأ وعرف تحولات كثيرة وعميقة، يمكن القول أنه “مسار تعبئة وتمايز وعلمنة”[9].

– التعبير الأول (التعبئة):

من الواضح أن التعبير الأول قد اقتبس عن عالم الاجتماع التشيكي Karl Deutsch (1912-1992) الذي تحدث عن عدد معين من الدلائل التي تسمح بتقييم السهولة والسرعة التي يتم بها تنقل الأموال والأشخاص والمعلومات داخل المجتمع نفسه، إذ أن حركية الأموال مرتبطة بظهور الأسواق وبتوسع المبادلات وطرق تدبيرها والاستفادة منها. هناك دليل آخر على أهمية التعبئة الاجتماعية يتجلى في عدد وسرعة المعلومات التي تروج في محيط معين: عدد الكتب والصحف والرسائل والمطبوعات والإرسال الإذاعي والتلفزي، الشيء الذي يكون له بالغ الأثر على المجتمع. حيث إن مسار التحديث يتم في شكل تنقلات للأفراد والجماعات وتحولات في الوظائف والمؤهلات، مما يكون له نتائج على سلوك الأفراد في محيطهم العائلي ومن ثم على جميع مجالات النشاط المرتبطة بها.

– التعبير الثاني (التمايز):

إن التعبير الثاني المقترح لتوصيف عملية التحديث هو “التمايز”، غير أن هذا المصطلح “ليس واضحاً تماماً، ولكنه يمتاز بإقامة علاقة بين ظاهرة التحديث وظاهرة تقسيم العمل”[10]. إذ يرى الباحثان أنه من غير المعقول القول أن المجتمع الأوروبي في القرن الخامس عشر لم يعرف أي نوع من تقسيم للعمل، قد يكون العكس هو الصحيح، حيث أن هذه المجتمعات بقدر ما كانت شديدة التراتبية، بقدر ما كانت الوظائف، وبصورة أعم، الأوضاع متخصصة بشكل يبدو أكثر صرامة مما عليه الأمر في المجتمعات المعاصرة “المتخلفة” منها و”المتقدمة”.

إن ما يميز المجتمعات الحديثة ليس مقدار تمايزها عن المجتمعات التقليدية، وإنما لأنها متمايزة بشكل آخر. إذ أن منظومات مثل البيروقراطية والسمة الطاغية للصناعة والتقنية هي حديثة، بمعنى أنها تطمح لتمييز الأفراد، على الأقل نظرياً، وفقاً للمساهمة التي يقدمونها في مهمة ذات قيمة اجتماعية، بدل تمييزهم انطلاقاً من أصولهم وانتسابهم العائلي والمحلي.

– التعبير الثالث (العلمنة):

يبقى التعبير الثالث هو “العلمنة”، والمقصود بها هنا “ليس حضور أو غياب أي إيمان (أو لا إيمان) بالتحديد، وإنما المقصود هو الفصل المؤسساتي بين الكنيسة (وكذلك الدولة) من جهة، وبين مؤسسات التعليم والبحث العلمي”[11]. غير أن الملاحظ هنا أن هذه مسألة لا تخص تنظيم العلاقة بين الكنيسة والدولة فحسب، وإنما كذلك تنظيم العلاقة بين المعرفة الوضعية وبين المعرفة الدينية ممثلة في الكنيسة.

وهكذا، فإن البحث في مسألة الحداثة والتحديث، في تقديرنا، لا يعدو أن يكون بحثاً على مستويين غير منفصلين تمام الانفصال: مستوى فكري تصوري، ومستوى سوسيولوجي تاريخي. حيث ينظر للحداثة في المستوى الأول على أنها رؤية للوجود الإنساني وبنية فكرية جامعة لكافة مستويات الحياة : اقتصاد، سياسة، اجتماع، فن، ثقافة.. بينما ينظر للتحديث في المستوى الثاني من منظور تاريخي ودينامي متغير يعكس الممكنات التاريخية والثقافية المتاحة للناس كافة.

(3) حداثة بالمفرد أم حداثات بالجمع؟

بعدما خلصنا في المحورين السابقين إلى التمييز بين الحداثة والتحديث، نحاول في هذا المحور الوقوف عند فرضية ندعي أن لها ما يكفي من الصلاحية التحليلية مفادها أن الحداثة تعني “الواحد” الذي يحوي “المتعدد والمختلف”، وسنبين ذلك من خلال مستويين: مستوى أفقي (جغرافي) ومستوى عمودي (تاريخي وموضوعي)، وهذا مجرد تقسيم إجرائي لتوضيح أولي للموضوع.

1- على المستوى الأفقي (الجغرافي):

من الممكن أن نصف تشكل الحداثة في أوربا، باعتبارها رحمها وحاضنتها الأولى، أنه جاء نتيجة لسلسة من التحولات والقطائع الفنية والفلسفية والعلمية والنفسية والسياسية المتواصلة مدعمة بعضها البعض، ويشكل كل منها شرطاً لوجود الأخرى، مع العلم أن “نبتة الحداثة الأولى نبتت في إيطاليا زمن (عصر النهضة) حيث ازدهرت الفنون والعلوم والآداب”[12].

وإذا صح أن إيطاليا هي مشتل الحداثة، فإن هذه الأخيرة بحكم طبيعتها الانتشارية، قد سرت بشكل تدريجي إلى باقي الدول الأوربية: ألمانيا، فرنسا، إنجلترا، وفيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية ثم اليابان ثم روسيا، فالعالم العربي والإسلامي عن طريق  الاستعمار والبعثات العلمية والاحتكاك بالآخر، مع استحضار مستويات وأزمنة انخراط هذه الجغرافيات المختلفة والمتمايزة في الحداثة بهذه الدرجة أو تلك سلباً أو إيجاباً.

وعلى الصعيد الثقافي والمؤسساتي فإن الحداثة في أوربا الغربية تميزت منذ بداية انتشار أفكارها الأساسية بدرجة عالية التنوع في أشكالها المؤسساتية وأبنيتها الخطابية  والمفاهيمية وأنماط وجودها الاجتماعي، وتكون بذلك قد أفرزت مرجعيات أصبحت بمثابة الدليل الموجه والأفق التاريخي المشترك على المستوى العالمي.

2- على المستوى العمودي (التاريخي والموضوعي):

يمكننا الزعمأن فكرة الحداثات المتعددة تفترض أن أفضل الطرق لفهم مسألة الحداثة، هي أن نراها كسيرورة عمليات دائمة التكون والتكوين لتصورات ورؤى وبرامج ثقافية وأنماط وجود متعددة، وعمليات إعادة تكوين لأشكال إيديولوجية ومؤسسية مختلفة، يقوم بها فاعلون فكريون وسياسيون واجتماعيون. لذلك لعله من الصواب على هذا المستوى التوقف عند تشكيلة “حداثات” تندرج وتكون مفهوم الحداثة بشكل عام، هذه نماذج منها دون تفصيل.

أ- الحداثة الفكرية: نمثل لها بأربعة عناصر لا مندوحة عنها وهي: المعرفة، الإنسان، العالم والتاريخ. فيما يخص المعرفة تجسدت الحداثة في المرور من الفكر التأملي  والأنطولوجي إلى الفكر التقني والاستهلاكي. وفيما يتعلق بالإنسان، تقوم الحداثة على الانتقال من الجواهر الروحية القبلية إلى الدوافع الأولية والنفسية. كما تعني بخصوص فهم العالم الانتقال من الأشكال الجوهرية والماهيات إلى المفاهيم والعلاقات الميكانيكية الرياضية والفيزيائية. فيم يحدث تحول في فهم التاريخ من الرؤية المبشرة والغائية إلى النزعة التاريخانية  والوقائعية.

ب- الحداثة التقنية: متجسدة في توسط التقنية والآلات والأدوات الاصطناعية في بناء العلاقات الجديدة بين الإنسان والطبيعة، علماً أن هذه العلاقة لها تاريخ موغل في القدم، مما حدى ببعض الباحثين إلى الحديث عن ثلاث موجات للحضارة: “الموجة الزراعية، الموجة الصناعية، ثم الموجة الثالثة الصناعية والتقنية”[13].

ج- الحداثة السياسية: هنا يتم التركيز على التنظيم المؤسساتي للسلطة وشكل الدولة والإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين الفرد والدولة، واعتبار أن الشعب هو مصدر السلطة، مما يقتضي التمييز بين المجالين السياسي والديني، أي نزع القداسة عن الأول باعتباره مجالاً للنسبي وللصراع حول السلطة والثروة، وترتيب العلاقة مع الثاني باعتباره نزوعاً نحو المطلق والمثال.

د- الحداثة الاقتصادية: ويقصد منها الانتقال إلى الاقتصاد الموسع القائم على منطق الربح والخسارة والاستثمار، أي اقتصاد السوق، عوض الاقتصاد التبادلي المنغلق والمحدود، ولعل ما يميز هذه الحداثة هو العقلنة (Rationalisationla ) الاقتصادية بما تعنيه من ضبط وإدارة وتقنين لشبكة علاقات الدولة والمجتمع. لعل أحد أهم النتائج التي تترتب على فرضية “تعدد الحداثات” هو أن الحداثة والغرب الحضاري “لم يعودا متماثلين، وأن النماذج الغربية للحداثة ليست هي الحداثات الأصلية وحدها”[14]، رغم أنها تتمتع بأسبقية تاريخية وتستمر بوصفها نقطة مرجعية أساسية بالنسبة لباقي التجارب الحضارية.

لكن يبقى الأهم أنه على الدول والمجتمعات التي ترزح تحت ويلات “التقليد” وتعيش حالة الفوات التاريخي بتعبير (ياسين الحافظ) أن تعي جيداً أن الممكنات التاريخية للوجود والفعل في عالمنا المعاصر، تبقى مفتوحة في شكل حداثة لعلها لازالت كائنة بالقوة، لكن مبدأ الأمل يبقى شارعاً أمامها أبواب التحقق بالفعل، متى تملكت أسباب واليات النهوض وانتظمت في تراثها وفق إستراتيجية نقدية للذات وللآخر.

المبحث الثاني : الحداثة مشروع تاريخي

(1) في التنوير والحداثة:

يمكن القول بأن العالم الحديث نشأ من مواجهة واسعة وطويلة، مع عالم القرون الوسطى ضدا على ما عرف بالنزعة “السكولائية” La Scolastique)) في الحقل الثقافي والديني في أوروبا الحديثة، وضدا على تحالف الإقطاع والكنيسة على الصعيد السياسي، الشيء الذي ولد ممكنات تاريخية كبرى برزت لاحقاً. إن السكولائية ليست مجرد نزعة مذهبية، بل إنها موقف ورؤية غائية تتوخى الحط من قيمة الفرد والوجود، بل من كل ما هو بشري وطبيعي. هذا الصراع ولد ما عرف بالنزعة الإنسانية L’Humanisme كدعوة لبدء جديد وثورة ثقافية شاملة تجسدت في ما عرف بـ “صراع القدماء والمحدثون”.

لذلك سنحاول هنا الوقوف عند أربعة أعلام فلسفية وأدبية يجمع مؤرخو الفكر والفلسفة على أنهم أهم من أثر في عهد الأنوار والحداثة: بودلير، ديكارت، كانط، وهيجل.

– بودلير والوعي الجمالي بالحداثة:

نجد النص المؤسس لمعنى الحداثة أولاً كلفظ جمالي عند الشاعر والناقد الفني الفرنسي Charles Baudelaire(1821_1867م)  المنشور أول مرة سنة 1863م قائلاً: “هذا الإنسان يجري ويبحث فعما يبحث؟ الأكيد أن لهذا الإنسان الأعزل الذي حبته الطبيعة بموهبة الخيال الخلاق […] هدفه أكثر سموا من هدف أي جوال قح، هدف أكثر شمولية، هدف آخر غير اللذة الزائلة التي تمنحها اللحظة. إنه يبحث عن هذا الشيء الذي سوف يكون في وسعنا أن نطلق عليه اسم الحداثة، والسبب أنه ما من كلمة أخرى أفضل من هذه للتعبير عن هذه الفكرة”[15].

في نظر (بودلير) التبست التجربة الجمالية بالتجربة التاريخية للحداثة. ففي التجربة الأساسية للحداثة الجمالية، تتخذ مسألة التأسيس الذاتي تشكلاً حاداً، وذلك في الحدود التي يختزل فيها أفق التجربة الزمنية في مبدأ الذاتية المنزاحة عن مركزها، والتي تبتعد عن مواصفات الحياة اليومية. إن الحداثة عند بودلير، هي “العابر والمنفلت والعرضي، إنها نصف الفن أما النصف الآخر فهو الخالد والثابت”[16].

هكذا، وفي قراءة معاصرة لبودلير وتجربته، يرى الفيلسوف الألماني المعاصر  (يورغن هابرماس) أن الحداثة في هذا السياق تحيل إلى “راهنية تستنفذ قواها، وتفقد امتداد زمن انتقالي، زمن راهن يمتد إلى عقود كثيرة، زمن تأسس في قلب الأزمنة الحديثة”[17]. حيث لا يمكن لهذه الراهنية أن تعي ذاتها من خلال التعارض مع عصر متجاوز ومرفوض، أو مع أي شكل آخر من أشكال الماضي، كما لا يمكنها أن تتكون إلا بصفتها تقاطعاً بين الزمن والخلود.

يتجلى بوضوح هذا الوعي الجمالي الأولي بالحداثة، إبان زمن بودلير وقبله بقليل، إذ نشأ إحساس خاص بضرورة أن تتأسس الحداثة على وسائلها الخاصة، فعملية الانفصال عن نموذج الفن القديم بدأت في مستهل القرن الثامن عشر، من خلال ما عرف بالصراع أو النزاع بين القدماء والمحدثين.

إلى ذلك، يرى هابرماس أنه رغم أن “الاسم Modernitas (والزوج المتعارض: Moderni/antiqui) لم يستعمل بمعنى كرونولوجي إلا بدء من العصر القديم المتأخر، فإن النعت “حديث” Moderne لم يحمل صفة الاسم إلا مؤخراً جداً في اللغات الأوروبية للأزمنة الحديثة”[18]  أي منذ منتصف القرن التاسع عشر.

إبان هذا الصراع La querelle)) الذي شهدته أوربا ابتداء من القرن السابع عشر بين القدماء والمحدثين، ثار المحدثون ضد القدماء في محاولة للتغيير وإحداث ثورة ثقافية على جميع الأصعدةففي فرنسا مثلا “تميز أول نشاط فكري “للحداثيين” الفرنسيين عن النموذج الإيطالي بعدة سمات منها: النظام، الوضوح، السلاسة، الواقعية، الشيء الذي يختص به نمط الكتابات المنشورة من طرف المساندين لـ الكاهن /الدوق De Richelieu 1585_1642)( “[19]؛ هذا الأخير  يعتبر رجل دولة ودين فرنسي ووزير أول للملك لويس الثامن عشر.

إن الزوج الدلالي المتعارض: “قديم-حديث” يستبطن نظاماً من القيم، إذ يمكن القول أن كلمة “حديث الظافرة ذات القيمة الإيجابية هي ما تأسس عليه آخر القطائع الذهنية والفكرية لعصر النهضة، رغم أنها ظلت منذ زمن بعيد تعني كل ما كان زمنه قصيراً جداً وكل ما هو عارض contingent، مقابل ثبات القديم”[20]. وهكذا يكون عصر النهضة قد عكس الوضع السائد آنذاك. تبقى الإشارة إلى وجه آخر، وليس أخير، لهذا الصراع بين القدماء والمحدثون والذي عكسه القرن السابع عشر، وجه “ذو طابع سياسي، إذ صارت العلاقة بين السلطة والمجتمع أكثر تحسناً عما كانت عليه بالأمس”[21]. فأصبح من نتائج الصراع ذيوع  مجموعة من الأفكار والمعاني الجديدة من قبيل: التقدم والمعاصرة، حيث صار معنى “أن تكون حديثاً يفيد أن تحيا في عصرك وأن تشارك في تطوير شامل للمعارف”[22].

– ديكارت واليقين العقلي:

يعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596_1650م) أول من سعى إلى تأسيس رؤية جديدة للعالم والأشياءـ انطلاقاً من معايير عقلية مجردة واعتماداً على التجربة، رؤية تقطع مع ما كان سائداً وقتئذ من هيمنة للخرافة والفكر الميتافيزيقي، مما سيغير الإنسان الأوربي من كائن لاهوتي إلى كائن عقلاني.

أبدع ديكارت منهاجه المعروف بالشك المنهجي بناء على عدة قواعد عقلية، تتوخى الوصول للمعرفة الموضوعية واليقين العقلي، إنه يرمي إلى “قيادة أفعال العقل لكي تصل إلى اكتشاف الموضوعات، وإلى التقدم المتوالي في هذا الاكتشاف”[23]. الأمر يتعلق لدى ديكارت بأسبقية العقل وقواعده وعمله في الحياة على أي شيء آخر، “فالعقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس”[24]، إذن فالعقل هو المعيار الوحيد للحقيقة وهو المرجع في الفهم. لذلك كانت القاعدة الأولى من قواعده في المنهج بالصيغة التالية: لا أقبل من أحكامي إلا ما ظهر لي في وضوح وتميز أنه لا يمكن الشك فيه. ماذا يمكن أن نقرأ في هذه القاعدة؟

لعل ديكارت هو أول من زرع في الوعي الأوربي الحديث قول: لا وحث على التساؤل، حيث أنه من المعروف أن القرون الوسطى الأوروبية كانت لا تعترف سوى بـ: نعم، أي الخضوع لكل أنواع السلطة: الإقطاع، الكنيسة، القيم الاجتماعية…، وهكذا أتى ديكارت ليعلن الرفض والعصيان لهذه الثقافة والبدء في زرع بذور تغييرها.

مشروع ديكارت مشروع علمي وفلسفي أساساً، جاء “ليجعلنا سادة على الطبيعة ومسخرين لها”[25]، إنه نواة منطق الحداثة من حيث إحكام السيطرة على الطبيعة وتحويلها لفائدة الإنسان بواسطة العلم الرياضي والتقني. غير أنه تبقى الإشارة أن ديكارت لم يجازف بالبحث في السياسة ! إذ ترك جانباً المجتمع ذاته بمؤسساته الأخلاقية والسياسية والدينية ولم يخضعها للشك المنهجي، وهو ما يعني أن مبدأ الصراع ضد الطبيعة، كما انبثق في الوعي الأوربي، لم يمس بداية المجتمع والدولة.

– كانط وسؤال التنوير:

انطلقت عقلانية “التنوير” مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804) ليس باعتبارها تيار فكري واسع يؤمن بالعقل كمبدأ معرفي وأخلاقي فحسب، بل كمذهب فلسفي وكحركة ثقافية جعلت من العقل والعقلانية قضية حيوية، تناضل من أجل توطيده في كل المجالات الطبيعية والإنسانية والدينية.

يرى (هابرماس) في تأويله لكانط أنه من خلال تحليل أسس المعرفة “يتكفل نقد العقل الخالص بانتقاد الاستعمال السيئ لملكة المعرفة لدينا لأنها صيغت على مقياس الظواهر. فيعوض كانط المفهوم الجوهري للعقل الموروث عن التقليد الميتافيزيقي، بمفهوم للعقل تفتتت عناصره، فصارت وحدته وحدة صورية”[26].

كما يفصل ملكات العقل العملي وملكات الحكم، واضعاً كل ملكة من الملكات على أسس خاصة بها “وفي الحدود التي يؤسس فيها العقل النقدي إمكانية المعرفة النظرية والقدرة على التمييز الأخلاقي والتقييم الجمالي”[27].

ورغم أن (هابرماس) يرى أن كانط قد عبر عن العالم الحديث من خلال مشروعه الفكري، إلى درجة أن أبرز سمات ذلك العالم تنعكس على فلسفته كما لو كانت مرآة، غير أنه يستدرك أن كانط “لم يدرك الحداثة كما هي”[28]. الشيء الذي يدفعنا إلى الاستنتاج أنه ليس من اليسير تقديم موقف حاسم لمسألة علاقة كانط بالحداثة، ومدى وعيه بها إبان العمل على بلورة مشروعه الفلسفي العقلاني  .

هذا من جهة الأساس المعرفي النظري في المشروع النقدي التنويري لكانط، ومن جهة أخرى، اهتم كانط بالتأسيس للحداثة السياسية وتوجهاتها الكبرى كما تمت قراءتها وإعادة صياغتها داخل ميتافيزيقا الحق، وبطرح سؤاله الحاسم: ما التنوير؟.

يقصد كانط بالتنويرAufklarung)): “خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته. ويعني بالقصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير”[29]. فليس من العبث إذا أن يكون شعار التنوير هو: “تجرأ على استخدام فهمك الخاص”!  وتجدر الإشارة أنه تحرياً للدقة ينبغي ترجمة كلمة Aufktarung)) بلفظ “التنوير” وليس “الأنوار” مثلاً، وذلك ليس فقط لأنه يوافق اللفظ الألماني من حيث الصيغة، بل لأنه علاوة على ذلك، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بحالة أو وضعية تسود فيها “الأنوار”، بل بعملية أو سيرورة يتم في إطارها نشر العلم والمعرفة المستندة إلى العقل، والتحرر من الأحكام المسبقة والمعتقدات المستندة إلى مختلف أشكال السلطة غير تلك التي تمتح شرعيتها من العقل ومبادئه .

إن الكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون برغبة منهم “قاصرين طوال حياتهم، حتى بعد أن تكون الطبيعة قد حررتهم من كل قيادة خارجية”[30]. معنى ذلك أن غاية  التنوير هي: “الوصول بالإنسان إلى أن يصبح غاية لذاته، الوصول إلى حالة يستطيع فيها الإنسان أن يقود نفسه بنفسه بوصفه ذاتاً فردية قائمة بذاتها”[31]. بواسطة هذه الدعوة إلى إعمال العقل بجرأة، يكون كانط قد ساهم في نقد الأوضاع السياسية في بلده بروسيا إبان حكم الملك فريدريك الثاني (1740-1786 م)، بحيث لا يحق له “مراقبة أو منع الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوراتهم”[32]، بل إن على الملك على العكس من ذلك أن “يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لغاية خلاص نفسه”[33]. كما انتقد كانط الهيمنة والسيطرة باسم الدين واللاهوت موجهاً خطابه للسلطتين الزمنية والروحية، بل حتى، ويا للمفارقة، لأي متنور يمكن أن يقول ما لم تتجرأ جمهورية على قوله: “فكروا، بمقدار ما تريدون وفي كل ما تريدون، ولكن أطيعوا!”[34].

لقد كان كانط صارماً في رفضه لأية محاولة لتثبيت أي نظام ديني، مهما كانت صلاحيته ومصداقيته، “حتى لو كان هذا النظام نتيجة تعاقد اجتماعي وتوافق سياسي”[35].

 نعتقد بناء على ما سبق إنه من بين أهم نتائج مفهوم التنوير مع كانط، هو نسف إيديولوجيا الكمال والثبات ممثلة في الدولة والإقطاع والكنيسة، التي كانت تحتكر وتهيمن على كل مناحي الحياة، واعتبار التقدم المبني على العقل جوهر الطبيعة البشرية، وغاية حركة التنوير باعتبارها صيرورة دائمة البناء وإعادة البناء .

– هيجل والوعي بالحداثة:

 يتبدى أن أول مفكر وفيلسوف تحقق لديه وعي واضح بمجموع التحولات والأحداث العميقة والمؤثرة في أوروبا الحديثة هو الألماني (فريدريك هيجل /1770-1831)، مبلوراً إحساساً ناضجاً بالدلالات والمعاني التي تجمع تلك التحولات والأحداث في بوتقة واحدة هي: الحداثة.

يبين (هابرماس) كيف أن الحداثة لم يتحصل لها الوعي الذاتي بشكل صريح إلا مع هيجل، حيث وظف مصطلح “العصور الحديثة” توظيفاً مميزاً عن المفهوم الزمني المتداول لدى المؤرخين عادة، ذلك أن “اكتشاف “العالم الجديد” والنهضة والإصلاح، الأحداث الثلاثة الكبرى التي حدثت حوالي 1500م، كانت تشكل العتبة التاريخية بين العصر الوسيط وبين الأزمنة الحديثة”[36]. هذا الوعي الثاقب هو ما سيحدو به إلى القول أنه “ليس من الصعب أن نرى أن عصرنا هو عصر ميلاد عهد جديد، وهو حقبة الانتقال إلى هذا العهد الجديد”[37].

إن الحداثة لم تطرح مسألة البحث في ذاتها عن ضماناتها الخاصة إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث جعلها هيجل أم المشكلات الفلسفية مقتنعا تماماً بأنه “من غير الوارد أن نصل، خارج مفهوم الحداثة، إلى مفهوم تستطيع بواسطته الفلسفة أن تستوعب ذاتها”[38]. فبعد اكتشافه مبدأ الأزمنة الحديثة يفسر هيجل تفوق العالم الحديث وبيان الأزمات التي تعترضه، محاولاً أولاً صياغة الحداثة مفاهيمياً ثم نقدها بشكل جاد ثانياً.

لا يقصد هيجل بمبدأ الأزمنة الحديثة أو العالم الحديث سوى مبدأ الذاتية وأولويته على أي شيء آخر. حيث يحوي مبدأ الذاتية أربع دلالات:

 أ- النزعة الفردية: ومفادها تفرد الإنسان بذاته واستقلاله بها عن السلط الخارجية عنه

ب- الحق في النقد: ويستلزم أن من حق كل شخص ألا يقبل إلا ما يبدو له مبرراً ومعقولاً

ج- استقلالية الفعل: أي أن الأزمنة الحديثة كفيلة بالإجابة عن كل ما يفعل الإنسان

د- الفلسفة المثالية ذاتها: فهي بالنسبة لهيجل من صنع الأزمنة الحديثة ذاتها.

مبدأ الذاتية هذا، وراءه عدة أحداث تاريخية فارقة فرضته، تتمثل في : “الإصلاح الديني والأنوار والثورة الفرنسية، إذ أصبح الإيمان الديني لدى “لوثر” تأملياً، وفي عزلة الذاتية انقلب العالم الديني إلى واقع مشيد من طرفنا نحن”[39].

مع (هيجل) تحول الدين إلى فكر، وتحول هذا الأخير إلى وجود. حيث أنه لم يكتف “بتأسيس الإيمان بالله وبخلود النفس على أساس عقلي كما فعل ديكارت، كما لم يكتف بالحديث عن الدين في حدود العقل كما فعل كانط، بل تحدث عن الدين باعتباره هو الفلسفة، كما نظر إلى العقيدة باعتبارها هي الوجود”[40]، فتحول الله إلى مطلق والوحي إلى معرفة مطلقة والشريعة إلى قانون مجرد.

إن الأزمنة الحديثة هي ما يسمو فيه الإنسان إلى مرتبة القدرة والإرادة الحرتين، مما يخوله أن يمتلك كنوزاً كان القدامى ينسبونها للآلهة. من الواضح إذن، أن مبدأ الأزمنة الحديثة ومبدأ الذاتية يؤسسان للحداثة الواعية بذاتها من خلال فعل الإنسان في التاريخ، عكس ما كان عليه الأمر مع (كانط) حيث لم يكن مبدأ الذاتية فاعلاً بوعي واضح.

 فمفهوم التاريخ بالنسبة لهيجل يلعب دوراً أساسياً للغاية، ويختلف عما كان يفهمه من الكلمة فلاسفة القرن الثامن عشر. لا يعني التاريخ عنده مجرد الماضي الموروث، بل يعني منطق الأحداث ومحركها الباطني. أي المجال الذي تتبلور فيه الحقيقة المطلقة كسيرورة، وبالتالي لا ينعكس في الذهن بمجرد ما يتحرر المرء من الأوهام الموروثة، إن المطلق يتجسد في أدوار تاريخية مطردة، يتمثل كل دور في دولة تنتج حضارة متمثلة في أعمال فكرية وفنية وثقافية…الخ.

الدولة هنا عند هيجل لا تحضر كتحليل لتجارب تاريخية، بل “كتحليل لفكرة الدولة، أي كيف نفهم الدولة كشيء عقلي؟ وهو لا يفعل ذلك على نحو مجرد، وإنما بنظرة نقدية للطبيعة البشرية من ناحية، والتاريخ الفعلي للدول من ناحية أخرى”، ذلك لأن المهم في تنظير الدولة ليس هو إنتاج بنية سياسية مثلى، وإنما اكتشاف المبادئ الأساسية طبقاً للمطالب العليا للعقل والأخلاق مع الاهتمام بالتطبيق والممارسة.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

* المراجع المعتمدة في هده الدراسة

1.Beaudrillard Jean,« La modernité » in,Encyclopédia Universalis, corpus 15, Paris, 1992.

2.Alexis Nouss, La Modernité, collection que sais-je ? Paris, PUF, 1995.

3.Danilo Martuccelli, sociologies de la Modernité: l’itinéraire du XXe siècle, collection folio, 1999.

4.Jurgen Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, NRF, Gallimard, 1988

5.Raymond Boudon et François Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, PUF, Paris, 3ème édition, 1990.

6.La querelle des anciens et les modernes XVII-XVIII siècles, Textes réunis par Marc Fumaroli, collection folio classique, Gallimard, 2001.

7. محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000

8. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية (6) دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004

9. نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدها للنشر الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004.

10. مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 104، يناير 2001.

11. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها/ دفاتر فلسفية (11)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006.

12. حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الرابعة، 1990.

13. رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968

14. المفاهيم تكونها وسيرورتها، (ندوة) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 87، الطبعة الأولى 2000.

15. مجلة فكر ونقد:  السنة الأولى، العدد 04، دجنبر 1997

الهوامش


[1]Beaudrillard Jean, « La modernité » in, Encyclopédia Universalis, corpus  15, Paris, 1992.P . 552

[2]Beaudrillard (J), Encyclopédia Universalis P . 552

[3]Beaudrillard (J), Encyclopédia Universalis P . 552

[4]Ibid, P.552

[5]Ibid, P.552

[6]Ibid, P.553

[7]Ibid, P.553

[8]Raymond Boudon et François Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, PUF, Paris, 3ème édition, 1990 , P . 396

[9] Boudon Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie , P . 397

[10]Boudon Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, P . 399

[11]Ibid, P. 400.

[12]محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000   ص 44

[13]ألفن توفلر: حضارة الموجة الثالثة ، وارد في : محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية (6) دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004 ص 31

[14]إيزنشتات س.ن، حداثات متعددة، ترجمة عاطف أحمد ، مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 104، يناير 2001. ص 98

[15]شارل بودلير : الحداثة الفنية ، ضمن كتابه: رسام الحياة الحديثة 1863 ، محمد ابن طلحة ، وارد في : محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I دفاتر فلسفية (11)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006. ص 18

[16]شارل بودلير : الحداثة الفنية ،  سبيلا و بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I دفاتر فلسفية (11)، ص 19

[17]Jurgen Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, NRF, Gallimard, 1988, P. 10

[18]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité , P. 10

[19]La querelle des anciens et les modernes XVII-XVIII siècles, Textes réunis par Marc Fumaroli, collection folio classique, Gallimard, 2001 , P. 96

[20]Fumaroli, La querelle des anciens et les modernes, P.803

[21]Ibid,P 824

[22]Alexis Nouss, La Modernité, collection que sais-je ? Paris, PUF, 1995,P. 11

[23]نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدها للنشر الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004. ص 78.

[24]رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968 ص 109

[25]نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، ص 75

[26]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 22

[27]Ibid, P 22

[28]Ibid, P 23

 [29]ايمانويل كانط ، ما هو التنوير؟ ترجمة اسماعيل المصدق ،مجلة فكر ونقد:  السنة الأولى، العدد 04، دجنبر 1997.ص 144

[30]كانط ، ما هو التنوير؟مجلة فكر ونقد ، ص 144

[31]محمد المصباحي ، مفهوم التنوير من خلال مقالة كانط  ، “ما هو التنوير”؟  المفاهيم تكونها وسيرورتها، (ندوة) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 87، الطبعة الأولى 2000 ، ص 129

[32]كانط ، ما هو التنوير؟ ص 148

[33]نفسه ، ص 147

[34]نفسه ، ص 149

[35]محمد المصباحي ، مفهوم التنوير من خلال مقالة كانط  ، “ما هو التنوير”؟  ص 140

[36]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 6

[37]هيكل ، ظاهريات الروح ، ص 162 ، محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I ، ص 45

[38]Habermas, op , cit , P 19

[39]Habermas, P 20

[40]حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الرابعة، 1990، ص 145

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

The post سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 5408
الحداثة المعرفية‏: مركزية العقل الإنساني https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9%e2%80%8f-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9%e2%80%8f-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3/#respond Sat, 17 Dec 2016 21:54:50 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5404 الحداثة المعرفية‏: مركزية العقل الإنساني – أحمد زايد تفهم الحداثة بالمعني الأوسع علي أنها تنوير العقل‏.‏ فالعقل هنا يحتل سلطة مركزية‏,‏ لا في الفكر فقط‏,‏ وإنما في تأسيس نظم المجتمع‏.‏ […]

The post الحداثة المعرفية‏: مركزية العقل الإنساني appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحداثة المعرفية‏: مركزية العقل الإنساني – أحمد زايد

تفهم الحداثة بالمعني الأوسع علي أنها تنوير العقل‏.‏ فالعقل هنا يحتل سلطة مركزية‏,‏ لا في الفكر فقط‏,‏ وإنما في تأسيس نظم المجتمع‏.‏

ولذلك يمكن القول ببساطة أن مشروع الحداثة هو مشروع عقلي, لا يستقيم نظام, ولا ينتظم أداء أو ممارسة, إلا وكان العقل هو الأداة المحركة. وفضلا عن ذلك فقد قام العقل بدور في نقل المجتمع من حالة الجمود والاستكانة, حيث التقاليد الجامدة تعمي البصائر وتطمس العقول, إلي حالة الانطلاق نحو الآفاق الرحبة لعقل يبدع ويتأمل وينتج أفكارا تسهم في تأسيس تعاقد اجتماعي يقوم علي إرادة الإنسان الجمعية, وعلي مركزية الفرد الحر الطليق القادر علي الفعل المختلف, وعلي بلورة ثقافة للحرية والمساواة والمواطنة, وعلي تكوين نسيج للحياة مغزول حول العقل.

ولم تكن هناك عملية أصعب من بناء هذا النسيج الحياتي. فقد استغرق الأمر أكثر من ثلاثة قرون لكي يضيء نور العقل ليهزم الخرافة واستلاب القدرة الحقيقة علي الفعل. ولقد كانت نقطة الانطلاق إلي ذلك جملة مفيدة; أصبحت تعبر رمزيا عن حضور العقل: أنا أفكر فأنا أذن موجودcogitoergosum. لقد نسج ديكارت(1596-1650) حول هذه الجملة منهجا جديدا, لا للفكر فقط بل للحياة أيضا. فلم يعد العقل في المنهج الديكارتي أداه للبحث المطلق عن الحقيقة فقط, بل أصبح أيضا أداة للوجود; فالوجود يكون منقوصا إذا لم يرتبط بالقدرة علي التفكير. يبدو العقل هنا وكأنه القادر علي بعث الوعي الوجودي من مكمنه, فيصبح للوجود معني, طالما هناك ذات مفكرة تحرس هذا الوعي الوجودي وتزيده انبعاثا. وإذ يبزغ العقل الديكارتي في فرنسا, يبزغ عقل من نوع آخر في انجلترا. هنا ينحو العقل في بلد الثورة الصناعية إلي فهم الواقع علي قواعد علمية وتجريبية. فيدعونا فرانسيس بيكون(1561-1626) بقوة إلي أن نطرح خلف ظهورنا الأوهام التي تعوق الفكر وتعطله( والتي أطلق عليها أوهام الجنس والكهف والسوق والمسرح) وتحوله إلي فكر بعيد عن موضوعية العقل وحياده. فإذا كان المجتمع يتحول إلي مجتمع جديد, فإنه بحاجة إلي’ أورجانون جديد’, إلي قواعد جديدة للتفكير تسمو بالعقل وتجعله قادرا علي الترفع عن التعلق بالجنس أو المكان أو الأقوال السائرة الدائرة غير الموثوق بصحتها أو الأقوال المأثورة التي لا تقبل الجدل. وأكاد أفهم هذا المنحي الفكري الجديد لا علي أنه دعوة إلي تدقيق التجريب والبحث فحسب, بل أنه دعوة إلي عمومية العقل ومن ثم عمومية القيم الإنسانية أيضا. فالعقل الباحث عن الحقيقة لا يحده مكان ولا زمان, ولا أطر ثقافية خاصة, بل هو عقل لا يحده إلا قواعد المنطق وقوانين التجربة.

وإذ ينتشر المنهج الديكارتي ومبادئ الأورجانون الجديد في أنحاء المجتمعات الغربية, التي تصبوا إلي الفكاك من ربقة التقليد والتقديس والجمود, فإنه ينتج نماذج فكرية هنا وهناك تعمل في النهاية علي أن يصبح العقل سند الحداثة الأول الذي يضعها علي جادة الحق والصواب. وقد كان كانط(1724-1804) من أهم الفلاسفة الذين ساهموا في هذا المسعي الفكري النبيل. فالعقل قادر علي بناء مفاهيم خالصة يمكن من خلالها أن ينظم الواقع الحسي وأن يخضعه للتجربة; إنه المنظم الأول للحياة المادية المحسوسة ولخبرات التجربة. وهو إذ يعارك الحياة يتحول إلي عقل عملي ينتج القيم الأخلاقية والأخلاق المهنية, وإذ يعارك الذات الفردية فإنه ينتج أحكاما جمالية تستقيم ومنطق العقل والأخلاق. يتحول العقل عبر تجلياته المختلفة العقل الخالص والعقل العملي وملكات الحكم الجمالي إلي عقل حاكم منظم للحياة والخبرة.

وإذا كان كانط قد حول العقل إلي سلطة حاكمة تتدرج عبر سلم, يبدأ من المنطلقات الكلية وينتهي بالأحكام الجمالية مرورا بالمنطلقات العملية, فإن هيجل قد منح العقل سلطة النفي. فالفكرة تعاند الفكرة, وتدخل في تناقض معها, بحثا عن تآلف فكري جديد, في سعي دائم نحو الكمال المطلق. دعوة جديدة لأن يشمر العقل عن ساعديه, فلا يركن إلي الخمول والكسل, بل يجادل ويرفض وينتقد ويشك ويعاند, لا من أجل الجدل والرفض والنقد والشك والعناد, بل من أجل السعي نحو غاية مطلقة, نحو قيم عليا, نحو الروح الكلية أو قل العقل الكلي الذي يلم وشائج المجتمع ويصبوا به إلي الكمال. وفضلا عن هذا فإن النقد( النقض) يولد قدرة انعكاسية للعقل, تجعله يمتلك المكنة لكي يتأمل ويراجع, ولا يركن أبدا إلي صيغ جاهزة وأطر مستكينة, ولا شك أن هذا التأمل الانعكاسي يصب في النهاية في العملية الكبري للعقل: أعني البحث عن الكمال والاكتمال.

ومن نافلة القول أن نؤكد علي أن الارتفاع بالعقل والعقلانية في الفكر الحداثي الأوروبي قد ساهم مساهمة كبيرة في تحويل المجتمع لينفك عن ربقة الجمود والتخلف إلي الأفق الرحب للحداثة. فمن الناحية السياسية كان هذا الاتجاه إلي مركزية العقل دافعا إلي بناء النظريات السياسية للعقد الاجتماعي. إن فكرة التعاقد الاجتماعي علي مختلف تجلياتها عند توماس هوبز(16791588) وجون لوك(17041632) وجان جاك روسو(17781712) ما هي إلا دعوة لكي يتأسس النظام السياسي علي سلطة مستقلة وحيادية; الدولة المهيمنة أو السلطة المطلقة( هوبز) أو القانون( لوك) أو الإرادة العامة( روسو). وأكاد أفهم هذه السلطة السياسية المستقلة علي أنها سلطة تناظر سلطة العقل المستقل الحيادي. وأحسب أن هذا الفكر هو الذي قاد إلي الثورة الفرنسية التي كانت رمزا للتحرر السياسي في أوروبا, بل وفي العالم. ومن الناحية الاقتصادية فقد ساهمت الفلسفة العقلية في بلورة الاسهامات السوسيولوجية التي أعلت من شأن التفكير العقلاني والرشد, واعتبرت الفعل الرشيد القائم علي حساب الوسائل والغايات نموذجا مثاليا للفعل. قد نسترجع هنا اسهامات ماكس فيبر عن العقلانية ودورها في بناء المشروع الرأسمالي, وعن الفعل الرشيد مقارنة بالأفعال التقليدية وغير الرشيدة, وعن السلطة القانونية مقارنة بالسلطة التقليدية والسلطة الكاريزمية. كما قد نسترجع أراء باريتو(19231848) حول الفعل المنطقي والفعل غير المنطقي. وهي أراء استدمجت في علم الاجتماع المعاصر وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المشروع الحداثي الرأسمالي.

ورغم أن العقل والعقلانية قد شكلا معا أساسا قويا لبناء المشروع الحداثي الأوروبي, الذي أصبح المشروع الأكثر سيطرة في عالمنا المعاصر, نقول رغم هذا, إلا أنه ينبغي علينا أن نستدعي ونحن نختتم هذه المقالة ما آل إليه المشروع الحداثي الغربي من مشكلات نجمت عن طموحه المادي غير الملجم, ونزعته الاستهلاكية الفجة, وميله إلي التمركز حول العقل الأوروبي; الأمر الذي أفرز انتقادات عديدة للنزعة العقلانية المفرطة ربما نعود إلي الكتابة عنها فيما بعد.

The post الحداثة المعرفية‏: مركزية العقل الإنساني appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9%e2%80%8f-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3/feed/ 0 5404
هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%b5%d9%81%d8%a9-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1/ https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%b5%d9%81%d8%a9-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1/#respond Fri, 18 Nov 2016 08:24:25 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=4332 هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! – د. محمد عجلان يقول الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» وهو بصدد إجابته عن سؤال «ما هو التنوير»: «التنوير هو خروج الإنسان من […]

The post هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! – د. محمد عجلان

يقول الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» وهو بصدد إجابته عن سؤال «ما هو التنوير»: «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. والكسل والجبن هما علة بقاء البعض من الناس عاجزين وقاصرين طوال حياتهم، رغم أن الطبيعة حررتهم منذ زمن طويل من كل سلطة ووصاية خارجية وغريبة عليهم، إن مبدأ التنوير هو: كن شجاعا واستخدم عقلك بنفسك».

وفقاً لهذا النص الكانطي، فإن جوهر التنوير هو استخدام العقل، وعدم الارتهان لرؤى الآخر، سواء كان هذا الآخر شخصاً ذا سلطة عليك، أو كان تراثاً يمارس سلطته باسم القداسة أو باسم العصور الذهبية التي ولّت ولا سبيل لتكرارها. فالتعلق بما رآه الآخر، سواء خوفاً أو كسلاً، هو توقيف للعقل عن إدراك حقيقة العالم الذي يعيشه، والدوران في فلك عقول لا تعيش عصرنا، سواء كانت عقولاً جاءت في الماضي وبالتالي فهي غير قادرة على قراءة عصرنا، أو كانت عقولاً تمارس وصايتها عليك تحت أي مبرر، فهي لا تؤمن بروح عصر العقل حتى لو كانت تحيا في ظله.

وإذا كان إعمال العقل هو جوهر التنوير، فإن احترام الإنسان صاحب العقل وتقديس حقوقه هو جزء أصيل لا ينفصل عن خطاب التنوير؛ لأن العقل الذي من المفترض أن يعمل بجرأة وفقا لطرح كانط لابد أن يجد مناخا مناسبا كي يعمل بهذه الجرأة، ولا يمكن أن يكون مناخ انتهاك حقوق الإنسان ومعاملته باعتباره قاصراً سيكون مناخاً مناسباً للفعل التنويري. وأي خطاب للتنوير في ظل مناخ الوصاية – أيا كان نوعها – لن ينمو، وفي أحسن الأحوال سينمو شائهاً؛ لأنه خالف جوهر التنوير وأخذ منه بعض مقولاته الشكلية لا أكثر.

ولذلك يمكن رصد حالة التوافق ما بين الخطاب الوصائي المنغلق، وبين الأنظمة الاستبدادية، فالخطاب المنغلق يحاصر العقل ويؤخّره إلى ذيل القائمة، هذا إن اعترف به أساساً، وبالتالي ينفي – سواء أدرك أو لم يدرك – عن الإنسان أهم مقوماته وهي التفكير، وهذه البيئة الوصائية هي المناسبة لأي نظام استبدادي، حيث تستكمل دور الوصاية تحت شعارات عديدة، وتؤخر استحقاقات الإنسان في حياة كريمة تلائم إنسانيته، وترفض بناء على ذلك أي فكر تنويري حقيقي يدفع الإنسان إلى تحقيق ذاته والتأكيد على إمكانياته. وإن كانت ترفع شعارات التنوير وتدعم بعض الجهات التي تتحدث باسمه، لكن هذا لا يخرج عن سياق الترويج الكاذب، مثل حديثها تماما عن الديمقراطية التي تحيا أزهى عصورها في ظل حكمها البغيض. ومن هنا ينشأ التحالف الوجودي ما بين الأنظمة الاستبدادية والتيارات الأصولية.

The post هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%b5%d9%81%d8%a9-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%86%d9%87%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1/feed/ 0 4332