الجزائر - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الجزائر/ مكتبة شاملة Mon, 11 Dec 2017 12:15:41 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 الجزائر - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الجزائر/ 32 32 116455859 الرئيس الفرنسي يصدم الجزائريين قبل زيارته ! https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a-%d9%8a%d8%b5%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%b2%d9%8a/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a-%d9%8a%d8%b5%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%b2%d9%8a/#respond Mon, 11 Dec 2017 12:15:41 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=15542 قطع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشك باليقين حول إمكانية تقديمه لاعتذار عن جرائم فرنسا في القارة السمراء أثناء الفترة الاستعمارية. وأكد ماكرون أن القاعدة بالنسبة إليه هي “عدم الإنكار وعدم […]

The post الرئيس الفرنسي يصدم الجزائريين قبل زيارته ! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
قطع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشك باليقين حول إمكانية تقديمه لاعتذار عن جرائم فرنسا في القارة السمراء أثناء الفترة الاستعمارية.

وأكد ماكرون أن القاعدة بالنسبة إليه هي “عدم الإنكار وعدم تقديم اعتذار”.

وجاء ذلك في رده على سؤال خلال حوار مع قناة “تراس أفريكا”، وجهته له شابة فرنسية ذات أصول كونغولية، حول ما ينوي القيام به بصفته رئيسا لفرنسا لترميم ماضي هذا البلد الاستعماري في إفريقيا والذي قال سابقا أنه شهد “جرائم ضد الإنسانية”.

ورد ماكرون على السؤال بالقول “أعتقد أن ذلك يتم بترميم الذاكرة وهذه الشابة لم تعش الاستعمار، لذلك لا يمكنها بناء حياتها وعلاقتها مع الدولة التي تعيش فيها وهي بفرنسا بهذا (الماضي الاستعماري)”، مضيفا “لن أقول أن فرنسا ستدفع تعويضات أو تعترف، سيكون ذلك سخيفا …”.

وتأتي هذه التصريحات من الرئيس الفرنسي قبل أيام من زيارته للجزائر المقررة الأربعاء القادم، والتي يرى مراقبون أنّ ملف التاريخ سيكون واجهتها خاصة في ظل حالة ترقب لما سيعلنه بشأن مطالب الاعتذار عن جرائم الاستعمار.

المصدر: روسيا اليوم

The post الرئيس الفرنسي يصدم الجزائريين قبل زيارته ! appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a-%d9%8a%d8%b5%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%b2%d9%8a/feed/ 0 15542
هل تعرف من هو عبد الحميد بن باديس ؟ https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%88-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%9f/ https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%88-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%9f/#respond Fri, 26 May 2017 23:27:34 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=11089 هل تعرف من هو عبد الحميد بن باديس ؟ – صالح الخرفي عبد الحميد بن باديس أشهر زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م ورئيسها […]

The post هل تعرف من هو عبد الحميد بن باديس ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
هل تعرف من هو عبد الحميد بن باديس ؟ – صالح الخرفي

عبد الحميد بن باديس أشهر زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م ورئيسها حتى وفاته.

ولد في عاصمة الشرق الجزائري قسنطينة وفيها توفي. درس بجامع الزيتونة والمدرسة الخلدونيّة في العاصمة التونسية. وكانت الخلدونية بؤرة الأفكار الوطنيّة والاتجاهات التحررية، وخاصة محاضرات البشير صفر الذي تميّز بروحه الوطنيّة والذي يعد من بناة تونس الحديثة. وقد قال عنه ابن باديس:

«وأنا شخصياً أصرّح بأن كراريس البشير صفر الصغيرة الحجم، الغزيرة العلم، هي التي لها الفضل في إطلاعي على تاريخ أمتي وقومي، والتي زرعت في صدري هذه الروح التي انتهت بي اليوم إلى أن أكون جندياً من جنود الجزائر».

سافر ابن باديس إلى الحجاز وفيها التقى زعيمين من زعماء الحركة الإصلاحيّة وهما الشيخ البشير الإبراهيمي[ر] والطيب العقبي، وكان هذا اللقاء قبل الحرب العالميّة الأولى، وفيه اتفَقَ الرجال الثلاثة على العودة إلى الجزائر وتأسيس حركة إصلاحيّة هناك، وكان ابن باديس أوّل العائدين في أثناء الحرب، ثمّ لحقه الإبراهيمي، والتحق بهما العقبي سنة 1920م.

ولابن باديس في الإصلاح اليد العليا، والمبادرة السباقة، والعطاء الموصول، مربياً، ومعلماً، ومحاضراً، وخطيباً، وكاتباً. وهو من روّاد الصحافة الوطنيّة الجزائريّة إلى جانب أبي اليقظان وعمر بن قدّور وعمر راسم والعقبي والزاهري والأمير خالد.

تعد مجلة «الشهاب» التي أنشأها ابن باديس في أواسط العشرينات واستمرت حتى وفاته إلى جانب «البصائر» في سلسلتها الأولى مرجع الحركة الإصلاحية ونهضتها الفكريّة والأدبيّة في حياة ابن باديس.

تخرّج على ابن باديس جيل من العلماء والمصلحين ورجال التعليم، ورموز الفكر والأدب في الجزائر الحديثة، وفي مرحلة رئاسته لجمعية العلماء، تبلورت أفكارها، وتركزت دعائمها، وتعدّدت مناشطها، وتنامت مدارسها وتكاثر أتباعها، حتى أصبحت هذه الحركة مع حركات إصلاحية مماثلة، الحصن الحصين للشخصية العربيّة المسلمة في وجه الفَرْنَسة والتغريب.

من أقوال ابن باديس: «لقد تعربت الأمّة الجزائريّة تعرباً طبيعيّاً، اختياريّاً، صادقاً، فهي في تعربها نظيرة إسماعيل جد العرب الحجازيين، فقد كان من العرب لما شب في مهدهم ونطق بلسانهم، وتزوج منهم. وليس تكوّن الأمة بمتوقف على اتحاد دمها. ولكنه متوقف على اتحاد قلوبها، وأرواحها وعقولها، اتحاداً يظهر في وحدة اللسان وآدابه، واشتراك الآلام والآمال».

دأب ابن باديس طوال حياته على العمل، يصل الليل بالنهار، لبعث الجزائر العربية المسلمة، وليقول قولته التاريخيّة هذه في وطنه العربي المسلم. وقد دخل ابن باديس الميدان الإصلاحي، وفي سلوك المسلمين ضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، والعروبة لا يكاد يسمع لها حسيس في الديار الجزائريّة، فرابط في مواجهته مرابطة الجندي المجهول، وآمن بالأبعاد التي عشيت عنها فلاسفة الاستعمار. حتى أخرج إلى الوجود شعباً قال عنه: «لوجئناه بعد عشرين سنة لما أدركنا فيه قابلية للعلاج» ولكنّ الله أراد خيراً بهذا الشعب، فبعث فيه من آمن بنشوره، بعد إيمان الكثير بموته.

فعروبة الجزائر عند باعث نهضتها، ليست عروبة خطابة أو تهريج، أو حماسة جوفاء، إنّه وهو يذكيها بأنفاسه الملتهبة، ويرويها من عرقه المتصبب، ويرعاها العشرات من السنين، يعطيها من الدراسة النظريّة حقها، ويستمد لها من التاريخ العميق أصالتها، ويواجه أعداءها المتنكرين لها، أو الناكرين لها، مواجهة الحجة بالحجة، ويقف من عروبة الجزائر موقفه من العروبة عامة. وهو مع ذلك لا ينكر وجود الأصول الأمازيغية في الجزائر.

أصدر ابن باديس جريدة «المنتقد» سنة ،1924 ثمّ مجلّة «الشهاب» الأسبوعيّة سنة 1925 ثمّ تحوّلت سنة 1929 إلى مجلّة «الشهاب» الشهريّة، واستمرت منتظمة الصدور حتى سنة 1939م.

وتخللت «الشهاب» جرائد، تتفاوت عمراً، وتتنوّع أسماءً منها «الشريعة» و«السنّة» و«الصراط» و«البصائر» في سلسلتها الأولى، وكلها صدرت في الثلاثينات. وكان اسم ابن باديس يتصدّر ديباجة الجرائد والمجلاّت التي أصدرها، وربّما تولّى رئاسة تحريرها بعض العاملين معه في الحركة الإصلاحية. ولكنّه يبقى، هو نافخ الرّوح فيها، وباعث أنفاسها، وراسم وجهتها. وهو يصرح باسمه فيما يكتب، خاصّة في الكلمة الحاسمة، والموقف الصعب، ولا يهادن المستعمر في المساس بأصالة الشخصيّة الجزائريّة العربيّة المسلمة.

من أقواله: «إنّ هذه الأمّة الجزائريّة، ليست هي فرنسة! ولايمكن أن تكون فرنسة! ولا تستطيع أن تكون فرنسة ولو أرادت! بل هي أمّة، بعيدة عن فرنسة كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها وفي دينها».

وبعض المؤرّخين يرون أنّ ابن باديس هو الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائريّة وما أخطؤوا القصد. والبعض الآخر، يرى أن محمّد عبده أخفق ثائراً وانتهى مصلحاً، بينما ابن باديس بدأ مصلحاً، ونجح ثائراً. وأنّ تجربة محمد عبده أتيح لها أن تنجح في الجزائر. وهي قولة حق، فقد بدأ عبد الحميد حركته الإصلاحيّة  متأثراً بخطى محمد عبده، وتوفّي عنها متأثراً بجمال الدين الأفغاني.

وجدير بالذكر أنّ ذكرى وفاة ابن باديس في 16 نيسان، هي «عيد العلم» السنوي للجزائر المعاصرة، منذ استقلالها.

لم يتفرّغ ابن باديس للتأليف في غمرة مدافعة الاستعمار عن وطنه، وإنما رابط للتربية والتعليم في أوساط الشباب، والوعظ والإرشاد في إصلاح المجتمع، وتفسير كتاب الله، وسنّة رسوله وتغذية الصحافة الإصلاحية بافتتاحياته الهادفة، ومقالاته الفاصلة، ومجالس التذكير.

وبعد استقلال الجزائر، جمعت آثاره، وصدر منها مؤلفان هما:

ـ «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»، سنة 1982م.

ـ «مجالس التذكير من حديث البشير النذير»، سنة 1983م.

ومن آثاره أيضاً:

ـ «رجال السلف ونساؤه» و«الفتاوى الفقهية».

ـ مقالاته وخطبه في التربية والتعليم والأخلاق والاجتماع والسياسة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post هل تعرف من هو عبد الحميد بن باديس ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%88-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%9f/feed/ 0 11089
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-5/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-5/#respond Sat, 14 Jan 2017 22:55:28 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6159 الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) – بقلم: حمودة إسماعيلي لوضع حد للنزاع الإقليمي، ورداً على دعوات إيجاد حل لأزمة الصحراء، قدّم المغرب مقترحا للأمين العام للأمم المتحدة […]

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) – بقلم: حمودة إسماعيلي

لوضع حد للنزاع الإقليمي، ورداً على دعوات إيجاد حل لأزمة الصحراء، قدّم المغرب مقترحا للأمين العام للأمم المتحدة حول المبادرة بالتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء، وذلك بتاريخ 11 أبريل 2007.
دعت الأمم المتحدة كلا الطرفين للتعاون لإنجاح المقترح، لكن البوليساريو رفضت المشروع على اعتبار أنها الممثل الوحيد لساكنة الأقاليم الصحراوية مشيرةً إلى أن قضية الصحراء ـ من جهتها ـ هي قضية تصفية استعمار ينبغي حلها على أساس تمكين شعب الصحراء من حقه الشرعي في تقرير المصير عن طريق الاستفتاء. الأمر الذي عطل من وتيرة إيجاد حل للنزاع مسببا ركودا وفشلا على مستوى التفاوض. الجزائر من جهتها كذلك طالبت الأمم المتحدة بالتدخل لإنهاء الاستعمار وتمكين الصحروايين من حقهم في تقرير المصير ـ كتبني للطرح البوليساري.
وقد أكد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة على «مصداقية وجدية المقترح المغربي» لحكم ذاتي موسع للصحراء الغربية، تحتفظ فيه الدولة المغربية “باختصاصات حصرية، خاصة منها ما يلي :
– مقومات السيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة.
– المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات الفردية والجماعية.
– الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية.
– العلاقات الخارجية.
– النظام القضائي للمملكة”(1).

وأمام تعنت الأطراف وتعقيد الوضع، لم يتبق للمغرب إلا المبادرة بتنزيل المشروع لواقع التطبيق طالما أن “القوى الكبرى، المحدّدة للقرار في مجلس الأمن، لا تقبل باختلاق دولة سادسة في المنطقة المغاربية، ولذلك فإنها تنظر إلى مقترح الحكم الذاتي على أنّه مقترح واقعي وشكل من أشكال تقرير المصير”(2)، وهو ما أبرزه “الخبير الأمني المغربي ـ عبدالرحيم منار السليمي ـ من أنّ الجزائر ستحاول ردّ الفعل بشكل عنيف إزاء الانتصار الدبلوماسي الذي حققه المغرب مؤخرا بعد تأكيد مجلس الأمن في قراره الأخير على مصداقية وجدية المقترح المغربي القاضي منح حكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية”(3)، موضّحا “أنّ هناك تخوّفا بعد هذا القرار من أن تتعمّد قيادة البوليساريو ارتكاب جرائم ضدّ التيّارات الداعية إلى قبول مقترح الحكم الذاتي من داخل المخيمات”(4). غير أن المفاوضات لاتزال مستمرة تحت إشراف الأمم المتحدة، التي أفضى مجلسها الأمني مؤخرا بتمديد مهمة المينورسو MINURSO ـ بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية Mission des Nations Unies pour l’Organisation d’un Référendum au Sahara Occidental ـ إلى غاية 30 أبريل 2015.

من جانب آخر، لا يزال النزاع يفصح عن نفسه في التصريحات المستمرة التي تعرضها الجرائد نقلا عن المدلين بها من مسؤولين سياسيين من كلا الطرفين. وكما جاء قبل أيام عن موقع قناة العربية الإخبارية أن “من شأن التراشق السياسي الجديد بين الجزائر والمغرب أن يعيد الخلافات بين البلدين إلى المربع الأول، خاصة وأن الحدود البرية مازالت معلقة بين البلدين منذ عام 1995، وفشلت كل محاولات التقارب السياسي بين البلدين التي بذلت خلال السنوات الأخيرة”(5).

ككلمة أخيرة، فإن الصراع الجيوبوليتيكي حول المنطقة لن ينتهي إلا ب:

1 ـ تخلي البوليساريو عن مطالبها : وهو الأمر الذي لن يحدث لأن الجزائر لن تتقبل ذهاب جهودها في دعم الجبهة سُداً، الأمر الذي حوّل “الجبهة” لدويلة جزائرية مستنسخة، وهو ما ينكشف لنا في الفكرة ـ المستلهمة من الجزائر ـ لدى البوليساريو والتي تُشكل موقفها السياسي من الدولة المغربية، معتبرة المغرب دولة استعمارية توسعية تستمر في نهج سياسة الإمبريالية. مفسرةً أن “قرار المغرب بالاستنجاد بما يسمى بحقوقها التاريخية هو لمجرد التغطية بالنسبة لطموحاتها ذات النهج الوطني المتطرف. وبناء على ذلك، يتم وصف وتصنيف الإدعاء المغربي على أنه جزء من مشروع أكبر اتساعا وهو «المغرب الكبير» الذي تم الدفاع عنه ومناصرته أولا في أعوام الخمسينيات من القرن الماضي من قبل حزب الاستقلال، ومن ثم تولاه في وقت لاحق محمد الخامس وخلفاءه الذين جاءوا من بعده”(6). وهي رؤية جزائرية بامتياز كعرَض صدموي إثر خروج الجزائر من هول الاستعمار الفرنسي ـ كما سبق وألمحنا.

وحتى على مستوى النزاع المسلح، لا تختلف أنشطة الجبهة العدوانية الهادفة لزعزعة استقرار المنطقة، عن النهج الذي اتبعته الجزائر خلال مقاومتها للاستعمار الفرنسي، وهو النهج الذي أسماه سارتر ب”اضرب واهرب” كسياسة في التخفي إثر المواجهة المسلحة عند وصفه لتلك الفترة بتاريخ الجزائر المستعمرة.

2 ـ تساهل المغرب في القضية : وهو ما لا يمكن أن يحدث، نظرا لتشبت المغرب بوحدة الصحراء كجزء لا يتجزء من جسد الدولة المغربية، وعدم التراجع عن الدفاع عن القضية لأنه ـ من موقف مغربي ـ دفاع عن الوحدة الترابية وحفظ لأمن واستقرار البلد. فكل ما يهدد أمن المنطقة يستدعي التدخل السريع لإيجاد حل : وهو ما حدث خلال أحداث أكديم إيزيك، حيث قامت مجموعة من العناصر الموالين للبوليساريو بإقامة “«تجمع غير مرخص له» بمنطقة «أكديم إيزيك» التي تبعد عن العيون (كبرى مدن الصحراء) بعشرة كيلومترات، وتلقوا أموالا من أجل تنظيم نزوح جماعي للأسر الصحراوية في اتجاه المخيم، وهي العملية التي بدأت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2010، بهدف «خلق جو من التوتر في المدينة»”(7). أسفر تدخل قوات الأمن المغربية لتفكيك المخيم ـ من دون سلاح ـ الذي أقامه المحتجون بالمنطقة المذكورة، عن مقتل 11 من قوات الأمن، وجرح 70 آخرين بينهم أربعة من المدنيين. حيث شكّل المحتجون “فرقا أمنية مدججة بالأسلحة البيضاء بغرض مواجهة قوات الأمن في حال تدخلها لتفكيك المخيم.. مستعملين السيوف والسكاكين والحجارة والقنينات الحارقة، ودهسوهم بسيارات رباعية الدفع، بالإضافة إلى تعمدهم حرق الخيام وبداخلها قنينات الغاز المنزلية أثناء تدخل قوات الأمن لتفكيك المخيم، كما نكل بعضهم بجثث القتلى منهم”(8). ولدى احتواء السلطات المغربية للوضع “وُجهت لهؤلاء المتهمين تهمة «تكوين عصابة إجرامية والعنف في حق أفراد من القوات العمومية (قوات الأمن) الذي نتج عنه الموت مع نية إحداثه والمشاركة في ذلك، والتمثيل بجثة»”(9). فأصدرت المحكمة العسكرية بالرباط أحكاما على المتهمين والمتورطين بالقضية بأحكام تتراوح ما بين ال20 سنة سجنا والسجن المؤبد. وكما كتب محمد زين الدين معلقا على القضية ب”أنه يبدو جليا أن هنالك محاولة استغلال سياسوي و ممنهج لهاته الأحداث من قبل جهات خارجية لزعزعة أمن المغرب”(10)، ف”هذا الفعل الاجرامي يكشف عن وجود نية مسبقة في تشكيل عصابة إجرامية واحتجاز مواطنين أبرياء في خرق سافر للقانون ؛ فقد تمت عسكرة المخيم من قبل عصابة إجرامية محترفة عسكريا، بحيث لم يخف العديد من المتهمين سواء أمام قاضي التحقيق أو أمام هيئة المحكمة تلقيهم تكوينا عسكريا بتندوف”(11)، وهي المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين المغرب والجزائر بعد خروج الاستعمار، والمنطقة التي تقبع فيها جبهة البوليساريو حاليا.
إن واقعة مخيم أكديم إيزيك أبرزت رد فعل السلطات المغربية بخصوص أي حدث يهدد أمنه واستقراره خاصة بأقاليمه الجنوبية، الأمر الذي يؤكد نوعية العلاقة التي تربط المنطقة (الأقاليم الصحرواية) بباقي ربوع المملكة، والأهمية السياسية للقضية على مستوى الإدارة المركزية.

3 ـ تغير جذري في النظام السياسي الجزائري (الدولة العميقة)، والذي تأسس على المنهج العسكري النزاعي منذ الثورة والسائر على خطى الأنظمة الاشتراكية المتبنية لسياسة الصراع الدولي الأيديولوجي (الشرق Vs غرب) ـ فلم تحصل بعض التنازلات لحساب الليبرالية (بالنظام الجزائري) إلا نتيجة ضغوطات اقتصادية شعبية.
فتغيُّر السياسة يمكن أن يغير في العلاقة بين الجارتين بخصوص أزمة الصحراء، بالبدء بحل للأزمة والتفاوض السلمي الخادم لكلا الطرفين المتنازعين دون وضع للأهداف الجيوقتصادية للطرف الداعم للجبهة بالحسبان : وهو هنا الجزائر البومدينية (كنهج) يساهم في استمرار النزاع وتصعيد الأزمة دبلوماسيا.

إن السيناريو الذي يظل مستبعدا في مشهد الصحراء وبظل الخلاف المستمر، هو قيام دولة صحراوية بالمنطقة الجنوبية، ف”الأمم ليست مجرد حزم أو رزم من البشر متراصة كالورق وتنتظر من يُسيج حولهم بسياج ويقيم منهم دولة من الدول، وإنما هي بالأحرى كيانات سياسية تتجاوز بكثير توزع الأعراق”(12). فلو طالبت كل جماعة حسب هويتها ومعطياتها الثقافية بدولة، لتدهورت خريطة العالم السياسية على اعتبار أنه “أمام 164 دولة هناك 589 جماعة قومية بالعالم”(13).

إن التهديد ـ بقيام دولة صحرواية ـ يتجاوز بتأثيره لسياسة المغرب، إلى زعزعة الاستقرار السياسي بالمنطقة المغاربية بما يشمله من تهديد للتعاملات الخارجية الاقتصادية بين شمال افريقيا والاتحاد الأوروبي. فالقضية ذات دلالات دولية بصبغة الحرب الباردة ـ كالنزاعات الجيوستراتيجية التي شهدها العالم قبل سقوط القطب الشرقي متمثلا بالاتحاد السوفياتي (1991) ـ وليست مجرد نزاع محلي إقليمي.

ـ هوامش :

1 : المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء؛ نص المبادرة: اختصاصات جهة الحكم الذاتي للصحراء.
2 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ الجزائر تحضّر لتأزيم الوضع في تندوف للتغطية على أزمتها الداخلية ـ صحيفة العرب بتاريخ 2014/05/02.
3 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ المصدر السابق.
4 : فاطمة الزهراء كريم الله ـ المصدر السابق.
5 : الخارجية الجزائرية تصف تصريحات مزوار “بالمشينة”؛ موقع العربية بتاريخ الأحد (15 رمضان)13 يوليوز 2014م.
6 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط رقم 65 -11 حزيران (يونيو) 2007؛ ص3 من التقرير.
7 : لطيفة العروسني ـ محكمة عسكرية بالرباط تحكم بالمؤبد على 9 متهمين بارتكاب أحداث مخيم «أكديم إيزيك»؛ جريدة الشرق الأوسط العدد 12501 الموافق ل12/02/2013.
8 : لطيفة العروسني ـ المصدر السابق.
9 : لطيفة العروسني ـ المصدر السابق.
10 : محمد زين الدين ـ قراءة تمهيدية في أحكام المحكمة العسكرية على ضوء أحداث مخيم اكديم إيزيك؛ موقع الخبر بتاريخ 18/02/2013.
11 : محمد زين الدين ـ المصدر السابق.
12 : بيتر تيلور وكولن فلنت Peter Taylor & Colin Flint ـ الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر Political Geography، ترجمة عبد السلام رضوان وإسحق عبيد؛ عالم المعرفة الكويت ـ ص41.
13 : بيتر تيلور وكولن فلنت Peter Taylor & Colin Flint ـ الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر Political Geography.. المصدر السابق ـ ص43.
عن : Gunnar Nielsson – “States and ‘Nation-Groups’: A Global Taxonomy,” in New Nationalisms of the Developed West, ed. E. A. Tiryakian and R. Rogowski, Boston: Allen and Unwin, 1985

ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الخامس والأخير) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-5/feed/ 0 6159
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-4/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-4/#respond Sat, 14 Jan 2017 22:52:41 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6158 الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) – بقلم: حمودة إسماعيلي لوضع حد لمناوشات البوليساريو ـ التي اتبعت سياسة حرب العصابات ـ بالحدود الصحرواية لفرض الذات ككيان سياسي له حق […]

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) – بقلم: حمودة إسماعيلي

لوضع حد لمناوشات البوليساريو ـ التي اتبعت سياسة حرب العصابات ـ بالحدود الصحرواية لفرض الذات ككيان سياسي له حق في إدارة الأقاليم الصحرواية ما خلق شوشرة بالمنطقة، تم بناء جدار دفاعي عازل من طرف المغرب لوقف التأثير السلبي من جهة الجبهة المدعومة من طرف الجارة الجزائرية ـ بهدف ـ زعزعة الاستقرار القائم بالمنطقة الأمر الذي يلمس الأمن الداخلي للمغرب، وهو المسعى السيكولوجي للجزائر منذ حرب الرمال، وسنرى العوامل النفسية الدفينة وراء ذلك.

وكرد فعل من جهة المغرب على التصعيد العسكري الذي اتخذته الأطراف في النزاع ـ البوليساريو في الواجهة والجزائر خلفيا بالدعم ـ تقرر إنشاء الجدار العازل لحماية المنطقة وأمن الأقاليم. ف” بناء جدار الصحراء يعتبر أهم قرار عسكري اتخذه المغرب في هذا الملف. وبدأ المغرب بتشييد هذا الجدار الرملي سنة 1980 عبر مجموعة من المراحل، وانتهى منه سنة 1987، وبعد بناء 2200 كيلومتر من هذا الجدار، تغيرت إستراتيجية الصراع على الصحراء لصالح الجانب المغربي”(1).

فالمغرب من جهته يرى “أن بناء الجدار له أهداف دفاعية، بالإضافة إلى حماية الساكنة المدنية ضد هجومات البوليساريو، وهو ما ساعد المغرب في ربح العديد من المناطق. وساهم الجدار، حسب دراسة ـ جدار الصحراء: وضعه وآفاقه The Sahara Wall: Status and Prospects لسعيد الصديقي Said Saddiki التي نشرت بمجلة دراسات الحدود Journal of Borderlands Studies ـ في الحد من مناورات البوليساريو وإضعاف قدراتها العسكرية، مقابل الرفع من إستراتيجية المغرب العسكرية في الميدان ودعم قوته التفاوضية. إذ انخفض عدد هجومات المغرب ضد البوليساريو، وهو ما سهل مأمورية اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين. وحسب نفس الدراسة أدت هذه الوضعية إلى التأثير على تحركات العربات وحركية ميليشيات البوليساريو، وفرضت على البوليساريو ترك الخيار العسكري والدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب”(2).

إن مسألة بناء الجدار هنا، تكشف لنا الموقف السيكولوجي للمغرب تجاه القضية، فالجدار هو تعزيز للأمن المغربي الذي يشعر بالتهديد المترتب عن نشاط الميليشيات الانفصالية والأطماع الاقتصادية لحاضنتها الجزائرية. “وهذا ما اعترف به تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في 20 أكتوبر 1998 الذي وصفه بـ«الجدار الرملي الدفاعي»، مبرزا أن ما يعزز هذه الوظيفة الدفاعية للجدار الرملي أنه لم يتعرض قط لانتقاد من أي تقرير أو توصية صادرة من الأمم المتحدة؛ وقد اعتمدت الأمم المتحدة الجدار باعتباره خطا يحدد مناطق الحظر العسكري الذي تضمنه الاتفاق العسكري لعام 1998″(3). كما “أفاد مقال الصديقي Saddiki بأن فعالية الجدار الرملي في الصحراء تتجلى في أن بناءه غيَّر كُليا قواعد المعركة مع البوليساريو التي وجدت نفسها أمام واقع جديد لا يجدي معه أسلوب حرب العصابات والمباغتة، مما سمح للمغرب بفرض قواعد لعبة جديدة على أرض الواقع. ويؤدي الجدار اليوم أيضا وظائف جديدة تبعا للتطورات السياسية والأمنية في منطقة الساحل والصحراء حيث يشكل حاجزا أمام كل من الهجرة غير النظامية وحركة الجماعات المسلحة في المنطقة”(4).

أما لفهم الموقف السيكولوجي للجارة الجزائرية بخصوص المسألة، فيلزم العودة لفترة الاستعمار لأنها الحقبة التي أعادت تشكيل البنية النفسية للإدارة الجزائرية بما في ذلك سلوك الفعل ورد الفعل بخصوص المسائل السياسية والحدودية.

يصف سارتر Sartre الحالة النفسية للجزائر بتلك الفترة، مختصرا القول :

“لقد اغتصبنا من المسلمين كل شيء وحرمناهم كل شيء حتى لغتهم. وقد أوضح «ميمي» أن الاستعمار يتحقق بالقضاء على الوطنيين، لأنهم لم يعودوا يملكون شيئا، فقد صُفيّت حضارتهم، وكذلك حرمانهم حضارتنا.. إن النظام المتبع كان يدفع هؤلاء المساكين البائسين الذين أضناهم الجوع والحرمان إلى تخوم الصحراء. وهناك انخفض مستوى معيشتهم بسبب كثرة المواليد سنة في إثر سنة وجدب الأرض وأخيرا حينما اندلعت ثورتهم تخلصا من هذا البؤس الذي غشيهم واستبد بهم قلنا عليهم هؤلاء ليسوا بشرا فإما أن يلفظوا أنفاسهم أو يؤكدوا إنسانيتهم، فإذا هم يستغنون عن ثقافتنا ويتخلون عن قيمنا وتقدمنا المزعوم. وتساوى عندهم أن يطالبوا بصفة الإنسان وأن يرفضوا الجنسية الفرنسية”(5). وهذا ما يفسر تبني الجزائر للأيديولوجية الاشتراكية كمقاومة سيكوسياسية للاستعمار الرأسمالي الفرنسي. ف”لم يقتصر هذا التمرد على تحدي سلطان المستعمرين، وإنما راحوا يكافحون من أجل وجودهم المهدد بالضياع”(6). كإثبات للهوية القومية الخاصة وحمايتها من الاندماج ضمن هيمنة المستعمر.

حتى أن سارتر Sartre ذهب حد تشبيه فرنسا بألمانيا النازية خلال تعاملها مع السجناء اليهود، “فالجزائريون في عام 1958 أصبحوا يسامون سوء العذاب بشكل منظم ومستمر”(7). و”أعمال القسوة هذه لا تعود إلا بنتائج سيئة، ولقد اقتنع الألمان أنفسهم بذلك عام 1944″(8).

إن ما تعرضت له الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي هو “صدمة جيوبوليتيكية” على مستوى الجهاز القومي الأمني للبلاد، خاصة وأن السلطات الفرنسية كانت ترى أنه من الواجب على الجزائريين “أن يُسقوا الهوان وتفرض عليهم المذلة والمسكنة. وكذلك يجب عليهم أن يروَّضوا ويقاوَموا في عنف، فالجزائر لا تتسع لجنسين بشريين، وإنما هي تتسع لواحد منهما فحسب”(9). وهو ما يؤكده التعبير الدلالي للجنرال الفرنسي ديغول Charles de Gaulle :

L’Algérie restera française, comme la France est restée Romaine

الجزائر ستبقى فرنسية، مثلما بقيت فرنسا رومانية

إن فرنسة العالم المغاربي، جعل فرنسا العدوة المشتركة لكل من الجارتين المغاربيتين ـ المغرب والجزائر.
وجدت فرنسا بالمغرب منافسا استعماريا تجلى في السلطة الإسبانية وعائقا داخليا تجلى في القبائل المتمردة (سواء الشمالية أو الجنوبية وحتى الأمازيغية) الخارجة عن السيطرة، أما في الجزائر فتم اعتبارها مستعمرة فرنسية تتم إدارتها كأنها محافظة باريسية. الأمر الذي عزز وقع العدوان ـ ووقع الصدمة بالمقابل ـ على الجزائريين الذين قاوموا طوال مدة الاحتلال بضراوة ودون استسلام.

بعد نهاية الاستعمار واستقلال كل من المغرب والجزائر، ما يعني “أن فرنسا الآن قد انتهت كقوة سياسية، انتهت كقوة عسكرية، انتهت كقوة اقتصادية، انتهت كقوة علمية وحتى ثقافية”(10)، إلا أن شبح فرنسا كمستعمر لم ينتهي كعرض من أعراض الاضطراب عقب الصدمة. رأت الجزائر في شقيقتها المغرب : وجه المعتدي الفرنسي. فقد تم إسقاط المعتدي الفرنسي على المغرب الذي طالب باسترجاع مناطقه الحدودية التي تم سلبها إبان حقبة الاستعمار وتم ضمها للخريطة الجزائرية من طرف المحتل الفرنسي ـ لأن المغرب دعم الجزائر معنويا وماديا خلال تمردها على سلطة المستعمر، كما سبق وأشرنا ـ فاعتبرت الجزائر أن المغرب يتقمص الممارسة الفرنسية بإعادة استعماره لها، لهذا اعتبرت السلطة الجزائرية منذ الرئيس بن بلة أن استعادة المغرب لمناطقه الحدودية يمثل تراجعا عن مبادئ الثورة الجزائرية الحرة ـ من جهة أخرى تشبها بالسيادة الفرنسية.

انطلاقا من ذلك سعت الجزائر ـ كمؤسسة إدارية سياسية ـ للخروج من (صدمة) الضحية بفرض كيانها كدولة مستقلة ذات وجود قوي، الأمر الذي سيتحقق ـ من خلال موقفها السياسي ـ بالسعي لإضعاف المغرب سياسيا واقتصاديا حتى لا يهدد أمن وسياسية الجزائر، من خلال تبني توجهات الجبهة البوليساريو السياسية. طالما أن المغرب حليف للقوى الغربية التي تنتمي لها فرنسا، فإنه ـ من موقف جزائري ـ يعتبر استعماريا مهدِّدا لا يُستبعد أن يعيد تكرار الاعتداء : من منطلق رؤية صدموية.

إن العدوان الاستعماري يشبه في جوهره أشكال العدوان الأخرى الموجهة نحو الذات الإنسانية التي تتحول عقب سلوك الاعتداء إلى ضحية صدمة. ومن المرجح أن “يعاني ضحايا الصدمة ضررا للذات متمثلا في انتهاء استقلاليتها وانتهاك حرمتها الجسدية الأساسية، كما ينشأ عندهم ازدراء للاستقلالية والكرامة يتضاعف مع الخجل والشك”(11). كما في صدمة الحرب يتم اللجوء هنا ل”التبعيد المقصود المتسم بالدفاع عن الأنا”(12)، بهذا وحسب الموقف الجزائري “تناقضت حاجة التواصل مع إخوانهم من الناس مع الحاجة لحماية أنفسهم من الوهن العاطفي”(13). زيادة على أن كل ما يحمل صفة من صفات المعتدي ـ بالنسبة للضحية/المصدوم ـ يتلبس شكل المعتدي، حتى لو بدت الصفة ـ بشكل توهمي نتيجة التشويه الذاكري (تشويه الذكريات) ـ في شخص المعتني أو المعالج !

ل”أن تجربة الرعب تشوّه استجابات مريض الصدمة العاطفية لأي شخص في موقع السلطة”(14). كما “في حالة المحارب القديم في الحرب الفيتنامية، الذي جُرح في القتال، شعر الجندي بأن الطبيب العسكري، وليس العدو هو الذي كاد يقتله”(15). وهو ما يفسر الحرب التي صُعِّدت بعد فترة الاستعمار بالمناطق الحدودية بين المغرب والجزائر التي رأت في خصمها صورة المستعمر العدواني الذي استوطن أراضيها لعقود من الاستغلال. فعلى الرغم من أن الصراع لا يخدم مصلحة كلا الطرفين إلا أنه الضريبة الحتمية لاحتواء ما تبقى من الأنا المتضررة عند كلا الطرفين، فالمغرب يستشعر التهديد والخيانة من الجزائر الاشتراكية ـ التي عززت الرعب الداخلي الذي عاناه المغرب مع الحركات الشيوعية والانقلابات العسكرية الهادفة لقلب النظام الملكي ـ والجزائر من جهتها كما في حالة المحارب الفيتنامي “قد راعه أن يراه أحد في حالته الجسدية المدنَّسة”(16) أي حالة الضعف والهوان : فالمغرب كان شاهدا على حالة الجزائر “المشردة والضعيفة” إبّان فترة الاحتلال، ونتيجة الشعور بالحنق العجز والخجل والمهانة تتولد «أوهام الانتقام ضد المنقذ» لأنه شاهد على الوضع الغير المرغوب، وكما في حالة التحويل النفسي عند مرضى الصدمة فإنهم “يتوهمون أن باستطاعتهم إخضاع المعالج (الشاهد) إلى الحالة التي لا تطاق ذاتها والتي يعانونها، وهي حالة غير مقبولة لشخص يقوم بدور البطل في الحرب”(17). وهذا ما يسفر لنا تولي الجزائر لمطالب البوليساريو كعملية استعادة ـ عقب الصدمة ـ لدور “البطل” الثوري بالمنطقة : الذي يدافع على حق المستضعفين في وجه الأشرار، الذي تقمصه المغرب كشبيه بالشرير الفرنسي هنا أمام الجزائر “البطل”.

“قد تكون الصدمة الفعلية وجيزة جدا، إلا أنها تؤدي إلى اضطرابات طويلة الأجل، وأحيانا تستمر مدى الحياة”(18). على هذا النحو لاتزال العلاقة بين الجارتين متوترة ـ خاصة فيما يتعلق بمسألة الصحراء ـ لأن استحضار الصدمة يحدث بشكل متكرر ومستمر ك«عقدة» على “شكل آثار ذاكرة، مثل استرجاع، وكوابيس، أو صور تطفلية. قد تستمر سمات الاستجابة الصدمية، مثل فقدان الثقة أو الإثارة المفرطة، أو تعود وتظهر بعد حادث ضاغط منفصل، أو من دون أي تحريض على ما يبدو. ويشير اضطراب ضغط عقب الصدمة إلى أن الاستجابات العصبية السلوكية الطويلة الأجل، والذكريات تتشكل كجزء من الاستجابة الصدمية، وذلك على النقيض من أفكار، ونماذج الاستجابة للحياة اليومية السهلة النسيان”(19). إن الاستعمار ليس حدثا عابرا أو وقعاً سهل النسيان، إنه إعادة تشكيل للحالة النفسية السياسية للدولة، تختلف عن طريقه (الاستعمار) صياغة الإدارة السياسة للدولة بعده ك”نظام”.

فالنظام السياسي يمثل مخاوف ومطالب الشعب، و”الشعوب لا تنسى، وبالذاكرة الشعبية يّكتب التاريخ ويتمهد المستقبل”(20)، المستقبل السياسي لكل دولة.

ـ هوامش :

1 : خالد مجدوب ـ دراسة ترسم 3 سيناريوهات للجدار الرملي بالصحراء المغربية؛ جريدة التجديد بتاريخ 27/09/2012.
2 : خالد مجدوب ـ المصدر السابق.
3 : حسن الأشرف ـ دراسة: فعالية جدار الصحراء غيَّرت قواعد المعركة مع البوليساريو؛ موقع هسبريس بتاريخ 13/09/2012.
4 : حسن الأشرف ـ المصدر السابق.
5 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص55و56.
6 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص56.
7 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص40.
8 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص52.
9 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie.. المصدر السابق ـ ص57.
10 : المهدي المنجرة ـ الحرب الحضارية الأولى.. المصدر السابق ـ ص168.
عن : جريدة “الخضراء” 12و19 أبريل 1991.
11 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos، ترجمة ممدوح يوسف عمران؛ عالم المعرفة الكويت ـ ص63.
12 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص69.
13 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص68.
14 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص166.
15 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
عن : هيرمان ـ الصدمة والشفاء؛ ص138.
16 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
17 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص163.
18 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص64.
19 : باربرا ويتمر Barbara Whitmer ـ الأنماط الثقافية للعنف The Violence Mythos.. المصدر السابق ـ ص64.
20 : المهدي المنجرة ـ الحرب الحضارية الأولى.. المصدر السابق ـ ص171.

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الرابع) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-4/feed/ 0 6158
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثالث) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-3/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-3/#respond Sat, 14 Jan 2017 22:50:26 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6157 الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثالث) – بقلم: حمودة إسماعيلي مع بداية عقد السبعينيات، شهدت منطقة الصحراء نزاعا مصعدا بين المستعمر الإسباني من جهة، والأطراف المطالبة بأحقية السيادة على […]

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثالث) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثالث) – بقلم: حمودة إسماعيلي

مع بداية عقد السبعينيات، شهدت منطقة الصحراء نزاعا مصعدا بين المستعمر الإسباني من جهة، والأطراف المطالبة بأحقية السيادة على المنطقة من جهة أخرى : متمثلة في دولة المغرب وموريتانيا والجزائر، هذه الأخيرة فقط كداعم لحق الشعوب في الدفاع عن استقلالها وتحرير أراضيها. فاستمر التصعيد مع استمرار المستعمر الإسباني في رفض تسليم الصحراء والتخلي عن سياسة الاستعمار التعسفي. ف”رفض إسبانيا تخليها عن إقليم الصحراء كان يبرره منطق واحد، هو مخطط هذه الأخيرة حول إنشاء دولة مستقلة ذات حكومة محلية تحت وصاية وسيطرة إسبانية”(1).

بهذا، وإثر إحالة كل من المغرب وموريتانيا لملف القضية إلى محكمة العدل الدولية (1974) مع التساؤل حول الروابط التاريخية للمنطقة جغرافيا، وما تبعه من رد المحكمة (1975) المشوش حول القضية بتحفظها عن تأكيد تبعية المنطقة للسيادة المغربية، أعلن العاهل المغربي في خضم ما نتج عن ذلك ـ يوم 5 نوفمبر 1975 ـ عن تنظيمه لمسيرة وطنية شعبية لعبور منطقة الصحراء تأكيدا لمغربيتها سميت بالمسيرة الخضراء. “وبعد أربعة أيام على انطلاق المسيرة الخضراء بدأت اتصالات دبلوماسية مكثفة بين المغرب وإسبانيا للوصول إلى حل يضمن للمغرب حقوقه على أقاليمه الصحراوية وفي 14 نوفمبر 1975 وقع المغرب وإسبانيا وموريتانيا اتفاقية”(2). وهي اتفاقية مدريد التي تم بموجبها “إنهاء الوجود الإسباني على الأراضي نهائيا قبل 28 فبراير 1976″، مقابل “إشراكها (إسبانيا) في استغلال مناجم فوسفات بوكراع، وبقاء أسطول صيدها البحري في المياه الإقليمية الصحراوية، وبضمان قاعدتين عسكريتين لها قبالة جزر الكناري”(3). فسارعت كل من الدولتين المغربية والموريتانية لضم المناطق الممنوحة حسب الاتفاقية المذكورة بسيادة المغرب على ثلثي المنطقة وموريتانيا على الثلث الجنوبي، والذي سرعان ما تخلت عنه اثر الاشتباكات بينها وبين الجيش الشعبي لتحرير الصحراء (التابع للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب «البوليساريو» : المطالبة بتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية):
لكن المغرب تدخل لفرض سيادته على المنطقة المتخلى عنها من الجانب الموريتاني. فمن البداية “قبول المغرب بتقسيم الصحراء مع موريتانيا جاء أولا لأن هذا التقسيم سينهي حالة المواجهة والحرب بين بلدين لم يكن بينهما إعتراف خاصة من الجانب المغربي، حيث لم يعترف المغرب بموريتانيا سوى سنة 1969، ويعلم الجميع أن الموقف من إستقلال موريتانيا كان موضوع خلاف.. حيث كانت تعتبر موريتانيا صناعة فرنسية خالصة لا تمتلك مقومات الدولة إنما خلقتها فرنسا وأصرت عليها لتتمكن من إستمرار إستنزاف مناجم الحديد في شمال موريتانيا والتي كانت مصيرية بالنسبة للصناعة الفرنسية، فكان الفرنسيون يفضلون دولة ناشئة ضعيفة على دولة عريقة واجهت الإستعمار الفرنسي بكل قوة وأجبرته على الإنسحاب.. وعندما قبل المغرب من خلال إتفاقية مدريد تقسيم الصحراء مع موريتانيا فإنه كان يفعل ذلك لأن هذا الجزء من التراب المغربي سوف يستمر وفق علاقات قبلية ثابتة تتمرد على معطى الدولة القومية ذات الحدود المعروفة والثابتة، فكان العنصر الثقافي والقبلي عنصرا ضامنا لإستمرار وحدة المنطقة ولو ضمن نظامين سياسيين مختلفين، خاصة في ظل تطابق شبه كلي لوجهات النظر في تلك الفترة بين المرحومين الملك الحسن الثاني والرئيس الموريتاني ولد دادة”(4).

لكن “حالة التوافق هاته بين المغرب وموريتانيا كانت تثير حفيظة بومدين في الجزائر، ولكسر هذه الحالة قام بومدين بخلق إضطرابات في موريتانيا ودفع الجيش إلى الإنقلاب على نظام الرئيس ولد دادة، بل جهز قوات من البوليساريو بقيادة الراحل الوالي مصطفى أبرز القيادات التأسيسية للجبهة، لمهاجمة نواكشوط والسيطرة على الحكم في موريتانيا”(5).

لقد أبدت الجزائر منذ البداية عن اعتراضها للمنحى السياسي الذي اتخذته القضية، فباسترجاع المغرب وموريتانيا للمناطق الصحرواية يعتبر الأمر بالنسبة للجزائر كحليفة للمعسكر الاشتراكي الشرقي خسارة جيوبولوتيكية لموقع استراتيجي بالمنطقة المغاربية ـ من العالم الثالث المتنازع حوله بين القطبين العالميين بالحرب الباردة ـ لصالح المعسكر الرأسمالي الغربي. لهذا سعت الجزائر لدعم الجبهة طالما أن توجهها السياسي كان “توجُّهًا شيوعيًّا ماركسيًّا، ومن ثَم فقد حصلت على الدعم مباشرة من ليبيا ثم من الجزائر، والذين كانوا ينتمون إلى نفس الاتجاه، بينما كان توجُّه المغرب أمريكيًّا واضحًا، وهذا يؤثر على الأوضاع كما هو معلوم”(6).

ف”الجزائر وقفت مع جبهة البوليساريو في مطالبها، وذلك بالطبع نظرًا للتوجُّه الماركسي للفريقيْن، إضافةً إلى الخلفية التاريخية للصراع بين المغرب والجزائر”(7)، ليتم الإعتراف بهذه الجبهة المختصرة في اسم بوليساريو Polisario وهي في الأصل Frente Popular de Liberacion de Saguia el Hamra y Rio de Oro (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب). فتم استهداف السلطة الموريتانية لضعفها آنذاك ـ عن طريق الجبهة ـ لقلقة النظام وزعزعة استقراره وما يترتب عن ذلك من إضعاف لموقف موريتانيا السياسي تجاه القضية، ليسفر موقف الضغط عن تخلي موريتانيا عن موقعها في المنطقة للجبهة اعترافا بشرعيتها الدولية وحقها في تأسيس دولة بالمنطقة. وهو الاتجاه المعاكس لموقف المملكة المغربية السياسي تجاه القضية والتي تنظر للجبهة “على كونها أداة جزائرية (ولهذا السبب تشير إليها في بعض الأحيان باسم «الجيليساريو» أي الجزائرساريو). كما أن المغرب تجادل أيضا على أنه سوف لن تكون هناك مسألة اسمها «مسألة الصحراء» دون الدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري والإقليمي الذي تقدمه الجزائر. كما أن المغرب تعتقد بأن الجزائر تستخدم البوليساريو والصراع ككل في سبيل إضعاف منافسها الكامن داخل المغرب ولتتقي وتدرأ عن نفسها مناقشات تتم من فوق حدودها ولتضمن وصولا لها إلى المحيط الأطلسي عبر دولة عميلة صحراوية كي تقوم بالاستغلال التام لإمكانيات مناجم «غارا جيبلت»”(8).

وما أن تم الإعلان من طرف جبهة البوليساريو عن قيام «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، حتى تم ـ من طرف الإدراة المغربية ـ الطعن في ادعاء هذه الأخيرة، والتي جعلت مقرها بنتدوف وهي المنطقة الجزائرية (التي اقتطعها المستعمر الفرنسي من الجارة المغربية) التي تحتضن اللاجئين الصحراويين المعبرين عن انفصالهم من المغرب : معتبرة نفسها دولة ذات كيان معارض للسياسة المغربية، وموالية للجزائر التي تعتبر “أول الدول اعترافًا بهذه الجمهورية الجديدة، وتوالت اعترافات الدول صاحبة التوجُّه الشيوعي الماركسي مثل ليبيا وكوريا الشمالية وإثيوبيا وإيران (تحت حكم الشاه) وأفغانستان (تحت الحكم الروسي)، وغير ذلك من دول”(9)، كاتفاق سياسي تضامني (من جهة المعسكر الشرقي الشيوعي) لتعزيز الهيمنة الدولية لأحد القطبين على الآخر في خضم الصراع الدولي البارد بين الجهتين الشرقية والغربية بدفاع كل منهما على قيم الأيديولوجية السياسية لكلا الطرحين : بغرض فرض النظام الاقتصادي الخاص بشكل عالمي، يتم من خلاله توجيه اقتصادات الشعوب. هذا ما يفسر التضامن الاشتراكي (السوفياتي) للدول الحليفة هنا لدعم الرؤية الجزائرية في تأسيس دولة صحراوية للاجئين تحقق للجزائر مصالح اقتصادية وسياسية : من ضمنها إضعاف الموقف السياسي للمغرب بالمنطقة المغاربية.

وباعتراف الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كدولة عضو بمنظمة الوحدة الإفريقية، تقرر انسحاب المغرب من هذه الأخيرة (الاتحاد الإفريقي) : على اعتبار أن قبول عضوية البوليساريو يمثل خرقا لميثاق المنظمة ـ التي كانت المملكة المغربية من ضمن مؤسسيها ـ ف”الميثاق المؤسس كان ينص على عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية واحترام سيادة الدول الأعضاء في المنظمة وحرمة حدودها، عندما ثبت للمغرب أن هذه البنود قد تم خرقها قرر الانسحاب منها في العام 1984 إثر قبول المنظمة عضوية البوليساريو في ظروف إقليمية ودولية غاية في الاستقطاب الإيديولوجي والسياسي. كان الاعتبار الأول لانسحاب المملكة هو قبول عضوية بوليساريو تحت ضغوطات الجزائر بالرغم من أنها لا تمتلك مقومات دولة كاملة الأركان من حدود وحكومة وشعب، والاعتبار الثاني هو تدخل عضو داخل المنظمة في شؤون المغرب الداخلية بتبني أطروحة انفصالية، الاعتبار الثالث هو عدم احترام سيادة المغرب فوق أراضيه ومساهمة عضو من الاتحاد الإفريقي في خلق كيان وهمي ودعمه سياسيا ولوجيستيا وماديا فوق أراضي مغربية”(10).

فالمسألة ـ بالنسبة للسيادة المغربية ـ لا تتعلق فقط بالإدارة السياسية أو الحكومة أو النخب، بل تتعدى ذلك ك”هم” سياسي ذا بعد اجتماعي يهم كافة الفئات من مختلف شرائح المجتمع المغربي. فقضية الصحراء هي قضية شعب وليست مجرد معطى سياسي لاستقطاب أطماع اقتصادية خاصة كما هو الأمر بالنسبة للإدارة الجزائرية : تتخذ الجبهة كواجهة للتغطية. لهذا “يصر المسؤولون الرسميون المغاربة أيضا على أهمية المسألة الصحراوية بالنسبة لاستقرار المملكة المغربية واستمرارها، مشددين على أن الرأي العام المحلي هو الذي يرفض بشكل جماعي استقلال الصحراء، وهي حجة يتردد صداها بقوة في باريس وواشنطن. وبحسب دبلوماسي مغربي حيث يقول:

ليس الملك هو الذي يقوم بإملاء هذا الموقف، بل هو تعبير صريح عن عاطفة شعبية عميقة. ولا يجوز لأية شخصية سياسية مغربية أن تراوغ باستخدام الكلام حول هذه المسالة. إنها خط أحمر وطني حقيقي. ولن يكتب لأية حكومة النجاة والاستمرار في الحكم تقوم بالتشكيك بصحة هذا الإجماع الوطني. إنها مسالة حياة أو موت”(11).

إن مهزلة الموقف الجزائري بخصوص القضية وضعف التبرير في الدفاع ـ من ضمن ذلك دعم الجبهة في تصعيد الصراع مع المغرب والتغلغل لداخل حدوده وحث الصحراويين الموالين بالانتماء للسيادة المغربية لقلب انتمائهم نحو الجبهة واللجوء للمنطقة الحدودية تندوف التي تخضع للسيادة الجزائرية بشكل تعسفي ـ يتجلى (الموقف السخيف) في الحالة القانونية التي تصنف البوليساريو كجماعة منشقة وليس كدولة ! ف”جبهة البوليساريو ـ كما كتب عز الدين قريوح ـ لا يمكن اعتبارها تنظيما عسكريا منظما على المستوى الدولي، وإنما هي جماعة خارج القانون، تلجأ إلى إستعمال طرق عسكرية من أجل تحقيق أهدافها بإستعمال العنف. إن جبهة البوليساريو تحاول تحقيق مصالحها بإستعمال العنف العسكري، وهذا الأمر مسلّم لا يشكل أي نقاش لدى زعماء وأنصار الجبهة. إن القانون الدولي الجاري به العمل ينص في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي المسمى بحق الدفاع عن النفس. ولكن حق الدفاع عن النفس يُخوّل فقط للدول القائمة وذات سيادة، وليس لجماعة خارج القانون كما هو الشأن بالنسبة لجبهة البوليساريو. فجبهة البوليساريو ليست بدولة، بل هي جماعة خارج القانون كما قلنا ولهذا فليس لها الحق في حق الدفاع عن النفس، وما يسمى كذلك بالجمهورية العربية الديمقراطية التي تم الإعلان عنها من طرف جبهة البوليساريو لا يحق لها استعمال حق الدفاع عن النفس.
إن عضوية أي دولة ما في منظمة الأمم المتحدة تحتاج إلى الإعتراف بهذه العضوية من طرف جميع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وهي:

الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، فرنسا، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية.

إن ما يسمى بالجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية التي تم الإعلان عنها من طرف جبهة البوليساريو لا تحظى باعتراف هذه الدول.
وعلى سبيل المثال، تجدر الإشارة إلى أن أغلبية الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية وكذلك أغلبية الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة لم تعترف بما يسمى بالجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية التي تم الإعلان عنها من طرف الحركة الإنفصالية البوليساريو”(12).

وبالنسبة لجبهة البوليساريو “لا يحق لنا المقارنة بين حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في الانفصال”(13)، لأنه “يمكن لشعب ما ضمان حق تقرير مصيره ببقائه داخل وتحت سيادة دولة قائمة مستقلة ذات شعوب وقبائل متعددة”(14). وبمطالبة البوليساريو بحق تقرير مصير الصحروايين والانفصال عن المغرب كدولة قائمة ذات سيادة ـ لتتولى قيادة الجبهة إدارتهم كدولة ـ ف”إن الرأي العام السائد في العلوم القانونية يرفض مثل هذا الحق في تقرير المصير، ويشير إلى أهمية الدول القائمة في الحفاظ على وحدتها الترابية و مصلحة الدول في الدفاع عنها.. وحتى حسب الرأي السائد لدى الأقلية، فالشروط الواجب توفيرها على الأقل للحصول على حق الأنفصال (هنا) منعدمة.. وطبقا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي فإن السكان الرحل المتنقلين غير أكفاء لتكوين دولة معترف بها”(15). دون الإشارة لاضطراب الجبهة : بما في ذلك من انشقاقات ونزاعات بين القيادات حول السلطة واستغلال المؤن والمساعدات الدولية، والحالة المزرية التي يعيشها اللاجئون في ظل إدارة الجبهة. ما يمكن أن ينعكس سلبيا على استقرار المنطقة.

ـ هوامش :

1 : عبدالاله سطي ـ قصة قضية الصحراء المغربية الغربية من المسيرة الخضراء إلى خطة الإتفاق/الإطار؛ موقع الحوار المتمدن.
2 : ماهر حسن ـ زي النهاردة.. انطلاق «المسيرة الخضراء» في المغرب 6 نوفمبر 1975؛ المصري اليوم 06/11/2013.
3 : اتفاق مدريد 1975، ويكيبيديا: الموسوعة الحرة.
4 : تيريس الغربية والإستفتاء المنسي؛ موقع جريدة العلم المغربية 14/8/2012.
5 : تيريس الغربية والإستفتاء المنسي ـ المصدر السابق.
6 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص148و149.
7 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص149و150.
8 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط رقم 65 -11 حزيران (يونيو) 2007؛ ص2 من التقرير.
9 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص151.
10 : محمد بن امحمد العلوي ـ المغرب والاتحاد الإفريقي.. العودة المحمودة مشروطة بتعليق عضوية البوليساريو؛ موقع ميدل ايست أونلاين 2013/12/22.
11 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط.. المصدر السابق.
12 : عز الدين قريوح ـ أطروحة “البوليساريو” خارج القانون الدولي؛ موقع ناظور سيتي.
13 : عز الدين قريوح ـ المصدر السابق.
14 : عز الدين قريوح ـ المصدر السابق.
15 : عز الدين قريوح ـ المصدر السابق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثالث) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-3/feed/ 0 6157
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-2/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-2/#respond Sat, 14 Jan 2017 22:46:19 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6156 الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) – بقلم: حمودة إسماعيلي كسياسة احتواء للمقاومة الجزائرية، قامت فرنسا بفرض ضغوط على الدولة المغربية إثر دعمها للمقاومين الجزائريين، من خلال رسم مقنن […]

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) – بقلم: حمودة إسماعيلي

كسياسة احتواء للمقاومة الجزائرية، قامت فرنسا بفرض ضغوط على الدولة المغربية إثر دعمها للمقاومين الجزائريين، من خلال رسم مقنن للحدود بين البلدين حسب “معاهدة للا مغنية وهي تقييد إلزامي للمملكة المغربية سنة 1845 بعدم دعم المجاهدين الجزائريين. يأتي هذا الإلزام بعد تعنت من السلطان المغربي ضد مطالبة فرنسا المتكرر له بالكف عن دعم المجاهدين ضدها بالجزائر”(1). ولأهداف توسعية ذات مصالح اقتصادية قامت السلطة الاستعمارية الفرنسية بزيادة ضم أراضي حدودية مغربية لخريطة الجزائر.

باستقلال المغرب، طالب هذا الأخير باسترجاع الأراضي التي ضمتها السلطة الفرنسية للجزائر، غير أن الاقتراحات التي اشترطتها فرنسا كتفاوض حول الموقف تم رفضها من طرف المغرب على اعتبار أنها تضر بمصالح الجارة الجزائرية. على إثر ذلك تم الاتفاق ـ من جهة المغرب ـ مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (1958 – 1962) التي تم تشكيلها كتنفيذ لمقترح المجلس الوطني للثورة لأجل التفاوض حول مطلب الاستقلال وإعادة هيكلة الدولة. لكن مع تغير رموز السلطة بالحكومة الجزائرية إثر تنحية فرحات عباس من الرئاسة (1961) ثم استقالة بن يوسف بن خدة بعده من نفس المنصب (1962) وتولي أحمد بن بلة لرئاسة البلاد (1963) وما شهده الموقف من تصعيد لأزمة الحدود بين البلدين أسفرت عن اشتباكات مسلحة بالمنطقة، تم فتح فجوة في العلاقات السياسية بي البلدين أخذت شكل عدوان مباشر، نتيجة فشل التفاوض ورفض المقترح المغربي باستعادة الحدود. فسارعت التحالفات الدولية ـ المنقسمة سياسيا ـ لجذب الطرف الأقرب ميولا نحوها : بعرض المساعدات على الجزائر من طرف الكيانات الاشتراكية، وعلى المغرب من طرف الحلفاء الغربيين. الأمر الذي رسم بوضوح شكل العلاقة بين البلدين وسلط الضوء على أبعادها، في الفترة التي تلت حقبة الاستعمار.

لم يتوقف النزاع الحدودي المسلح بين الجارتين، إلا بتدخل منظمة الوحدة الإفريقية بتنظيم “الاجتماع الاستثنائي لمجلس الوزراء في أديس أباب ما بين 15 – 18 نوفمبر 1963، بناء على قرار مؤتمر باماكو الخاص بدراسة النزاع المغربي الجزائري – 29 – 30 أكتوبر 1963، وقد أسفر هذا الاجتماع عن تكوين لجنة خاصة للتحكيم في هذا النزاع عهد إليها :

1 – بتحديد مسؤولية المعتدي
2 – ودراسة مشكل الحدود، ووضع اقتراحات تقدم للطرفين المتنازعين للوصول إلى تسوية نهائية لنزاعهما”(2).

شهدت السياسة الداخلية للجزائر ـ بعد فترة الخلاف الحدودي المصعد التي سميت ب”حرب الرمال” ـ توتراً حول السلطة أفضى لانقلاب عسكري بقيادة وزير الدفاع هواري بومدين بغرض تنحية أحمد بن بلة من منصبه وتولي بومدين لرئاسة الدولة (1965) بهدف رسم مرحلة مؤسساتية جديدة لسياسة الجزائر : من ضمنها الرفض القطعي للاستعمار والمطالبة باستقلال الشعوب (المغاربية والأفريقية) وحق تقرير المصير. هذا الموقف لم يغير كثيرا في نوعية العلاقة بين البلدين المتجاورين على الرغم من مؤازرة “الرئيس هواري بومدين المغرب في مطالبته بإنهاء الاستعمار الاسباني للصحراء في البداية الستينيات. إذ وافقت الجزائر على دعم المغرب في معركته الدبلوماسية ضد اسبانيا من أجل استرجاع مناطقه المحتلة إثر مصالحة القاهرة عام 1964 التي جاءت بعد حرب الرمال التي دارت بين المغرب والجزائر سنة 1963” ـ وكما تضيف الكاتبة نعيمة البالي ـ “سعت الجزائر في بداية السبعينات إلى تكريس مبدأ المشاركة الثلاثية «المغرب موريتانيا الجزائر» في المساهمة في تصفية الاستعمار عن المنطقة محل النزاع وهي رغبة للجزائر في تأكيد مشاركتها في الصراع القائم”(3). بهذا “ساهمت الجزائر في لقاء نواديبو بتاريخ 14 شتنبر 1970 وهو لقاء قمة ثلاثي (المغرب موريتانيا الجزائر) الذي أكد على ضرورة إقامة لجنة ثلاثية للتعاون المستمر سياسيا، ودبلوماسيا من أجل تصفية الاستعمار الاسباني عن الصحراء وفق قرارات الأمم المتحدة. حيث كانت الجزائر في هذا اللقاء ستوافق على مغربية الصحراء مقابل إنهاء ملف الحدود بينها وبين المغرب والحصول على ممر نحو الأطلسي وتطالب موريتانيا بالاستغلال المشترك لبترول الصحراء”(4).

وبتاريخ “17 شتنبر 1974 قامت كل من المغرب وموريتانيا بإحالة المسألة إلى محكمة العدل الدولية مع طرح سؤالين هما :

1 ـ هل كانت الصحراء الغربية (وادي الذهب والساقية الحمراء) أيام تواجد الاستعمار الإسباني أراض لا تتبع لأي جهة (أرض ليست لأحد) ؟
2 ـ إذا كان الجواب بلا، ماهي الروابط القانونية بين هذه الأراضي والمملكة المغربية والكيان الموريتاني ؟

وبتاريخ 16 أكتوبر 1975 تم الإعلان عن جواب محكمة العدل الدولية (الرأي الإفتائي). وتقول خديجة محسن فينان Khadija Mohsen-Finan في نشرة Sahara Occidental, Les enjeus d’un conflit regional ـ باريس 1996 ـ صفحة 41 :

قامت المحكمة بالرد وفي إرادتها ورغبتها أن تقوم باسترضاء الطرفين معا، مجيبة بكل وضوح على السؤال الأول بقولها بأن الصحراء لم تكن أراض بدون أصحاب، إلا أنها (أي المحكمة) من ناحية أخرى قدمت إجابة غير قابلة للاستخدام على السؤال الثاني من خلال الإعلان بأنه لم تكن هناك روابط ذات سيادة إقليمية بين منطقة الصحراء الغربية والمغرب”(5).

لكن “وبمجرد توقيع المغرب على اتفاقية مدريد التي استرجع بموجبها كل من المغرب وموريتانيا الصحراء التي كانت تحت السيطرة الاسبانية، غيرت الجزائر موقفها صراحة واعتبرت الاتفاقية خيانة لها. فاحتضنت الجزائر البوليساريو فوق أراضيها وأصبحت تسيرها كيفما شاءت، وتساعدها دبلوماسيا وعسكريا وماديا، انتقلت بهذا الجزائر إلى أسلوب المواجهة القائم على أساس التمسك بمبدأ تقرير المصير بالنسبة للشعب الصحراوي. وأصبحت تواجه المغرب إما علنا كما هو الشأن بالنسبة لواقعة أمغالا سنة 1976، وترحيل مغاربة صحراويون لتندوف قسرا بتواطؤ مع اسبانيا. وأصبحت الجزائر تلعب دورا هاما في اعتراف العديد من الدول بالبوليساريو على المستوى الإقليمي والعالمي، وللجزائر مسؤولية في بقاء النزاع دون حل لوقتنا هذا، وتتحدد مسؤولية الجزائر لكون البوليساريو ينطلق في تنفيذ أعماله من التراب الجزائري وبالتحديد تندوف ويعود إليها بعد نهاية العمليات، وتمويل الحكومة الجزائرية لهذه العمليات العسكرية، إضافة إلى أن التغطية الإعلامية والدعم الدبلوماسي للبوليساريو في كل دول العالم يتم بتوجيه من وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية والمصالح التابعة لها”(6).

والسؤال المهم هنا هو لماذا ؟
لماذا غيّرت الجزائر من موقفها السياسي تجاه القضية ؟
لماذا تراجعت عن دعم المغرب ليس فقط في استرجاع المنطقة الجنوبية (الصحراء) الخاضغة لسلطة المستعمر الإسباني، بل دعمه لأجل استرجاع المنطقة الشمالية (سبتة ومليلية) كذلك ؟
لماذا تحولت من “مؤازر” لعائق للمشروع المغربي في تحقيق مطالبه باستعادة سيادته على المنطقة الجنوبية ؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أخد المصالح الإيكوبولوتيكية للجزائر بالمنطقة بعين الاعتبار، أي منافعها السياسية والاقتصادية في حل مشكل الصحراء. بهذا يتطرق الباحث مصطفى الخلفي لتحليل هذه النقطة، منطلقا من فترة النزاع الحدودي المسلح الذي شهدته المنطقة الحدودية المتنازع حولها بين الطرفين ـ وذلك لإبراز أهم المؤشرات التي عززت من شدة الخلاف وزادت من مسافة التباعد والتنافر بين الجارتين :

“تم احتواء النزاع بعد تدخلات عربية وأفريقية، كما عالج لقاء مصغر في القمة العربية بالقاهرة عام 1964 بعض أسباب النزاع، إلا أن المشكل المتعلق بالصحراء الشرقية بقي عالقا خصوصا بعد اكتشاف الحديد بها وتجدد المطالب المغربية بضرورة تسوية المشكلة، ليكتسي النزاع بعدا دوليا حيث اصطبغ بصراعات الحرب الباردة واصطفاف المغرب لجهة الولايات المتحدة في مقابل اصطفاف الجزائر لجهة الاتحاد السوفياتي، ولا سيما بعد انقلاب بومدين في 1965، و لم يخل التوتر من صدامات عسكرية في 1967 أدت لسعي المغرب لطرح النزاع على الأمم المتحدة. وما غذى النزاع بقوة هو صعوبة استغلال الحديد المكتشف إلا إذا تم نقله عبر الصحراء في اتجاه المحيط الأطلسي أي عبر المرور على المغرب، باعتبار الكلفة الكبيرة لنقله من منطقة تيندوف إلى الساحل المتوسطي للجزائر في الشمال، وهو ما فرض على الطرفين الدخول في مفاوضات تتيح الاستغلال المشترك لمناجم الحديد في مقابل الاعتراف المغربي بجزائرية منطقة تيندوف، كان من ثماره مفاوضات إيفران في 15 يناير/ كانون الثاني 1969 ثم مفاوضات 27 مايو/ أيار 1970 وبعدها مفاوضات 15 يونيو/ حزيران 1972، والتي انبثقت عنها معاهدة حول الحدود المغربية الجزائرية نصت على اعتراف المغرب بجزائرية تيندوف، والمشاركة في إنتاج وتسويق حديد تيندوف، ودعم الجزائر لمغربية الصحراء. وتلا ذلك تصريحات جزائرية مؤيدة للحق المغربي في الصحراء، منها تصريح الرئيس الجزائري بومدين في مؤتمر القمة العربي بالرباط في أكتوبر/ تشرين الأول 1974 بأن مشكلة الصحراء لا تهم سوى المغرب وموريتانيا، وأن الجزائر مع الدولتين وتؤيد تحرير كل شبر من الأرض لا فقط في الصحراء الغربية بل أيضا في سبتة ومليلية وكل الجزر التي لا تزال تحت الاحتلال الإسباني.

إلا أن احتداد النزاع المغربي مع الاستعمار الإسباني حول الصحراء، وقرب تمكن المغرب من حسم النزاع لصالحه الذي يعني خروج الجزائر بدون مكاسب، وفي المقابل تقوية العلاقات الجزائرية الإسبانية واشتداد عود جبهة البوليساريو المدعمة من ليبيا وبالتالي بروز احتمالات تجاوز الممر المغربي لتسويق الحديد من خلال دعم مشروع دولة صحراوية توفر هذا الممر بدون كلفة كبيرة، دفع نحو حصول تحول في الموقف الجزائري منحاز كليا لصالح أطروحة تقرير المصير وقيام دولة صحراوية، وهو ما برز بوضوح بدءا من 1975″(7).

ـ هوامش :

1 : معاهدة للا مغنية ـ ويكيبيديا: الموسوعة الحرة.
2 : المغرب الإفريقي الاختيار المغربي في دبلوماسيته الإفريقية ـ مجلة دعوة الحق: العدد 140؛ عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط.
3 : نعيمة البالي ـ المغرب: الجزائر كطرف في النزاع على الصحراء؛ موقع الشبكة العربية العالمية.
4 : نعيمة البالي ـ المصدر السابق.
5 : الصحراء الغربية، تكاليف النزاع ـ تقرير الشرق الأوسط رقم 65 -11 حزيران (يونيو) 2007؛ هامش المقدمة ص1.
6 : نعيمة البالي ـ المصدر السابق.
7 : مصطفى الخلفي ـ أزمة العلاقات المغربية الجزائرية ومشكلة الصحراء المغربية؛ موقع الجزيرة 3/10/2004.

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الثاني) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac-2/feed/ 0 6156
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الأول) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac/#respond Sat, 14 Jan 2017 22:43:10 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6153 الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الأول) – بقلم: حمودة إسماعيلي قبل سقوط الفاشية متمثلة بأبرز أنظمة (دول) المحور على رأسها النظام النازي بقيادة هتلر Hitler، “وجد الأمريكان والسوفيات والبريطانيون […]

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الأول) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الأول) – بقلم: حمودة إسماعيلي

قبل سقوط الفاشية متمثلة بأبرز أنظمة (دول) المحور على رأسها النظام النازي بقيادة هتلر Hitler، “وجد الأمريكان والسوفيات والبريطانيون فجأة أنهم يحاربون عدوٍّا مشتركًا، وهي الحقيقة التي أخذت صورتها الرسمية مع إعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة بعد يومين من الهجوم على بيرل هاربر Pearl Harbor. تدفق ما يزيد عن أحد عشر مليار دولار من المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة إلى الاتحاد السوفييتي خلال الحرب، وهو ما يمثل أكبر تجسيد ملموس لحس المصلحة المشتركة الجديد الذي جمع بين واشنطن وموسكو”(1).

أعلن هتلر الحرب على الاتحاد السوفياتي (روسيا)، ليتلقى مركز قيادة القوات المسلحة السوفياتية تقريرا عن بدء غزو القوات الألمانية للحدود السوفياتية وهي ما يعرف بعملية بارباروسا Unternehmen Barbarossa يوم 22 يونيو من سنة 1941. بعدها ب5 أشهر وفي نفس السنة ـ يوم 7 دجنبر 1941 ـ شنت اليابان هجوما على الولايات المتحدة الأمريكية عبر تنفيذ غارة جوية أدت إلى تدمير قاعدة بحرية بميناء بيرل هاربر بجزيرة أواهو (هاواي)، ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في الحرب العالمية الثانية بإعلان الحرب على اليابان في 8 دجنبر 1941. بعد ذلك بسنة كانت القوات الأمريكية قد حطت الرحال بالأراضي الأوروبية للمساعدة في ردع العدوان الألماني التوسعي الممارس على بريطانيا.

في ربيع سنة 1944 استطاعت قوات الحلفاء اختراق الخط الدفاعي الألماني بإيطاليا، الأمر الذي نشب عنه نزاع بين الحلفاء والألمان بجنوب مدينة روما، وهي ما يعرف بمعركة مونتي (جبل) كاسينو Monte Cassino. حاصرت جيوش الحلفاء القوات الألمانية بإيطاليا وبفرنسا وبهولندا وحتى بعقر الدار الألمانية، وبحدود فصل الربيع في السنة التالية وبإعلان إعدام موسوليني زعيم النظام الإيطالي الفاشي من طرف جبهة التحرير الشعبية الإيطالية (الشيوعية الميول)، قرر الزعيم الألماني هتلر الانتحار في برلين التي كانت محاصرة من طرف الحلفاء يوم 30 أبريل 1945.

في 16 غشت من نفس السنة ـ 1945 ـ أعلنت اليابان عن استسلامها أمام قوات الحلفاء، بعد أن قامت الولايات المتحدة بقصف مدينتي هيروشيما Hiroshima وناجازاكي Nagasaki اليابانيتين بقنبلتين نوويتين. وباستسلام كل من ألمانيا واليابان، أغلقت الإنسانية آخر صفحات مرحلة الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي تعتبر من أشد المواقف عدوانية في تاريخ الإنسان.

خلفت الحرب أضرارا وخسائر مادية ومعنوية ببُقع الصراع والمناطق المحيطة بها، ما أثر على السياسة الدولية والاقتصاد العالمي، من ضمن ذلك سقوط النظام الألماني والإيطالي والياباني وتدهور اقتصاد وسياسة دول الحلفاء على حد سواء مع دول المحور، تراجُع السياسة الفرنسية والبريطانية كقوى عظمى، الأمر الذي أسفر عن بزوع قوتين عظمتين ستُعيدان رسم خريطة العالم السياسية والاقتصادية، ممثلتين بالاتحاد السوفياتي شرقا ـ والولايات المتحدة غربا. سارع كل قطب منهما لتوسيع مساحته الاقتصادية عبر استمالة الدول أيديولوجيا وتنظيم التحالفات النفعية.

دخل كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، في حرب باردة ظلت أبرز معطياتها متجلية في : سباق التسليح، والمفاوضات على وقف التوسع الاستعماري وحظر الحروب النووية، تقديم المساعدات للرفع من اقتصاد الدول المنهارة، تقسيم ألمانيا وكوريا وفييتنام (سياسيا) لشرق وغرب، تسليح الأنظمة الموالية ودعم الثوار والجبهات المنشقة عن الأنظمة المعادية، التدخل في اقتصادات وسياسات دول العالم الثالث وصراعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الضغوطات الدبلوماسية من كلا الطرفين للتخفيف من التدخلات العسكرية المباشرة.

بادر كل طرف من الجهتين، إلى توسيع مساحته السياسية والاقتصادية لضمان الأمن الداخلي. فعزمت الولايات المتحدة الأمريكية على دحض ووقف انتشار المد السوفياتي، من خلال نشر الفكر الحر وتقديم مزايا الاقتصاد الرأسمالي ـ عبر تأييد هذه الأفكار داخليا بالأنظمة سواء المدعومة من طرف الغرب أو المعادية له ـ دعم الأنظمة الموالية، اقتصاديا وعسكريا إثر نزاعها مع الثوار الشيوعيين، تسليح الجبهات الثائرة بوجه الأنظمة الشيوعية، استقطاب ولاء الدول ذات الأبعاد الجيوستراتيجية والدول التي حولها بالمبادرة بالمنح الاقتصادية والدعم اللوجستيكي والاستشارة العسكرية والسياسية.

بالمقابل وعلى نفس الوتيرة، دأب الاتحاد السوفياتي على فرض هيبته ومكانته كدولة ذات نفوذ بالعالم لردم هوة النقص العسكرية بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية ـ التي شكلت أكبر تهديد لموسكو بعد الحرب على إثر الاستعراض العسكري الأمريكي على اليابان خلال القصف النووي ما برهن على حجم قوة الغريم، الأمر الذي أقلق بال الكرملين ـ فسارع بضم دول أوروبا الشرقية القريبة، دعم الأنظمة الموالية وفرض الضغوط على المعادية، تقديم الدعم المادي والخبرة الانقلابية للقيادات الشيوعية الثائرة على الأنظمة الرأسمالية أو الموالية للغرب، نشر الأيدولوجية اللينينية الماركسية ـ المحفزة لآمال المضطهدين والمظلومين ـ بدول العالم الثالث المنهارة نفسيا والمتدهورة اقتصادية نتيجة الاستعمار التعسفي. ما يمكن أن يسهِم في الدفع بثورة عالمية تبزع عن فجر شيوعي للعالم يمثل الكرملين مركزه السياسي.

بهذا لم تسلم بقعة في الأرض ـ خاصة أوروبا ومنطقة آسيا وأفريقيا ـ من تدخل القوى العظمى في خلافاتها السياسية سواء بطرق مباشرة ـ كفرض ضغوط أو عقوبات أو معاهدات بوقف النزاعات المسلحة ـ أو بطرق غير مباشرة ـ من خلال التسليح أو تقديم الاستشارة العسكرية والدعم المادي.

هذا الخط السياسي الجديد الذي شهده العالم ـ أن تكون مع الشرق أو مع الغرب ـ حفز الكثير من الأنظمة والكيانات السياسية لطلب دعم وتدخل الطرف الذي سيساهم في إبقاء أو جلب المنافع ـ خاصة في حالات النزاعات العسكرية الداخلية أو الانقسامات المحلية ـ وحتى بالنسبة للدول التي اختارت الحياد، فإن موقفها كان خدمة لمصالحها القومية الخاصة عبر الاستفادة من دعم كلا الجانبين، اللذان يتسابقان على جذب كل كيان سياسي لجهتهما كورقة ـ اقتصادية ـ رابحة في لعبة الصراع السياسي البارد.

دولة الجزائر التي كانت مثلها مثل جاراتها وبقية مختلف دول العالم الثالث ترزخ تحت وطئة الاستعمار التعسفي، ستشهد ثورة ضد المحتل الفرنسي بنوفمبر من سنة 1954، هذا المحتل ـ منذ سنة 1830 إلى 1962 ـ الذي لم يكتف بتحويل الجزائر لمستعمرة فرنسية من خلال استغلال مواردها المادية وثرواتها الزراعية ويدها العاملة، بل سعى لسحب الهوية الجزائرية مع سلبها أرضيها وممتلكاتها، كتب سارتر Sartre عن ذلك يقول :

“ولما كان من مقومات القومية في أوروبا وحدة اللغة، فقد حُرّم على المسلمين استعمال لغتهم بالذات فاللغة العربية تُعتبر في الجزائر لغة أجنبية منذ عام 1930، إنهم مازالوا يتحدثون بها إلى اليوم. ولكنها لم تعد مكتوبة إلا بالقوة، لا بالفعل. ليس هذا فحسب بل إن الإدارة الفرنسية قد صادرت دين العرب لكي تعمل على تفتيتهم وانتزاعهم من جوهم العربي. وهي تختار رجال الدين الإسلامي من بين عملائها، وقد احتضنت أحط أنواع الخرافات التي تؤدي إلى سياسة التفرقة.

ولا شك في أن الفصل بين الكنيسة والدولة اتجاه جمهوري أصيل يصلح لفرنسا. أما في الجزائر فإن الجمهورية الفرنسية لا تستطيع أن تسمح لنفسها. بأن تكون جمهورية في الجزائر. إنها تحرص على عدم نشر الثقافة وتحافظ على المعتقدات التي تخدم الإقطاع، وذلك بإتاحة الفرصة ليظل الإقطاع حيا سائدا بإقامة مجتمع بشري تسود فيه القوانين ذات النزعة الفردية الحرة التي تقوض كل نهوض في المجتمع الجزائري ولكنها تبقي على الملوك الصغار الذين لا يستمدون سلطتهم إلا منها، والذين لا يحكمون إلا من أجلها ـ إنها بكلمة واحدة تصنع «ناساً من أهل البلاد» تفصلهم عن الجمهرة الشعبية ذات العقلية المحافظة، وذلك بأن تجعلهم في نطاق فردي حر يفصلهم عن عقلية المجتمع القديمة. إنها توجِد جموعا ولكنها تحول بينهم وبين الوعي المستنير حيث تقوم بتضليلهم وخداعهم بما ترسمه لهم من مساخر هزلية”(2).

لم تمثل الثورة الجزائرية عائقا للمشروع الإمبريالي الفرنسي على أراضيها فقط، بل اعتُبرت إعلانا عن فشل فرنسا في إتمام وإنجاح مخطط التبعية السياسية والاقتصادية الممارس بمنهجية على الجزائر.

لم تتقبل الإدارة الفرنسية ثورة الجزائريين، بذلك سعت لإجهاض الثورة وإحباطها. وكما يقول المفكر المغربي المهدي المنجرة :

“إن ما عندنا هو في الواقع 10 ملايين شخص قوي يطمحون إلى الحرية والحكم الذاتي. وتمت مقاومتهم من طرف نصف مليون جندي فرنسي، إضافة إلى قوات الأمن المستقرة محليا هناك بأسلحة أوروبية متطورة.

وكانت هيئة الأمم المتحدة قد ساعدت آنذاك حركات التحرر الوطنية مثل ما هو الشأن بالنسبة للحركة الأندونيسية أو بتونس أو المغرب، وتم تفويت القرارات فقط بعد عدد من الصعوبات، بمساءلة فرنسا والأطراف المختصة التي جاءت باسم السلام. إن هذه السياسة السلبية في داخل الأمم المتحدة حالة متخلفة، يجب إصلاحها طبقا للمقاصد الأفضل، أي أن بلدا يناضل من أجل استقلاله من حقه أن لا يُقدم داخل المنتظم الدولي كمقاومة مسلحة”(3). فالقوى الفرنسية لم تعتبر الثورة الجزائرية حركة مقاومة وطنية مطالبة بالاستقلال والحرية والكرامة، بل حالة تشويش على المصالح الفرنسية بالمنطقة. “ففرنسا ـ كما يضيف المهدي المنجرة ـ وكل القوى الاستعمارية لم يسبق لها أبدا في تاريخها أن وهبت الاستقلال لإحدى مستعمراتها. وهو وحدة شهادة عليها بدءا من سوريا إلى لبنان إلى الهند الصينية إلى تونس والمغرب، كل هذه الدول نالت استقلالها بعد كفاح مسلح وانتصار عسكري أو تفاوض على الاستقلال بعد طول مدة التصارع العسكري”(4).

وباعتبار فرنسا حليفة للولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى بالطرف الغربي من الكوكب، فإن هذه الأخيرة أيدت موقف حليفتها. ف”قد لقي السيد لودج Henry Cabot Lodge ـ المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة ـ ترحيب ورضى الفرنسيين خلال مناقشات القضية الجزائرية داخل الأمم المتحدة، وطرح بوضوح أن وفده (الوفد الأمريكي) يعترض على دخول أي طرف آخر مع الجهود الفرنسية لحل المشكلة الجزائرية. ولا يمكن تفسير الموقف الأمريكي إلا كدعم للاستعمار الفرنسي بالجزائر. ولكن المحزن أن لا أحد تحدث عن الشباب الجزائري الذي كان يُقتل على مسمع ومرأى من الجميع، ومن طرف فرنسا القابعة بالأمم المتحدة، بل إن الوفد الفرنسي حينها تحدث عن هدف «العالم الحر» وتهجم على المساعدات المصرية بدعم الجنود الجزائريين بالأسلحة”(5).

فطبعا، لم تكن الإدارة الفرنسية مستعدة للتخلي عن منافعها الاقتصادية المترتبة عن احتلالها للجزائر والمؤكد فقدانها إثر تحرير أراضيها المحتلة. وهناك عدة أسباب لفهم ذلك، فمن ضمن الأطماع الامبريالية المستقبلية هناك “الحاجة العالمية إلى الطاقة ـ التي ـ يتم توفيرها أكثر فأكثر من أنحاء متفرقة في العالم غير مستقرة سياسيا، ويتم تحقيق النمو الاقتصادي للعالم أكثر فأكثر من خلال أسواق جديدة، بلاد ذات قاعدة قانونية غير واضحة المعالم، ومؤسسات هشة”(6). وهو ما سعت الدولة الفرنسية لصنعه على أرض الجزائر، فكل ما يفيد ويزيد من ازدهار الاقتصاد الفرنسي، يهم الولايات المتحدة بدورها التي ركزت جهودها بعد الحرب العالمية الثانية لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي ودول الحلفاء؛ لأن كل ما يضر باقتصاد أوروبا الغربية ـ خاصة ألمانيا الغربية والقوى الأوروبية بالجانب الغربي من القارة العجوز ـ يضر بالمصالح الأمريكية من ضمنها تضرر الاقتصاد الداخلي للولايات، وفرصة تفوق لصالح الخصم السوفييتي اقتصاديا وأيديولوجيا.

حصلت الجزائر على استقلالها يوم 5 يوليوز من سنة 1962، أما جارتها المغربية فحصلت على استقلالها في 3 مارس 1956. المغرب عانى من احتلال قوتين : هما الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإسباني، وعلى حد قول الكاتب المصري راغب السرجاني :

“والذي يطالع الخريطة المغربية آنذاك يجدها في غاية العجب؛ فالمنطقة الشمالية (منطقة الريف) احتلال إسباني، ثم المنطقة التي في جنوبها (وسط المغرب) احتلال فرنسي، ثم المنطقة التي في جنوبها (الصحراء الغربية) احتلال إسباني، ثم أقصى الجنوب (موريتانيا) احتلال فرنسي!! فهو تقطيع عجيب لم يخلق مأساة في المغرب فقط، إنما خلق جوًّا من التوتر كذلك بين الدولتيْن العدوتيْن إسبانيا وفرنسا، وهذا سيكون له آثار على تاريخ المنطقة”(7).

نفس السياسة التي مارستها فرنسا على الجزائر، تم نهجها على المغرب من المستعمر الفرنسي ـ والإسباني ـ تحت معاهدة الحماية، وهي “الحفاظ على أمن وسلامة المبادلات التجارية وتدبير الشؤون الأمنية على البر و في المياه المغربية”(8). وذلك نظرا ل”تهافت مجموعة من الدول الأوروبية على المغرب لتوفير سوق لمنتجاتها والسيطرة على ثروات المغرب” على هذ النحو “ما كان على فرنسا إلا توقيع بعض الاتفاقيات مع الدول الأخرى للتخلي عن رغبتها في احتلال المغرب مقابل تنازل فرنسا عن حقها في بعض المستعمرات”(9). وباعتبار اسبانيا منافسة ذات أهداف بالمنطقة، تم بموجب اتفاقية بين فرنسا وإسبانيا حصول هذه الأخيرة “على محمية في شمال المغرب تضم الريف (في الشمال) وإفني (على الساحل الأطلسي في الجنوب الغربي)، وكذلك منطقة طرفاية (جنوب نهر درعة). في المحمية الإسبانية ظل السلطان ذو سيادة اسمية وكان يمثله في سيدي إفني نائب للملك تحت سيطرة المندوب السامي الإسباني. وقد تم تقسيم المغرب إلى 3 مناطق :

ـ المنطقة الشمالية الريف والمنطقة الجنوبية إفني وطرفاية تحت الحماية الأسبانية.
ـ المنطقة الوسطى تحت الحماية الفرنسية.
ـ مدينة طنجة خضعت لحماية دولية”(10)، نظرا لموقعها الجيوستراتيجي.

دون أن ننسى أن موريتانيا ـ كدولة مستقلة ـ كانت جزءا من الأراضي المغربية (انظر الخريطة : المنطقة الصفراء الجنوبية)، “فكانت تسمى ببلاد شنقيط قبل استعمارها من طرف فرنسا سنة 1899.. فموريتانيا قبل 1899 كانت تحت نفوذ و سيطرة جميع الإمبراطوريات التي حكمت المغرب الأقصى على مدى التاريخ. و كانت تسمى بعمالة شنقيط التي ينبغي تمييزها عن مدينة شنقيطي الموجودة في شمال أطار. فكزافي كوبولاني Xavier Coppoloni، الحاكم الفعلي الأول الفرنسي لموريتانيا، كثيرا ما كان يستعمل الصحراء الفرنسية في مراسلاته و مذكراته، لتمييزها عن الصحراء الإسبانية، اللتان كانتا تعتبران الامتداد الجغرافي و الطبيعي و التاريخي و الإنساني للمملكة المغربية”(11).

على هذا النحو، يضيف الكاتب راغب السرجاني بأن : “احتلال المغرب لم يكن رغبة فرنسية فقط، إنما كان رغبة فرنسية إسبانية مشتركة، لكن أساطيل فرنسا كانت مشغولة بالعربدة في موانئ العالم المختلفة، فقد كان لها أطماع توسعية فوق التخيُّل؛ مما جعلها تؤجِّل الملف المغربي قليلاً، على عكس إسبانيا التي فقدت معظم مستعمراتها السابقة، وبالتالي كانت شغوفة جدًّا باحتلال جزء من الأراضي المغربية. ومن هنا فقد زحفت الأساطيل الإسبانية لترسو على ساحل منطقة الصحراء الغربية في وسط المغرب آنذاك، وقامت باحتلاله، وذلك في سنة 1884، وبذلك فَصَلتْ بين شمال المغرب الواقع تحت سيطرة السلطان الحسن الأول، وبين جنوبه الذي سمِّي بعد ذلك بموريتانيا”(12)، آنذاك “السلطان المغربي لم يكن له هيمنة حقيقية على المناطق الصحراوية الجنوبية ـ الصحراء الغربية وموريتانيا ـ حيث هي مناطق وعرة للغاية، وتعيش فيها القبائل الحياةَ الرعويَّة، وتطبَّق فيها نظام القبائل لا نظام المدن والدول، وهذا ما دفع إسبانيا أن تطلق كلمتها المشهورة «إن الصحراء الغربية أرض بلا مالك»”(13). لكن يجب أن ننتبه إلى أن “الحكم الملكي في هذا الوقت كان في غاية الضعف”(14).

ـ هوامش :

1 : روبرت جيه ماكمان Robert J. McMahon ـ الحرب الباردة The Cold War، ترجمة محمد فتحي خضر؛ مؤسسة هنداوي ـ ص26و27.
2 : جون بول سارتر Jean-Paul Sartre ـ عارنا في الجزائر Notre honte en Algérie، الدار القومية للطباعة والنشر ـ ص18و19.
3 : المهدي المنجرة ـ الحرب الحضارية الأولى؛ عيون/شهاب : مطبعة النجاح ط4 ـ ص179.
عن : The Arab Newsletter, Arab Students Union, In the United Kingdom. Feb 1957, London
4 : المهدي المنجرة ـ المصدر السابق.
5 : المهدي المنجرة ـ المصدر السابق؛ ص180.
6 : إيان بريمر Ian Bremmer وبريستون كيت Preston Keat ـ الذيل السميك The Fat Tail: The Power of Political Knowledge for Strategic Investing، ترجمة علي كلفت؛ المركز القومي للترجمة ـ ص7.
7 : راغب السرجاني ـ بين التاريخ والواقع ج3، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة ـ ص143.
8 : معاهدة فاس للحماية، كما وقعت بين فرنسا و المغرب يوم 30 مارس 1912 : الفصل 2 من المعاهدة.
عن : The Moorish Wanderer
9 : الحماية الفرنسية على المغرب، ويكيبيديا: الموسوعة الحرة.
10 : معاهدة فاس، ويكيبيديا: الموسوعة الحرة.
11 : محمد افلوات ـ موريتانيا.. والمغرب بين التاريخ والجغرافيا؛ صحيفة الغذ.
12 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص138.
13 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص137.
14 : راغب السرجاني ـ المصدر السابق؛ ص138.

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post الحرب الباردة بين المغرب والجزائر (الجزء الأول) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac/feed/ 0 6153
كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d8%ba%d9%8a%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d8%ba%d9%8a%d8%a9/#respond Tue, 18 Oct 2016 12:57:02 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=2765 كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر – إبراهيم الهواري “الفرد يتأثر باللغة التي يتكلمها، بحيث يمتد هذا التأثير ليشمل نمط تفكيره وتصوراته ومشاعره”، يقول شيخ المؤرخين […]

The post كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر appeared first on المكتبة العامة.

]]>

كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر – إبراهيم الهواري

“الفرد يتأثر باللغة التي يتكلمها، بحيث يمتد هذا التأثير ليشمل نمط تفكيره وتصوراته ومشاعره”، يقول شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعدالله، ويضيف الدكتور سفيان لوصيف “إن اللغة ليست مجرد أداة تلقي المعرفة والتفكير، إنها الفكر نفسه، فليس ثمة فكر مجرد بغير رموز لغوية”.

ولأهمية اللغة ونقاش الهوية لدى إنسان شمال أفريقيا بشكل عام وفي الجزائر بشكل خاص، أثار ترسيم “تمازيغت” بالدستور الجديد للجزائر نقاشا قديمًا بين النّخب عبر مختلف وسائل الإعلام، وتجدد فتح الملف مرة أخرى حيث حولته مواقع التواصل الاجتماعي إلى مادة دسمة لصراع الهوية.

فتيار عريض من المنادين بتمكين اللغة الأمازيغية يعتقدون أن حكومات هذه الدول عملت كل ما في وسعها – منذ الاستقلال – لإقصاء التيار الأمازيغي وطمس هويته وتغليب العربية في كل المجالات، في حين يرى البعض الآخر أن “حزب فرنسا” يحاول استدراج المجتمع إلى الصراع العربي الأمازيغي لتمكين اللغة الفرنسية على غرار ما هو موجود في العديد من المستعمرات الأفريقية.

وبهذا التقرير سنحاول دراسة مسألة تطور الأمازيغية في الجزائر، هل فعلا “تمازيغت” عبارة عن لغة؟ وإذا كانت لغة متكاملة هل لها القدرة على فرض نفسها إداريًّا وإعلاميًّا وعلميًّا؟ كما سنتطرق إلى سياسة التعريب وأزمة اللغة في البلاد والصراع بين حزب الجزائر وفرنسا بخصوص الهوية، وما تأثير تمازيغيت على الشخصية الجزائرية؟

“تمازيغت” هل هي لغة أم مجرد لهجات؟

تشير الأكاديمية ليلى خلف السبعان؛ رئيسة تحرير مجلة العربي، إلى أن اللغة ليست عبارة عن إرث ثقافي يعكس الماضي، أو عبارة عن وسيلة تدوين وتواصل فقط، بل هي جوهر التقدم في مجتمع المعلومات إذا توفرت شروط التمكين لها ولأجيالها بالتداول، ومنه نطرح تساؤلًا كبيرًا: هل بإمكان تمازيغت أن تكون لغة مجتمع معلومات؟ وكم تحتاج من وقت لأن تتحول إلى لغة قادرة على مواكبة تطورات العصر؟ في حين يتجه العالم اليوم إلى طمس وإلغاء العديد من اللغات واللهجات المحلية. وقبل ذلك: هل هي لغة أم مجموعة لهجات محلية؟

Figuig Oasis - Morrocan Border Territory.فالحديث عن ماهية اللغة، هو حديث عن مدخلات اجتماعية وزمانية لتطور اللغة، يقول الباحث المغربي في قضايا الهوية الأمازيغية محمد كوخي، إن أحد أبرز الأمثلة لعبثية قرار نخبة ثقافية بصناعة لغة جديدة خارج السياق الاجتماعي والتاريخي لنشوء وتطور اللغات وحاضنتها الطبيعية، هو نموذج اللغات الاصطناعية التي ُتَعد أنجحها عموما «لغة الإسبرانتو» (Esperanto) التي طّورها في أواخر القرن التاسع عشر مجموعة من المثقفين والأدباء في أوروبا من لغات مختلفة، منها الفرنسية والإيطالية والإسبانية والإنكليزية والألمانية وغيرها، كمشروع لغة عالمية جديدة يمكنها أن تصير لغة التواصل بين جميع البشر. وقد قام هؤلاء بنشر أعمال أدبية كثيرة بهذه اللغة، وخّلفوا تراثًا أدبًيا وفكرًيا متمّيًزا على مدى حوالي قرن ونصف قرن من الزمن. لكن هذه اللغة التي طمح أصحابها إلى أن تكون اللغة العالمية الموحدة، انتهى بها المطاف إلى التقوقع وانحسار تداولها في بضع مئات من الأفراد في وقتنا الراهن.

ولنعُدْ إلى أصل “تمازيغت” التي يعتبرها المؤرخون وعلماء اللغة إحدى اللغات الأفريقية الحيّة، حيث تمتد من ليبيا وبعض قبائل التشاد شرقًا إلى جزر الكناري بالمحيط الأطلنطي غربًا (عمل الإسبان على إلغائها تماما لدى قبائل الغوانش، وبدأت بالعودة تدريجيًا)، ومن أشهر الملوك الذين تحدثوا بالأمازيغية هم يوغرطة، شوشناق، ماسينيسا ويوسف بن تاشفين.

كما تعتبر “تمازيغت” لغة شمال أفريقيا لغة حامية مثل المصرية القديمة، ويقول الباحث المغربي في اللغات محمد المدلولي أنه يمكن اعتبار اللغة الأمازيغية متفرعة مباشرة من اللغات السامية، غير أن بعض الباحثين كأحمد بوكوس يرون أن الأمازيغية ليست حامية ولا سامية وإنما لغة مستقلة بذاتها. ويرى كارل برسه أن الأمازيغية لغة متأثرة باللغات الأفريقية الآسيوية أي الحامو-سامية وأن الكلمات المشتركة بين اللغات الأفريقية الآسيوية هي ثلاثمائة كلمة.

ALGERIA-POLITICS-OPPOSITION-AITAHMEDومنه يمكن القول أن “تمازيغيت” هي لغة تفككت إلى لهجات عديدة حسب القبائل المنتشرة جغرافيا بأقاليم شمال أفريقيا الممتدة على مسافات ومساحات واسعة، وهذه اللهجات لم يعمل سكان أفريقيا على تطويرها كتابيًا لذلك ما زال المتخصصون في اللغة الأمازيغية بالجامعات في حيرة من أمرهم بخصوص ربط اللهجات المحلية باللغة الأكاديمية، ومبرر ذلك أنه يوجد فرق شاسع بين هذين الاتجاهين حيث الأولى يتحادث بها السكان شفهيًا في حين الثانية تخضع لقواعد معينة في كتابتها ونطقها.

كما أنها – أي تمازيغت – لا تحتكم إلى حرف موحّد لتطويرها وهو بالضرورة حرف “التيفيناغ”، لأن أي لغة بالعالم ترغب في حجز مكانها تتقوى من خلال حرفها الخاص، ولذلك تعاني اللغة الأمازيغية من عدم الاستقرار على مستوى الكتابة في حين يبقى تداولها على الألسن غير كاف لاستمرارها كلغة في المستقبل لدى الأجيال، وهو ما يترجم الصراع الخفي بين دعاة الحرف الفرنسي والعربي للّغة، وهو صراع أيديولوجي أكثر منه تمكينًا لتمازيغت وإعادة الاعتبار لها كلغة تحتاج إلى الرعاية والتطوير.

هذه هي أهم اللهجات المحلية للأمازيغية بالجزائر

وتتواجد بالجزائر عدة لهجات وتنوعات أمازيغية، تدعى بالقبايلية أو الشاوية أو المزابية وغير ذلك حسب المناطق، وتتوزع كالتالي: اللهجة الشاوية بالشرق الجزائري، اللهجة القبائلية والشناوية بالوسط الجزائري، اللهجة الزناتية بالجنوب الغربي للجزائر، واللهجة الميزابية والطارقية بالجنوب الجزائري.

ومع ذلك تعتبر اللهجة القبائلية أكبر اللهجات انتشارًا في الجزائر، ويشير بعض المختصين إلى تحدث أكثر من أربعة ملايين جزائري بالداخل بهذه اللهجة، بالإضافة إلى بعض سكان الجزائر بالمهجر في فرنسا وأوروبا بشكل عام والذين لديهم أصول أمازيغية، وبهذا الخصوص نشرت وسائل إعلام فرنسية نقلا عن لاعب كرة القدم الشهير زين الدين زيدان تحدث أبويه باللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة الفرنسية في البيت في ضواحي مارسيليا (جنوب فرنسا).

وبعد الفتح الإسلامي للمنطقة، اتضح التنسيق والتكامل اللغوي بين العربية والأمازيغية لدى الكثيرين من السكان، وهذا بعد تبنيهم للدين الإسلامي كعقيدة دافع عنها الكثير من القادة الذين خلدوا في التاريخ الإسلامي ولعل أبرزهم طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين.

التناغم اللغوي الذي حدث بين العربية والأمازيغية، نفسه حدث مع لغات أخرى مثل الإسبانية والتركية والبرتغالية والفرنسية لكن بدرجة أقل، وهو ما يترجم استعمال الجزائريين لكلمات أجنبية في استعمالهم اليومي للدارجة (العامية)، إلا أن اللغة الفرنسية التي هي لغة المستعمر ترهن الأمازيغية عبر حرفها عند المؤيدين وأصحاب النزعة البربرية المتطرفة كما سنشير لاحقا.

تمازيغت تعاني الأمّرين، صراع على الحرف ومتاجرة السّاسة..

وإذا ما أشرنا إلى الممارسة السياسية لمؤسسات الدولة تجاه اللغة الأمازيغية في الجزائر، نجد أنها كإرث ثقافي تتوجه نحو الانقراض والتفكك، في وقت يتوقع خبراء اليونسكو انقراض أكثر من 3 آلاف لغة تمثل نصف لغات العالم بنهاية القرن الحادي والعشرين، أي أن هناك لغة واحدة على الأغلب تنقرض كل أسبوعين، ويعتبر العديد من الكتاب أن الهوية الأمازيغية برمتها تضررت من السياسة والصراع الدائر بها في الجزائر، على خلاف الجارة المغرب التي تجاوزت هذا النقاش مؤقتا من خلال إجراءات في صالح الثقافة الأمازيغية (لغة وتراثًا) بمختلف مؤسسات المملكة.

فاللغة الأمازيغية تعيش غموضًا كبيرا بخصوص ترقيتها والاعتناء بها وتطويرها، فمع الخلاف الحاصل حول الحرف الذي تكتب به بين التيفيناغ، أم بالحرف العربي كما يستعمل ذلك المحافظون من مجتمع الأمازيغ في وسط الجزائر، أم ستخضع للأمر الواقع ويتم خطها بالحرف اللاتيني مثل ما يفرضه بعض المثقفين من قبائل الشمال الجزائري، والحركات السياسية التي تتذرع بالإقصاء! تعمل أكاديمية بربرية بالعاصمة الفرنسية باريس على تكوين وإعداد النشطاء الأمازيغ للمطالبة بالاستقلال الذاتي لمنطقة القبائل عن الجزائر، وتمدهم حسب هؤلاء النشطاء بحقيقة الاحتلال العربي الإسلامي للجزائر في القرون الماضية، أي منذ اعتناق البربر للإسلام في القرن السابع الميلادي (الأول الهجري).

ركزّت الحركة الوطنية ومختلف هيئات الإصلاح والسياسة وقت الاستعمار الفرنسي على وحدة الهوية الإسلامية، وتتمثل أسس الهوية الجزائرية في الإسلام دينًا والعربية لغةً، وعملت جمعية العلماء المسلمين على هذين البعدين، في حين فصل بيان أول نوفمبر الذي يعتبر مرجعية الجزائريين بمختلف طوائفهم وألوانهم السياسية والأيديولوجية على اعتبار الجزائر دولة مسلمة، حيث بيّنت الهدف الأول من الثورة وهو “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السّيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وأضاف البيان هدفًا خارجيًا مفاده “تحقيق وحدة شمال أفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي”.

ويبقى السؤال المطروح: كيف تصرفت فرنسا مع الهوية الأمازيغية، وهل شجعت أم انتقمت من “تمازيغت” مثلما فعلت بالعربية إبان استعمارها للجزائر طيلة مائة واثنتين وثلاثين سنة؟ تابع معنا بقيَّة التقرير لتتضح لك الصورة جيدًا..

فرنسا والتمكين للقومية البربرية عن طريق “تمازيغت”

لقد عملت فرنسا من خلال وسائل وأدوات كثيرة على خلق صراع بين العربية والأمازيغية، وأدركت فرنسا جيدًا الخصوصية اللغوية للمجتمع الجزائري مثلما يقول محمد الميلي (مجاهد وكاتب جزائري مقيم في باريس ولد سنة 1929)، حيث اجتهدت على خلق نزعة بربرية معادية لعروبة الجزائر، يضيف الميلي أن الفرنسيين انطلقوا من فكرة مسلّمة عندهم وهي أن تعريب البربر جزئي غير مكتمل، وهم أكثر قابلية للتكيف مع اللغة الفرنسية وثقافتها، أو كما قال أحدهم “البربر كانوا بالأمس نصف متوحشين وسوف يتكلمون الفرنسية في بضع سنين”.

ALGERIA-POLITICS-OPPOSITION-AITAHMEDيقول أوغست وارنرAuguste Warnier سياسي وكاتب فرنسي (1810-1875) “لو أنه بدل أن يطلب من المعمرين احترام القومية العربية، وهو احترام يتنافى مع الحضارة، طالب بالحقوق المشروعة للقومية البربرية”، في نداء منه للمثقفين والمعمرين الفرنسيين بالجزائر، وهي فكرة جاءت من أجل تشجيع وتثمين إدماج المجتمع الجزائري بالسياسة الثقافية الفرنسية.

وأطلقت فرنسا في 7 آذار/مارس 1944 مشروع قانون أصدرته اللجنة الفرنسية للتحرير برئاسة شارل ديغول لمنح شهادات تعليمية باللهجة البربرية للجزائريين، واعتبروا تقوية اللهجة البربرية هو بديلًا واقعيًّا لهيمنة اللغة العربية الفصحى (بعد جهد جمعية العلماء المسلمين في ذلك الوقت)، وعمل المشروع الذي أعد له جيدًا بنية طرد اللغة العربية من كامل التراب الوطني للبلاد بعد نجاحه بمنطقة القبائل التي ركزت عليها فرنسا كثيرًا.

ومع الاستقلال، أثار الكثير من الكتاب والأدباء أمثال محمد ديب ومولود معمري وآسيا جبار وكاتب ياسين، نقاش اللغة والهوية بجدية، اتفق هؤلاء بالإضافة إلى مالك حداد والبشير الإبراهيمي في كتاباتهم على وجود أربع لغات بالجزائر، هي الفصحى العربية، الفرنسية، العاميتان الدارجة والأمازيغية.

وينسب الدكتور أحمد بن نعمان في كتابه “فرنسا والأطروحة البربرية” تصريحًا للباحث الجزائري عثمان سعدي (صاحب كتاب عروبة الجزائري عبر التاريخ) “لقد تعلم أنصار النزعة البربرية على أيدي فرنسيين، وعلى أيدي الآباء البيض، فغرسوا في نفوسهم كرههم لكل ما هو عربي وعلموهم بالفرنسية (أن العرب غزاة وأن العربية لغة غازية وأن البربر جرمان هاجروا من أوروبا) ليبرروا (فرنسة الجزائر) قبل 1962″. ويضيف أن الوالي الفرنسي للجزائر شاتينون قام سنة 1948 بتدمير حزب الشعب الجزائري من خلال بث النزعة البربرية في صفوفه لما اكتشف أنه يشكل خطرًا على التواجد الفرنسي على أرض الجزائر”.

وللعلم يعتبر كل من عثمان سعدي وأحمد بن نعمان إحدى الشخصيات ذات الأصل الأمازيغي في البلاد، ويعتبر هذا الأخير أشد المعارضين لترسيم اللغة الأمازيغية وتعميمها في الجزائر، حيث نشر مؤخرا بيانات عديدة، ويناضل مع الكثيرين لأجل توقيف القرار الدستوري بدسترة الأمازيغية حيث يعتبرها خطرًا على وحدة الجزائر، ومشروعًا مستقبليًّا لتقسيم البلاد إلى إثنيات متطاحنة.

الأكاديمية البربرية (أكراو إيمازيغن).. إلى ماذا تهدف؟

ALGERIA-DEMO-BOUIRAانبثقت النزعة الأمازيغية النشطة من الأكاديمية الأمازيغية أو البربرية L’Académie berbère “أكراو إيمازيغن” في باريس والتي تأسست سنة 1967، وهي ذات اتجاه راديكالي، تشتغل على صقل المنتسبين إليها بشخصيات ذات توجه سياسي “متطرف” في كل ما يتعلق بالقومية البربرية والهوية الأمازيغية، لمواجهة “الهيمنة العربية الإسلامية” التي يمكِّن لها النظام السياسي في الجزائر حسب اعتقادهم.

وتمكن هذا التيار من المهاجرين من سكان الأمازيغ “خاصة القبائل” بضواحي باريس وفرنسا عمومًا، حيث ضمّت الأكاديمية في أوج تأثيرها أكثر من 1000 منتسب (مناضل)، وعملت على نشر مجلاتها ودورياتها الثقافية والعلمية، بالأوساط الجزائرية والمغربية والليبية المتنقلة إلى فرنسا.

كما عملت على تشجيع شباب وطلبة جامعات الولايات المحسوبة على منطقة القبائل على النشاط النقابي والثقافي والرياضي داخل الجامعة، فحتى الآن لا يوجد أي فريق كرة قدم تخضع تسميته للجهوية أو العرقية سوى فريقي شبيبة القبائل (الوسط الجزائري) واتحاد الشاوية (الشرق الجزائري)، في حين ينص القانون على أن اعتماد الجمعيات الرياضية والسياسية والثقافية لا يجب أن يكون على أساس ديني أو عرقي أو لغوي أو جنسي!

ويدافع المؤرخ الجزائري أرزقي فراد عن الأكاديمية البربرية التي حُلَّت عام 1978، لم تكن ذات نزعة بربرية متطرفة حسبه في حوار مع يومية الشروق، ويضرب مثالا عن المصلحين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده اللذيْن اضطرا إلى الفرار بفكرهما الإصلاحي تجاه العاصمة الفرنسية باريس. يتساءل أرزقي فراد: “هل يمكن أن نصِفَ هذين المصلحين بخيانة الوطن؟”، مضيفًا: “لقد التجأ أنصار القضية الأمازيغية إلى فرنسا لأنها تتوفر على جو ديمقراطي يجعلك تهتم بقضيتك الثقافية، وهناك جالية جزائرية كبيرة كانت رافدًا قويًّا للثقافة الأمازيغية بصفة عامة، خاصة في المجال الغنائي”.

واشتغل بعض الفاعلين من الأكاديمية على تقديم دروس وإصدارات بجامعة الجزائر، مثل مولود معمري وطاووس عمروش، وتكثف النضال من أجل الأمازيغية مع الأغنية القبائلية الجديدة، خاصة مع صعود نجوم فنيين مؤدلجين مثل المغني إيدير حميد شريت (ولد عام 1949) ومعطوب الوناس (1956-1998) ولونيس إيت منقلات (ولد عام 1950) وغيرهم، وبالتالي تحولت الأمازيغية من قضية لغوية إلى أيديولوجية تبنتها النخب الثقافية والفنية والرياضية بشكل واسع مع مرور الوقت.

المسألة الثقافية والأيديولوجية، ومشروع التعريب!

Ahmed Ben Bella (L) speaks to colonel Hoيقول الدكتور التونسي المنصف وناس في كتابه الثقافة والمسألة الثقافية التونسية، أن العلاقة بين الثقافة والأيديولوجيا هي علاقة قارة “المسألة الثقافية هي السيطرة على المسائل الكبرى والمراجع الحضارية، وصياغة الوعي الجماعي الصياغة المتوازنة، فالمسألة الثقافية تمثل التعبير الأرقى عن معادلة ثلاثية الأطراف تجمع الماضي والحاضر والمستقبل”.

ومنه يناضل نشطاء الثقافة والهوية الأمازيغية بشكل عام، من أجل إعادة الاعتبار لهذه الهوية المفقودة – حسبهم – بإرادة سياسية، حيث راحت اللغة الأمازيغية ضحية الخيار الاشتراكي الذي تبنته الجزائر كأيديولوجيا سياسية واقتصادية بعد الاستقلال مباشرة، فالخيار الاشتراكي ألزم الرئيس أحمد بن بلة وبعده مباشرة هواري بومدين إلى الاتجاه نحو المشرق العربي لصياغة اشتراكية إسلامية، وأصبح المنادون باللغة الأمازيغية ضمن صف “الحركي” وضد “النهج الثوري” للأمة الجزائرية كما روج له آنذاك بوسائل الإعلام الحكومية.

كما تمكنت اللغة الفرنسية بعد الاستقلال مباشرة في الكثير من القطاعات الحيوية، حيث أن أغلب المؤسسات الإعلامية كمثال كانت مفرنسة، وبالتالي أصدرت الدولة الجزائرية قرارات لصالح مشروع التعريب سنة 1968 عبر فرض اللغة العربية بكل الإدارات والوزارات والهيئات الرسمية في البلاد، كل هذه القرارات جاءت نتيجةً لاعتبار أن العربية مرجع قوي للهوية، والعربية هي الوجه الثقافي للاستقلال والمكمل له، نظرًا للإقصاء الذي تعرضت له طيلة عقود الاستعمار الفرنسي.

فالرئيس الراحل هواري بومدين كان يعتقد بأن اللغة العربية هي أحد ملامح الثورة الثقافية، ووجب أن تستمر الثورة في بقية القطاعات، يقول في أحد خطاباته “إن التعريب هدف إستراتيجي مثل الأهداف التنموية الأخرى، وإن سياسة الدولة الجزائرية تسعى للقضاء على التبعية في الميدان الثقافي، مثلما قضت على التبعية في الميدان الاقتصادي، حتى يكتمل الاستقلال الوطني وتبرز الشخصية الوطنية”.

ويعرف عن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، تحدّيه للغة الأمازيغية ورفضه المطلق لتعميمها على المستوى الوطني أو ترسيمها، حيث قال في خطاب شهير له بمدينة تيزي وزو (معقل سكان القبائل) في بداية ترؤسه للجزائر “إنه لن يجعل من الأمازيغية لغة وطنية إلا بعد استفتاء شعبي، ولن يتم ترسيمها ما دام هو رئيسًا للبلاد”، وأضاف بأن هؤلاء السكان – أي سكان المنطقة – يحاولون إفساد رئاسته للبلاد من خلال الفوضى، مرددا “لا أقبل الفوضى منكم، ويمكنني إقامة الفوضى بشكل أفضل، وأنتم المتضرر الوحيد منها”.

إلا أن الدستور الحالي عرف تغيرًا عميقًا في هذا الشأن، جعل من الأمازيغية لغة وطنية ورسمية دون المرور على الاستفتاء الشعبي كما وعد بذلك رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة، ما الذي تغير إذن في معادلة السلطة والهوية الأمازيغية؟ يبقى هذا السؤال مطروحًا وخاضعًا لمكونات صناع القرار، وستجيب عليه القراءة العميقة للتغييرات الحاصلة في هرم السلطة بالجزائر خلال السنوات الأخيرة.

ختامًا.. الأمازيغية ضحية صراع أيديولوجي

في النهاية وبعد متابعة وتحقيق وتدقيق لمسار الأمازيغية كلغة وثقافة وأيديولوجية، يمكن القول أن هناك ثلاثة أصناف من الذين يناقشون اليوم هوية الأمازيغ؛ صنف متشبع بالشخصية الجزائرية يسعى إلى تقريب الأمازيغية من العربية والتمكين لها كلغة لا أيديولوجية، في حين يوجد صنفان متطرفان يسعى كل واحد منهما إلى إقصاء الآخر، فالأول يرفض العربية لأنها لغة الإسلام استعمرت أرضه منذ قرون، والثاني يرفض تمازيغت لأنها مرتبطة – حسبه – بالزواف الحركي* وهم جيش من سكان القبائل تحالف مع الاستعمار الفرنسي لاحتلال الجزائر في السنوات الأولى من الاحتلال (1830-1870).

ولعل الأخطر من هذا وذاك، هو أن المسافر من مدينة بجاية تجاه العاصمة الجزائر على طول 250 كلم يلحظ لافتات المرور كيف صنع منها بعض المتطرفين علاقة حميمية بين الفرنسية والأمازيغية، في حين تحذف العربية وتبقى لغة الاستعمار إلى جانب لغة التاريخ القديم بالحرف الفرنسي، وبالتالي نحن أمام خطرين؛ إما اللغة الفرنسية أو أمازيغية بحروف فرنسية في هذه المنطقة! ففي النهاية هناك تمكين للفرنسية شكلًا ومضمونًا!

ونختم كل هذا بدعوة الدكتور عبد الجليل التميمي إلى ضرورة استجلاء الخلفيات والعمل بخطة استشرافية لهذا الملف المعقّد حيث يقول “ومن هذا المنطق نقر بأن الملف الأمازيغي قد حظي باهتمام بالغ من قبل النخبة الأمازيغية المحلية بالمغرب والجزائر وبأوروبا، وحديثا بليبيا وتونس، حيث حظي انطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر باهتمام نوعي من قبل السلطات العسكرية الفرنسية بالجزائر والتي عدته أحد الأولويات الثقافية في أجندة السياسة الاحتوائية للشعبين الجزائري والمغربي. وقد تقاطعت التحاليل والمواقف المحلية والفرنسية تجاه هذا الملف الذي يصفه البعض بأنه قنبلة موقوتة وقابلة للانفجار في أي وقت وحين”.

كما يضيف دائما التميمي “والواقع يفرض على جميع الباحثين المستقلين فكريا العمل على استجلاء الخلفيات التي انبنت عليها مواقف كل طرف، واقتراح خطة طريق استشرافية لهذا الملف الذي يحتل مكانة جديدة في حياتنا السياسية والأدبية والثقافية في هاته الفترة الزمنية الحرجة”.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

The post كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%aa%d9%87-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d8%ba%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 2765