الجاهلية - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الجاهلية/ مكتبة شاملة Thu, 10 Oct 2019 00:27:05 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 الجاهلية - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الجاهلية/ 32 32 116455859 تأسيس الوجود في النص القرآني – محمد الزغواني https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%ba/ https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%ba/#respond Thu, 10 Oct 2019 00:27:05 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=18797 يمكن أن يكون الانطلاق للنظر في اساسيات و خصوصيات الموقف و الصورة التي يبنيها النص القرآني لمسألة الطبيعة ، و الكون في عمومه ، و الفعل ، و الفعل الإنساني […]

The post تأسيس الوجود في النص القرآني – محمد الزغواني appeared first on المكتبة العامة.

]]>
يمكن أن يكون الانطلاق للنظر في اساسيات و خصوصيات الموقف و الصورة التي يبنيها النص القرآني لمسألة الطبيعة ، و الكون في عمومه ، و الفعل ، و الفعل الإنساني في خصوصه ، يمكن الانطلاق في ذلك من الموقف الاستشراقي في عمومه ، الذي يرى أن تلك الخطوط و الابعاد تبني عقلا تسليميا لا يرى من الفعل إلاّ أوهامه ، و من الكون إلاّ انفلاته ، عقلا لا تحكمه سوى قدرة الخالق و لا تنظّمه غير إرادته ، حيث أن ” العقل المسلم الذي تشكّل في إطار القرآن لا بد من أن ينفي السببية “.

فبحسب هذا التصور و هذه القراءة ، فإن جرثومة التسليم و الانفلات من كل ضابط وضرورة هي النصوص التأسيسية الاولى ( القرآن و السنة).

فما هي حدود هذا القول؟

سؤال مفرد في بنائه ، متعدد في احالاته ، متسامح في ظاهره ، مشاكس في مراميه ، إن لم نقل مخاتل في مقاصده .لكن برغم كل ذلك و غيره ، سنجتهد في هذه المحاولة أن نسير عبر كل الدروب التي يفتحها و الأنهج التي يشقّها و نقتحم كل المجاهل التي يحيل عليها ، حريصين اشد الحرص تجنب خطاب التدافع , و منزلقات المهاترات الايديولوجية و مغريات المجادلات الكلامية . والذي يعصمنا من كل ذلك ، أننا نتخذ من البحث ، ركاب مطية ، وحلقة باب منها نستأذن الدخول و عندها نشد الراحلة ، أي البحث في المنهج و الطريقة و محطّات للوقوف ، عملا بالحديث ” اعقلها و توكل “، وهو عقل تعقّل، لا عقل اعتقال تعقل لمسارات الخطاب المعرفي في الثقافة الإسلاميّة .

لذا فنحن هنا ننصب من النص و فيه كي نخالط ما تمازج فيه عسانا نقدر أن نفهم اسس القول و آليات اشتغاله ، و التركيب و اسرار فعله ، و المطلوب و حكمة الأمر منه ، و الإحالة هل هي حقيقة منتهاه ام بدايات تشكله و مقصده . ذلك أننا ، هنا ، لا ننظر في النصوص الشرعية بعدها التأصيلي ولا شرطها المعرفي، وإنما نحن حيالها، ننظر بعين المحلّل الابستيمولوجي يغريه من النص حركة الواقع فيه، وانبناء الخطاب في سياقه . طموحنا ، في هذا إذن ، ان نمسك بدايات الخطاب ، كي لا تربكنا المنعرجات والتقاطعات التي و لا بد اننا واقعون فيها وعليها في القادم من القول .

ربما امكننا النظر ، الى لغة القران و تسامحه في الصياغة و التركيب و حتى في الانتقال بين اللهجات ، كنوع من الاستراتيجية الممنهجة لبناء لغة جامعة و موحدة تكون أساس الخطاب الوحياني الطالب للتجاوز و الشمول و اختراق حواجز و موانع القبيلة الموغلة في الذاتية ، القران كما نزعم يريد هدم تلك الأسور و البحث عن ساحة التقاء ( خلّوا بيني و بين الناس )

تأسيس النص

مثّل النص القرآني لحظة فارقة في تاريخ تشكّل و تطور الذهنية العربية حتى قبل أن تتحدد خصائصه و مقوماته هو ذاته ، فالقرآن كخطاب تأسس منذ بداياته على التعالي الانطولوجي والمعرفي ، يعيد أو لنقل يدشن في الذهنية العربية ، تراتبية القول و تعالي المعرفي المفارق ، فالشعر و الكهانة و غيرهما من أنواع القول المتداول في تلك البيئة ، كانت العلاقات فيما بينها، رغم التوتر في بعض الأحيان ، علاقات تشابك و تنافس على الواقع ، بمعنى وغاية التداول ، و برغم أن بعضها كانت له الأولوية و المكانة الخاصة ، كالشعر مثلا ، فإن تلك المكانة ما كانت تعني و لا تفضي إلى نوع من التعالي و طلب السيادة المطلقة ، فكل مستويات الخطاب كانت تقبل التعايش و التأثير المشترك في الواقع ، لكن أبدا ما كان الاقصاء واصرار التهميش و فرض التعالي ، صفات راسخة في تلكم العلاقة . مع هذا الخطاب الجديد ، هناك تراتبية في القول و سيادة سعى إليها هذا الوافد و نافح و كافح طويلا من أجل الظفر بها وتأسيس العلاقة وفق شروطها ، فالخطاب القرآني منذ بداياته الأولى لا يقر بأي مساواة بينه وبين كل تلك الخطابات ، بل أكثر من ذلك هو ينسفها و لا يقر لها بأي سلطة على الواقع و لا يحترمها كمرجعية معرفية أو تحكمية (والشعراء يتبعهم الغاوون)

بهذا المعنى مثّل الوحي من الزاوية الابستيمولوجية ، قطيعة معرفية لا تقبل المهادنة ، ورغبة جامحة لامتلاك المبادرة حيال الواقع و الانفراد في التأسيس و البناء ، مع الرفض التام لإعطاء الخطابات المنافسة حق المشاركة ، بله التواجد و الفعل المعرفي والانطولوجي . وربما هذه الصرامة و عدم التسامح المطلق مع كل الموروث السابق و المنافس على أرض الواقع ، تعطينا بعض التفسيرات و الايضاحات عن ذلك العداء و الرفض الذي جوبه به هذا الخطاب برغم هامش الحرية الدينية التي كانت ميزة الجزيرة العربية ، و كذلك برغم أن الدعوة إلى التوحيد العقائدي و التهجم على الاصنام كانت مسألة ألفها الواقع و تعامل معها بتسامح كبير ، بل هناك نوع من الاحترام و التبجيل الخفي لمواقف تلك الفيئة من الدعاة “قال ابن سحاق : و حدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن أمه اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، و هو يقول : يا معشر قريش ، و الذي نفس زيد ابن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لوأني اعلم أيّ الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا اعلمه ، ثم يسجد على راحته ” فهذا النص و غيره كثير يقف شاهدا على درجة التسامح التي كان العرب يقابلون به مختلف تلك الدعوات المجاهرة بالنقد حتى أن اشعارهم و خطبهم كانت تحفظ ويقع تداولها دونما حرج ، بل أكثر من ذلك ، ربما كانت ندرة حالات التضييق و خصوصيتها تكون داعمة لموقف التسامح الذي هو الاصل والتضييق الاستثناء ، فالحالة الوحيدة التي يحدثنا عنها ابن هشام في سيرته هي ما تعرض له زيد بن عمرو بن نفيل من الخطاب عمّه . فقريش و الملأ المتحكم فيها ، ما كانت نفوسهم تضيق بتلك الدعوات ، رغم المجاهرة و الدعوة الصريحة ببطلان ما هم فيه من الاعتقاد .

الجديد و الحاسم في هذا الخطاب الحنفي الجديد أنه لا يهادن البتة و يرفض أي صيغة من صيغ التعايش و التجاور ، فالخطاب الوحياني مفارق لكل ما سبق و ذلك ابتداء بالصيغة التي تشكل من خلالها و العلاقة المتلبسة التي تنزّل بها ، و التي بقيت مستعصية على الفهم والإدراك . و حتى التفسيرات التي قدّمت لهذا النوع من التواصل ، كانت أكثر غموضا و لم تزد الامر إلاّ التباسا حتى على ذات الرسول ، الذي بقي يكابد هذا الخطاب إلى آخر لحظات تنزّله .إذن هذا الخطاب هو بالأساس خطاب غير مدرَك كصيغة تواصلية . و هذا التعجيز والإفحام لم يكن طبعا لغير أهداف و مرامي تأسيسية .

من البيّن هنا أنّ الخطاب الوحياني منذ تباشيره الأولى يسعى إلى تأسيس ” عالمه المعرفي” أو بلغة فوكو ابستيميته الخاصة و هذا طبعا لا يكون إلا بعد احداث قطيعة ابستيمولوجية تطال كل ما سبقها ، و تُعمل معول الهدم فيه بدون اي نيّة في التسامح أو المناورة . و النص كما تشكّل ، و الرسول كما تعامل مع خصومه ، تعطينا صورة جليّة عن كل تلك الصرامة التي خطّها الوحي و التزم بها الرسول تجاه سياسات الإغراء و التهديد التي قابله بها خصومه الذين كانوا بالأمس القريب لا يلتفتون مطلقا لكل دعاوي التوحيد التي نادى بها الاحناف و تغنوا بها في اشعارهم .

و نحن في هذا المستوى من القول و في عموم نظرنا ، ننطلق بالأساس من الخطاب كأداة للتأسيس و نبتعد عن التوظيف السوسيولوجي و السياسي في ادراك عملية البناء المعرفي ، وهذا الموقف المنهجي ليست دواعيه عدم الاعتراف بالأهمية لتلك الابعاد ، بالعكس تماما فنحن نقر بخطورة الممارسة النبوية في تثبيت دعائم الخطاب الذي تحمّله ، كما أننا نذهب أن الواقع السياسي و الاجتماعي الذي اعقب وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم كان له الدور الفاعل و الحاسم في ارتفاع بناية النص كأحد مجسدات الخطاب الوحياني .

طبعا عندما نتقدّم في التحليل كل ذلك سينكشف و تبرز أشجار الغابة تباعا ما يهمنا هنا ، الخطاب في حد ذاته ، و بالتحديد مرامي و اهداف تلك الصرامة و الصلابة البنيوية التي تشكل من خلالها و تلك العلاقة المتشنّجة و العدائية التي واجه بها واقعه و مختلف السياقات التي تحرّك فيها .

ماذا كان يطلب النص من وراء كل ذلك الغضب ؟

و ماذا يهدف بكل تلك الحروب التي يشنّها ؟

خطاب التأسيس

ربما كان هذا العنف و هذه الصرامة في تنزيل القول و افساح المجال له في ذهنية المتقبل ، قد تتعارض و المرامي الإصلاحية و التقويمية التي يبشر بها هذا الخطاب . اعتراض قد يبدو وجيها ، و تساؤل قد يكون مشروعا خصوصا و أن الخطاب القرآني لن يتوانى لاحقا في التعامل مع الواقع و مع الطارئ بكثير من الاريحية و البراغماتية ، التي كانت ، في كثير من الأحيان ، مستفزة و مربكة للأتباع ، غير أن النظر الدقيق في استراتيجيات الخطاب الوحياني يدرك جيدا ، أنه لم يكن حريصا في بداياته أن يستهل الاشتغال على الواقع ، بقدر ما كان حرصه منكبا على اعادة صياغة الذهنية العربية و تحطيم بناها المؤسسة و آليات اشتغالها .
الخطاب القرآني منذ بداياته كان التصور و النظر و بناء الفكر هو ما طمح إلى إعادة تشكيله و لعل نظرة سريعة لقاموس المصطلحات المستعمل في القرآن و خصوصا في بدايات تشكل الخطاب فيه تعطينا دليلا دامغا على ما نقوله ، و نحن ستكون لنا وقفة مفصلة بعض الشيء مع هذا القاموس فيما سياتي من تحليل . للأسف القراءة الإيمانية لهذا التوجه التأسيسي ، قد افقدته زخمه و أبعاده المعرفية ، عندما لم تر في كل ذلك المجهود التنظيري ، سوى تدعيم و تأسيس التوحيد و مواجهة الشرك . ذلك أننا نعتقد أن مسألة الألوهية برمّتها ، و إن كانت من بين مرامي الخطاب و أهدافه إلاّ أنّها جزء من كل و ليست جوهر المسألة كما هو السائد من القول . فالشرك كما كان سائدا في شبه الجزيرة العربية و في قريش على وجه التحديد ، مسألة اجتماعية ، سياسية بالأساس ربما لو نظر لها من وجهة نظر اعتقادية صرفة ، ما كانت لتشكل خطرا مهددا لمفهوم الألوهية ، غير أن هذا الشرك بما يتأسس عليه من تسامح و انفلات من كل ضابط و حدود في تصنيف القول و احترام شروطه ، يهدد بغياب المعنى ، و انفتاح الوجود برمته على المجهول . و هذه هي التهمة ، و الإدانة الحاسمة التي يوجهها الخطاب القرآني لهذا التعامل اللامسؤول للعربي تجاه اعتقاداته ، و هي الحلقة التي منها ينسج الخطاب القرآني أولى أساسيات القول عنده ؛ البحث عن المعنى .
الخطاب بهذه الصرامة ، التي تأسس عليها و جعلها خصيصة قوله ، إنما كان يهدف من خلالها تهيئة الأرضية و تحصين الأسوار و رفعها إلى أقاصي الحدود ، لأن ما سيبنى هنا شيء غير قابل لأي تلاعب أو تهاون مهما كانت المبررات ؛ إنه المعنى و الوجود .

المعنى هو حقيقة الأشياء بغيابه تفقد الاشياء خصائصها و مبرراتها ، فأهمية الأشياء و ميزان التعامل بها ، هو ما تحمله من معاني و تحيل عليه من قيم و محددات ، لا شيء، هكذا يقرر الوحي ، على البداهة و السجية و لا فعل خارج سياق المسؤولية ، و لا قول بغير وظيفة في الجملة ، لا حشو في الكلام ، ليس من شيء إلا و له احالة على معنى يجب أن يدرك . كذلك الوجود ، حقيقة يجب أن تحترم و يعاد لها الاعتبار و ذلك بالوعي به و احترام شروطه . و هذا التلازم بين المعنى و الوجود ، هو الجوهر الفرد ، بلغة المتكلمين ، الذي سيشكل جسم النص ، بالإتلاف و التمازج طورا و الطفرة و الكمون طورا آخر .

الوجود والمعنى

هذا التوجه الواضح و الحرص العنيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الكلمة و القول المنفلت في الذهنية العربية التي كانت تتبنى ” الليبرالية الدينية ” في إيمانها ، لما يوفره ذلك النوع الديمقراطي من الإيمان ، من مكاسب مادية و اجتماعية و سياسية ، بالإضافة إلى “اعتبار الدين مسألة شخصية [حيث ] لم يكن التدخل في الشؤون الدينية الفردية أمرا واردا ، يمكن تلمّس ذلك من وجود النصارى و اليهود في مكة ، و تعضيدا لهذا الرأي يمكننا اتخاذ موقف العاص بن وائل الذي أجار عمر بن الخطاب حين دخل الإسلام بقوله لقريش : ” رجل اختار لنفسه أمرا فما لكم و له ” – بلوغ الأرب ك 1/328 – 329 – ، كذلك مطالبة قريش أبي بكر على مواصلة تعبّده داخل بيته دون الإساءة إلى الآخرين – حياة الصحابة : 1/ 2015 ” و حوارات الخطاب القرآني مع معارضيه و الرسول صلى الله عليه و سلم مع الملأ القرشي تقف شاهدة على ذلك الفهم الذي كانت تتبناه الذهنية العربية للإيمان ذلك التوجه الذي كان ولا بد ان يتأسس على احترام القول مالم يصادم المصالح و يفضي إلى مشاحنات ، أي أن القول كانت له مطلق الحرية و السيادة على المعنى و المفهوم .
و لمّا كانت ” الكلمة ” هي المعلم الحضاري الأكثر بروزا و تألقا في الجزيرة العربية ، فإن استهداف ذلك الصرح الشامخ ” الكلمة / الخطاب ” ، هو إمساك بدفة القيادة ، و وضع اليد على الجينة المتحكمة في البناء و التشييد . و هذا ما وعاه الخطاب الوحياني و اشتغل عليه بصرامة و جدّية ، من أجل إعادة نحت الشخصية العربية كحامل لهذا المشروع الإصلاحي والمسوّق له ، فالوحي يقدّم نفسه منذ البداية ، و بدون أي موارية ، كرسالة كونية تستهدف العالم باسره بل أكثر من ذلك ، هي الوجود كلّه تريد ؛ المدرك منه ، و غير المدرك ، تريد أن تصحح مساره و تعطيه معناه الدقيق . و من هنا كان الاستحواذ على ” القول ” هو المنطلق للبناء . لكن بناء ماذا ؟

أ – الوجود

ليس مستغربا و لا مدانا ذلك التمثّل الساذج و البكر الذي نجده في الذهنية العربية للوجود ، فذلك الانفتاح الذي يتحرك فيه الأعرابي ، و ذلك الانعدام شبه الكلي لمقومات المدنية ،والعيش في العراء ، و التحلل من كل التزام اجتماعي غير اعراف القبيلة ، كل ذلك جعل تمثّل الطبيعة و الكون جملة ، غائم الملامح ، متلبس المعاني ، ساذج الدلالة . فالطبيعة عند الأعرابي تعني الإمتداد و عدم الثبات ، فالمعالم كثبان رملية تشكلها الرياح كيفما اتفق بغير اسباب و لغير أهداف ، و النظر لا يستوقفه قريب و لا يستفزّه غريب .وقد انعكس ذلك على ” خطاب ” الأعرابي و فكره ، فلست تجد في قوله من معالم الوجود إلاّ القليل من الكلمات و حتى ما استعمل منها كانت الأغراض الشعرية أسبق إليه و أمكن منه . وهذا الغياب للطبيعة كمفهوم و مقوم أساسي في وجود الأعرابي ، قد ساهم وأثّر في تلك الذهنية المفتتة في نظرتها الفسيفسائية للطبيعة، فهي كحبّات الرمال ، ليست العلاقات و الاتصال تحكمها ، و إنما هي ذرّات تعبث بها الاقدار كيفما اتفق ، حتّى النجوم و لئن كانت ثوابت بها الزمان يتحدد عندها، و الأماكن تعرف صفاتها ، فإن وجوه الأحبة قد غلبت عليها فهي لها صفات .

ما نريد أن نقوله ، إنّ الأعرابي ما كان له ذلك الوعي بالطبيعة كمحل و متعلّق بوجوده ، و منطلق لحياته العالمة ، هو يعيشها و يتفاعل معها وفق تأثيرها على قوته و رغد عيشه ، أمّا وجوده الانطولوجي ، فما كان لحبّات الرمال تلك من اثر ، غير أن تكدّر عيشه و تعطن ماءه .

لذلك ، و في سياق القضاء على هذه الصبيانية في التعامل مع الوجود ، نجد القرآن منذ بداياته يحيل على الطبيعة كمعطى حاسم و محدد في هذا الوجود فهي الآن الآية و الدليل والحاكمة والشاهد على ” القول ” ، هي تستعاد أو تبعث في ذهن الأعرابي كمعطى هام على صدقية القول ، من خلالها و نتيجة علاقته المتينة بها يكتسب تعاليه و سطوته . والوحي يقدّم نفسه ، على اعتبار انه الخطاب الوحيد الذي تربطه بها – الطبيعة – علاقة تطابق و انسجام ، و هذا البعث للطبيعة ، كمتحكم و فيصل في الدعاوي التي ينطلق منها النص الوحياني ، هو الذي أربك و باغت الأعرابي الذي ما كان يتوقع او يتفهّم كيف انّ وجوده و عالمه الذي يحسب انّه يمسك بزمامه ، يكون شاهدا عليه ، فاضحا لجهله وضياعه !

كيف انّ هذا الوجود يقرّ ويعترف باللاوجود ، و يكون أكبر شاهد و حجة له !

فالقرآن بكل دعاويه إلى النظر و التدبّر و التفكّر و التبصّر يعيد بناء هذا ” العالم ” الغائب عن الأعرابي ، كوجود له كل مقومات الحياة ، و الفعل و الحضور .

هو عالم ، أولا، غير منعزل عن ذات الإنسان. ثانيا ، هو عالم له حضوره الفاعل والمؤثر في وجود الإنسان. ثالثا، وهو المعطى الاكثر أهمية ، أنه عالم يتأسس على النظام و العدل يمكن أن يكون الدليل و الشاهد و الحكم في هذه الحياة . هذه الفكرة التي تستعمل في مستهلّ الخطاب لأغراض دعوية و ترويجية و حتى حجاجية ، سنرى لاحقا كيف كانت المنطلق والأساس الذي انطلق منه البعض ، و هم القليل للأسف ، في بناء تصور ثوري و”حداثي ” – طبعا منظورا إليها في سياق الخطاب المعرفي الرائج حينها – عن الطبيعة و الطبائع .
لنحوصل ، فنقول ؛ إنّ هذا الخطاب المتعالي و الرافض لتهمة البشرية ، ينطلق ممّا هو دونها ليبني تعاليه و مفارقته ، اليوم ، و معه ، الطبيعة و الوجود عامة ، هي حجته على هذا الإنسان، و دليل الإدانة ، إن هو أنكر هذا الخطاب ، الذي ينسج رداء كبريائه وتعاليه ، من كل تلك الأشياء التي كان الأعرابي يحتقرها ولا يرى لها في الوجود اعتبارا ؛ الجبال والسهول و حتى الحيوان و المحتقر من الحشرات ، هي عوالم مثله ، بل قد تفضله بما تمثله من شهادة و دليل على قدرة الخالق و تعاليه .

هكذا الطبيعة ، قد غدت ، تبكيت الإنسان و لسان جحوده ، حيث تُعطى الحُظوة و المعنى

ب – المعنى

برغم كل ما ” للكلمة ” من مكانة في الذهنية العربية ، و في مختلف مستوياته الوجودية ، فإنّ الأعرابي ، فارس القافية ، قد طوّحت به جمالية الصورة ، و رمزية الدلالة ، بعيدا في مجاهل القول و مفاتن الشكل . فبحث الأعرابي عن القافية و انسياقه وراء ضرورات السجع و التقابل قد جعلت منه مُفتّتا بامتياز ، لتصبح اللغة عنده شبيهة بالصحراء تقوم على الترادف في التسمية ، حتّى أرهق من جاء بعده في الحصر و العد ، فتجد للشيء الواحد العشرات من الأسماء و الصفات ، و كأنّ اللغة في تصوره ، لوحة فسيفسائية ، تستمد مكانتها وقيمتها من عدد الاحجار و القطع فيها . و طبيعي جدا أن تكون نتيجة هذا التوجه ، ضمور المعنى ، بل ربما قلنا ، ذوبانا له و اندحارا لسطوته على الكلمة . فالأعرابي بما يفرط في النحت و الاشتقاق ، يمنح نفسه مجالا رحبا للمناورة و الاشتغال على اللغة بغير ما قيد و لا ضابط يلزمه الوفاء للمعنى ، حيث يصبح هذا الأخير – المعنى – المتحكَّم فيه ، لا الحاكم في بناء النسق ، فذلك القاموس الرهيب الموضوع تحت تصرّف الأعرابي ، يمكنه من التلاعب بالمعاني كيفما شاء ، و أن يقول فلا يخطئ ، و يخطئ فلا يدان ، باعتبار أن الكلمة تقول أكثر من معناها ، و العبارة ربّة خالقها ، و اللفظة بحسب لافظها . و هذه الخصوصية التي يمتاز بها خطاب الأعرابي ، هي إلى جانب ما تسمح به من مرونة في التوظيف و الاستعمال ، هي تفسح المجال التداولي على اللامنضبط و اللامسؤول من الموقف . فالأعرابي منفتح جدا في علاقاته و ارتباطاته الاجتماعية و السياسية ، ما يعقده اليوم ، قد يتحلّل منه غدا ، و من يهجوه الليلة قد يمدحه إذا أصبح رائق البال . اللغة تسمح بكل ذلك ، و الدلالات تبنى بغير ضابط ، فالشيء يُسمّى بجزئه و بعضه و كلّه وضدّه ، و الكثير من الكلم له من الأريحيّة أن يسمح بالتلاعب بألفاظه تقديما و تأخيرا وتبديلا ، بدون أن ينال ذلك من المعنى شيئا . هل هو نوع من التحلل والميوعة المفهومية أم هو الانسياق وراء المصلحي و البراغماتي ؟ هل هي العلاقات المتحكمة في البناء ، وليكن المراد و المقصد من بعد ذلك ؟ يبدو أن كل ذلك كان صحيحا ، فالمهم بالنسبة للأعرابيّ أن تكون القافية مستقيمة و الكلمة ليست نشازا في البناء ، الصوتي خصوصا .

الخطاب الوحياني يرفض هذا التلاعب السمج ، و هذا التحلل الفاضح ، فجمال العبارة و إيقاع الجملة ، ليس أبدا تعلة لاختراق المعنى و العبث به ، فالوجود هو بالأساس مجموعة من المعاني و الكليّات التي يجب أن تحترم ، و الصدق هو أساس الكلمة و الحقيقة منتهى اللفظ .

القرآن يؤسس الجديد من القول ، بإعادة الاعتبار للمعنى ، حتّى و لو كان ذلك على حساب العلاقات ، الصدق و الحق ، هما الفيصل في القول ، و اعطاء الأشياء جوهرها ، مقدّم على تفتيتها و التنطّع في التسمية و التوصيف . فليس من قيمة للشيء أن يكون له مائة إسم ، و إنما أن يحيل على متعيّن ، صادق في معناه . الخطاب الوحياني في كل ما يمسك من الأشياء ، وفي كل ما يضع من أسس ، يحرص أشد الحرص على إبراز حقيقة الشيء و جوهر ذاته ، هي معاني الأشياء و حقيقتها ، ما به تكون المعرفة و يبني القول نسقه ، لا التوهان في التفصيلات و اللعب على المترادفات . والأشياء بما تحيل عليه و تؤسسه من دور في الوجود ، إنما تستمد مكانتها ، و ليس بما تحمل من كثير الصفات . القرآن يدين ” استيهام المعنى ” وضياع حقيقة الأشياء و ما تحيل عليه ( ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) – الشعراء 225 –

فالطبيعة و الوجود عامة ، قد أُعطي هذا الكائن ، ليكون مرقاه إلى تلك العوالم المفارقة ، ودليله في السير إليها ، وربما لو أحسن الإنسان قراءة خطاب الكون ، لما كان في حاجة إلى خطاب الوحي . فهل بهذا المعنى يمكن القول ، إن الوحي هو بالأساس خطاب إدانة لضياع الإنسان و عجزه أن يتعامل مع واقعه و يحسن فك رموزه .

إن حالة الصبيانية التي انساق وراءها الأعرابي ، و رفضه أن يكون لقوله حدودا و ضوابط تؤسسه ، هو الذي أدى به إلى حالة ” الجاهلية ” ، فالقيود و المعاني ، هي التي تبني المعرفة و تؤسس الحقيقة في الكون ، أمّا التزلّف بالمتشابه من القول و المشوّه من المعبود، هو سقوط في حالة اللبس و الوهم و الشرك
الوجود حقيقة و المعنى غاية ، هذه هي المعادلة التي يضعها الوحي و يطالب الأعرابي بالانخراط الجاد في تحقيق ابعادها و احترام مقتضياتها .

تأسيس الوجود

{إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان، خلق الإنسان من علق ، إقرأ و ربك الأكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم } – (العلق :1-5)

هذا النص الافتتاحي الذي يقتحم به الخطاب الوحياني عالم الأعرابي، الساكن والمطمئن إلى ما ترّسخ لديه من أنماط العيش والإدراك. والنص بعيدا عن كل حيثيات تنزّلاته العجيبة والمربكة و المستفزّة غاية الاستفزاز ، يتأسس على الترادف و التكرار
– اقرأ باسم ربك / إقرأ و ربك
– الذي خلق / خلق الإنسان
– علّم بالقلم / علّم الإنسان/ مالم يعلم

أربع جمل تنبني على أربع كلمات أساسية (إقرأ – خلق – علم ) ، هنا بنية مستحدثة ، ما هي بالشعر فنجد الصدر و العجز ، و قافية تسوق خطو الكلم ، و لا هي من ذلك النوع الذي ألفه الأعرابي على ألسنة الكهّان و السحرة و لا حتى شبيها بذلك المتداول باحتشام من قبل من عُرفوا بالأحناف . الشكل في حد ذاته مربك ، فالنبيّ و هو أول المخاطبين ، قد كابد العنت الشديد حتى بلغ منه الجهد ، مستشعرا غرابة و تميّز ما يلقى إليه ، وهو القرشي ابن الأربعين الذي خبر و لابد خطاب قومه وبنيته اللفظية ، وسواء أكان التساؤل (ما أقرأ؟) لطبيعة ما قدّم له (نمط من ديباج فيه كتاب ) ، أو لمطلوب الأمر ( إقرأ ) فإن فعل الإندهاش و التردد كان ضمن استراتيجية الخطاب التي وقفنا في المبحث السابق على بعض تجلياتها التي استثمرها الخطاب القرآني كأروع ما يكون الاستثمار في بناء نصّه فالخطاب يبدأ مستعليا شكلا ومضمونا ، كتاب في ديباج و أمر يتبعه ( غتّ / غطّ ) .

إذن منذ البداية تتحدد استراتيجية النص و آليات اشتغاله ، خطاب استعلاء و تقرير ، خطاب بناء و تأسيس ، الأمر استهلاله ، و التكرار توكيده و إصراره ، و هناك أيضا تقابل في منتهى التضاد بين الباث و المتلقي ، فالباث (ربك الذي خلق / ربك الأكرم ) ، و المتلقي (لم يعلم ) ، بل حتى وسيط العلاقة يستشعر في ذاته التعالي و يمارسه ( فغتّني /فغطّني ) و النتيجة (فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم يرجف فؤاده )و ذلك يعني نجاح الخطاب في السيادة على الذات المتلقية و فعله فيها ، القبول و الإذعان ، بمعنى التسليم المطلق بكل حيثيات الخطاب ، وهي المسألة التي نرى أنه من المفيد الإشارة إليها لأهمية الوعي بها واستحضار ابعادها لبناء علاقة سليمة مع الخطاب و مع النص لاحقا . فجوهر الخطاب الوحياني أنه خطاب التعالي والسيادة بامتياز، خطاب القول والتأسيس دون الخضوع إلى تحكّمات مسبقة، وهذا للأسف ما تغافلت عنه، إن لم نقل تعمدت إنكاره عمليات التدجين و التفتيت التي تعرّض لها النص ابّان عمليات إعادة التشكيل و القولبة النهائية داخل المصحف . فالخطاب القرآني و خلال فترة تنزّلاته التي دامت القرابة الثلاث و عشرين سنة قد احتفظ لنفسه بكل الحرية في عملية تشكيل النص و بنائه ما جعله يحافظ على غرائبية القول لديه وتعجيزه لكل محاولة للمعارضة أو الاختراق .

كانت عملية البناء تتم في نوع من ” الفوضى ” المبتكرة و الخلاّبة في نفس الوقت ، أكثر من سورة / ورشة يتم الاشتغال عليها في نفس الوقت ، هناك ” الحذف / النسخ ” و التلاعب على أكثر من مستوى طول السورة و عدد الآيات و طولها ، نوعية الفواصل و تكرارها … كل ذلك مع المحافظة على الرهبة و المكابدة التي تصحب عملية التنزيل / الوحي ، و كلّها كانت استراتيجيات اشتغل عليها الخطاب الوحياني بكل فاعلية ، لم تترك للأعرابي المعايش لهذا الخطاب الوافد ، سواء بالرفض أو القبول ، لم تترك له مجال التشكيك في جدارة هذا القول وصدقيته ، إنه فعل الأمر الذي استهل به الخطاب قولة ، و العنت (الغطّ) الذي رافقه ، اللذان ما ترك للمتقبل أن يرى في ذلك النسق من القول ، خروجا عن المقبول و المعترف به من القول . الاعتراف بالنص مسألة محسومة منذ بداياتها حتى من قبل الرافضين ، الرفض في حقيقته كان موجها لمقول القول ، لكل تلك المربكات التي أقحمها هذا الخطاب على عالم الأعرابي الهادئ و المستقر ، فليست فوضى الكلمات و الآيات و حتى السور ما أزعج الأعرابي ، و إنما ” فوضى الوجود ” و “القبيلة ” هي التي أخرجت الملء عن تسامحه الديني و أجبرته على التخلي عن سياسات التقريش و الإيلاف التي أسس بها وجوده . النص و لابد قد احدث من ” البدع ” و أوغل في تحنيفه بما لا بد معه من التقويم بالحديد و النار .

فما هي محددات هذا ” الوجود المستأنف ” الذي جاء بها الخطاب القرآني ؟

و بالتحديد كيف يعاد بناء الوجود و علاقاته في الخطاب الوحياني ؟

” اقرأ ” يا محمّد ما يكتبه ” الذي خلق ” و ذلك لتُعلّم ما لم تعلم ، ففي الوجود فعل “خلق” يستدعي فعلا من الإنسان” إقرأ ” ليكون به و معه حصول العلم بعد أن لم يكن موجودا فالعلم بهذه الصياغة و وفق هذه المعادلة ، مشروط بالاستجابة لهذا الأمر ” إقرأ ” و الأمر بالأساس متعلق بما ” خلق ” و الآمر بالقراءة و الخالق للمقروء هو واحد ” ربك الأكرم ” وبالتالي فيستحيل المرور من حالة اللاعلم إلى حالة العلم إلا بالاستجابة لهذا الأمر مع ضرورة استحضار واحدية الآمر و الخالق الذي هو ” ربك الأكرم ” .

منذ البداية هذا النص يبني و يؤسس لمستحدث من العلاقة يراد لهذا الكائن أن يكون الطرف الفاعل فيها و البارز من خلالها ، فالخطاب الوحياني بهذا الاستهلال يكشف في تكثيف رهيب مجمل مرامي الرسالة التي هو بصددها ( لا ننسى أنه في رواية ابن هشام أن المقطع الأول من سورة العلق ” 1-5 ” جاء به جبريل في كتاب في ديباج و كأنه ترميز أن هذا المقطع يلخص كل الكتاب )، علاقة بين هذا الكائن ” الإنسان” و هذا ” الخلق ” الذي هو جزء منه بطبيعة الحال ، و العلاقة هي بالأساس من أجل الخروج من حالة اللاعلم ” مالم يعلم ” إلى حالة العلم مع البقاء متيقظا إلى ” ربك الاكرم ” .

النص بالأساس يطرح المسألة المعرفية ، الإدراكية لهذا الأعرابي المنسحق في وجوده ، أو لنقل و كأنه هنا يقدّم إشكاليته الجوهرية التي سيشتغل عليها ، هو هنا لا يفصّل و لا حتّى يجزّئ ورشات عمله ، و إنما هو بأسلوبه الذي سيمتد على طوال النص القرآني ، يكثّف المعاني و يمزج بعضها في بعض . لذلك فنحن نعتقد ان القراءة التي يقدمها ناصر حامد أبو زيد تجانب الصواب ، حيث لم تسعفه القراءة البسيكولوجية في النفاذ الي المرامي الحقيقية لهذا المقطع ، بل أكثر من ذلك فهي بربطها الجدلي بين ذات الرسول و النص قد قضت على كل التعالي و السيادية التي جاء بها النص و أسس لها فلا يمكننا بحال من الأحوال أن نعتبر أن ” الايات الأولى التي نزلت من النص في عملية الاتصال الأولى ، و هي آيات سورة العلق ، تكشف لنا عن طبيعة الأسئلة التي كانت تحيّر محمدا و تحرّك أشواقه و تدفعه إلى الخلوة و التحنّث” ، هذه الأيات في تصورنا الشخصي ، هي في طموحها على العكس من ذلك بكل تأكيد ، فالأمر بالقراءة و الدعوة إلى الانتباه إلى الخلق ، مسائل ما كانت بالمرة شغل محمد و لا قومه و لا حتى من اعتبروا فيه من المصلحين (الأحناف) فهذا النص و كانه يتجاوز كل الإشكاليات السطحية و الهموم الملتبسة التي كانت ظاهر أزمة الأعرابي ، و ذلك بغية النفاذ إلى عمق المسألة المعرفية و الانطولوجية التي لم تكن لتخطر على بال أحد بمن فيهم الأحناف و لا حتى الرسول ذاته .

فالخطاب القرآني برغم كل التعالي و الكبر الذي يتأسس عليه و يفرضه ، يرتفع بهذا الكائن و يفتح له في الوجود دورا و في الحياة مسؤولية ، فالتعالي لم تكن غايته قهر هذا الكائن و الاستعلاء عليه و إنما التأسيس لشروط انعتاق هذا الكائن من سطوة وجوده و عجزه الإدراكي و ليس هناك من طريق للتخلص من قهر الوجود أفضل من ادراك حقيقة فعل الخلق و امتلاك شروط المعرفة . فأمر الاستهلال ” إقرأ ” لم يكن اذن بغاية القهر و”الغط ” ما كان الترهيب هدفه و إنما ابراز الدور و التنبيه على جسامة و خطورة المهمة .

الخلق هو المعطى المقحم في هذا الخطاب و هو هنا سبيل المعرفة و مبتدأ العلاقة بين الخالق و الإنسان ، و وسيط المعرفة و العلم ، الخطاب الوحياني يمارس نوعا من الاستفزاز و الرجّة مع متلقيه ، فهو ليس ذاك الخطاب الشعري المألوف و المنخرط في هموم القبيلة وصراعاتها ، و لا هو الخطاب الكهّان المطلوب كدعامة و ضامن لاستمرار الوجود الآمن للقبيلة ، هذا الخطاب ، المفترض بحسب لواحق الدعوة أنه يعيد تأسيس الوجود الإلهي في القبيلة ، لا ينطلق من هذا الهدف ، و إنما يطرح مسألة تبدو مستغربة و مستفزة ” إقرأ ” . أي أمر هذا ! في هذا السياق الأنثروبولوجي الذي يعيشه الأعرابي المستهلك بكليته في صراعات وجوده و متطلبات استمراره ! و أي معرفة قد تغريه حتى يتخلى عن طمأنينة السكون حتّى و إن كان ينبني على ” مالم يعلم ” ! لا أظن أن النبي ذاته و لا قومه ، كانت مثل هذه الدعوة و هذا الاستهلال أن تمثّل لهم مطلبا ولا حتّى محرّكا للاستجابة و الانخراط في هذا المشروع الذي يبشّر به الخطاب الوحياني .

هنا بالتحديد ، فيما نزعم ، تتجلى روعة الاستهلال و الدخول في عملية إعادة تأسيس و بناء الذهنية العربية، التي لم يكن ” الاعتقاد ” هو مأزقها و لا حتّى إشكالها المؤرق ، فعلى عكس ما انبنى بعد و وقع التلاعب به ، الشرك المدان و المهاجم ، لم يكن ذاك الذي يمس الذات الإلهية و حضورها في الفكر الأعرابي، و إنما ذاك الذي يجعل الالوهية في خدمة المصالح السياسية و الاقتصادية و لا يرى في كل الرأسمال الديني و حتى الشعائر الدينية سوى المردودية النفعية ، إذن الإيمان البراغماتي و الانتهازي ، هو المدان .

إن ما قام به الملء و أصحاب السيادة في الجزيرة العربية ، و ما استبطنه الأعرابي انسياقا و انسحاقا مع ذلك الخط ، هو أن أصبح جوهر الاعتقاد و الإيمان ينبني على البراغماتية الظرفية ، أي ان المعبود يستمد مكانته و هيبته من جملة المكاسب و التحققات التي يضفيها على الواقع ، المسألة التاريخية و الرمزية ما عادت المحدد الأساسي للمسالة الاعتقادية ، و هذا ربما كان من أبرز الأسباب التي حالت دون الاستجابة لإغراءات الديانتين السابقتين (اليهودية و المسيحية ) ، فالانغلاق العقائدي و الخطية الإيمانية مسالة غير ذات جدوى و لا تحقق أي مردودية اجتماعية و لا سياسية في تصوّر الأعرابي . كذلك يمكن قراءة كل تلك الدعاوي إلى الحنفية الابراهيمية التي نشطت كثيرا قبيل البعثة المحمدية ، كنوع من محاولة الرجوع بالمسألة الإيمانية إلى بعدها التاريخي و الرمزي ، دين إبراهيم جد العرب ، كرد فعل بعض الأفراد ” المثقفين ” بلغة كرد على ، على كل ذلك التسيب والاستهتار العقائدي الذي تفشّى في الجزيرة العربية و في الذهنية العربية ، المطبوعة على الانفتاح و العقلية التجارية الربحية . بل اكثر من ذلك نحن لا يمكن أن نجتث البعثة المحمدية عن ذلك السياق و ننكر جدارة التصور الذي يعتبرها تتويجا و الحلقة الأخيرة من ذلك المسار و الخط المشرق في البحث والتنقيب عن الحنفية الابراهيمية المتخلصة من شوائب العقلية التجارية . النبي نفسه يصرّح في أكثر من مناسبة أنّ الأحناف هم أنبياء أضاعهم قومهم .

الانحراف لم يكن إيمانيا ، و إن كان هناك الكثير من اللبس فيه ، و الإصلاح لم يكن وسيلته العقائد ، و إن كانت أنماطه السبيل إليه . الانحراف كان أساسه الجهل و الابتعاد عن منابع الإدراك ، و الإصلاح كانت وسيلته المعرفة و إعادة تأسيس الفكر ، لذلك استهل الخطاب ب “إقرأ ” كي يعلم الإنسان ” ما لم يعلم ” ، إنه الدعوة و لفت النظر للوجود و الكون من أجل تصحيح مسار هذا الكائن الذي بفقده العالم الذي يعيش فيه فقد ذاته و بفقده ذاته فقد خالقه و الوجود برمته . من هنا تبدأ ملحمة الإصلاح و إعادة تشكيل الذات العارفة و منابع الشعور والإدراك لدى الإنسان؛ اعرف دنياك التي فيها تعيش ، تعرف ذاتك و بمعرفتك لذاتك تصل إلى الخالق و تمتلك الوجود .

ومن هنا كان البدء !

فما الوجود في الحقيقة ، إلاّ هذا المبصر و المدرك ، إنها السماوات و الأرض و هذا الذي خلق من علق ،
النص و رحلة الرجوع إلى الواقع أن يكون هناك خطاب مفارق و تواصل غير مدرك و لا معلوم فتلك مسألة لم تكن شاذة ولا مستهجنة من قبل الأعرابي ، بل بالعكس ، فكل الخطابات المبجلة هي بالضرورة مفارقة فالأعرابي وفق تصوره للوجود و تراتبيته ، يرى أن أي خطاب ذا مكانة ، هو بالضرورة خطاب يصدر عن مفارق لحامله ، و هذه المفارقة و المغايرة من شأنها أن تعلي من مكانته ، بل أكثر من ذلك هي تمنحه درجات من المصداقية و المكانة تسمو به على غيره من الخطابات العادية . فالشعر الجيّد هو إلهام شيطان و تابع يختص به الشاعر ، حيث أنّ لكل شاعر متميّز شيطان وأو تابع يكون رفيقه و ملهمه ، حتّى أن الأعراب قد تداولوا فيما بينهم قصائد نسبوها للجن و لم يروا في ذلك أي مس من صدقيتها و مكانتها كملفوظ يتسامى عن القول العادي . و الكهّان أيضا لهم مصادرهم من الجن التي تأتيهم بالأخبار و صادق الأقوال ، هذه مسائل و مسلّمات لا يجادل فيها الأعرابي و لا تمثّل له أي إشكال وجودي و لا معرفي ، من أجل كل ذلك لم يكن الخطاب القرآني ليجد أي إشكال أو اعتراض يتعلّق بطبيعته المفارقة و المتعالية ، فأن يدّعي شخص أن ملاكا يأتيه ببعض القول ، فلا جديد في ذلك و لا خطر ما دام الكل يدّعيه و المجموعة تقبله و تقرّه عليه ، معنى ذلك أن ظاهرة الوحي في حد ذاتها لم تكن لتؤرق الأعرابي و لا حتى السادة ، فما العيب أن يدّعي محمد أن ملاكا يأتيه ببعض القول ، الم يدّعي من قبله جدّه تلك الرؤيا التي أفاضت لهم بئر زمزم …

لكن الإشكال و الصدام الذي وقع بين محمد و قومه ، كمستهدفين لهذا الخطاب ، فهو مقول القول ، و نص الخطاب ، هذا ” الكتاب ” الذي نزل به جبريل ملفوفا في الديباج ، كتاب يستفز أميتهم و رفضهم أن يكونوا أصحاب كتاب متحكم ، يضبط القول منهم و السلوك و يعلّمهم مالم يكونوا يعلمون . فهذا الخطاب ، و كما أسلفنا ، هو على غير ما ألف الأعرابي من القول ، ليست القافية منتهى طموحه ، و لا الإغراب مقصد كثافته، الخيال و المفارق لا يمثلان منتهاه و إنّما هو دائما يشد ّذاته إلى هذا الواقع و يعلن في إصرار إدانته له و أنه من أجل التغيير قد نزل . هنا الإشكال و مأزق التواصل ، فأي كتاب هذا الذي يتجرّأ على الواقع ، يسفّه الأحلام و يخطئ الأجداد و يريد تبديل التراتب في الوجود ؟!

لعلّه من المفيد أن ننطلق في تلمّس خصوصيات هذا الخطاب و جملة الاعتبارات التي جعلت منه نصا و قبل ذلك خطابا مغايرا مضمونا لكل ما ألفته الذهنية العربية من خطابات تصدر عن مفارق ، ان ننطلق من المعجم الذي اشتغل عليه الخطاب القرآني و وظفه ، فمثلا لفظة الأرض ( الأرض ، أرضكم ، أرضنا ، أرضهم ، أرض ) ترد ثلاث مائة و واحد و ستون مرة ( 361 ) كذلك لفظة السماء ( السماء ، السماوات ) ترد ثلاث مائة و عشر مرات ( 310 ) ، و هما تقريبا يردان متجاورين في أغلب المواقع و هذا الترداد الكثيف له أكثر من دلالة ، فالحضور البارز يحيل و يشير إلى المكانة التي يضفيها النص القرآني على هذين البعدين من الوجود . و أول أبعاد الدلالة تكمن في الربط بينهما ، فنادرا ما ترد هذه اللفظة دون أن تتبع أو تسبق الأخرى ، و هذا الإصرار على التلازم و التلاحق لا يخفي مدلوله الانطولوجي و بعده المعرفي ، و ثانيا و في سياق الورود و مطلوبه ربطهما بجملة من المصطلحات الهامة و التي بدورها مثّلت المنعرج في الرؤية و التصور حول هذا الكائن و وظيفته في الوجود ، و النص و طبيعة حضوره في الوعي و التأسيس للإدراك . فإذا كانت قافية الشاعر و قفلته هي بالأساس حرف أو حرفين ، فإنّ هذا الخطاب يبني فاصلته على مصطلحات و تراكيب هي بمثابة المفاتيح و الروابط ؛ مفاتيح لإدراك مغالق المعنى ، و روابط لبناء النسق و التصور . والناظر في كل تلك الفواصل تستوقفه أربعة منها هي الأبرز و الأكثر دلالة ، و الأشد تعلّقا باللفظتين السابقتين ( السماوات والأرض) .إنها أربع فواصل كثيرا ما تلحق ذكر السماوات و الأرض أو تسبقهما كافتتاح :

لعلكم تعقلون / لعلهم يفقهون / لعلهم يتفكرون
لقوم يفقهون / لقوم يتفكرون /
أفلا يعقلون / أولم ينظروا

أسئلة إنكارية كثيرا ما تمثّل الفاصلة التي تنتهي بها الآية و يحسم بها الجدل الدائر ضمنها كنوع من الإفحام و التبكيت عن ممارسة ما كانت تمثّل بالنسبة للأعرابي شرط وجود و نمط تفكير . فالخطاب الوحياني يطلب علاقات و يؤسس روابط جديدة كل الجدة .طبعا ليس من السهل تتبع مسارات تطور المصطلحات و المفاهيم في الفكر الإسلامي لعدّة أسباب لعلّ أهمها ذلك التلاعب الأيديولوجي الذي مارسه الآباء المؤسسون في خضم ذلك الصراع المحتدم من أجل تأسيس و تأصيل الأصول و المنافحة عن الخطاب القرآني عبر اسقاطات ابستيمولوجية لازال صداها بارزا إلى اليوم و يفعل فعله السلبي و المثبط و لكل محاولة في المجاوزة و استئناف عملية البناء و التراكم المعرفي ، التي هي بالضرورة مشروطة بمرحلة نقدية تعيد النظر في اساسيات القول الديني و تراتبية السياق داخلة . فشيء من بداهة العقول أن ما شغل الأسلاف بالأمس البعيد لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هو نفسه أولوية من يقرأ و ينظر اليوم . و النص و إن كان هو ذاته لم يتغير بناؤه الداخلي إلاّ أن انعكاسات الواقع عليه ، و طموحات الإنسان و مرتجاه منه ، هو و لا بد شيء مستأنف و محاين لما يعيشه من اكراهات الواقع و طموحات الرجاء و النهوض . ولعلّ جملة الاضاءات التي يقدمها علم الدلالات و خصوصا البحث المميّز الذي أسهم به الباحث الياباني ( توشيهيكو إيزوتسو ) مفيدة جدا في التأسيس لهذا العلم ضمن الدراسات القرآنية ، فكل ذلك يرسم لنا صورة جليّة لتشكل و بناء المصطلح و المفهوم في الخطاب الوحياني و ذلك عبر اختراق المنظومة الدلالية للأعرابي ، و إعادة تشكيل الذهنية العربية و ذلك طبعا بالاشتغال على اللغة لدورها ” الحاسم في تشكيل رؤية الإنسان لعالمه [ وذلك ] من خلال إعادة تنظيم المفاهيم ( القديمة و المستحدثة ) و إدخالها في أنساق و علاقات ذات مستويات معقدة و متداخلة تشكّل نظاما جديدا ذا طبيعة مختلفة كليا عن النظام الذي كانت المفاهيم تتخذه سابقا و يترتب عن ذلك فهم جديد للعالم و دورا جديدا للإنسان فيه ”

اغتناء اللفظ غير مشروط بفعل النحت ، فسياقات الورود و متعلقات الصياغة قد تكسب اللفظة من الثراء و السعة ما قد يجاوز حدّها المعلوم ، فتصبح اللفظة بحكم الجوار غير ما كانت عليه ، و تختال المعاني البكر تزاحم في استعلاء ما اغتناه الفكر من تلك اللفظة ، حتّى لكأنّ القديم من المعاني في حكم المدان . و يجتهد الفكر بمجرد أن يمسك خيط النسج في إعادة بناء عمارة اللفظة عن طريق ثنائية الفتق و الرتق ، فتق ما خلق من المعاني ، و رتق الجديد الناضر في مجمع الثوب ، هذا ما يعلّمنا إيّاه علم الدلالة ، و هذا ما نرى الخطاب القرآني قد مارسه و اشتغل عليه في عمليات البناء و التأسيس .

الكلمة في الذهنية العربية ، هي السلاح الأشد فتكا ، و المفخرة الأعظم التي استبطنها الأعرابي ، فكانت جوازه لأرقى المجالس و منقذه في أحلك المواقف . هم فرسان الكلمة قد خبروها و وقفوا على حدودها و منتهى سطوتها ، ومن هنا فلا مجال للعبث مع هذه الجينة، ولا سبيل لاختراقها إلاّ عبر الاشتغال على العلاقات ، الخطاب القرآني منذ بداياته شديد الوضوح حيال هذه الإشكالية الحسّاسة فهو خطاب { بلسان عربي مبين }– الشعراء 195 – فالمرجعية اللغوية و حقل الدلالة منضبط منذ بداياته حتّى و إن كان الخطاب يقدّم نفسه ك {ذكر للعالمين } – ص : 87 / القلم : 52 / التكوير : 27 – و في هذا الملمح أكثر من دلالة و إغراء ، فالخطاب يحترم منشأه و يقر له بالسطوة ، بل و أكثر من ذلك يمنّيه بها و يفتح له أبواب التعالي و السيادة على “العالمين ” ، غير أن كل هذه الاغراءات و الأبواب المشرّعة نحو السيادة و السطوة ، ما استطاعت أن تحجب عمق و خطورة المراجعات والتأسيسات التي جاء بها هذا الخطاب و التي استهدفت بالأساس بنية الخطاب ” الأعرابي ” لذلك رأينا كيف كانت ردود أفعال الملء من قريش حيال هذا الخطاب برغم كل تلك الوعود و التطمينات التي قدّمها حامل الدعوة لأصحاب الحظوة و القرار من قومه ، مع ضرورة التذكير أنّه كشخصية كانت له المكانة المرموقة في قومة كرمز للنزاهة و الصدق و الأمانة والمسؤولية ، فالأعرابي المعتز بلغته و سطوته البيانية ، ما كانت كبرياؤه لتسمح له أن يتغاضى عن كل ذلك التفتيت والتلاعب الذي يطال لغته ، و ينسف كل ما تأسست عليه ثقافته من انفتاح على اللامحدّد واللامتعيّن من القول و الاعتقاد ، حتّى و إن كانت الوعود خلاّبة مغرية . و لأجل كل ذلك الصد و الممانعة و الريبة ، التي قوبل بها الخطاب ، كانت تلك الاستراتيجيات التي ألمحنا لها سابقا ، و لابأس ، هنا ، أن نزيدها بعض التوضيح .

فالكلمات بما تجاوره و تحيل عليه من مواقف شعورية ، قد انزاح بها الخطاب الوحياني بطريقة سلسة ، من مجالها التداولي المتعارف عليه و المستقر في الذهنية العربية ، إلى مجالات أرحب و أوسع ، ما كانت تخطر على بال هذا الاعرابي المتطامن ( المبالغة في الاطمئنان الى حدود السلبية ) . حيث يغدو النظر في ملكوت السماوات و الأرض طريق الإيمان { أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} – الأعراف ، 185 – و ذلك بمجاوزة مفهوم النظر بالمعنى الشعري الذي يبحث عن الصورة و الشبه ، إلى النظر بمعنى التفكر و التدبر {فَلْيَنْظُرِ الإنسان إِلَى طَعَامِهِ} – عبس ، 24 – { فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ} – الطارق ، 5 – فهذا الفعل المبتذل الذي ما كان الاعرابي يلقي له بالا يصبح أداة فاعلة و مهمة تكليفية ، تشدّه في علاقة مسؤولة و متبادلة مع ما يحيط به من أشياء ، فكل هذا الوجود المبصر هو بالنسبة للخطاب الوحياني طريق و وسيلة للتدبر و الاعتبار ، بمعنى بناء الموقف ، و التنبه لغايات الأشياء {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } – محمد ، 10 – ، الصورة الشعرية تتوارى أمام الآية القرآنية ، فالوجود قبل أن يكون صورا و أشكالا هو آيات و براهين للنظر المقاصدي و المسؤول .

كذلك التفكر ، هذه الممارسة السريالية ، المغرقة في التجريد و التهويم ، الباحثة في الصورة و الواقعة . فالأعرابي لا يرى أي علاقة بين الإيمان كعملية اعتقادية تتأسس على التسليم و تتبع خطى الأسلاف ، والتفكّر كتدبر و ربط بين الأشياء و الاعتبار منها . فهو قد اعتاد أن تكون العين عنده رسول القلب و بوابة الخيال ، أمّا أن تكون أداة تمحيص و تدقيق فيما يقوله و يعتقده فذلك هو عين الجديد الذي يربكه به هذا الخطاب القرآني ، الذي يبني اعتقاداته انطلاقا مما هو مبصر ملقيا وراء ظهره ، سطوة الأسلاف و جبروت الراسخ من الأقوال . و التفكر كطريق لبناء الذات و تأسيس الخطاب يبدأ من الطبيعة {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} – الرعد، 3 – {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10)يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 10) } – النحل – . كذلك الخطاب القرآني يؤسس لنظرة و نظريّة جديدة للحكي و القص ، فتلك الأسمار ، و أزجية الوقت ، و حنوط الأسلاف ، هي اليوم معه محل الفكر و معبر النظر من أجل العظة و التدبر ولتصحيح المسار أيضا {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(176)} – الأعراف – { وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)} – الحشر – . ……

الخطاب الوحياني يتطاول في جرأة و حسم في تثوير و تطوير مفهوم الإيمان ، الذي يصبح رديف الفكر و النظر، غير منبني بالضرورة على التسليم و المتابعة ، بل هو هنا مع الأعراب خصوصا ، يتأسس على نقض قول الآباء و الأجداد و التنكر لكل ميراثهم ، و هو توجه سنراه كيف يتدعّم عندما يدخل في مواجهة مباشرة مع الاعتقادات و الإيمانات السابقة (اليهودية و المسيحية و حتّى الديانات غير التوحيدية كالصابئة و المجوس ) فالإيمان الحق يتأسس على التنكر و التخلص من الموروث السابق المعتبر كانحراف و زيغ عن الطريق الصحيح للإيمان ، الذي تنكشف في جلاء حتمية مروره من خلال ثنائية النظر والتفكر(رمزية قصة إبراهيم حيال مظاهر الطبيعة بحثا عن الايمان يمكن ان تشكل إحالة على هذا الاعتبار المقحم في العملية الايمانية ) . بل أكثر من ذلك ذهابا في الحسم و القطع مع كل المظاهر الخادعة للإيمان ، يعتبر الخطاب القرآني أن كل تعامل مع الذات و الوجود لا تتأسس على الفكر و التبصّر هي بالضرورة طريق للكفر {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(8)} – الروم – .

هكذا نرى كيف ينزاح الخطاب الوحياني بالكلمة من حقلها الدلالي الضيق ليشرّع أمامها الأبواب ، كي تحيل على المستحدث من المعاني ، و كل ذلك من خلال عمليات ربط علائقية تبدو في ظاهرها بسيطة غير ذات خلفية و لا مرامي تأسيسية ، فإذا الكلمة بما انفتح لها و بما شدّت إليه من علاقات قد أصبحت أغنى و أشد ثراء ممّا كانت عليه ، بل أكثر من ذلك تغدو كما الأساس الذي يطلب البناء أن يعلوه و الحبال أن تشدّ إليه ، هو التأسيس و صغائر الأعواد تُجمع إلى بعضها فتصير أوتادا تنتصب فوقها الخيام ، و ما احتاج الوتد في صلابته أن ينكر اصل معدنه أو أن يشذ عن عنصره .

مثال آخر قد يزيد المسألة جلاءً و الفعل وضوحا ، كلمة عقل ، فبعد أن كان مدار الكلمة الربط و الاستمساك و المنع و متعلقها الدواب و غريب الأسقام ، هي اليوم في سياق الخطاب القرآني ، ترتبط بكلام الله و كتابه {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(44) } ،{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) }. – البقرة –
و أكثر من ذلك هي متعلقة بكل الآيات التي تحيط بالإنسان{ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(118)} – آل عمران – { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(17)} – الحديد – فهذا الفعل الذي تأكد اليوم كقرين و خصيصة هذا الكائن المتفرّد و المتميّز ن هو نتيجة السير في الأرض و النظر في الوجود عامة { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي صُّدُورِ(46)}–الحج – حتّى أنّها بكل ذلك الربط تنزاح عن تلك المعاني المبتذلة (هي الأن مبتذلة مقارنة بما صارت تحيل عليه ) النحل والدواب و الرماح، نحو الدرس { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(169)} – الأعراف – والمحاجة { لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ(76) } – البقرة – ، لتغدو هذه الآلة ( عقال ) التي كانت بالأمس القريب تمنع النخل أن يثمر و الدابة أن تجمح و اللسان أن ينطلق ، تغدو ، مع هذا الخطاب الوافد ، مانعة للإنسان أن يتردد و يكون من أصحاب السعير{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)} – الملك – ، مستحقا بهذه الصفة و هذه الممارسة أن يكون من العالمين { وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ(43)} – العنكبوت – .
هكذا من خلال هذه الأمثلة ، و التي هي قليل من كثير ، تتبين لنا استراتيجيات الخطاب القرآني في إعادة بناء و تشكيل الذهنية العربية ، انطلاقا من خطاب يستثمر الموجود من أجل إحلال المنشود ، و يخرج باللفظة من ضيق المعبر إلى سعة التصوّر و وضوح المطلب . وبعد أن كان الضيق علّة الأعرابي للانفلات من كل قيد و حيلته للتحلل من كل سطوة ، إذ باللفظة ، بكل السعة التي تنفتح عليها و المجاهل التي ترتادها ، تؤسس للمعنى و تبذر في الوجود ما سيغدو مع الزمان و يتشكل مع النص ، أسوار الحدود و موانع التجاوز اللامشروط و اللامسؤول .

إنّ هذا الانفتاح و هذا التجاوز هو لعمري كذاك الحبل المديد الذي يستعمله السائس عند الترويض ، فهو بمداده يغري فرسه بالانطلاق و حسن العدو ، حتّى إذا ما نست قيدها واستقام عدوها كأنها الطليقة ، كان شد الحبل في رفق و لين غير ناقض لكبريائها فترى تمام حريتها في مدى قيدها . الخطاب الوحياني ، و هو بين فوارس قد تنزّل ، يشاكس العقل و يخاتل الخيال عابثا بهذا الاعرابي الجموح يروّضه كما يروض هو ذاته فرسه ، و يحكم شكيمته ، كما يملك هو من شكيمة فرسه .

هنا في تصورنا تكمن روعة البناء و التأسيس في الخطاب القرآني ، حيث الوجود يُعاد له الاعتبار بذات اللغة ، و الصورة تشرق بألوانها الزاهية كأنّها رسمت من جديد و بأقلام بكر وما هي بالبكر ، فكل الفعل ، كما أسلفنا ، علاقات أُعيد ربطها ، و كلمات تداخلت في سياق اللفظ تقديما و تأخيرا ، إخفاءً و ابرازا ، فإذا المعاني تنثال من الخطاب كالمزن ترجّها الرعود فتلقي أحمالها و قد كانت بها ضنينة . القرآن قد استطاع ، بكل ذلك التلاعب و المخاتلة ،أن يعيد الصياغة و أن يعلي الأسوار مبعدا مداها عن الابصار حتّى لكأنها في حكم السراب ، وقد اعتاده الأعرابي في صحرائه فما عاد يلقي له بالا ، فما كان بالأمس محتقرا غير ذي اعتبار كرواسي الجبال و مطالع الأفلاك و معتاد الأفعال من أكل و شراب هو اليوم دلالات و آيات على حكمة الوجود و انتظام الفعل فيه ، فالتعاقب ليس الاسلاف من حكاه و إنما هي نواميس في الكون يعبر منها و لابد للإنسان كي يغادر جهله و قلة حيلته ، نحو أن يكون العالم و القادر ، أن يمسك شكيمة نفسه ، بل و أن يكون القادر على الوجود له عليه سطوة و آثار ، بدقيق نظره و عقال فكره . بل ربما كانت اسمى غاياته في الوجود أن يكون السيّد و المالك للإرادة فيه ، أوليس هو الخليفة الذي استحقّ سجود الملائكة له تشريفا و تكريما على هذه الوظيفة التي كلّف بها ، حتّى أنّ ابليس قد استحق أن يكون من الغابرين لرفضه الاعتراف بهذه السيادة و هذا الاستعلاء .

فالشمس التي لطالما عذّبته في نهاراته ، هي اليوم آية يلاحقها الليل بسطوته فيقهرها فما عادت السيّدة ، كذلك عناصر الوجود هي وفق هذا الخطاب ، له قد سخّرت كي يعتلي صهوتها ، فهذا الكائن الذي شُد إلى سبب الوجود الأول { ربك الأكرم } ما عاد في حاجة إلى مراقي و وسائط تبلّغ عنه شكواه و مرتجاه ، فالوحي اليوم يخاطبه مباشرة ليعلي له المقام في الوجود ، سيادة و رجوعا . { إقرأ } أيّها { الأمّيّ } فما عاد القول حكرا على من عنده قول الأسلاف ، و إنّما ” القول ” طريق للعلم و للمسك بالوجود الذي أصبح يخضع لمجرد الفكرة و النظرة و يُدرك بعقال القول و سديد الفقه ، هي الخيل الأصيلة إذا ما اعتادت عقالها ما عادت به تستكين . هكذا ينشئ الوحي ذواتا تفقه وجودها و حدود فعلها و سطوة جبروتها على كل ما يلامس سبب محنتها و قهرها . هي الطبيعة اليوم ملك يمينه قد استحلّها بلفظ الوحي ، غير أنّه تمتيع بشرط الإخصاب . فالوحي ، هو حازم منذ بداياته ، شديد في مطالبه ، يرفض من العلاقات حدود اشباع الشهوة ، و أن يهيم القول { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } ، فلا يصدق حقيقة و لا قولا . فالطبيعة و الوجود عامة هي معابر نحو إدراك حقيقة هذه الحياة و استجلاء مراميها ، منها يكون البدء ، و فعل البدء نوع من التلفظ { إقرأ } .
إذن ، منذ بداياته الخطاب القرآني يقتحم الوجود بكليته جاعلا منه طرفا بارزا و فاعلا في معركة ادراك المعنى ، فالطبيعة التي كانت غائبة في وجودها ، هي اليوم الطرف الأبرز في عملية بناء و تأسيس هذا الكائن الذي يراد له أن يكون الأعلم مقابلة و رفعة مع و من ربّه “الأكرم ” .

هنا الإنسان، بالوحي ، يبلغ درجة التفضيل و التبجيل بشرط أن يقرأ هذا الذي ” خُلق ” فالوحي بما ألقى في الروع يُعلي في أعماق البحار جزيرة الوجود/ الطبيعة كي ترسو عندها سفينة الإنسان عسى نجاته و رجوعه إلى جنّة خلده يكون من هنا .

The post تأسيس الوجود في النص القرآني – محمد الزغواني appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%ba/feed/ 0 18797
الجاهلية الأولى .. تخيل معي لو أننا نعيش سويا بها ! https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d8%ae%d9%8a%d9%84-%d9%85%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%88-%d8%a3%d9%86%d9%86%d8%a7-%d9%86%d8%b9%d9%8a%d8%b4/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d8%ae%d9%8a%d9%84-%d9%85%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%88-%d8%a3%d9%86%d9%86%d8%a7-%d9%86%d8%b9%d9%8a%d8%b4/#respond Wed, 24 May 2017 07:16:19 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=11027 الجاهلية الأولى .. تخيل معي لو أننا نعيش سويا بها – متولي حمزة كان الجو ليلا.. يوم عروبة(١).. سمعت.. قباع الخنازير؛ و صهيل الخيول؛ و هديل الحمام؛ و رغاء النوق؛ […]

The post الجاهلية الأولى .. تخيل معي لو أننا نعيش سويا بها ! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الجاهلية الأولى .. تخيل معي لو أننا نعيش سويا بها – متولي حمزة

كان الجو ليلا..

يوم عروبة(١)..

سمعت..
قباع الخنازير؛
و صهيل الخيول؛
و هديل الحمام؛
و رغاء النوق؛
و نهيق الحمير؛
و صفير العصافير؛
و زئير الأسود؛
و تنوه القطط؛
و نعير البغال؛
و صياح الديكة؛
و عويل الذئاب..
في جانب كان هو الأجدر بضم شمل الحيوانات..

ليأتني رجل مفتولة عضلاته شاغرا فاه شاهرا سيفه يداعب به الأرض..
(الرجل) : أرني سيفك شاغرا..
(أنا) : ولما إلاقتتال ؟
(الرجل) : أما سبق و قد حظرت إياك بألا تقترب من محبوبتي ؟ ؛ وتراودني..
(أنا) : ألا تعلم أن الشوق نار ولوعة ؟
(الرجل) : الأمر شوق ؟!
(أنا) : نعم..
(الرجل) : أشغر سيفك.. فلتبارزني وقتا..
(أنا) : ها نحن فيها.. ها هو الآن..
(الرجل) : فالآن..
(أنا) : ها دمك قد أصبح مباحا لي..
(الرجل) : لا يهمني..
بارزته – بعد دقائق – تساقطت دماؤه..

على جانب ذلك قد سمعت..
عويل النساء؛
و نحيب الجارية التي كانت تحت رجل مفتول العضلات أقوياء منخاريه الفرس الأبجر الجامح.. يجامعها ليفضي برغبته الشهوانية الغارية؛
و بكاء أطفال أقوياء عزائمهم البناءة لا الهدامة العاملة لا القاعدة الغاشية لا الموقذة الفتاكة الفاتكة العلامة العالمة الفتاحة الفاتحة الشمالة الشاملة الشاكلة المشاكلة؛
و هجير رجل غليظ عضيل لا حليم فصيل لا غبي كيس لا حلوم حلام لا علامة عالم؛
أحببت إمرأة مالت بخاطرها تجاهي لتغريني نظراتها و تشبعني رغباتها و تواسيني أدرانها و تعشقني من لمساتها و تستنجدني مأساتها..
في جانب كان هو الأجدر بضم شمل الناس..
– – – – –

يوم شيبار(٢)..

كنت..
قد ارتكبت جناية قتل على إثر رجل عايرني بجهلي فأفحتمته بعلمي؛ فركبت فرسي الأبجر ببطنه الضخمة الهدامة.. و على شمائلي سيف في غمده.. و على الآخر مما ذكر و ضعت أسنمة كأسنمة البخت و لكن ليست مائلة بها أدمتي لتشبعني جوع الطريق و تعنت المرض.. ففرت إلي ملاذ قوم أمي – العظيم قدره – حتى وصلت إلي مخادعهم و مضاجعهم الناعمة العالية الحبييبة لي العظيمة الحنانة الحنونة العظيمة؛ ومن ثم نمت مرتاح البال قرير النفس عظيم الروح طاهر اللسان بارق سيفي مما قد مسحته من دماء الجاهل الذي أستجهلني و جاهلني.. و لما لا هو فار من تجاهله و جهله إلي ملاذي المريح و المرتاح و العظيم من النفاح.. بعدما أشبعته رغبته من عظيم الطعام؛ و للأسف – أيضا – أشبعته من علمي و عقلي.. ليترك جميلي..
– – – – –

يوم أول(٣)..

كان..
فحيح ثعبان أبكم.. قد عاندني فيما أتى من ظلامتي و قد قال لي أجهد فيا جهد من إحتيالاتك الفاتقة؛ فبخنجر أتلم فصلت رأسه فأتبعتها الذنبا حتى قتل صريعا بين يداي..
– – – – –

يوم أهون(٤)..

عدت..
إلي قومي فرحبوا بي في فرح هو ما أراه لأول مرة بحياتي..

و لكنني؛ أتساءل لماذا؟.. هذا ما سألته لفتى من القوم..
(أنا) : لما هذا ؟
(الفتى) : ها هو لك..
(أنا) : لماذا ؟
(الفتى) : ألا تعلم أنك سيد الكرام المكرمين.. والرجال المظفرين.. والعلماء المحنكين.. والعاشق المحا…..رب..
(أنا) : لماذا لا تتمالك كلامك ؟
(الفتى) :أخشاك سيدي..
(أنا) : ها أنا أخشي العبيد و أخشى من الأسياد..
– – – – –

يوم دبار(٥)..

أفعلوا..
مأدبة عظمية بقدري لي فحضرها كل سادات قومي و علمائها الكرام و كاتبيها العظام و رواقها المحنكين و عظماؤها المبجليين.. و أهلها الكرام العظام.. فهل من طفل لم يأت؟
– – – – –

يوم جبار(٦)..

كنت..
قد جلست على مخدتي الوسادية.. فنمت نوم عميق قدره طواله جله.. رغم أننا قد كنا بالنهار..
– – – – –

يوم مؤنس(٧)..

كان..
نهاية رحلتي التي لم أقوم بها!؛ ..
فكل هذا كان محط خيالي..

– – – – –
– (١) :- يوم الجمعة.
– (٢) :- يوم السبت.
– (٣) :- يوم الأحد.
– (٤) :- يوم الإثنين.
– (٥) :- يوم الثلاثاء.
– (٦) :- يوم الأربعاء.
– (٧) :- يوم الخميس.
– – – – –

نسجت القصة من خيال؛ الكاتب الصحفي متولي حمزة.

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post الجاهلية الأولى .. تخيل معي لو أننا نعيش سويا بها ! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d8%ae%d9%8a%d9%84-%d9%85%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%88-%d8%a3%d9%86%d9%86%d8%a7-%d9%86%d8%b9%d9%8a%d8%b4/feed/ 0 11027
تعرّف على النظام الطبقي للعرب قبل الإسلام https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%82%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3/ https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%82%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3/#respond Sun, 01 Jan 2017 13:47:52 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6009 تعرّف على النظام الطبقي للعرب قبل الإسلام – محمد شعبان لكل مجتمع مفرداته الخاصة التي تقسمه طبقات وفئات وفقاً لمعطيات الثروة والسلطة. واستتبع التفاوت في الملكية وفي المعيشة عند العرب […]

The post تعرّف على النظام الطبقي للعرب قبل الإسلام appeared first on المكتبة العامة.

]]>
تعرّف على النظام الطبقي للعرب قبل الإسلام – محمد شعبان

لكل مجتمع مفرداته الخاصة التي تقسمه طبقات وفئات وفقاً لمعطيات الثروة والسلطة. واستتبع التفاوت في الملكية وفي المعيشة عند العرب قبل الإسلام تمايزاً اجتماعياً بين أفراد القبيلة الواحدة  – خاصة في الحضر – ما أدى إلى انقسام أبنائها الأحرار إلى أغنياء وفقراء، إضافة إلى الانقسام الذي كان قائماً بين الأحرار و”العبيد”.

انقسم المجتمع العربي في الجاهلية ثلاث طبقات نتيجة الوضع الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، وكانت كل طبقة تتكون من طبقات أخرى داخلية.

الطبقة العليا

يدخل فيها أبناء القبيلة الأحرار الذين يرتبطون في ما بينهم برابطة الدم والنسب والجد المشترك، وهم عمادها وقوامها. قال الدكتور محمد سهيل قطوش في كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام” إن أبناء هذه الطبقة كانوا يهبّون لتلبية نداء القبيلة والتضامن معها ظالمة أو مظلومة، وفي المقابل تعمد القبيلة إلى حمايتهم وتمنحهم حق التصرف في واحد من أهم مظاهر الشرف والرفعة في هذا المجتمع وهو الإجارة، فكان المجير يدخل في حماية من أجاره من أفراد القبيلة فيدافع عنه ويقاصص من يتعرض له بالأذى، ويلزم بذلك قبيلته، مما عرّض القبائل لكثير من المشكلات، وفرض مسؤوليات وتضحيات عديدة عليها، وكان المجير يعلن الإجارة على الملأ صراحة بقوله: “قد لزمني ذمامك وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه”.

وتشكلت الأرستقراطية العربية من رؤساء القبائل وأعيانها وأقاربهم، فمنهم التجار وأصحاب الإقطاعات الكبيرة في الحواضر والمناطق الزراعية والرعوية، وقد تركزت الثروات في أيديهم.

وتمايز أعضاء هذه الطبقة عن فقراء القبيلة ومعدميها في مظاهر عديدة أبرزها تملكهم أعداداً كثيرة من أصناف الماشية لا سيما الإبل، فضلاً عن مساحات واسعة من مناطق الرعي.

وذكر طقوش إن هذا التغلغل المادي أثر في نفوس أصحاب هذه الطبقة، وظهرت آثاره في الديات، ففي حين كانت دية الحر الشريف تصل إلى الألف من الإبل، كانت دية غيره من الأفراد الفقراء أو المعدمين لا تكاد تصل إلى النصف من هذه القيمة.

كما تميز الأعيان بنصب خيامهم في الروابي المشرفة على سائر أبناء القبيلة، واقتناء السجاد النفيس والأواني المعدنية والزجاجية المرتفعة الثمن، وأجود أنواع الأسلحة، وأجمل أسرجة الخيل والإبل.

وقال الدكتور جواد علي في كتابه “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” إن رجال الدين كانوا ضلعاً أساسياً في هذه الطبقة فكان لهم امتيازات خاصة، لأنها ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض، والآمرة والناهية، وهم من يحللون ويحرمون، لذا كان لهم أموال وأملاك، ولهم على الناس حقوق يأخذونها منهم، وارتبطت مصالحهم بمصالح الحكام.

الطبقة الوسطى

يشكل الموالي عماد هذه الطبقة. قالت الدكتورة ديزيرة سقال في كتابها “العرب في العصر الجاهلي” إن الموالي هم الذين تعتقهم القبيلة بعد أن كانوا رقيقاً فارتقوا من الطبقة الدنيا إلى الطبقة المتوسطة.

الخلعاء أيضا جزء أساسي من تكوين هذه الطبقة، وهم أفراد تخلعهم القبيلة لسوء سيرتهم، ويكون هذا الخلع علناً أمام الناس وفي الأسواق والمجامع. ومعنى الخلع هو التبرؤ من الفرد، فلا تدافع عنه قبيلته، ولا تجيره، ولا تقع عليها تبعات أعماله. والخلع أقصى عقوبة يمكن أن تلجأ إليها القبيلة، لأن المخلوع عندئذ يشبه في أيامنا الفرد الذي نفته الحكومة من وطنه، وقد يستجير الخليع بقبيلة أخرى، فيوفيها جميع حقوقها، ذكرت سقال.

وينتمي الصعاليك إلى الطبقة الوسطى. قال طقوش إنهم فئة من الفقراء أفرزهم توزيع الثروة والتمايز الاجتماعي، فانسلخوا عن قبائلهم تعبيراً عن تململهم من الفقر والجوع والحرمان والشقاء والازدراء الذي كانوا يعانونه، واحترفوا اللصوصية ليغنموا عنوة ما حُرموا منه.

الأغربة أيضاً ينتمون إلى هذه الطبقة. وهم أصحاب البشرة السوداء الذين ورثوا سواد البشرة من أمهاتهم الإماء، فلم يعترف بهم آباؤهم العرب ولم ينسبوهم إليهم لأن دماءهم ليست عربية خالصة، حسبما ذكر طقوش.

 الطبقة الدنيا

تشكل هذه الطبقة شريحة كبيرة في المجتمع القبلي في العصر الجاهلي، وتضم العبيد أصحاب البشرة السوداء والرقيق الأبيض والأسود. ذكر جواد علي أن العبيد هم حاصل الحروب، فإذا وقع إنسان أسيراً في غزو أو حرب صار ملكاً لآسره، إن شاء مَنّ عليه ففك رقبته، وإن شاء ملكه فصار عبداً له يحتفظ به إن أراد، أو يهديه لغيره فيصير في ملك من أهُدي له، أو أن يبيعه، فيقبض ثمنه، فتنتقل ملكية العبد إلى شاريه.

التجارة مورد آخر أمد الجاهليين بالعبيد، واختص بها قوم عرفوا بالنخاسين، كانوا يأتون بالرقيق من مختلف الأماكن ويبيعونه وكانت تجارة رابحة.

ومن العبيد قوم كانوا مدينين فلم يتمكنوا من سداد ديونهم فبيعوا رقيقاً، ومنهم من صار رقيقاً لعدم تمكنه من دفع مال يجب عليه تأديته، كالذي روى من تقامر أبي لهب والعاص بن هشام على أن من قُمر صار عبداً لصاحبه، فقمره أبو لهب فاسترقاه واسترعاه ابله.

وذكر علي أن كثيراً من ملاك الرقيق كانوا ذوي قلوب غلاظ لا يرحمون عبيدهم ولا يرفقون بهم، وإذا شهد العبد غزواً أو حرباً وغنم فلا يعطى حقه له، وكان يؤخذ سهمه ويعطى إلى سيده، ولم يكونوا يثقون بأمانة رقيقهم، لذلك حقد الرقيق على سادتهم، وانضموا إلى أعدائهم إن وجدوا فرصة مؤاتية لهم أملاً بإصلاح الحال. ولما حاصر الرسول الطائف نادى مناديه “أيما عبد نزل فهو حر وولاؤه له ورسوله” فنزل جمع منهم وأسلموا وصاروا أحراراً.

ويقول طقوش في كتابه إن العبيد سكنوا أكواخاً حقيرة وعاشوا بضنك، نتيجة الحرمان والجوع، وجُردوا من جميع الحقوق، وفُرضت عليهم واجبات مرهقة سلبتهم إنسانيتهم وباعدت بينهم وبين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، فليس للعبد أن يتزوج إلا بإذن سيده على أن يتزوج عبدة مثله.

المجتمع البدوي: انعدام الفوارق الطبقية

التقسيمات الطبقية التى عرفها المجتمع الحضري لم يعرفها المجتمع البدوي أي مجتمع الأعراب. قال علي إن هذا المجتمع كان ساذجاً وليس في تكوينه تعقيد ولا تعدد طبقات، إذ صقلت البادية أهلها وبسطت لهم أسلوب الحياة، وقلصت من الفوارق الطبقية، ومن ثم لم تشهد بلاد البدو اختلافاً كبيراً في منازل الناس، وتركزت الطبقات في سادات القبائل وهم رؤساء القبيلة وأشرافها وأحدهم سيد القبيلة أو رئيسها، ثم أشراف العشائر ولهم أموال ورقيق يخدمونهم.

أما سواد القبيلة، فهم منتشرون في أرض القبيلة على هيئة مجتمعات صغيرة متفرقة مبعثرة نظراً لضيق العيش الذي لا يساعد على تجمع أفراد القبيلة تجمعاً كبيراً في محل واحد، تظهر فيه الحرف وتتنوع الأعمال التي تكون في مجتمع الحضر.

ولسادات القبائل المال وهي الإبل يشربون من ألبانها، ويأكلون لحومها، وهم الذين باستطاعتهم الذهاب إلى القرى والمدن ومواطن الحضارة للعيش فيها زمناً، ولشراء ما يجدون في أسواقها من سلع ثم يعودون إلى وطنهم ليرعوا مالهم وينظرون في شؤون قبيلتهم، ذكر علي.

وقد استخدم الأعراب العبيد أيضاً، ولكنهم لم يكثروا من استخدامهم مثل أهل الحضر، لعدم وجود حاجة كبيرة عندهم إليهم. وأشار علي إلى أن عبيد الأعراب كانوا أكثر حرية وأحسن حالاً من عبيد أهل الحضر، ذلك لأن البادية لم تكن تعرف الأعمال المرهقة ولا الحرف الكثيرة مثل الحضر، لذلك صارت الأعمال التي يقوم بها عبيد الأعراب أقل بكثير من الأعمال التي يقوم بها أهل القرى، وصار العبد فى البادية ألصق بصاحبه من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت الذي اشتراه أو ورثه.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post تعرّف على النظام الطبقي للعرب قبل الإسلام appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%82%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3/feed/ 0 6009
العرب والبنات: تعرّفوا على قصة الوائد الأول والرجل الذي كان يحيي الموءودات https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81%d9%88%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81%d9%88%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7/#respond Fri, 25 Nov 2016 15:52:31 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=4654 العرب والبنات: تعرّفوا على قصة الوائد الأول والرجل الذي كان يحيي الموءودات – بقلم: محمد شعبان تحدثت كتب التاريخ والتفسير كثيراً عن وأد العرب للبنات قبل الإسلام، وأشارت إلى أسباب […]

The post العرب والبنات: تعرّفوا على قصة الوائد الأول والرجل الذي كان يحيي الموءودات appeared first on المكتبة العامة.

]]>
العرب والبنات: تعرّفوا على قصة الوائد الأول والرجل الذي كان يحيي الموءودات – بقلم: محمد شعبان

تحدثت كتب التاريخ والتفسير كثيراً عن وأد العرب للبنات قبل الإسلام، وأشارت إلى أسباب كثيرة وطرق عديدة اتبعها العرب لقتل بناتهم. ورغم ذلك قللت مراجع عدة من أهمية ما رُوي، واعتبرته مجرد قصص لا تستند إلى معايير العقل والمنطق.

الوائد الأول

تختلف الروايات في تحديد تاريخ ظهور هذه العادة بين العرب، وأول من سنها فيهم. قال هاني أبو الرب في دراسته “الوأد عند العرب قبل الإسلام وموقف الإسلام منه ” والمنشورة عام 2009، بمجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة عن الجامعة الأردنية، إن هناك روايات تقول إنها ظهرت في الأول عند قبيلة تميم، على يد زعيمهم قيس بن عاصم المنقري، ثم انتشرت في القبائل العربية الأخرى.

وروى أبو الرب أن قبيلة تميم امتنعت عن دفع الإتاوة المقررة عليها للنعمان بن المنذر ملك الحيرة، فأرسل إليهم النعمان جيشاً أكثره من بني بكر بن وائل، واستاق النعم (الإبل) وسبى الذراري (البنات). فوفدت القبيلة على النعمان، وكلّموه في رد ذراريهم. حكم النعمان بأن يُجعل الخيار في ذلك إلى النساء، أي امرأة اختارت أباها رُدت إليه، وإن اختارت صاحبها (سابيها) تركت عليه. كان بينهن ابنة لقيس بن عاصم، اختارت سابيها، ورفضت العودة لأبيها، فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلا وقتلها، فانتشرت هذه السّنة في تميم والعرب قاطبة بعده.

وهناك روايات أخرى، تجعل قبيلة ربيعة أول من سنّ عادة الوأد بين العرب. إذ سُبيت ابنة زعيمها، ولما أراد والدها ردها رفضت العودة إليه واختارت البقاء عند سابيها، فغضب والدها، وسنّ لقومه عادة الوأد، ثم شاع في غيرهم من العرب.

والظاهر أن نسبتها إلى سيد ربيعة أو تميم، يرجع إلى أن الرواة لم يقفوا على أول من أوجد هذه العادة، فنسبوها لربيعة وتميم لشيوعها فيهما أكثر من غيرهما من القبائل العربية، واستمرارها خصوصاً في تميم حتى مجيء الإسلام. فيذكر الرواة حوادث وأد أقدم من زمن قيس بن عاصم بكثير، مثل ما ذكروه عن سودة بنت زهرة القرشية الكاهنة، التي أراد والدها وأدها لأنها ولدت زرقاء (لونها مائل إلى الأزرق كدليل على سقمها). والوأد عند العرب أقدم من ذلك، وربما يعود إلى ما قبل الميلاد، أما نسبتها إلى قيس، فقد يعود إلى اشتهاره بوأد عدد كبير من بناته، يراوح بين 18 و12 بنتاً، بحسب ما يذكر أبو الرب.

أسباب الوأد

في كتابه “المرأة في الشعر الجاهلي” قال الدكتور أحمد محمد الحوفي، إن العرب كانوا يئدون البنات مخافة أن ينزل بهم الفقر إذ يضطرّون للإنفاق على الذكور والإناث معاً، خصوصاً أن البيئة كانت شحيحة بالزاد كثيرة الفواجع والمجاعات، والإناث فى هذه البيئة يأخذن ولا يعطين.

وذكر أن بعض العرب كان يباهي بالوأد، وبعضهم يقترفه منجاة من احتمال متاعب بنات قد يؤسرن أو يسبين أو يزوجن بغير أكفاء.

وبعض العرب كانوا يئدون نوعاً من الإناث هو الزرقاء، والشيماء (ذات البشرة الداكنة، أو التي في بدنها بقع تخالف سائره)، والبرشاء (التي بها نكت صغار تخالف بقية لونها) والكسحاء، وسبب هذا الوأد التشاؤم من هؤلاء، كما ذكر الحوفي.

قبائل عُرفت بالوأد

انتشرت عادة الوأد في القبائل العربية قاطبة ولكن بنسب متفاوتة، فكانت مستفحلة في القبائل البدوية مثل تميم وربيعة وقيس وأسد وهذيل وبكر بن وائل أكثر من القبائل المستقرة مثل قريش وخزاعة وكنانة. عزا أبو الرب في دراسته ذلك إلى أن القبائل المستقرة كانت أقل فقراً، ولا تغزو بعضها بعضاً، فلا تخاف على بناتها عار السبي، خصوصاً قريش التي كانت تقيم في الحرم وتعمل في التجارة فأمنت شر الجوع والخوف. ويتوقع أنها مارست الوأد كعقيدة دينية، فزعموا أن الملائكة بنات الله فكانوا يقولون: “ألحقوا البنات بالبنات”.

الأساليب والطقوس

تعددت أساليب الوأد واختلفت باختلاف سن الموءودة. قال أبو الرب إذا كانت صغيرة دفنت في التراب حية، وإن كانت كبيرة ألقيت من شاهق، فتمزق جسدها، أو ألقيت في بئر فتموت غرقاً. وفي بعض الأحيان، تترك البنت حتى تبلغ من العمر ست سنوات فيقوم الأب بدفنها.

وذكر الباحث أن الأم كانت تحاول دائماً ثني زوجها عن وأد بناتها، وقد تتوصل معه إلى اتفاق يقضي بوأد نصف ما تلد من البنات فقط، وإحياء النصف الآخر.

ولم تكن الأم تُسلّم بوأد ابنتها إلا تحت التهديد من زوجها بهجرها أو طلاقها، فكان الرجل يطلب من زوجته وأد البنت التي ولدتها، ويقول لها: “أنتِ علي كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها”. ترسل إلى نسائها يجتمعن عندها ثم يتداولنها، حتى إذا أبصرته راجعاً دستها في حفرتها ثم سوّت عليها التراب.

المتنصرون والوأد

لم يقتصر وأد البنات على العرب الوثنيين فقط، إذ قام بها بعض المتنصرين أحياناً. قال حبيب الزيات في كتابه “المرأة في الجاهلية”، إنه نقل عن عدي بن ربيعة المعروف بالمهلهل زير النساء، أنه لما وُلدت له ابنته ليلى أمر بدفنها، ثم غيّر رأيه فاستحياها (تركها حيّة).

وذكر الزيات أنه بسبب تأصّل هذه العادة في نفوس العرب قديماً، كان الوالد إذا أدركته الشفقة على ابنته وأحب استحياءها، يخفيها عن الناس لئلا يفطن إليها أحد. هكذا فعل عصيم بن مروان بابنته نضيرة أم حصن بن حذيفة، ولم يكن له ولد غيرها، فلما ولدت له رقّ لها، وقال لأمها: استرضعيها وأخفيها من الناس.

 إحياء الموءودات

سيدان من سادات العرب حملا لواء الرحمة، وأنقذا من ظلمات الحفائر بنات كثيرات. ذكر الحوفي في كتابه أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق سمي بـ”محيي الموءودات”، وكان السبب في مكرمته هذه أنه مر برجل من قومه، تميم، يحفر بئراً، وامرأته تبكي فقال لها صعصعة: ما يبكيك؟ قالت: يريد أن يئد ابنتي هذه. فقال له: ما حملك على هذا، قال: الفقر. قال: إني اشتريتها منك بناقتين يتبعهما أولادهما تعيشون بألبانهما، ولا تئد الصبية. فرضي الرجل، وأعطاه الناقتين وجملاً فحلاً، وقال في نفسه: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فجعل على نفسه ألا يسمع بموءودة إلا فداها. فجاء الإسلام وقد فدى 300 موءودة، وقيل 400.

السيد الآخر هو زيد بن عمرو بن نفيل القرشي، فكان يستحيي الموءودات، فإذا بصر برجل يهم بوأد ابنته قال له: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، ويأخذها وينفق عليها حتى تكبر، ثم يقول لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها. وقيل إنه أحيا 96 موءودة.

وأد الذكور

ذكر أبو الرب أن وأد الذكور كان نادراً بين العرب، ولا تفعله القبائل البدوية إلا في سنوات الجدب والمجاعة، كما حدث بقبيلة مضر، التي أجدبت سنين فأكلوا فيها العلهز، وهو طعام كانوا يتخذونه من وبر الإبل مخلوطاً بالدم ثم يشوونه بالنار ويأكلونه من شدة الجوع، فكان ذلك سبباً من أسباب الوأد. وقد أرادت هند بنت معاوية من بكر بن وائل وأد ابنها لما ولدته، لأنها لا تجد ما يعيشه، فمنعها جارها همام بن مرّة من ذلك وأعطاها ذلولاً (ناقة حلوب)، ولقحة (امرأة مرضعة) لإعالتها.

أحياناً تم وأد الذكور لعقيدة دينية عندهم، كتقديمهم قرابين للآلهة وفاءً لنذورهم، كما فعل عبد المطلب حين أراد ذبح ولده عبد الله بأنه نذر إن ولد له 10 أبناء أن يذبح أحدهم للآلهة، لكن إخوة عبد الله لم يسمحوا بذبحه واحتجت قريش على ذلك حتى لا تصير سنة فيهم، فافتداه بمئة من الإبل بناءً على مشورة الكهنة، كما أشار الباحث في دراسته.

تشكيك وتفنيد

عدد من الباحثين والمؤرخين يرفضون ما رُوي من قصص الوأد عند العرب قبل الإسلام، بل يفندون كل ما قيل في هذا السياق، خصوصاً ما يتعلق بقصة قيس بن عاصم. في كتابه “الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة”، قال الدكتور مرزوق بن تنباك، إنه إذا أخذنا المجال الزمني الذي بدأ به الوأد، كما زعمت روايات المؤرخين، يكون قيس هذا قد جاوز الأربعين عندما بدأ الوأد، لأن البنت التي يزعم أنها السبب في سَنِّهِ الوأد لها، زوج لم ترد أن تعود إليه. وستكون فوق العشرين من العمر حين اختيارها لسابيها على أبيها وزوجها، وفي سن تمكنها من الاختيار. وقد أدرك قيس النبي وعاش بعده ومات في البصرة  سنة 47 للهجرة، ولم يذكر أحد أنه من المعمرين، ويكون عمره دون السبعين عند موته، قضى نصفها أو أكثر في الإسلام، فإذا أخذنا العمر وحده، وجدنا أنه يستحيل أن يولد له هذا العدد من البنات بعد الأربعين من العمر، ثم يئدهن جميعاً، فقد رووا أنه وأد 8 بنات أو بضع 10 كما تزعم الرواية، أو 12 في رواية أخرى.

الروايات تجمع على سيادة قيس ومكانته في قومه وحكمته وحلمه، وتذكر أنه حرَّم الخمر في الجاهلية على نفسه، ومن كانت له هذه المكانة في قومه، والفضائل الإنسانية في نفسه، لا يمكن أن يقدم على قتل ولده بهذه الصورة، التي نقلتها كتب المؤرخين، وبالغوا فيها، بحسب ما ذكر تنباك.

وأوضح تنباك أن الروايات تروي عن قيس أنه كان يكره قتل أعدائه، فكيف يقتل أولاده على هذه الصورة البشعة؟ كما أنه ليس من طبيعة الأشياء أن يبدأ الرجل عملاً محدثاً مهماً كان حسناً أو قبيحاً، ثم ينتشر بسرعة مذهلة مثل انتشار الوأد كما زعموا، لا سيما أن القتل عمل تشمئز منه النفوس، وتكرهه الطبيعة، خصوصاً قتل الولد مهما كانت الأسباب والدوافع.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

The post العرب والبنات: تعرّفوا على قصة الوائد الأول والرجل الذي كان يحيي الموءودات appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81%d9%88%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7/feed/ 0 4654
تعرّف على أهم العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d8%a8%d9%87-%d8%a7%d9%84/ https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d8%a8%d9%87-%d8%a7%d9%84/#respond Mon, 17 Oct 2016 22:57:30 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=2719 تعرّف على أهم العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية – محمد شعبان شهدت شبه الجزيرة العربية عدداً من العقائد الدينية السابقة على الرسالات السماوية، وقد تأثرت هذه […]

The post تعرّف على أهم العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية appeared first on المكتبة العامة.

]]>
تعرّف على أهم العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية – محمد شعبان

شهدت شبه الجزيرة العربية عدداً من العقائد الدينية السابقة على الرسالات السماوية، وقد تأثرت هذه المعتقدات بما حولها من عقائد الحضارات المجاورة وأبرزها حضارتا العراق ومصر.

وقد تناول أهم هذه التأثيرات الدكتور علاء شاهين، رئيس قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة، في بحث رصد فيه أهم العقائد المبكرة في هذه المنطقة خلال الفترة الزمنية التي بدأت من عصور ما قبل التاريخ حتى الألف الثالث قبل الميلاد.

معابد ومواقع

من خلال الحصر الأثري والنصي تبيّن وجود منشآت دينية هامة في شبه الجزيرة العربية تؤرخ للعقائد التي سادت في المنطقة حتى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد ذكر شاهين في بحثه المذكور والمنشور في مجلة اتحاد الأثريين العرب، في نوفمبر 2006، في 36 صفحة، وهو أحد الأبحاث التي عُرضت في مؤتمر الاتحاد الذي عُقد في مقرّ جامعة الدول العربية في ذلك العام تحت عنوان “دراسات في آثار الوطن العربي، ذكر أنه عُثر على منشآت تعود إلى الألف الثاني ومنتصف الألف الأول قبل الميلاد في بعض المناطق مثل جزيرة “فيلكة” بالكويت، وكانت العبادة فيها مكرّسة لإله المياه المشهور المسمى في النصوص العراقية “إنكي” أو “انزاكي”.

Antiquities_of_Failaka_island_02

من آثار جزيرة “فيلكة” في الكويتAntiquities_of_Failaka_island_04من آثار جزيرة “فيلكة” في الكويت

كما ذكر أن أعمال الحفائر في منطقة جزيرة البحرين كشفت عن العديد من المواقع الأثرية من بينها معابد كانت مخصصة لآلهة مشهورة، وعُثر بين أنقاض تلك المعابد على بعض الآثار التي ارتبطت بالطقوس والشعائر الدينية التي مورست، ولعل أشهر تلك المعابد هو ما عُرف اصطلاحاً بمعابد “بار بار” وأيضاً معبد آخر عثر عليه في موقع “سار”.

Barbar-Templeمعابد “بار بار” في البحرين

كذلك عُثر، كما كتب شاهين، على معبد يُعرف باسم معبد “شميس” في إمارة “أم القيوين” في دولة الإمارات العربية المتحدة ويعود تاريخه إلى العصر الحديدي، وفي اليمن عُثر على مواقع هامة قدمت نموذجاً للعمارة الدينية بالمنطقة في ذلك الوقت خاصة ما ارتبط بحضاراتها القديمة المشهورة المعروفة باسم “السبئية” و”المعينية” و”القنبانية” و”الحضرمية”.

ومن بين أشهر تلك المعابد معبد “مراوح” ومحرم “بلقيس” حيث خُصصت العبادة فيه للإله القمري المعروف باسم “الموقة”، وكذلك معبد “معربم” الذي اكتُشف على مسافة 27 كيلومتراً من مدينة مأرب، ومعبد الإله “عثترم” في موقع “تمنح” وينتمي إلى العصر القنباني، والمعبد المخصص للإله “سين”.

1024px-Bar'an_temple_1986-1محرم “بلقيس” في اليمن

وكشفت أعمال الحفريات عن تماثيل في هذه المعابد لكهنة شاركوا في خدمة تلك الآلهة. وفي حالات استثنائية كان للمرأة دور في تلك الخدمة الدينية. حسبما قال شاهين مشيراً إلى أن مصادر دخل تلك المعابد تنوعت ما بين النذور والقرابين والعطايا الملكية أو عطايا الأفراد، وكذلك غنائم الحرب.

 ثالوث ديني

وأوضح شاهين لرصيف22 أن العقائد الدينية في تلك الفترة استندت إلى فكرة أن هنالك قوى خارقة خيّرة وأخرى شريرة تتحكم في مصير الإنسان الذي عليه أن يتواصل ويتقرب إلى القوى الخيرة للاستعانة بها على قضاء حوائجه ولمواجهة القوى الشريرة. وتطورت هذه الفكرة في ما بعد إلى تخيل الإنسان لشكل الآلهة المعبودة ثم ظهرت مرحلة الأوثان والتماثيل إلى أن جاءت بعد ذلك مرحلة الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية.

وقد ارتبطت هذه العقائد القديمة بصفة أساسية بثالوث ديني مقدس لعب الإله القمري فيه دوراً هاماً، وعُرف هذا الإله في النصوص الدينية بأسماء متنوعة ولعب دور الأب أو الزوج في مفهوم الأسرة البشرية للإله “الشمس” التي حفظت النصوص اليمنية أسماءها مثل “حر عفر”، ومن زواجهما كان الإبن “عثتر”، مما يعتبر نموذجاً في العقائد اليمينة للثالوث المقدس، حسبما كشف شاهين.

واستُمدّت معظم الآلهة التي كانت معبودة في شبه الجزيرة العربية من مجمع الآلهة العراقية مثل “عشتار” و”انزاكى” و”اينانا”. وقال شاهين لرصيف22 إن ذلك يرجع بصفة أساسية إلى أن العراق في ذلك الوقت كان له نشاط بحري ضخم جداً في المنطقة، ومن ثم كان هنالك تواصل دائم عبر التجارة، وساعد ذلك في نقل العقائد العراقية القديمة إلى الجزيرة العربية.

وأوضح أن أغلب المعابد المكتشفة بالمنطقة تتشابه في تخطيطها المعماري مع معابد الحضارة العراقية القديمة.

مصر الفرعونية

وهناك بعض التأتيرات غير المباشرة للحضارة المصرية القديمة على العقائد الدينية في الجزيرة العربية. ويظهر ذلك بوضوح في “الجعران” (نوع من الخنفساء كان يقدسها المصريون القدماء ويضعونها فى مقابرهم)، وقد كان له أهمية كبرى في العقيدة المصرية، ووُجدت مجموعة منه في حفائر أجريت في البحرين والسعودية واليمن، لكن ليس بمفهوم الدلالة العقائدية في الحضارة المصرية، حسبما قال شاهين.

وأضاف لرصيف22 أن تأثير الحضارة الفرعونية وُجد أيضاً في شكل وتصميم المقابر خاصة في منطقة “عالي” بالبحرين، حيث صُممت وفق شكل من أشكال المقابر المصرية القديمة التي وجدت في معبد الوادي في جنوب مصر، واعتمدت فكرة بنائها على الأعمدة المربعة وزاوية البناء إضافة إلى الجذر الذي كان مربوطاً على شكل حرف “L” حتى لا يتشقق المبنى أو يقع.

وفي موقع “شيتان” اليمني، قال شاهين، وُجد أحد أشكال التحنيط لكن ليس على غرار مفهوم التحنيط عند المصريين القدماء الذي كان يقوم على فكرة البعث والخلود والتجدد.

وظهر التأثير في صورة أخرى في ظل ما رجحه بعض علماء التاريخ والآثار القديمة من ارتباط الإلهين المصريين “مين” و”حور” بعقائد شبه الجزيرة العربية.

وأوضح لرصيف22 أن تأثير العقائد المصرية القديمة في عقائد اليمن كان أكثر من تأثيرها في عقائد باقي مناطق الجزيرة العربية، نظراً لوجود علاقات بشرية كانت تربط مصر القديمة بممالك وحضارات اليمن مثل سبأ ومعين وحضرموت.

وتابع أنه عندما نريد الوقوف على علاقة بلد بآخر علينا البحث في أمرين، الأول هو التجارة والثاني هو حالة السلم والحرب، ولم تكن هناك علاقات تجارية بين مصر والجزيرة العربية، ولم تكن أيضاً هنالك أي علاقات سلمية أو حربية خاصة أن المنطقة كانت شبه خالية حتى القرن الثالث قبل الميلاد. ومن ثم اقتصرت العلاقات بالمنطقة على اليمن بحكم وقوعها في طريق التجارة الفرعونية التي كانت تمر إلى بلاد بنت (الصومال حالياً)، ولذلك انتقلت إليها بعض التأثيرات العقائدية المصرية ومنها إلى باقي شبه الجزيرة ولكن التأثير الأكبر كان لبلاد ما بين النهرين بحكم قربها من المنطقة.

ووُجدت بعض النقوش العربية في طريق التجارة بين مصر واليمن سواء في سيناء أو في طريق الصعيد الذي كان يبدأ من منتصف محافظة المنيا ثم يتجه شرقاً ناحية البحر الأحمر مما يشير إلى علاقات قوية بين مصر واليمن قديماً، حسبما يقول أستاذ الآثار.

وأوضح أن بعض تأثيرات مصر الفرعونية انتقلت بشكل غير مباشر أيضاً من خلال الفينيقيين الذين أخذوا من مصر بعض الأفكار العقائدية ونقلوها بدورهم إلى المنطقة بحكم ارتباطهم بهما بعلاقات تجارية.

في دراسته المذكورة، لفت شاهين إلى أن صعوبات كثيرة قابلته أثناء إعداد بحثه. وقال إن بعضها ارتبط بعدم وجود معلومات كافية عن العقيدة سواء نصياً بصفة رئيسية أو أثرياً بصفة جانبية خاصةً خلال معظم فترة الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، إضافة إلى ندرة ما ذُكر عن هذه المعبودات في المراجع الإسلامية، وكذلك قلة ما أوردته نصوص الشعر الجاهلي عن آلهة العرب القديمة وارتباط معظم تلك الإشارات بآلهة في مرحلة زمنية تالية للإطار الزمني للبحث. كذلك لم تتضمّن نصوص القرآن الكريم الكثير من العقائد العربية القديمة، فضلاً عن عدم العثور على نصوص مدوّنة بلغة محلية لأهل حضارات المنطقة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

The post تعرّف على أهم العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d8%a8%d9%87-%d8%a7%d9%84/feed/ 0 2719
هل كان العصر الجاهلي مُظْلماً حقاً .. أم أننا ظلمناه ؟! https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a-%d9%85%d9%8f%d8%b8%d9%92%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%8b-%d8%ad%d9%82%d8%a7%d9%8b-%d8%a3%d9%85/ https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a-%d9%85%d9%8f%d8%b8%d9%92%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%8b-%d8%ad%d9%82%d8%a7%d9%8b-%d8%a3%d9%85/#respond Tue, 27 Sep 2016 17:42:32 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=1691 هل كان العصر الجاهلي مُظْلماً حقاً .. أم أننا ظلمناه ؟! هل كان الإسلام بداية جديدة منقطعة عما سبقها تماماً؟ وبشكل خاص عما يسمى العصر الجاهلي، وثقافات ذلك العصر وأخلاقه […]

The post هل كان العصر الجاهلي مُظْلماً حقاً .. أم أننا ظلمناه ؟! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
هل كان العصر الجاهلي مُظْلماً حقاً .. أم أننا ظلمناه ؟!

هل كان الإسلام بداية جديدة منقطعة عما سبقها تماماً؟ وبشكل خاص عما يسمى العصر الجاهلي، وثقافات ذلك العصر وأخلاقه وعباداته وعاداته؟ هذا السؤال، على الرغم من أنه يبدو بسيطاً، يشكل أساساً ليس لفهم الماضي فحسب، بل لفهم أهم مشاكل المجتمعات الإسلامية اليوم، ولمعرفة الطريق إلى المستقبل.

سرد “البدايات” ومآسي العصر الحديث

إذا سألنا أمهات قواميس اللغة العربية عن معنى الجاهلية، مثل قواميس لسان العرب والمحيط وتاج العروس وغيرها، ثم سألنا الإنترنت عن كلمتي “الإسلام” و”الجاهلية”، فسنقرأ من كل أرجاء العالم – بدءاً بأهم المواقع الرسمية حتى أكثرها شعبية – مقولة تختزل التاريخ الإسلامي الأول في “نموذج” فحواه أن الجاهلية فوضى و”جهل” وعنف. أي قاموسياً: الجهل ضد العلم، وجاء الإسلام ليهدم بنيانها، ويغيرها برمتها، فكان بداية جديدة مباركة، منقطعة بالكامل عن الجاهلية.

من المحيّر والمثير في الوقت ذاته، أن هذه الفرضية لا تمنع الإيمان الراسخ بعبقرية عرب الجاهلية كزعماء وفصحاء وشعراء وخطباء. ومن الغريب أن يستمر تصوير الجاهلية في مسارين متناقضين في آن واحد: الأول يعظّم الجاهلية، والثاني يهوّل سوءها، دون أن يستدعي أحدهما تغيير الآخر، أو إعادة النظر فيه. الاستثناء الأهم هو تشابك السردين في مناقشة عرب الجاهلية ممن لم يعاصروا الإسلام، أو من عاصروه ولم يدخلوا في الإسلام، ومصيرهم في الحياة الآخرة.

أورد هنا استشهاداً يتساءل عن الفرق بين الجاهلية والإسلام، وفي شرحه لهذا السؤال يجسد هذا السرد بامتياز: “الحقيقة، الجاهلية إما من الجهل وإما من الجهالة، الجهل أن تعتقد بخرافات لا أصل لها، والجهالة أن تخرج عن طريق الحق فتأخذ ما ليس لك، الجهالة هي السفه والجهل ضد العلم، والجاهلية التي كانت قبل الإسلام جاهلية جهلاء”.

هناك توافق حول هذه الرؤيا للتاريخ في السرد الرسمي والشعبي، إلا أن هذا الزعم لم يبدأ مع الإسلام، ولم ترسُ أسسه أيام الصحابة، ولا حتى في زمن التابعين. فما قصة هذه القطيعة المفترضة بين الإسلام والجاهلية؟ وما الذي أعطى الفرضية شعبيتها على مدى قرون، حتى وصلتنا وقبلناها دون تردد أو سؤال؟ والأهم، ما الذي يجعل هذا النقاش حول البدايات واجباً ملحاً لكل المجتمعات المسلمة اليوم؟

قصة “البداية”: ما الذي نبحث عنه في “بداية الإسلام”؟

في أقدم ما وصلنا من نصوص إسلامية، لم يكن هناك معلومات “خام” هدفها توثيق التاريخ المعيش، فما كان يشغل بال المسلمين كان مصيرياً وملحاً، وقد كانت الكتابة فرصة للمجتمع الإسلامي لمحاورة هويته الوليدة، وتأطير تواريخ وذاكرة العقود الأولى، فكان مساحة لمناقشة الشرعية السياسية وماهية الحكم، وطرح أطر الأخلاقيات والقيم الثقافية التي تعرّف المسلمين وتميزهم. وفي هذا الزخم، تقولب تاريخ البدايات، كما هو حال التوثيق التاريخي غالباً، في انتقائية مسيّسة للشخصيات والأحداث، والمقولات والتواريخ التي اختارها المجتمع، على حساب غيرها، قدمت كحقائق عن التاريخ الإسلامي الأول.

في الحقيقة، إن مصادر معلوماتنا تمثل تبلوراً متأخراً لتقليد شفوي قديم مستمر. بكلمات أخرى، عصر ما قبل الإسلام، والعقود الإسلامية الأولى، متوفرة لدينا فقط كما رآها المؤرخون اللاحقون، مغربلة في منهجية محددة للتأريخ، اعتمدت فيها الجاهلية على أنها “الآخر”، في قرار إيديولوجي لتشييد البناء الإسلامي.

وهكذا تم تقديم القطيعة بين العصرين، كل منهما ضد الآخر من خلال علاقته بالفردوس، في وضع تقابلي سياسياً، فبدأت تختفي التواريخ التي لا تخدم هذه المقابلة، أو تُعدّل لتهوّل ما يؤكد فجاجة الجاهلية وتنافيها مع كل ما هو إسلامي. وفي مسمياتنا للجاهلية تأصيل لهذا التوجه، فمخيلتنا مشبعة بعبارات عن “ظلمات الجاهلية” و”أغلال الجاهلية” و”مستنقع الجاهلية”، تغذيها وتدعمها صور وقصص وأمثال عن التعصب والقتل والظلم الذي عاشه الناس أيام الجاهلية، وهذه الانطباعات مجتمعة أسهمت في ترسيخ “الجاهلية” كرمز رديف لكل الشرور، قديمها وحديثها.

Main-1

درس الباحثون المختصون في علاقة الجاهلية ببداية الإسلام وتجليات هذه الفرضية في الخطاب التاريخي، في استقصاء لماهية هذه الفرضية، ونشوئها. أهمهم، الباحثة الألمانية الدكتورة باربرا فرير ستواسر، صاحبة دراسات أصبحت مرجعاً لدراسة فترة الإسلام الأولى. تستقرئ ستواسر استمرارية ثقافية بين الجاهلية والإسلام عتّمت عليها هذه السرديات، وتجد أن هذه القطيعة الحادة بين الفترتين “مفترضة” تم إسقاطها على الموضوع في فترة لاحقة. تم ذلك، كما تبين ستواسر، تحت تأثير ممارسات ثقافية بدأت في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وتزامنت مع ما يسمى بـ”المرحلة الكتابية” الأولى، أي عندما بدأ المجتمع الإسلامي بكتابة تاريخه الأول، فتطلع إلى ظهور الإسلام كأساس لهويته، وقيمها على أنها “بداية” جديدة، أعطاها خصوصيتها من خلال افتراض معاداتها للجاهلية. على هذا النحو تحدد ستواسر مرحلتين من التغيير القسري للتاريخ: الأولى من خلال تعريف الإسلام في مواجهة الجاهلية، ثم عن طريق المرحلة التأسيسية الإسلامية الأولى فيما بعد (القرنين الثاني والثالث)، ودورهما في تأطير السنوات التكوينية الأولى للقرن الأول الهجري.

يمكن الإطلاع على كامل نظريتها في كتابها الذي حقق شهرة واسعة في العالم الأكاديمي، وفي العالم الإسلامي كذلك، إذ حاضرت في أكثر من دولة خليجية منها المملكة السعودية، وفي المغرب وفي تركيا، وحاججت علماء المسلمين وكسبت احترامهم وتقديرهم.

تأثير القطيعة على نظرتنا للهوية الإسلامية اليوم

لماذا يجب أن نهتم بهذا السؤال، وما علاقته بمشاكل مجتمعاتنا المعاصرة؟ أذهب إلى القول إن مناقشة إشكالية القطيعة ضرورة ملحة للتعامل مع أزمة نواجهها في البلدان العربية، وبالتحديد في موقفنا من التعددية، خاصة أنّ عدداً من الدول العربية تتبنى سرد بداية الإسلام كمكوّن أساس في هوياتها الوطنية. وسأورد بعض الملاحظات في حدود ما تسمح به مساحة هذه المقالة:

أولاً، على مستوى المنظومة الثقافية: تتسرب في كتب السيرة والتاريخ الفقهي والسياسي قصص عن الجاهلية كان الهدف منها مديح الرسول الكريم بخاصة، والإسلام بعامة، وأذكر واحدة منها هي قصة سفّانة بنت حاتم الطائي بعد أن أسرها جيش الإسلام مع قومها من طيء. أقبلت على الرسول، وقالت له: “يا محمد! هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك، وخلّ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه، يفكّ العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد بحاجة فردّه خائباً، أنا بنت حاتم الطائي، فارحموا عزيز قوم ذل”. فقال لها النبي: يا جارية! (هنا بمعنى يا فتاة، يا صبية) هذه صفات المؤمن، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خّلوا عنها؛ فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق”.

هذه الحكاية، إن كانت حقيقة أم خيالاً، تؤكد إقرار نبي الإسلام بوجود قيم أخلاقية رفيعة لدى الجاهليين يحبها الله. وقد قال النبي عن نفسه: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وهذا الحديث يتفق على صحته جامعو الحديث الكبار جميعاً، أي أن “أخلاقاً كريمة” كانت موجودة في الجاهلية، كالمروءة والكرم والحلم والأمانة، ولكنها لم تكن متكاملة، فجاء الإسلام واحتضنها في منظومة أخلاقية واضحة، أعاد صياغة أبعادها المعرفية، وربطها بتبعات أبدية (عقاب وثواب في الحياة الآخرة)، فانعكست على سلوكيات المسلمين وقيمهم الاجتماعية، ومعاييرهم الأخلاقية. في ضوء ذلك تسقط ثنائية جهالة/أخلاق. للتعمق في هذا النقاش، يمكن الإطلاع على كتاب الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو، الذي يبحث في المفاهيم الدينية ـ الأخلاقية في الإسلام.

وربما كان من المفيد هنا أن نذكر بأن حديث سفانة يؤكد أن والدها يتحلى بصفات المؤمن، ونضيف أن في أشعاره وأشعار غيره إقراراً بوجود الله الواحد، ويذهب معظم مؤرخي الأدب إلى أن حاتماً كان مسيحياً، أو على الأقل من الحنيفية، كما أن ابنه عدي كان مسيحياً واعتنق الإسلام، واستشهد. بالإضافة إلى قائمة تطول لأفراد في الجاهلية كانت لهم أخلاق حاتم ومعتقداته. إذا ليس الإسلام هو من نص على القطيعة التامة، ولا نبي الإسلام؛ بل المسلمون الذين قادوا المعرفة والدولة والمجتمع والدين.

ثانياً، على المستوى المعرفي: افتراض القطيعة مع الجاهلية يقدم الثقافة الإسلامية جامدة في الزمان والمكان، محددة فقط ببدايتها التي تقدم على أنها “نقية”، وبذلك يلغي الغنى الثقافي في الحضارة الإسلامية، الذي تأثر بالحضارات المزدهرة حولها منذ بداياتها حتى اليوم، ويفترض أن أي تأثير هو بمثابة “شائبة” تشوه الإسلام. لهذا التوجه تأثير كارثي. بداية، هذه النظرة الإشكالية تنفي علاقة الإسلام بالثقافات والمعتقدات السائدة في المنطقة، وتسعى لصهر كل ما هو إسلامي ليأخذ شكلاً موحداً على نحو إقصائي، وبذلك تتغاضى عن التعددية داخل الثقافة الإسلامية وتلغيها. فيتجسد ذلك في ضرورة التأكيد على ما يميز الإسلام عن غيره من الثقافات (والديانات) من خلال تعزيز أحادية لا تمثل الإسلام في أي فترة من فتراته.

القطيعة كما تستخدم في ثقافة الحداثة وما بعدها موقف فكري متكامل من التاريخ والمعرفة والعلاقات الاجتماعية، وهو موقف يعتبر القطيعة التامة شرطاً لأي حداثة، أو تقدم، أو خروج من عصور الظلام والاستبداد. والسؤال هو: هل تقتضي ثنائية الجاهلية / الإسلام أن يقوم المسلمون بقطيعة شاملة مع كل ما ليس على علاقة بالإسلام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يستقيم أي شيء؟

قد تبدو مساءلة سرد البدايات عبثاً لا ضرورة له، إلا أن المشكلة تكمن في أن فرضية القطيعة بين الجاهلية والإسلام قد أسهمت ضمناً في رفض التعددية والاختلاف، والتنوع في سرديات بداية الإسلام في بقاع العالم (حتى وقتنا المعاصر)، فنذكر العصر الأموي الأول ونتجاهل الغنى الذي اكتسبه الإسلام من التفاعل مع ثقافة بلاد الشام والتأثير البيزنطي فيها، وكذلك في شمال إفريقية والأندلس، حيث تشكلت المجتمعات الإسلامية من قلب الحضارات السائدة، التي احتضنتها وأغنتها، ومع ذلك ما زلنا نستعين بهذا الموقف (القطيعة) لرفض مكونات المجتمعات غير الإسلامية، أو لرفض التعددية داخل الإسلام نفسه.

أخيراً، فيما أرى، إن قراءتنا للتاريخ الأول للإسلام بمقدورها أن تحدد توجهاتنا الثقافية والسياسية اليوم. وقد يكون الاعتراف بالتعددية التي تمتع بها الإسلام في البدايات الأولى، وتشابك ثقافته مع الجاهلية في استمرارية عميقة، شرطاً لاعتماد الانفتاح والتعددية في الحاضر والمستقبل، وفرصة لتستمر المجتمعات الإسلامية في تعاطيها مع مكوناتها المتنوعة، كما في مقاربتها للمجتمعات غير الإسلامية، منفتحة، ومرنة، وتشاركية، وقادرة على محاورة هويتها من قلب معطياتها وظروفها، دون الحاجة لاعتماد الرفض والإقصاء، داخلياً أو خارجياً، لرسم معالم وجودها.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

The post هل كان العصر الجاهلي مُظْلماً حقاً .. أم أننا ظلمناه ؟! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a-%d9%85%d9%8f%d8%b8%d9%92%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%8b-%d8%ad%d9%82%d8%a7%d9%8b-%d8%a3%d9%85/feed/ 0 1691