الحداثة - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الحداثة/ مكتبة شاملة Sat, 01 Oct 2022 19:38:31 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 الحداثة - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الحداثة/ 32 32 116455859 الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86-2/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86-2/#respond Sat, 23 Dec 2017 18:47:15 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=15663 مفهوم الحداثة: في يوم ضبابي من عام 1326 وقف ثلاثة رجال وسط حشد من العباد في كاتدرائية نوتردام دي دومز في أفيجنون. كانت بنية الرومانسيك في حاجة واضحة للإصلاح، ولكنه ما […]

The post الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
مفهوم الحداثة: في يوم ضبابي من عام 1326 وقف ثلاثة رجال وسط حشد من العباد في كاتدرائية نوتردام دي دومز في أفيجنون. كانت بنية الرومانسيك في حاجة واضحة للإصلاح، ولكنه ما زال مركز الحياة الروحانية بعد عقد فقط من كونه قرية ريفية. ولكن كيف تغيّر كل هذا! أصبحت القرية هي المركز الجديد للبابوية وكنتيجة أصبحت عرضة لتغيير جذري. كان هناك قصر يجري بناءه وكانت الأموال تأتي من كل حدب وصوب فيما تواجد الفرسان والبيروقراطيين والسفراء والسماسرة في كل مكان. كانت السوق ممتلئة بالبضائع من كل أنحاء أوربا وبلاد الشام. وكان الباحثون والشعراء ومنسوبي الكنيسة القريبون والبعيدون منها يقدمون إليها بشكل متواصل. بدأت القرية الصغيرة بالتحول إلى مدينة ذات أهمية كبيرة. وأولئك الرجال الثلاثة الذين حضروا القداس كانوا مؤشراً على هذا التغيّير. الأول انجليزي والثاني إيطالي والثالث ألماني والثلاثة كانوا يتحدثون اللاتينية بإتقان. كان الأول فرانسيسي بدا مرتبكاً وكان يبدو بوضوح أنه يعاني من بعض الضغط النفسي، بينما الثاني كان شاباً مهووساً بملبسه وأنيقا بتكلف، فيما كان الثالث مسناً دومينكياً بدا غارقا في تأملاته. رحل الثلاثة حال انتهاء القداس وتفرقوا. قليل من معاصريهم من كان يعلم بأن السبل الثلاثة المتفرقة التي سلكها هؤلاء الثلاثة من القداس ومن افيجنون كانت ستغير من مسيرة الإنسانية والعصر الحديث.

يعتقد الكثير هذه الأيام بأن الحداثة فقدت بريقها، ولكن في عام 1326 لم تكن حتى بصيصا في عيني أحد. لم يكن ينتظر قاطني ذلك العالم غداً مشرقاً مضيئاً بل كانوا ينتظرون نهاية العالم. لم يكونوا يستبشرون بقادم الأيام أو يسترجعون الماضي، ولكنهم نظروا فوقهم للجنة وتحتهم إلى جهنم. وأشك قليلاً بأنهم كانوا سيرون العالم الحديث حينها بانبهار. نحن لا نراه كذلك لان الاعتياد ولد فينا الازدراء، ونأخذ الحداثة على انها أمر مفروغ منه ونتملل منها أحياناً، ونعتقد كذلك بأننا نعرف ما هي الحداثة بوضوح. ولكن هل نعي ماهي الحداثة؟ هل نفهم ما يعني أن تكون حداثيا؟ يفترض هذا الكتاب بأننا لا نعي ذلك وآثار الأحداث الأخيرة تبرهن على ذلك بشدة.فيصل الفرهود

ماذا يعني أن تكون حداثياً؟ أن تكون حداثياً في استعمال اللغة اليومية هو أن تكون مواكباً لعصرك ومعاصراً له. يستوعب هذا الاستعمال المنتشر كثيرا من الحقيقة في هذا الموضوع، حتى وإن كان استيعاب المعنى العميق والمهم لهذا التعريف غائبا نوعا ما. في الحقيقة، فإن من سمات الحداثة المسكوت عنها أن نركز على ما هو مقابل لنا وتتغافل عن المغزى العميق من جذورنا. الفهم الشائع للحداثي والحقيقة غير الشائعة له هو في تعريف الفرد من خلال ارتباطه بعصره. في عصور ماضية وأماكن أخرى، كان الناس يعرفون أنفسهم من خلال أرضهم ومسقط رأسهم، من خلال أعراقهم وجماعاتهم، من خلال عاداتهم وآلهتهم، ولكن ليس من خلال ارتباطهم بالزمن بشكل خاص. بالطبع فإن أي وعي للنفس يفترض مفهوما معيناً للزمن، ولكن في كل هذه الحالات ظلت هذه اللحظة الوقتية موجودة ضمنياً. حدد القدماء موقعهم زمانياً من خلال ارتباطهم بأحداث جذرية، مثل خلق العالم، تحرر من عبودية، انتصار تاريخي، أو أول أولمبياد ولكن ارتباطك مؤقتا بأي من هذه الأشكال هو أمر مختلف عن تعريف نفسك من خلال ارتباط زمني. أن تكون حداثياً هو أن تكون “جديداً”، أن تكون حدثاً غير مسبوق في الزمن، أن تكون بداية جديدة، مختلفاً عن كل ما سبقك، أسلوباً جديد من الوجود في العالم، لا أن تكون شكلاً من الوجود بل شكلا من التحقق. وعي الفرد بحداثته يعني وعيه بأنه مبدع ذاته، كشخص حر مبتكر بمعنى جذري، لا كمجرد شخص مضبوط بالعادات ومحكوم بالقدر والعناية الإلهية. أن تكون حداثياً هو أن تصبح محرراً لنفسك صانعاً لها وبالتالي لن تكون مجرد جزءاً من عادة أو تاريخ ولكن أن تصنع التاريخ أنت. وعلى إثر ذلك فأن تكون حداثياً لا يعني بأن تعرف ارتباطك بالزمن فقط ولكن أن تفهم الزمن كنتاج لحرية الانسان وتفاعلها مع العالم الطبيعي. أن تكون حداثياً كنتيجة هو أمر هائل وفريد من نوعه. ولكن ما الذي يمكن أن يبرر هذا الرأي المبهر المتغطرس؟

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بسهولة، ولكن فحصنا لأصول مفهوم الحداثة قد يساعدنا في رؤية ما جعلنا نعتقد هذا الاعتقاد اللافت للنظر ومن أي جهة يجب أن يبرر. تعود جذور الكلمة “حداثي” إلى الكلمة اللاتينية “modus” والتي تعني “مقياس”، كمقياس للزمان، ومع التفريع اللاتيني المتأخر ”modernus“، تفرعت عنه كل الأشكال الأخيرة. استعمل كاسيودوروس هذا المصطلح في القرن السادس ليفرق بين زمنه زمن الروم المتقدم وبين الكتاب الكنسيين، فيما استعمل مصطلح ”modernitas ” في القرن الثاني عشر للتفريق بين الأزمنة المعاصرة من الماضية. بدأ المصطلح بعدها بفترة زمنية قصيرة بالظهور في اللهجات المحلية. استعمل دانتي المرادف الإيطالي لها ”moderno ” في عام 1300 تقريبا، وفي عام 13611 استعمل نيكولاس اورسيم المرادف الفرنسي لها “moderne.”. على أي حال، لم يستعمل المصطلح للتفريق بين “القديم” و “الحديث” حتى عام 1460 ولم يستعمل في المعنى المعاصر للتفريق بين فترة تاريخية معيّنة حتى القرن السادس عشر. ظهر المصطلح الإنجليزي للحداثة والذي يشير إلى للأزمنة الحديثة أول ما ظهر عام 1585، أما المصطلح “حداثة” فلم تستعمل حتى عام 1627. كان مفهوم الحداثة كعصر تاريخي يفهم من ذلك الحين وحتى الآن كمقابل للعصور القديمة. على الرغم من أن التفريق بين القديم والحديث كان حاضرا في العصور القديمة، إلا أنه لم يستعمل بالمعنى الحديث، وذلك يعود غالباً إلى توظيف المصطلحات في سياق رؤية دورية للزمن كانت حاضرة في الرؤى الميثولوجية القديمة للطبيعة وأصل الكون والتي تم تبنيها من الفلاسفة والمؤرخين القدماء كذلك. كان مفهوم “الجديد” حينها ملازما للانحطاط والسقوط، كما في مسرحية السحب لأريستوفانيس، حينما كانت العادات الحديثة للأثينيين مضادة للتقاليد السامية للجيل الذي قاتل في الماراثون.

عملت المسيحية خلال العصور الوسطى من خلال هذا الإطار المرجعي، وقامت بإعادة تشكيله حتى يتوافق مع مفهومها اللاهوتي للعالم ككاشف عن إرادة الإله. من خلال وجهة النظر هذه، فللعالم بداية معينة ومسار تنامٍ ونهاية قدرت وأفصح عنها مجازاً في النصوص المقدسة. من خلال تأطير هذه الرؤية قام المفكرون المسيحيون بالاستناد بكامل ثقلهم على النبوءة في دانيال والتي وصفت العالم كتسلسل من أربع امبراطوريات وهي: البابلية، الفارسية، المقدونية والرومانية. يظهر المسيح في الأخرويات في بدايات نشوء آخر الامبراطوريات وسيعود لينشيء عصره الذهبي عندما تنهار. لم يعد الزمن بالنسبة للمسيحيين دائرة بتسلسل لانهائي بل بدأ منذ فقدان الجنة وسينتهي عند استعادتها. بالتالي لم يتصور المسيحي في العصور الوسطى نفسه كمنافس على القوة والشهرة في العالم بل كمرتحل غريب تقرر أفعاله على الأرض ما إذا كان سينال الخلاص أم الثبور. وكنتيجة أصبحت التقوى أكثر أهمية من الحكمة والشجاعة.

برز مفهوم “الحديث” في سياق إصلاحات الكنيسة في القرن الثاني عشر، على الرغم من أنها حملت دلالة مختلفة عما تحمله هذه الأيام. من خلال اعتقاد هؤلاء الحداثيين أو المجددين بأنهم على مشارف عصر جديد، رأى هؤلاء أنفسهم كما قال بيرنارد تشارتريس (1080-1167) كأقزام على اكتاف عمالقة، أقل شأنا من سابقيهم ولكنهم أقدر على أن يستبشروا المستقبل. اختصر هذا الفهم من خلال أعمال يواكيم الفيوري (1130/35-1201/02) والذي بشّر بدنو آخر الزمان والذي سيتحول فيه العالم إلى دير كبيرة. وهذا ما جعل معنى أن تكون حديثاً بالنسبة لهم يعني بأن تعاصر آخر الزمان على أعتاب الخلود. على الرغم من أن هذه الرؤية اليواكمية (من يواكيم) والتي تبشر بقدوم عصر روحي تبدو وكأنها تتنبأ برؤية عصر النهضة وبقدوم عصر ذهبي جديد أو تصور الحداثة عن عصر العقلانية، إلا أن مفهوم العصريّ في العصور المظلمة كان لا يزال مغروساً في المفهوم الأخروي والمجازي للزمان. بالتالي ظهرت فجوة ضخمة تفصل بين هذه الرؤية وما عقبها من اصطلاحات.

فكرة الحداثة كما نفهمها متصلة بشدة بفكرة العصور القديمة الأصيلة. يأتي التفريق بين العتيق والحديث من التفريق المستحدث في القرن الثاني عشر بين “a via antiqua و “via moderna. كان هذا التفريق في أصله فلسفياً ولم يكن تاريخياً بين موقفين مختلفين بشأن التعميمات وهي طريقتان مختلفان في قراءة أرسطو. كانت “العصور القديمة” هي المسلك الواقعي القديم والذي رأى التعميمات كحقيقة مطلقة، فيما كان “الحديث” هو المسلك الاسماني الحديث والذي رأى بأن الأشياء الفردية متحققة والتعميمات مجرد أسماء. أثمر هذا التفريق المنطقي في رسم تصور لفهم جديد للزمن والوجود.

على أن تكوين مصطلح الحداثة حدث من خلال إتصاله بمصطلح العصور القديمة، إلا أن الاثنين استخدما في بداية الأمر بمعنيين مختلفين. أقام الشاعر الإيطالي بيترارك أساس فكرة “الحديث” حينما وصف عصراً قاتما يفصل عصره عن العصور القديمة. إلا أنه لم يرمي إلى شيء “حديث” أو “جديد” بل إلى إحياء عصر ذهبي غابر. وكانت هذه الرؤية محل قبول عند الانسانويين. أشار لورينزو فالا على سبيل المثال في منتصف القرن الخامس عشر إلى أن عصره الحالي انفصل عن العصر الحديث الذي عاشه البشر إلى قريب. لم يكن يعني الحديث في هذا المعنى العالم الذي يوشك على الوجود ولكن إلى عالم العصور المظلمة المنقض. لم يعي فالا عالمه كأمر حديث غير مسبوق ولكن كمحاولة لاستعادة ما فقد، كعودة إلى شكل قديم من الوجود.

لم يستعمل مصطلح “الحديث” في معناه المتأخر حتى القرن السادس عشر، واستعمل حينها ليصف أسلوباً فنياً معيناً. في الحقيقة فإنه وفي القرن السابع عشر فقط حينما قام جورج هورن (1666) ومن بعده بشكل رئيسي كريستوفر كالاريوس (1696) قاموا بوصف رؤية ثلاثية لتاريخ العالم تستمر فيه العصور القديمة حتى عصر القسطنطين، وتستمر العصور الوسطى حتى نهاية الإمبراطورية الرومانية الشرقية والعصر الحديث والذي يبدأ من القرن السادس عشر.

كانت فكرة العصر الحديث أو كما سميت بالحداثة، كانت جزءاً من فهم ذاتي قام بتمييز الفكر الأوربي منذ وقت بيكون وديكارت. تختلف الفكرة جذرياً عن تلك التي استعملت سابقاً لأنها تتكئ على مفهوم ثوري للحرية والتقدم. إشارة إلى الاكتشافات التي جرت على أيدي كولومبوس وكوبرنيكوس، يقوم بيكون على سبيل المثال بالادعاء بأن الحداثة أسمى من العصور القديمة ويدعم ذلك بمنهجية من أجل تحصيل المعرفة في العالم والتي ستقوم برفع شأن البشرية إلى أسمى مما هم عليه. كان يعلم بأن هذه الفكرة على تناقض مع التحيز السائد في عصره إلى العصور القديمة والتي كان يرونها كمثال للكمال لا يمكن تخطيه، وقام بمواجهة هذه المشكلة مباشرة، مؤكدا على أنه وعلى الرغم من أن الاغريق كانوا قدماء، إلا أن هذا لم يكن سبباً كافيا لمنحهم السلطة. كانوا في نظره مجرد أطفال مقابل رجال في عصره لأنهم افتقروا للنضج الناتج عن القرون التي تخللتها التجربة البشرية. ما بني عليه هذا التحول الثوري في مفهوم العصور القديمة لم يكن مفهوما جديداً للمعرفة ولكن مفهوما جديداً أيضا للزمن لا كتسلسل دائري نهائي ولكن كخط طولي لانهائي. تم تصوير هذا التحول على أن جزء من التطور الطبيعي المستمر الذي يستطيع الأحرار من البشر إتقانه والتحكم به من خلال أشكال من المناهج العلمية المتقنة. يستطيعون بهذه الطريقة أن يكونون متحكمين وممتلكين للطبيعة وبالتالي يقومون بتكوين عالم أكثر أهلية لهم.

النزاع بين القدماء والحديثين

كان مفهوم الحداثة هذا محل جدل منذ البداية، فقد سيطر ميل مفرط للعصور القديمة على تصاعد مفهوم العلم الحديث والمفهوم المتطابق للتقدم في سياق محيط ثقافي والذي قاد للنزاع المشهور بين العريق والحديث والذي لفت انتباه المفكرين الفرنسيين في نهاية القرن السابع عشر. ابتدأ الديكارتيون الفرنسييون هذا النقاش من خلال قولهم بأن واقع التقدم العلمي كان مؤشراً على احتمال على أن يكون الفن والادب الحديث أسمى من القديم. دافع نيكولاس بويلي وآخرون في ردهم قاموا بالدفاع عن تفوق الفن والأدب القديم. هاجموا في المقابل تشارلز بيراولت وفونتينيل وغيرهم من الحداثيين الفرنسيين. على أي حال لم يكن هؤلاء المفكرون ناقدون للقدماء أنفسهم ولكن لمعاصريهم الذين فضّلوا تمجيد عصر النهضة للقدماء والذين نقل العراقة إلى الكلاسيكية. بالتالي فإن النزاع في أصله كان جدلاً بين الإنسانويون والديكارتيون، وإنتهى في فرنسا من خلال الاعتراف بأنه وعلى الرغم من التقدم في العلم الطبيعي إلى ان هذا لم يحدث في العلم. تم التعامل مع كل عصر على أنه يمتلك معاييره الخاصة للكمال الفني.

هذا التفريق الذي ظهر في هذا النقاش لم يتم حله بسهولة. ادعى فولتير على سبيل المثال بعد عدة سنوات في دفاعه عن الحديث والمعاصر بقوله بان الطلاب الذين يسكنون في ليسي في وقته كانوا أكثر حكمة من أي فلاسفة العصور القديمة. أشار روسو في المقابل في كتابه خطاب في الفن والعلم إلى أن الفن والعلم الحديث لم يقم إلا بالتقليل من سعادة الإنسان واستقامته، والتي ازدهرت بشدة في الجمهورية الرومانية والاسبارطية.

على الرغم من نشوء هذا النزاع في فرنسا، إلا أنه استمر أيضا في إنجلترا وألمانيا. ففي إنجلترا والتي سميت فيها معركة الكتب، تواصل النزاع فيها حتى وصل إلى العقود الأولى من القرن الثامن عشر، وغطى أغلب الجوانب ذاتها. نافح توماس بورنت وريتشارد بينتلي إلى جانب اخرين عن تفوق الحداثيين، فيما دافع كل من سير ويليام تيمبل وسويفت ودريدين عن القدماء. بينما اتخذ ويليام ووتون موقفاً وسطاً قائلا بضرورة انفصال الفن عن العلم ومحاكمتهم إلى معايير مختلفة. انتهى هذا الجدال بصعود كلاسيكية البابا، ولكن الصعود الأدبي كان عرضة للتشكيك بعد فترة وجيزة من خلال اكتشافات نيوتن المشهودة والتي بدأت في إعلان تفوق الحداثيين.

أما في ألمانيا، فقد برز عديد من الإشكالات ذاتها في النصف الأخير من القرن الثامن عشر. في هذه الحالة، كان يوجد تأييد قوي مبدئي لحضور العصور القديمة كنتيجة للتأثير الواسع لكتاب تاريخ الفن القديم لوينكل مان. في موقف معارض لهذا الرأي نافح هيردر وشليك وشيلر بضرورة التفريق بين نوعين مختلفين من الفن وبالاقرار بأن الفن الحديث يمتلك جذوراً مختلفة عن تلك في فن العصور القديمة. على الرغم من انتهاج هيجل لموقف وسط والذي رأى العصور المختلفة محكومة بمعاييرها الخاصة، إلا أنه دعم تفوق الحداثيين، مع أنه لم يخف تعاطفه العميق مع خسارة العصور القديمة لبريقها.

يشير هذا النقاش بأكمله إلى الأهمية البالغة التي توكلها الحداثة لفصل نفسها عما سبقها. أشار روبرت بيبين إلى حاجة الحداثة في إثبات فرادتها ولكن إلى سموها وتفوقها على ما سبقها. يصبح التقدم في هذا المعنى نتيجة مباشرة أو إمتداد لفكرة إستقلالية أصول المشروع الحداثي.

أهمية هاتين الفكرتين حاضرة من خلال مركزيتهما في الازمة الفكرية التي بعثت الشكوك في المشروع الحداثي. على الرغم من أن الإنفصال المبكر بين عالمي العلم والجمالي/الأخلاقي المحكومان بمعايير وقوانين مختلفة باعثا على التشكيك في الادعاء العالمي المبكر للحداثة، إلا أن تقنين كانط لهذا الانفصال في تناقض القوانين الكانطي هو ما اقتلع جذور المشروع الحداثي ككل. فقد أشار إلى أن الطبيعة والحرية كما رأتهما الحداثة لا يمكن أن يتعايشا معاً، وبأن علاقتهما متناقضة بالضرورة. ولذلك وجب التخلي عن تصور الحداثة لنظرية جامعة تستطيع تفسير حركة الإله والبشر والعالم الطبيعي. كانت دعاوى الثورة الفرنسية المفرطة في السلطة الموكلة للعقل وبالتنبه الضعيف له بدور هذه الدعاوى في حقبة الإرهاب هي ما جعلت حدود المشروع الحداثي ظاهرة للعيان.

على الرغم من الجهد الفلسفي لحل هذا التناقض من قبل العديد من المفكرين، إلا أن القرن التاسع عشر والعشرين وصما بالفجوة السحيقة بين هذا العاملين الرئيسيين للمشروع الحداثي. شدد العديد من الرومانسيين ومثالي ما بعد الديكارتية على سبيل المثال على دور الحرية البشرية ولكنهم رفضوا المفهوم القائل بأن الطبيعة قد تفسر بواسطة حركات ميكانيكية لمواد غير عاقلة أو من خلال تفاعل القوى الطبيعية المجردة. على أي حال، كل الأسئلة التي طرحت عن الحداثة تم التغاضي عنها من خلال التقدم المعاصر في العلوم الطبيعية ومن خلال التطور الكبير في الحضارة الصناعية التي شددت على منفعة تزايد القوة البشرية ولكنها لم تبال بأي السبل فاوضت على استقلالية الانسان. من الناحية العملية، فعلى الرغم من أن الضمير الفلسفي والجمالي للبعض أحدث بعض التأثير على الحياة الفكرية، إلا أنه لم يفلح في إحداث تأثير على الإيمان الجمعي المتنامي في المشروع الحداثي العلمي والذي بدى لهم واعداً بالنفع الشامل على البشرية. بلغ هذا الإيمان ذروته في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ووجد صداه في الفن المستقبلي والأدب وفي النصب التذكارية العامة مثل برج ايفل. حتى النقد القوي لمجتمعات القرن التاسع عشر الصناعية ظل منسجماً مع التطلع العام للحداثة، من خلال الحديث فقط عن الخطوات المستقبلية الضرورية التي ستضمن توزيع ثمرات التقدم بالتساوي بين الجميع.

أزمة الحداثة

تهتكت فكرة الايمان في المشروع الحداثي وفي فكرة التقدمية بسبب الأحداث التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين. أظهرت الحرب العالمية الأولى على وجه التحديد بأن التطور التقدمي للقوة البشرية لم يكن بنّاءً ببساطة ولكنه هدّاماً بصورة بشعة، وأن ذلك التقدم التقني لم يكن متزامناً مع تقدم أخلاقي أو مع تطور الحالة البشرية. شهدت فترة ما بين الحربين ازدياد هذه الحالة التشاؤمية في الاعمال الفلسفية من الحداثة مثل كتاب سبينغلر “انهيار الغرب” وكتاب هسرل “أزمة العلوم الأوربية” وكتاب هايدجر “الوجود والزمن”، إلى جانب الأعمال الأدبية لمن أطلق عليها فيما بعد “الجيل الضائع”. على أي حال، على أصداء ما كان يرى حينها بأنه تطور اجتماعي واقتصادي مبهر للاتحاد السوفيتي، وللتعافي الاقتصادي الحاصل في عام 1920، بدت حينها أحداث الحرب العظيمة إنحرافا بسيطاً في الطريق إلى التطور التقدمي للقوة البشرية ولما فيه صالحهم، مع ذلك ومع بدايات الكساد الكبير ونهوض القومية الاشتراكية وبداية الحرب العالمية الثانية، بدأت العديد من الشكوك الجذرية الجديدة بالظهور فيما يتعلق بالمشروع الحداثي والتقدمية. بدت هذه الشكوك تكتسب مصداقيتها من خلال حدوث الهولوكوست، والتي جعلت من المستحيل على أكثر الحداثيين حماساً أن يستطيع التحدث عن التقدمية مجددا. ومع مجيء الحرب الباردة واحتلال السوفييت لشرق أوربا في عام 1948 وظهور خطر الإبادة النووية، بدا بأنها كانت المسمار الأخير في نعش الحادثة. المشروع الحداثي كما طرح باديء الأمر في القرن السابع عشر كان قدد حقق تطورا مبهرا في الأوجه التي تخيلها ديكارت وبيكون وهوبز، ولكنه لم ينتج ما توقعه من سلام وحرية ورخاء. في الحقيقة، هي بدت في رأي مفكري ما بعد الحرب سبباً في إظهار أسوأ ما في البشرية وفي شكل مفاجيء قامت بتطبيق حقيقة إدعاء روسو بأن التقدم في الفن والعلوم كان يزيد من قوة الإنسان ولكنه يحط من شأن استقامته وأخلاقه بشكل مساو.

اتخذ نقد المشروع الحداثي على اعقاب الحرب العالمية الثانية أشكالاً عدة، بانياً عماده على النقد القديم لسبينقلر وهسرل وهايدجر. رأى بعض اتباع هسرل كارثة القرن العشرين كأثر مترتب على خلل في مفهوم العقلانية تم تقديمه عن طريق ديكارت وجاليلو. تحدث ليو شتراوس من هذا المنطلق بأن الأزمة الحالية ماهي إلا آخر الآثار المترتبة للموجات الثلاث الناجحة للفكر الحداثي والتي غمرت العقلانية القديمة والقانون الطبيعي، مستبدلة إياهم بأسلوب جديد للسلطة وعقيدة في الحقوق الطبيعية. في سياق مقارب، رأت حنه أرندت أملاً للتجديد من خلال العودة إلى العالم القديم، على الرغم من انها ركزت كثيرا على السياسة الجمالية والحياة العامة للديموقراطية الأثينية أكثر من الفلسفة القديمة. وبموقف نقدي مماثل للحداثة، هدف ايريك فولجين إلى إحياء المسيحية الأفلاطونية كأنجع الخيارات الممكنة للتجديد.

ذهب شكل آخر من النقد إلى أن أزمة الحداثة ليست نتيجة لخلل في العقلانية الحديثة ولكن أثر مترتب لفشل التراث الغربي نفسه والذي بدأ مع أفلاطون وبلغ ذروته مع أفكار هيجل وأتباعه.  لم يؤمن هؤلاء المفكرون بأن حل أزمة الحداثة هو من خلال العودة إلى شكل قديم من العقلانية. رأى هؤلاء متبعين في ذلك هايدجر بدلا من هسرل بأن التفكيك الوجودي للعقلانية الغربية هو متطلب أساسي لكل بداية جديدة. وهذا ما جعلهم يرون حل أزمة الحداثة لا من خلال العودة لما قبل الحداثة بل من خلال استكشاف محيط ما بعد الحداثة. بالنسبة للفلاسفة مثل دريدا واديرنو ودولوز كان الحل الضروري لتحريرنا من مشاكل الحداثة هو عن طريق فلسفة اختلاف ما بعد بنوية لا عن طريق فلسفة هوية أفلاطونية.

وعلى نقيض من المابعد حداثيين وما قبل الحداثيين، حاول المتحمسون للمشروع الحداثي في إظهار بأن ما يسمى بأزمة الحداثة ليست في ذاتها أمراً حداثياً. ولكنها في نظرهم نتاج لرجعية لم تولد داخل الحداثة بل في مقابلها. بهذا المعنى، فالقومية الاشتراكية لم تكن أمرا حداثياً بل من بقايا العهد الجرماني أو أنها نتاج ردة الفعل الرومانسية للحداثة أو أنها آثر مترتب للتعصب اللوثري والذي هو في أصله غير حداثي. وشبيه بذلك الطبيعة الشمولية للاشتراكية في روسيا والتي لم تكن نتيجة للأمل المستحيل للحداثة في جعل الإنسان مالكا ومتحكما على الطبيعة ولكن كان نتاجاً للسلطوية الروحية الممتدة في الأرثوذكسية الروسية والتي كانت ضداً للحداثة. بالتالي فقد كان الحل لأزمة الحداثة كما رآه هؤلاء الداعمون للحداثة لا يتطلب تخلفاً عن الحداثة وإستبدالها بأشكال سابقة من الحياة أو بالإلتفات إلى البدائل التي توفرها ما بعد الحداثة، ولكن من خلال تطهير الحداثة نفسها وتنقيتها من الرجعية ومن العوامل الدخيلة عليها (والديانات قبل الحداثية). بالتالي فقد كانوا يرون الإنتصار على الفاشية، تنامي العلمانية، والتطور الاقتصادي في آسيا وامريكا اللاتينية وقبل كل شيء سقوط الاتحاد السوفييتي كدلائل على الأثر والقوة الباقية للمشروع الحداثي.

كان انهيار جدار برلين اعلاناً عن نهاية العصر الذي اتسم بالمواجهة بين الليبرالية الفردانية والشمولية الجمعية. لم تسيطر هذه المواجهة على سياسة النصف الاخير من القرن العشرين فحسب، بل سيطرت على الحياة الثقافية. بدى سقوط جدار برلين على إثر ذلك لمساندي الحداثة كمؤشر على القوة الطبيعية شديدة الاغراء للمشروع الحداثي. كل ما تبقى للمستقبل كان هو تحول الدول الاشتراكية سابقاً إلى مجتمعات ليبرالية رأسمالية، واستمرارية تحديث العالم النامي. رأى بعض الملاحظين ممن اخذهم الحماس ذلك الوقت بأن تلك اللحظة كانت حتمية وفريدة ليصفوها بأنها نهاية التاريخ ولحظة إدراك غاية البشرية الأخيرة. ومن خلال المنطلق ذاته ولكن بأسلوب أكثر تواضع، تنبه آخرون إلى الكم الهائل من العمل اللازم من أجل تأسيس رفاه عالمي وسلام مستديم، ولكنهم اعتقدوا بأن انجاز ذلك سيكون من خلال تطور تدريجي وعولمة ولبرلة تتكيء على الدافع لا القوة. رأى آخرون لاسيما أولئك المتشبثون بالمستقبل الما بعد حداثي بأن نهاية الحرب الباردة كانت انتصارا لليبرالية الامبريالية ولكن اعتقدوا بأن هذا كله يمكن تجاوزه من خلال سياسة جمالية تنحو إلى تأسيس مجتمع متعدد الثقافات غير متعرض للهيمنة بل ميال إلى الجدل والصراع يمضي قدماً من خلال التكيّف والتوافق والتعلم المتبادل بدلاً من الحرب والغزو. لن ينتهي الاختلاف حينها والمعاناة ستستمر ولكن المستقبل سيكون مثمراً.

خبت كل دواعي التفاؤل بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي، على أعقاب الحادي عشر من سبتمبر انحسرت فكرة العالم متعدد الثقافات واستبدلت بفكرة صراع حضارات وشيك. على الرغم من أن هذا الصراع هو في أصله مواجهة بين العقل والوحي، إلا أنه يزرع الشكوك في عقيدتنا التنويرية المتهاوية والتي تقول بأن العقل بكل وضوح وبلا شك أسمى من الوحي، وبالرغم من أن الدين قد يجد حيزاً في الحياة المعاصرة فإنه لن يكون إلا في منزلة أدنى. بالتالي يتم التغاضي عنه كملكية خاصة ولا يرى كسلطة يجدر بها أن تقوم بتكوين حياتنا العامة.

يجب أن تقودنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى التشكيك في الفرضية الغربية المشهورة بأن أصل الحضارة في المصلحة الذاتية لا في الإيمان الديني. على الرغم من وجود إجماع على حقيقة ذلك، إلا أن تبرير حقيقتها ليس واضحا. حقيقة أن اعتقادات الأخيرين من الشدة بمكان للحد الذي لا تعطينا فيه خيارا على المدى القريب إلا بأن نقوم بالدفاع عن العالم الحديث وأسلوب حياته، ولكن في الوقت نفسه نحن مكرهون على هذا التحدي حتى نعيد التفكير في جذور الحداثة نفسها، والقرارات المنسية التي ساهمت في تشكيل ولا تزال تشكل أسلوب حياتنا.

منشأ الحداثة

ترى الرواية التقليدية التي تعود إلى هيجل بأن العصر الحديث كان نتاجاً لأناس استثنائيين، لعلماء بارعين وفلاسفة ومكتشفين وكتاب تغلبوا على الخرافات الدينية في عصرهم وبنوا عالماً جديدا عماده العقل. تصور الحداثة في هذه الحالة كحالة إنفصال جذرية عن الماضي. تعرضت هذه الرؤية لمنشأ الحداثة للتهوين في بدايات القرن العشرين من قبل اتيني جيلسون، الذي قرر بأن هؤلاء المؤسسين المفترضين للعصر الحديث قاموا باستعارة العديد من أفكارهم الرئيسية من سابقيهم من العصور المظلمة. فلا هم ولا عصرهم الذي أسسوه كان أمراً غير مسبوق كما صوروه. حاول المؤرخون المتأخرون المهتمون بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ العلم من خلال تأسيسهم على البدايات بأن يظهروا بأن التحول من العصور المظلمة إلى العالم الحديث كان أكثر تدرجاً مما كان يعتقد حتى أيامنا هذه. في الحقيقة فقد أكد هؤلاء المؤرخون وبعد تفحص دقيق على وجود العديد من الأوجه المشتركة بين هاتين الحقبتين، أكثر مما اقترحته الرؤية التقليدية.

من خلال هذه الأوجه المشتركة والمختلفة، جادل كارل لوويث في كتابه المعنى في التاريخ (1949) بأن الحداثة كانت نتاجاً لعلمنة الأفكار السامية المسيحية وبأنها كنتيجة لم تكن منفصلة عن العصور الوسطى. فعلى سبيل المثال، فمن هذا المنظور يبدو لنا مفهوم التقدمية وهو أساسي في الفهم الذاتي المعاصر، يبدو بأنه نتاج علمنة لمفهوم المليارية المسيحي. ومن هذا المنطلق يبدو لنا بأن قراءة نشوء الحداثة كإنتصار للعقل على الخرافة مليئة بالإشكال.

قوبلت فرضية العلمنة هذه والتي لاقت رواجاً خلال الستينات والسبعينات برفض هانز بلومبرنغ، والذي جادل بأن العصر الحديث لم يكن عالماً من العصور المظلمة تمت علمنته ولكنه كان أمراً جديداً وفريداً من نوعه. يبدو موقف بلومبنريغ على السطح بأنه إحياء للموقف التقليدي الذي يربط الحداثة بانتصار العقل، ولكنه في الحقيقة يتبنى رؤية أكثر نيتشوية والتي لا تعرف الحداثة بالعقل ولكن بإثبات الذات. سمة إثبات الذات التي يتصف بها العالم الحديث في نظره ليس نتاجاَ لمجرد إرادة القوة. ولكنه موجه نحو حل الإشكال أو السؤال الذي خلفه انهيار العصور المظلمة. وبالتالي يرى بلومينبرغ الحداثة كانتصار ثانٍ على الإشكال الذي ساهم في ولادة المسيحية وهي الغنوصية. وهذا الانتصار الثاني كان بالغ الأهمية كما يرى بلومنبرغ، لأن محاولة المسيحية للانتصار عليها كانت ناقصة منذ البادية. ظهرت الغنوصية من جديد كما يرى بلومنبرغ في نهاية العصور الوسطى في مظهر مذهب الاسمانية، والتي دمرت مذهب المدرسية وساهمت في ولادة مذهب الارادية كضد للإله المدرك. حاولت الحداثة في سعيها ضد الغنوصية الجديدة هذه إلى تأسيس جذور للبشرية من خلال مفهوم إثبات الذات البشري. الحداثة في هذه الحالة لم تكن مجرد علمنة للمسيحية ولكنها شيء حديث يمتلك شرعيته بطريقته الخاصة.  لذلك فإن الظواهر التي كانت تبدو بأنها من عوامل الرؤية المسيحية للعالم التي تم علمنتها هي في حقيقتها إعادة إحتلال لما هي الآن مواقف مسيحية خاوية، بمعنى أنها محاولة للإجابة على أسئلة مسيحية قديمة بأساليب معاصرة. بالتالي فإن فكرة التقدمية من هذا الناحية ليست شكلاً معلمنا من فكرة المليارية المسيحية ولكنها “إعادة احتلال” للرغبة الحاصلة في العصور المظلمة من اجل إظهار تأثير الله في كل حادثة. يرى بلومنبرغ بأن الملاحظة الخاطئة للإجابة على ما يقرأ الآن على انه أسئلة واهية ضللت رؤيتنا عن فهم الحداثة وجعلتنا ننحو بشكل خاطيء إلى التشكيك في شرعية المشروع الحداثي.

ترشدنا مقاربة بلومنبرغ هذه إلى الاتجاه الصحيح، ولكنه لا يعي الأهمية الميتافيزيقية لمحاججته هذه ولذلك لا يتنبه إلى الطريقة التي تأخذ فيها الحداثة شكلها داخل البنية اللاهوتية والميتافيزيقية للتراث. لا تبرز الحداثة كمقابل أو في موقف متصل مع العصور المظلمة ولكن من خلال أنقاضها كما يشير إلى ذلك بلومنبرغ. لم تعلوا أفكار الحداثة المؤثرة أو تمحوا أفكار العصور المظلمة بل قامت بدفع بقايا العصور المظلمة بعد أن صيّرها الصراع بين المدرسيين والاسمانيين إلى أنقاض. استطاع “العقل” الحداثي أن يعلوا على “الخرافة” أو “الوثوقية” لأن “الوثوقية” كانت في أضعف حالاتها جراء الازمة الميتافيزيقية/اللاهوتية التي جلبت العالم الى نهايته. بلمومنبرغ محق أيضاً في قوله بأن سقوط عالم العصور المظلمة لم يفتح المجال ببساطة لأفكار جديدة وأساليب حياة جديدة ولكنه قدم البشرية بسؤال عصري جديد نجح في توجيه الفكر البشري إلى طرق جديدة من ذلك الحين. ما تفتقد له مقاربة بلومنبرغ هو ملاحظة أن الأشكال التي افترض الفكر الحداثي وجودها لم تكن إعادة احتلال اعتباطي لمواقف العصور المظلمة ولكنه كان استيعاباً للإحتمالات الميتافيزيقية واللاهوتية التي خلّفها التراث القديم. وحتى نفهم الحداثة كما هي الآن، علينا إذن أن نقوم بفحص أصول الحداثة، حتى نلحظها كما هي خلف الستار الذي صاغته الحداثة لتخفي عنا جذورها. بالتالي فجذور الحداثة لا تقع في التأكيد على الذات البشرية ولا في العقل ولكن من خلال الصراع اللاهوتي والميتافيزيقي الذي شهد نهاية عالم العصور المظلمة ونقل أوربا في الثلاثمئة سنة التي فصلت العصور المظلمة عن العالم الحديث. يقدم هذا الكتاب رؤية للجذور المخفية للحداثة في هذه القرون المنسية.

تحدث مارتن هايدجر في محاضرته الافتتاحية عام 1929 في جامعة فريبورخ بأن الأفكار والأفعال البشرية مدفوعة ومقادة بواسطة التجربة الحاصلة من خلال أسئلة أساسية تشكيكية بمعنى وطبيعة كل شيء بما فيها المتسائل. تبرز هذه الأسئلة في لحظة تنحل فيها شرعية ومعنى كل طرائق التفكير والوجود ويتحول العالم إلى عدمية وفوضى. تولد هذه التجربة شعوراً عميقا بالارتباك يدفع البشر للبحث عن الأجوبة وليقوموا بصياغة أساليب تفكير ووجود جديدة وكنتيجة يقومون بإعادة تشكيل العالم الذي يعيشون فيه. تظهر التغيرات الحقيقية في التاريخ من وجهة نظر هايدجر في هذه الحالات كنتيجة لمواجهة هذه الأسئلة التاريخية وكل شيء يعقبها وينتج عنها. هذه الأسئلة لا تحررنا ببساطة من الماضي ولكنها توجهنا إلى مستقبل جديد. اعتقد هايدجر بأن اليونانيين قبل سقراط واجهوا مثل هذه الأسئلة الأساسية وبأن التاريخ الغربي منذ ذلك الوقت لم يكن إلا محاولات من أجل الإجابة على هذه الأسئلة. كانت العدمية في نظره هي استيعاب عدم جدوى كل محاولات الإجابة هذه، حالها حال تجربة السؤال نفسها. واجهت البشرية من جديد كما يرى هايدجر مثل هذا السؤال الذي مزق نظرية الوجود وفتح على إثر ذلك إمكانية بداية جديدة، عالم جديد، وتاريخ جديد.

يعتمد هايدجر على نيتشه في سعيه لتطوير هذا الرأي، الذي رأى بروز العدمية كلحظة تاريخية مفتاحية. اعتقد نيتشه بأنه وعلى الرغم من أن موت الاله وانهيار القيم الغربية التي وعلى إثرها سيودي بالبشرية إلى هاوية من الحرب والخراب، إلا أن هذا الحدث سيكشف العالم بشكل غير مسبوق منذ العصر التراجيدي الاغريقي. على الرغم من أن موت الإله سينتج “منطقاً مرعبا من الإرهاب”، إلا انه اعتقد كذلك بأن ” بأن الأفق في نهاية الأمر يبدو حراً لنا مجدداً”. إذا كان الاله ميتاً ولا شيء يبدو حقاً، إذن “كل شيء مباح”. بالتالي جحيم العدمية متصل بشكل وثيق بعصر راديكالي انفتاحي. على الرغم من أن نيشته وهايدجر كانا محقين في رؤية الطبيعة الفاصلة والحاسمة لهذه الأسئلة، إلا أنهم بالغوا في الإنفتاح الذي تحدثوا عنه. في الحقيقة فإن تجربة هذه الأسئلة قد تقود البشرية إتجاهات جديدة وناحية أجوبة جديدة، ولكن البشر سيواصلون صياغة هذه الأجوبة داخل بنىً مفهومية سائدة والتي على إثرها ستواصل في تشكيل طرق تفكيرنا عن الأشياء بسبل عدة. وهذا ما نراه بوضوح في تطور الفكر الحديث.

تنشأ الحداثة جراء التصادم مع أسئلة تاريخية. لا يكمن العالم الحقيقي الذي قام برسم آلية تفكيرنا في نهاية الحداثة بل في بدايتها. في الحقيقة فإن النهاية “العدمية” للحداثة هي الصورة الباهتة لهذه البداية، وإذا ما أردنا فهم أنفسنا ومن أين وجدنا وماذا يقودنا وما هو الذي يستمر في توجيهنا فعلينا أن نفهم هذه البداية. وهذا الكتاب معنيٌ بهذه البداية، عن أزمة “العدمية” في فكر العصور المظلمة والتي ولّدت هذه الأسئلة التاريخية التي تقف خلف الحداثة وتوجهها. سأدافع فيما سأقوله تالياً بأن الحداثة كما نفهمها الآن نشأت عن طريق سلسلة من الإجابات المعنيّة بهذا السؤال الذي قام ببناء طرق تفكير ووجود وفعل جديدة لعالم كان يبدو متهاوياً في طريقه إلى هاوية سحيقة. سأحاول أن أظهر بأنه وعلى الرغم من أن هذه “الأجوبة” تتشارك جميعها بعض الفرضيات الوجودية، إلا أنهم يفترقون بشكل جذري وأحياناً يمتلكون رؤى في الطبيعة وعلاقة الإنسان، الاله، الطبيعة والعقل، تتضاد فيما بعضها. يفتح فهم سؤال الحداثة بهذا المعنى نظرة إلى الأساس المتضارب للحداثة.

برز السؤال التاريخي الذي ساهم في ولادة العصر الحديث من خلال أزمة لاهوتية/ميتافيزيقية داخل المسيحية عن طبيعة الإله وطبيعة الوجود كنتيجة لذلك. كانت هذه الأزمة حاضرة بتجلٍ في الثورة الاسمانية على المدرسية. هذه الثورة الفكرية مع ذلك كانت انعكاسا لتحول أعمق في التجربة الوجودية المماثلة. كان المدرسيون في أواخر العصور الوسطى واقعيين أنطولوجياً وهذا يعني بأنهم كانوا يعتقدون بالوجود الحقيقي للكون أو لنعبر عنها بشكل آخر فقد قاموا بالتعامل مع الكون كمؤسس للعقل الإلهي. كانوا يتعاملون ويؤمنون ويؤكدون على أن الواقعية المطلقة ليس للأشياء الجزئية ولكن للكليات، وقاموا بالتعبير عن هذه التجربة من خلال منطق القياس والذي كان يرى كانعكاس للعقل الإلهي. كانت نظرية الخلق نفسها تجسيداً لهذا العقل، بينما تموضع الإنسان على رأس هرم هذا الخلق بوصفه الحيوان العقلاني المقاد بواسطة الغايات الأخيرة للطبيعية وبالأهداف الروحية الموحاة له.

قامت الاسمانية بقلب هذا العالم على رأسه. بالنسبة للاسمانيين كان العالم عبارة عن أفراد وجزئيات بينما الكليات كانت مجرد خيال. لم تكن الكلمة عندهم تشير إلى ذوات كلية ولكنها كانت مجرد إشارات مفيدة للفهم البشري. كان الخلق في أصوله جزئياً وبالتالي لم يكن لاهوتياً. على إثره فلم يكن من الممكن أن يفهم الإله بواسطة العقل البشري ولا من خلال الوحي الإنجيلي او من خلال التجربة الروحية. بالتالي لم يعد البشر يمتلكون غايات أخيرة طبيعية أو روحية. بهذه الطريقة مزقت الثورة الاسمانية ضد المدرسية كل جانب من جوانب عالم العصور الوسطى. وجلب النهاية لكل الجهود الضخمة التي بدأت مع الآباء الكنسيين من اجل جمع العقل والوحي من خلال توحيد التعاليم الطبيعية والأخلاقية الإغريقية مع المفهوم المسيحي للخالق القادر على كل شيء.

إلى فترة قريبة لم يتم منح الثورة الاسمانية ولم تعطى أهمية هذا النقاش حقها. وهذا كان في بعضه عائداً لقرار الكنيسة الكاثولوكية في أواخر القرن التاسع عشر في أن توحد عقيدة الكنيسة بالعقيدة التوماوية، والتي قادت الى إهمال نقاد توما الاكويني من القرن الرابع عشر والخامس عشر والاستخفاف بهم. كان هذا التركيز على توما الاكويني مدفوعا برغبة مفهومة لتنقية العقيدة الكاثولكية، ولكنها اعتمدت كذلك على استيعاب ان هؤلاء النقاد الاسمانيين لعبوا دورا مهما في تمكين الأسس الفكرية من أجل حركة التجديد. السبب الثاني والأهم لفشل ملاحظة الأهمية لهذه الثورة التاريخية هي حقيقة أن إله الاسمانيين كان قلقاً. كان الاله الذي وصفه توما الاكويني وديكارت لانهائي، ولكن عظمة خلقه والثقة من خيريته كانت متجلية في كل مكان. بينما كان الإله الاسماني على الضد من ذلك، مطلق القدرة بشكل مخيف، خارج نطاق معرفة الإنسان، وخطر مستمر على صالح الإنسان، ومع ذلك فلا يمكن الإحاطة بهذا الإله بالمفردات وبالتالي لا يمكن اختباره إلا من خلال سؤال جبار أثار الرهبة والجزع، وأريد هنا أن اقترح بأن هذا هو السؤال الذي يقف على مشارف بداية الحداثة.

أكدت الرؤية الجديدة عن الإله والتي برزت في القرن الرابع عشر على القدرة الإلهية وعلى تعذر التنبؤ بدلا من الحب الإلهي والعقل، ولكن هذا الإله الجديد لم يكن مفهوماً إلا التغيير الضخم في العالم نفسه. مثل الإنفصال الكبير، حرب المئة عام، الموت الأسود، اختراع البارود، الحركية الاجتماعية، والحملات الصليبية، كلها لعبت دوراً مهما في تشكيل القلق وعدم الأمان الذي أسهم في الرؤية الاسمانية للمعقول في العالم.

المسلك الميتافيزيقي للحداثة

تأسست الحداثة كنتيجة لسلسلة المحاولات من أجل ايجاد حل خارج الازمة التي أحدثتها الثورة الاسمانية. لم تكن هذه المحاولات اعتباطية أو عن طريق الصدفة ولكنها كانت انعكاسا للخيارات الفلسفية المتاحة من بين الاحتمالات الميتافيزيقية. كما سنرى الآن، فإن كل محاولة لتحديد الهوة السحيقة التي تسببت بها الاسمانية كانت محاولة لبناء العالم وفق أسس ميتافيزيقية معينة. وحتى نفهم ما يعني هذا، فعلينا حينها ان نناقش باختصار طبيعة الميتافيزيقيا.

نفهم الميتافيزيقيا هذه الايام كفرع من الفلسفة، وهو فرع شوهت سمعته في عصرنا الوضعي العلماني بسبب اهتمامه بأمور تتجاوز الحواس وبسبب اتصالها بالدين. أما الميتافيزيقيا في العصر الذي نبحث فيه فقد كانت تحمل معنى اوسع. الميتافيزيقيا العامة والتي كانت تتضمن الانطولوجيا والمنطق، بينما كانت الميتافيزيقيا الخاصة والتي تضمنت اللاهوت المعقلن وعلم الكون المعقلن والأنثروبولوجيا المعقلنة. بالتالي لم تكن الميتافيزيقيا جزءاً من الفلسفة ولكن أشمل اشكال المعرفة متضمنة كلاً من دراسة الوجود والعقل والاله والانسان وطبيعة العالم. ولنضع هذا كله في مصطلحات معاصرة فقد كانت الميتافيزقيا تتضمن البحث في طبيعة الوجود وطبيعة العقل، فيما كانت الميتافيزيقيا الخاصة تتضمن البحث عن ثلاث جوانب من الوجود: الانسان، الطبيعة، والإله. وحتى نستعمل الاصلاح المشهور بسبب هايدجر، فقد كانت الميتافيزيقيا العامة مهتمة بالأسئلة الوجودية بينما اهتمت الميتافيزيقيا الخاصة بالأسئلة الموجودية.

كانت الثورة الاسمانية ثورة وجودية شككت في الوجود نفسه. وكما رأينا سابقاً، فإنها أماطت الطريق لنشوء أنطولوجيا جديدة ومنطق جديد ومفهوم جديد للانسان والاله والطبيعة. وتم من خلالها تشكيل كل الفكر الاوربي اللاحق عليها من خلال هذا التحول. على الرغم من تقليل الاسمانية للمدرسية إلا انها لم تستطع إيجاد بديل مقبول بشكل عام للرؤية الشاملة للعالم التي قامت بتدميرها. وهذا ما جعل بعض التراجع عن الاسمانية الأصولية أمرا لا مفر منه. ولكن من خلال الرؤية الانطولوجية البسيطة فلم يحدث أي تراجع فقد قبلت كل الأشكال الفكرية اللاحقة أو معظمها الفردانية الأنطولوجية التي أكدت عليها الاسمانية بالقوة. أما فيما يتعلق بالجوانب الاخرى من الميتافيزيقيا فقد وجد بعض التنوع والاختلاف الملحوظ على الرغم من أن هذا التنوع كان مقيداً ببنية الميتافيزيقا نفسها. في الحقيقة فكما سنرى، لم يركز المفكرون اللاحقون على الأسئلة التأسيسية الأنطولوجية ولكن على الاسئلة الموجودية، عن أولوية وعلو بعض جوانب الوجود داخل الميتافيزيقيا الخاصة. على إثر ذلك فإن أعمق الخلافات في الفترة مابين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر لم تكن وجودية ولكنها كانت موجودية، لم تكن الخلافات حول طبيعة الوجود ولكن عن أي واحد من الجوانب الثلاثة –الانسان، الالهي، الطبيعي – كانت له الأولوية. وحتى نختصر هذا كله فإن المفكرين مابعد المدرسيين لم يختلفوا فيما بينهم حول الوجود نفسه ولمن حول تراتبية جوانب الوجود.

وهذا جلي بوضوح حتى من خلال التفحص السطحي للانسانية والتجديد، وهما حركتان فكريتان وقفتا بين الاسمانية والعالم الحديث. وكلاهما قبل الفردانية الانطولوجية التي ادعتها الاسمانية، ولكنهما افترقا جذرياً عما إذا كانت الاولوية الموجودية للإنسان او للإله. وضع الانسانويون الانسان أولاً وقاموا بتأويل الإله والطبيعة على هذا الأساس. بينما كان التجديد على النقيض يبدأ من خلال الاله ويرى الانسان والطبيعة من منظوره فقط. على الرغم من اتفاقهم على الأمور الوجودية، إلا أن الفروقات الناشئة من خلال خلافاتهم الوجودية كانت متعذرة العلاج، وقامت بلعب دور مهم في الحروب الدينية الطاحنة والتي مزقت الحياة الاوربية في القرون السادسة عشر والسابعة عشر. كانت الحداثة كما هي في فهمنا الدقيق لها هي أثر تابع للمحاولة من أجل حل هذا النزاع من خلال التأكيد على أولوية موجودية لا الانسان ولا الإله بل للطبيعة. وكما سنرى، على الرغم من مساعدة هذه البداية الطبيعية تخفيف حدة هذا الصراع، إلا أنها لم تستطع استئصال العداوة في جذرها دون التخلص من الاله أو الانسان. لا يمكن لأحد أن يستبعد الاله دون أن يحول الانسان الى وحش ولا يمكن لأحد أن يستبعد الانسان دون الوقوع في التطرف اللاهوتي.

تهدف السلالتان الضخمتان للفكر الحديث واللتان تبدئان مع ديكارت ثم هوبز إلى إعادة بناء العالم لا كجزء من صنيع الانسان ولا كمعجزة إلهية ولكن كموجود طبيعي. إلا أنهم يختلفون على أية حال حول طبيعة ومكانة الاله والانسان في العالم كلما تبحروا فيه، يرى ديكارت الانسان كموجود طبيعي ولكنه إلهي بشكل جزئي وبالتالي يتميّز عن الطبيعة ومتحرر من قوانينها. أما هوبز فيرى الانسان طبيعي تماماً وهذا يعني بأنه حر بما يتوافق مع سببية العالم الطبيعي. وهذا ما يجعل هذان القطبان من أقطاب الفكر الحديث يتعرضان لذات الانقسام الذي فصل بين الانسانويين والإصلاح الكنسي.

شكل هذا التعارض إشكالية جذرية للفكر الحديث، وحرص المفكرون ممن كرسوا أنفسهم لهدف التنوير على حلها، ولكن في النهاية لم تؤدي هذه الجهود إلى نفع، فلم يكن ممكناً أن يحل هذا التعارض من خلال أسس الحداثة الميتافيزيقية. وملاحظة هذه الحقيقة، والتي وجدت أول بداياتها وتجلياتها من خلال مبدأ التناقض الكانطي والذي آذن بأزمة الحداثة والتي لا نزال نعيش في ظلالها حتى الآن. لا يعني الحديث عن أزمة الحداثة بأن نقوم بالتأكيد على تخلي المفكرين الحداثيين عن مشروع الحداثة. فلم تكن المثالية الالمانية في أصلها إلا محاولة ايجاد حل لهذه المشكلة. ومع فشل المشروع الحداثي الهادف الى الانسجام مع العقلانية الحديثة، فقد تم تمييز الحداثة بأنها شق كبير بين الإرادية الراديكالية والحتمية الراديكالية. رسوخ هذا الانقسام وعدم قدرة المفكرين الحديثين على ايجاد حل لعلاج هذا الجرح، نحى بالكثير إلى هجر الحداثة لصالح البدائل في مابعد الحداثة أو ماقبل الحداثة.

ما إذا كنا نستطيع التوصل إلى حل لهذا التعارض وإلى أي أحد، هو أمر يعتمد على استيعابنا للسؤال الذي تسبب في نشوء الحداثة. تعني مواجهتنا لهذا السؤال إعادة اعتبارنا لسؤال العلاقة بين الوحي والعقل. إن كانت الحداثة هي العصر الذي نقوم به بتعريف وجودنا من خلال زماننا، ونعرف زماننا من خلال وجودنا الخاص كجزء من التاريخ، سنستطيع التصالح مع أنفسنا عندما نقوم بالتصالح مع فكرة أننا فانون. يصبح للفناء معنى لدينا ضد الخلود. حتى نعي سؤال الحداثة التي تواجهنا به، علينا إذن أن نتنبه إلى سؤال الجذور اللاهوتية للحداثة. وهذا الكتاب هو محاولة لطرح هذا السؤال.

الثورة الاسمانية ومنشأ الحداثة

الأزمة اللاهوتية لفكر القرون الوسطى

على الرغم من أن العالم الحديث أصبح واعيا بنفسه في القرن السادس عشر والسابع عشر، فإنه من الخطأ أن نعتقد بأن الحداثة بدأت منذ ذلك الحين بقدر ما هو خاطئ أن نعتقد بأن الحياة البشرية بدأت عندما بدأ الإنسان بالوعي بذاته. لم تزدهر الحداثة كاملة من خلال جاليلو، بايكون، ديكارت، وهوبز ولكنها نهضت قبل وقت طويل وكنتيجة لجهود العديد من الاشخاص المختلفين من سياقات متعددة. وكما ناقشنا سابقاً، فإن من أكثر سمات الحداثة تميزاً هي في أن تظهر ذاتها كشيء جديد بشكل جوهري غير مسبوق. وهذا أثر تابع لفهم حداثي مميز لقدرات الانسان وطريقته في تجلي ذاته في العالم. مع ذلك، هناك أسباب معتبرة للتشكيك في صحة هذا لفهم الذات هذا. وكما اكتشف اوديب، فلا أحد يولد “ابناً للقدر”، كل شخص وكل شيء له أصل يقوم بتشكيله بطريقة دقيقة. وحتى نبدأ في فهم طبيعة العالم الحديث، فمن المهم أن نفحص تطور وعيها المبكر في الثلاثمئة سنة بين سقوط عالم القرون الوسطى ونهوض الحداثة.

نستطيع تعقب جذور عالم القرون الوسطى إلى التوليفة الحاصلة بين المسيحية والفلسفة الوثنية في العالم الهلنستي في أواخر العصور القديمة. بدأ هذا في الاسكندرية في القرن الأول والثاني. وهنا دمجت نزعات مختلفة من الفكر المسيحي، المعتقدات الدينية الشرقية، الأفلاطونية المحدثة، وعدد من الرؤى الفلسفية القديمة بطرق مختلفة ومتعارضة في وقتها، لتعكس التكامل الروحي والفكري في ذلك الوقت. برزت وتمأسست عملية سير هذا الدمج من خلال تبني المسيحية كالدين الرسمي للامبراطورية الرومانية بقيادة قسطنطين. ذابت النزعات المتضاربة المختلفة داخل عقيدة رسمية من خلال مجامع كنسية كان اولها مجمع نيقيا عام 323. بغض النظر عن التوحيد العقدي المفروض من قبل السلطة الامبراطورية، فإن التوتر الحاصل داخل المسيحية بين الوحي الذي يشدد على كلية القدرة الالهية وعقيدة التجسد من جهة، والفلسفة التي تشدد على العقلانية ومفهوم الكون العقلاني من جهة أخرى، لم يتم حله بسهولة وظل مشكلة ممتدة للمسيحية خلال تاريخها المديد. مما لا شك فيه بأن كثيرا من التطور المتعاقب على اللاهوت المسيحي حدث ضرورة من خلال هذا التنافر المتفاقم الدوري المستمر بين هذين العنصرين في المسيحية.

فقدت العديد من المعرفة الناجمة عن التأثير الفلسفي الاغريقي على المسيحية في أوربا الغربية خلال الفترة المبكرة من عهد القرون الوسطى ، على الرغم من تأمين الفيلسوف بوثيوس لنقطة وصل ضعيفة لهذا التراث الفكري. كان اكتشاف ارسطو هو الحدث الجوهري في مسيحية القرون الوسطى من خلال الاتصال بالعالم العربي في اسبانيا والشام بشكل كبير. وهذا ما قاد نهضة المدرسية بعد المليارية بقليل، وهي أعظم المحاولات اللاهوتية واكثرها تماسكا من اجل التوفيق بين العنصرين الفلسفي والانجيلي في المسيحية.

على الرغم من وجود تنوع ملحوظ داخل المدرسية، إلا أن بنيتها التقليدية كان واقعية. كانت الواقعية كما فهمتها المدرسية هي الايمان بالوجود الذهني الزائد للكليات. ومن خلال اعتمادهم الكبير على القراءة الافلاطونية المحدثة لأرسطو، رأى المدرسيون بأن الكليات مثل الفصائل والأجناس هي الأشياء المتحققة في النهاية وبأن الجزئيات ماهي إلا مصاديق معينة لهذه الكليات. إلى جانب أن هذه الكليات لم تكن إلا ما أراده العقل الإلهي أن يكون معلوما للبشر إما من خلال التنوير كما رأى اوغسطين، أو من خلال البحث في الطبيعة كما رأى توما الاكويني. ومن خلال الانطولوجيا الواقعية هذه أصبح العقل والطبيعة يعكس أحدهما الآخر. وحينها يمكن أن توصف الطبيعة من خلال القياس المنطقي المعرف من خلال البنية العقلانية للعلاقات بين الأنواع كلها بعضها ببعض. إلى جانب أنه وعلى الرغم من أن الإله متجاوز لخلقه، إلا أنه كان منعكسا من خلاله وقد يعرف الإله من خلالهم عن طريق القياس. بالتالي، من الممكن للمنطق واللاهوت الطبيعي أن يعوض أو يستعاض به عند البعض بالوعي. ولأسباب مقاربة، لم يحتج الانسان إلى الإنجيل حتى يعلمه أخلاقه الدنيوية وواجباته السياسية. فقد كان موجودا طبيعياً بغاية طبيعية محكوم بقوانين الطبيعة. كان الإنجيل بالطبع ضرورياً من أجل فهم كل ما يتجاوز الطبيعة وقدر الإنسان فوق الطبيعي من ضمنها، إلا أنه كان يمكن للحياة الدنيوية أن تدرك فلسفياً.

اعتمدت كاتدرائية الفكر المدرسي على توفيق دقيق بين المعتقدات المسيحية والعقلانية الوثنية، وكان فقدان هذا التوازن هو ما أدى إلا انهيارها في النهاية. تعرض هذا التوازن للتهديد من خلال تنامي تأثير العقل والعلمانية من خلال الكنيسة، والتي عززت من الانفصال عن الممارسات المسيحية، ومن خلال الاحتياج الطارئ والمتزايد إلى شكل أكثر أصالة من المسيحية يعتمد على الوحي و/أو عن طريق مماثلة حياة المسيح. اعتمد الحفاظ على مسيحية القرون الوسطى على التوفيق بين هذين الباعثين المتضادين. ولا يمكن الحفاظ على هذه التركيبة نظرياً إلا من خلال خلق لاهوت أكثر وضوحاً، وعملياً عن طريق اللجوء المتزايد للسلطة البابوية والملكية.

كان المسبب المباشر لهذا النزاع الذي مزق هذه التركيبة هو تنامي الأرسطية من خلال الكنيسة ومن خارجها. كان الاهتمام المتزايد بأرسطو من جهة هو أثر حتمي لتنامي المدرسية نفسها، ولكن نموها تسارع تحديداً من خلال إعادة تقديم العديد من النصوص الارسطية لأوربا المسيحية عن طريق تعليقات الفلاسفة المسلمين العظماء: ابن رشد وابن سينا. أكثر تجليات هذا الاهتمام الجديد بأرسطو وضوحا كان من خلال تطوير نظام فلسفي مستقل إلى جانب اللاهوت بالإضافة إلى شكل جديد من الفكر المسيحي العلماني. قرأت هذه الظاهرة بشكل تشكيكي من قبل المتورعين المدافعين عن شكل أكثر أصالة للمسيحية لا بسبب جذورها الوثنية ولكن بسبب علاقتها بالإسلام. كانت الوثنية شراً معلوما وقابلا للتحمل، ولكن الإسلام على النقيض كان نذير شؤم لاهوتي وخطر سياسي. استطاعت المسيحية على مدى 200 عام أن تعلوا على الإسلام خصوصا في الشرق، ولكن بعد خسارتها لمستعمراتها في الشام في أواخر القرن الثالث عشر وصعود القوة العسكرية الإسلامية، مما حدى بروح التفاؤل هذه أن تخفت وبالشك بوجود التأثير الإسلامي على المسيحية أن يتزايد. وهذا ما جعل تنامي الأرسطية في هذا السياق من قبل المدافعين المشككين بالإيمان يرى بوصفه صعوداً للأثر الرشدي.

حاولت الكنيسة أن تقوم بالحد مما رأته شكلا من التخريب اللاهوتي عن طريق أمر كنسي. تم اتهام الأرسطية لأول مرة عام 1270 ثم بشكل أكبر عام 1277 بواسطة أسقف باريس إتيان وعند طريق مطران كانتربوري روبرت كيلواردبي. استخدمت صفة كلية القدرة الإلهية المطلقة كسمة جوهرية في صياغة هذه الإدانة، وخلال الأعوام اللاحقة، ظهر مفهوم “حرية القادر” حتى يؤسس عماد مفهوم جديد عن الإله معارض للأرسطية. انعكست هذه الرؤية من جهة من خلال اعمال دونز سكوتز ولكنها ظهرت بوضوح ودقة من خلال أعمال ويليام اوكهام ومن خلال الحركة الاسمانية التي ولدتها أفكاره.

ولد اوكهام  في إنجلترا بين 1280 و 1285. وبعد دخوله الكنيسة الفرانسيسية في عمر مبكر، أكمل دراسته في اوكسفورد. على الاغلب انه لم يكن التلميذ لخليفته المعروف دونز سكوتوز ولكنه تأثر به تأثراً بالغا بلا شك، والذي بقي أثره قوياً في أوكسفورد. أكملت أغلب اعمال اوكهام الفلسفية واللاهوتية يبن 1317 و 1324 عندما تم استدعاءه إلى أفينجون ليرد على دعاوى الهرطقة في حقه. في عام 1326 تم اعلان حظر 51 من ادعاءاته، ولكن لم تدن أي منها.

اعتمادا على أعمال المفكرين الاسمانيين الاولين مثل روسيلين وابيلارد، ومن خلال اعمال هنري وسكوتوز، خط اوكهام بتفصيل كبير الأسس للاهوت وميتافيزيقيا جديدة تتعارض بشكل جذري مع المدرسية. يرى اوكهام بأن الايمان وحده لا يخبرنا بأن الله كلي القدرة ويستطيع عمل كل ما هو ممكن، بمعنى أنه غير متناقض. بالتالي فإن كل موجود إنما يوجد كنتاج إرادته ولا يظل موجوداً على حاله هذه إلا بمحض إرادته. يصبح الخلق حينها فعلا ناجما عن مطلق النعمة والفضل ولا يدرك إلا من خلال الوحي. خلق الاله العالم ولا يزال يفعل من خلاله، ولا يقيّد بقوانين العالم ولا بأحكامه السابقة. يفعل ما يشاء بمحض إرادته ولا يدين بأفعاله إلى أي إنسان كما يردد اوكهام. بالتالي فلا وجود لنظام ثابت للطبيعة والعقل يستطيع الإنسان فهمه ولا معرفة للإله دون الوحي. يرفض اوكهام على إثر ذلك القياس المنطقي والوحي المدرسي وكنتيجة فهو بهذا قلل من أهمية الأسس اللاهوتية والميتافيزيقية لعالم العصور الوسطى.

كان مفهوم كلية القدرة الإلهية مسؤولا عن زوال الواقعية. يرى اوكهام بأن الإله لا يستطيع خلق الكليات لأن خلقه لها يقيّد من قدرته المطلقة. إذا ما كانت الكليات موجودة، فإن الإله لن يستطيع ازالة أي من مصاديقها لأنه حينها سيقوم بإزالة الكليات نفسها. بالتالي، فلا يستطيع الإله على سبيل المثال أن يلعن إنسانا دون أن يلعن البشرية كلها. إذا لم توجد الكليات فسيصبح كل فرد مختلف عن الاخر بشكل جوهري، كمخلوق فريد للإله نفسه خلق من اللاشيء عن طريق مطلق قوته واستمر في الوجود بهذه القوة وحدها. قد يقوم الإله بتوظيف أسباب ثانوية حتى تحدث وتحافظ على موجود، ولكنها ليست ضرورية ومسؤولة بالكامل عن خلق او استمرار وجود هذا الموجود.

الوجود الضروري الوحيد هو الإله عند اوكهام. وكل ما عداه من موجودات هي مخلوقات ممكنة ناجمة عن إرادته. أي أن الأشياء التي يختار الإله إخراجها إلى الوجود تملك طبيعة أصلا، ولكن هذه الطبائع ليست كلية في ذاتها بل تنطبق على كل فرد على حده. ومع ذلك فهي لانهائية في العدد واختيرت بحرية عن طريق الإرادة الإلهية. لا تقوم هذه “الطبائع” بتقييد الإرادة الإلهية بأي معنى حقيقي إلا من جهة أنها تدفع الإستحالة عنها وهي التناقض المنطقي. هذه الطبائع ليست مضمنة او مفروضة مسبقاً في أي شيء. لا تقوض إدعاءات اوكهام بشأن الأنطولوجيا الفردانية الانطولوجيا الواقعية فقط ولكنها تقوض القياس المنطقي والعلم كذلك، لأنه وعند غياب الكليات الواقعية، تصبح الأسماء مجرد إشارات أو إشارات لإِشارات. لا تكشف اللغة حينها عن الموجود بل هي عمليا تقوم بإخفاء الحقيقة عن الموجود أحياناً من خلال تبنيها للقول بواقعية الكليات. في الحقيقة إن ما يسمى بالكليات ما هي إلا مجرد درجة ثانية او أعلى من الإشارات نستعملها نحن الموجودات المتناهية حتى نقوم بجمع الموجودات الشخصية في فئات. هذه الفئات مع ذلك لا تدل على أشياء حقيقية. وإنما هي خيالات ذهنية مفيدة من أجل مساعدتنا في فهم العالم الفردي جوهريا. ومع ذلك فهي تقوم بتشويه الواقع. بالتالي فإن المفهوم المؤسس للمنطق الاسماني بالنسبة لاوكهام كان مقص أوكهام المشهور: لا تقم بمضاعفة الكليات التي تحتاجها أقل. على الرغم من أننا ككائنات متناهية لا نستطيع استيعاب العالم من دون كليات، إلا أن كل تعميم يقودنا خطوة بعيداً عن الواقع. بالتالي فكلما قل استعمالنا “للمفردات” أصبحنا أقرب للحقيقة.

بما أن كل موجود شخصي هو موجود ممكن لإرادة الإله الحرة كما يرى اوكهام، فلا يمكن أن توجد أي معرفة بموجودات مخلوقة سابقة على البحث. وكنتيجة، لا يمكن للبشر أن يفهموا الطبيعة دون اختبار الظواهر بأنفسهم. بالتالي يتم استبدال القياس المنطقي بالفرضيات كأساس للعلم. ومع ذلك فلا يمكن للمعرفة البشرية أن تذهب إلى ما وراء الفرضيات، لأن الاله حر بمعناه المطلق بمعنى أنه حر حتى من أفعاله السابقة، يستطيع حينها أن يقلب أي شيء قام بتكوينه، أن يكسر كل سلسلة سببية، أو أن يخلق العالم من جديد إذا ما أراد ذلك. وهذا يعني أنه لا وجود لأي ضرورة مطلقة إلا إرادة الإله. يرى أوكهام بأن الإله لم يضطر حتى إلى إرسال ابنه على هيئة انسان، فقد يكون المخلص على هيئة حمار أو حجر.

في الدفاع عن هذا المفهوم الجوهري لمطلق القدرة، شارف اوكهام واتباعه على انكار الوحي. لذلك نحو إلى تجنب هذه النتيجة التجديفية من خلال التفريق بين قدرته المطلقة وقدرته المعيّنة، بين سلطته المطلقة المعيّنة، بين ما يمكن للإله أن يفعله وبين ما قرر فعله. كان من الصعب على هذا التفريق ان يصمد طويلاً لأن الإله لم يكن تحت أي اضطرار لأن يحافظ على وعده أو أن يكون مضطرداً في أفعاله. وباصطلاح الاسمانيين فإن الإله “حيادي” بمعنى انه لا يميّز بين الضوابط الطبيعية والعقلية للخير والشر حتى توجه أفعاله أو تقوم بتقييدها. وهذا يعني بأن الخير خير لا لذاته بل لأن الإله اختاره. يعني بأنه وعلى الرغم من أن الإله يستطيع انقاذ الرهبان اليوم ويقوم بمعاقبة المخطئين، إلا أنه يستطيع أن يفعل العكس غداً، ليعيد خلق العالم منذ البداية إن كان ذلك ضرورياً. وحتى نكون عادلين، فإن أوكهام لم يعتقد لا هو ولا أغلب أتباعه بأن الإله قد يقوم بفعل ذلك فعلاً. فقد كانوا ترجيحيين في أغلب الأحيان، وهذا يعني بأنهم اعتقدوا بأن الإله قد يعتمد عليه في إيفاء وعوده التي قطع. بالتالي لم يعتقدوا بأن الإله قد يعاقب الرهبان ويخلص العصاة، ولكنهم أصروا على أن هذا الاحتمال لا يمكن أن يدفع بدون تجريد الإله من ألوهيته.

اعتقد أغلب الاسمانيين بأن البشر لا يستطيعون معرفة الكثير عن الإله أكثر مما أفصح لهم عنه في الكتاب المقدس. يستطيع اللاهوت الطبيعي على سبيل المثال أن يثبت وجود الإله وعلوه وكونه مطلقاً كما يرى اوكهام، ولكنه لا يستطيع أن يثبت وجود إله واحد فقط. ولد هذا الرفض الجذري للاهوت المدرسي من خلال تزعزع الثقة لا بأرسطو وشارحيه المسلمين فقط ولكن بالمنطق الفلسفي نفسه. وفي هذا المعنى، دعّم فكر اوكهام من موقع الوحي في الحياة المسيحية.

رفض اوكهام كذلك الفهم المدرسي للطبيعة. فقد تصورت المدرسية الطبيعة غائية، كعالم تظهر فيه الغائية الإلهية بإستمرار. أصبحت الموجودات الجزئية على ما هي عليه الآن من خلال سعيها لبلوغ غايتها الخاصة. بالتالي فقد لاحظوا الحركة كموجه نحو الفضيلة. أصبح رفض الاسمانيين للكليات ليس رفضا للأسباب الشكلية ولكن للغائية كذلك. إن لم توجد الكليات فلن توجد كليات غائية من أجل أن تتحقق. لا توجّه الطبيعة حينها البشر إلى الفضيلة. أو حتى نقوم بعرض هذا الرأي بإيجابية أكثر، فإن الاسمانية تفتح إمكانية حصول فهم جديد جذري لحرية الإنسان.

لا يعني عدم وجود غايات طبيعية محددة للبشر أنهم لا يمتلكون واجبات أخلاقية. يستمر القانون الأخلاقي برسم حدود للفعل البشري. يعتقد الاسمانيون مع ذلك بأن هذا القانون لا يعرف إلا من خلال الوحي. فلا وجود لدافع خلاصي أو طبيعي من أجل إطاعة القانون الأخلاقي. لا يدين الاله لأحد من البشر ولا يستجيب له. بالتالي فهو لا يخلصهم أو يعذبهم بما فعلوا أو لم يفعلوا. لا يوجد دافع نفعي للفعل الأخلاقي، فالغاية الوحيدة للفعل الأخلاقي هي الامتنان. ترى الاسمانية بأن البشر يدينون بوجودهم إلى الإله. فقد وهبهم نعمة الحياة، وعلى البشر أن يدينون له بالامتنان. سيعطي البعض حياة أبدية ثانية ولكنه لن يكون عادلاً أو ظالماً في قراره لأن أعطياته ماهي إلا من قبيل النعمة والفضل. سيكون من اللاعقلاني أن يتذمر أحد عن قدره فلا أحد له حق في الوجود، ناهيك عن الوجود الأبدي.

وكما يوضح هذا العرض البسيط، فإن إله الاسمانية لم يعد هو ذلك الإله الرحيم الذي تتنبأ أفعاله منطقياً كما هو عند المدرسيين. تزايدت حينها الفجوة بين الإنسان والإله بشكل كبير. لم يعد بإمكان البشر أن يفهموا أو يؤثروا على الاله – كان حراً في أفعاله، محايدا فيما يتعلق بعواقب ما يفعل. سن للبشر قوانين تحكم أفعالهم، ولكنه يستطيع تغييرها في أي لحظة شاء. تعرض بعض البشر للخلاص فيما لعن البعض، ولكن لا توجد إلا علاقة عرضية بين الخلاص والتقوى، وبين اللعن والخطيئة. وليس من الواضح لنا ما إذا كان هذا الإله يحب البشر. بالتالي فإن الكلمة التي خلقها هذا الإله كانت فوضى جذرية عارمة من الاشياء التي لا يستطيع البشر ايجاد اليقين والأمان من خلالها.

كيف لأحد أن يحب أو يوقر مثل هذا الإله؟ لم يكن هذا السؤال جديداً. فقد طرحه مؤلف سفر يوحنا منذ قرون عندما واجه فرضية مماثلة، ثم اهتم كالفن من بعده بظلم مثل هذا الاله الذي لم يكن يستطيع تخيله إلا شيطانا متستراً. قد لا يكون من المستغرب أن تلقى هذه النظرة للإله رواجا عند الفرانسيسيين وهم من يقفون في موقف مضاد جذرياً للجانب اللاهوتي الأرسطي. خلال الفترة الأخيرة من القرون الوسطى، كانوا هم الصوت البارز المنادي لشكل أكثر أصالة أو “بدائي” من المسيحية لم يسيّر وفقاً للأفكار الفلسفية اليونانية والأسس الفلسفية الفاسدة للدولة الرومانية ولكن من خلال مثال المسيح. رأوا بأن الحياة المسيحية لا تستلهم من قصور الباباوات والقضاء البابوي ولكن في الفقر والزهد. بل إن أكثر الفرانسيسيين أصولية رأى الوحي غير كاف، وآمن بعدم استطاعة أحد عيش الحياة المسيحية إلا من خلال مشابهة حياة المسيح وأتباعه. لم يكونوا وحيدين في سعيهم من أجل إيجاد البديل. في الحقيقة، فلم يكونوا إلا الحركة المشهورة من بين الحركات “البدائية” داخل الكنيسة التي ضمت كل من الكاثار، والولدينيسية والهيوماليتية. ولكن فرانسيس تحدث بالنيابة عن كل هؤلاء الأصوليين حينما قال بأن على من يريد أن يصبح مسيحياً بأن يمشي إلى جانب المسيح متتبعاً “طريق الألآم”. وبهذه الطريقة فقط يستطيع تقدير المعنى وراء التجسد وحب الإله للبشر. جسد فرانسيس هذا الإخلاص للمعاناة من خلال زهده (وندباته) وحافظ على قدسيتها في “القانون” الشهير الذي فرض على أتباعه التقشف والفقر.

انقسمت جماعة فرانسيس بعد وفاته في 1226 بين متعصبين طالبوا بالانصياع التام “للقانون” وبين المعتدلين الذين التمسوا إعفاءً بابوياً من أكثر كياناتها تطرفاً. وبالنظر إلى القبول العام لهذه الحركة بين العامة وبسبب الخطر الناجم عنها والذي يهدد للنظام الهرمي البابوي، لم يقم البابا جون (1249-1334) بمنحهم هذا الاعفاء فحسب، بل قام بملاحقة أكثر الفرانسيسيين تعصبا وهو ما يطلق عليهم الفراتيسليين. على الرغم من أن هذا أرضى أكثر أعضاء الجماعة براغماتية، إلا أن البابا جون لم يتوقف عند هذا الحدث. وبسبب تدخله في خلاف بين جماعة الفرانسيسيين وحاكمهم مايكيل السيسيني بسبب إشكالية الفقر (أو كما أطلق عليها نزاع الفقر)، قام حينها بإدانة اعتقادات الفرنسيسيين في السمو الأخلاقي لحياة التورع، مجادلاً بأن هذا القول يتعارض مع الكتاب المقدس.

تنبه جون إلى ان عقيدة الفقر لا تهدد سلطته داخل الكنيسة فحسب ولكنها هددت في تحول الكنيسة ككل. كانت الكنيسة في القرون الوسطى ترى نفسها كتجسد للروح القدس وبالتالي كتجلٍ لسلطة الإله وحكمه على الأرض. وهذا ما جعل رجال الكنيسة يرون بأن عليهم أن يعيشوا في هيئة تليق بمركزهم. تحدت عقيدة الفقر الفرانسيسية هذه الرؤية. فالبشر كما كان يعتقد فرانسيس ليسوا بموجودات سامية في ذاتها، وسعادة الإنسان لا تتحصل من مركزه وممتلكاته في العالم بل من قربه للإله. وهذا يعني بان مملكة الرب ليست مملكة في الأرض تمثلها الكنيسة بالمعنى الحرفي، ولكنها مملكة روحية يتلاقى البشر فيها وينتمون لبعضهم من خلال الإله فقط. وهذا ما يجعل هذه العقيدة لا تعد هجوماً على السلطة والثراء الكهني فحسب، فقد كانت إلى جانب ذلك هجوما على النظام الهرمي البابوي وعلى الكنيسة نفسها.

أحد أهم المدافعين عن الفرانسيسية في هذا النقاش كان ويليام الاوكهامي، والذي كان حينها متواجدا في افينجون من اجل الدفاع عن تهم التجديف الموجهة له من قبل انداده التوماويين. اعتمد البابا في رأيه ضد سمو الفقر على الضرورة الطبيعية للفقر من اجل الحفاظ على الحياة البشرية، مؤكدا على أن الفقر كان موجودا حتى قبل هبوط آدم. فيما اعتمد الفرانسيسون على الوحي في رأيهم المعارض، بأن الفقر لم يوجد نتاجاً للطبيعة ولكن كان نتيجة للخطيئة وهذا ما يعني بأنه كان بعد إنزال آدم. وأكدوا كذلك على أنه وعن طريق قوة الإله المطلقة استطاع المسيح وأتباعه من العودة إلى حالة ما قبل هبوط آدم، من خلال عيشهم حياة تورع دون ممتلكات. قام فرانسيس في نظرهم بفتح هذه الامكانية بشكل جديد، وعلى اثر ذلك فقد خط الأسس لتقليد مسيحي أًصيل. وهذا ما جعل اوكهام وفرانسيس يرتعبون عندما رفض البابا جون هذه الرؤية على أسس ثبات تراتبيية النظام في الطبيعة. لأنهم اعتقدوا بأن الإله لا يمكن بأن يكون راضخا لقوانين الطبيعة التي قام بخلقها. وحياة المسيح كانت تطبيقاً لهذه الحقيقة. بالتالي فإنه ووفقا لرؤيتهم فإن اعلان البابا كان احياءً لموقف ابيلارد التجديفي القائل بأن الإله مجبر على انقاذ البعض من الخلود من خلال إرادته القديمة. رأوا بأن الله غير ملزم بمثل هذه القوانين وهو عرضة لقوانين عدم التناقض فقط. وما دون ذلك فهو حر وذو سيادة، وإنكار هذه الحقيقة نكران للإله. وعلى إثر ذلك اعلنوا البابا مهرطقاً وهجروا أفيجنون طالبين حماية الامبراطور. أصبح اوكهام عضوا في المحكمة الإمبراطورية إلى جانب مارسيليوس البادوي (1270-1342) أصبحوا أدوات فاعلة في تكوين رادع فكري للإمبراطور في خلافه مع البابوية.

الاسمانية بهذا المعنى هي لاهوت فرانسيسي. قامت بإسقاط بنية العالم الذي تصورته المدرسية حتى توفق بين الإله والبشر وقامت باستبدالها بفوضى موجودات شخصية جوهرية تحكمها الفوضى. ومع ذلك فقد وحدت كل هذه الموجودات من خلال الإله مباشرة. من وجهة النظر الفرانسيسية، فإن الحياة هي عالم شخصي جوهرياً ولا يبدو عشوائيا إلا لأولئك الذين لم يتنبهوا إلى اتحاد الخلق في الإله. كل الموجودات في نظر فرانسيس ومن شاركه هذه الرؤية الصوفية الاتحادية كانوا اخوة، لأن كل الموجودات الحيوية وغير الحيوية هي مخلوقات وخلق للإله على ذات الدرجة.

حاولت الكنيسة أن تقمع الاسمانية، ولكن كل هذه الجهود كان أثرها طفيفاً. تم حظر افكار اوكهام في عام 1326 وتكررت ادانتها في 1339 و 1347، ولكن تأثيره واصل التنامي وخلال المئة والخمسين سنة التي اعقبت وفاته أصبحت الاسمانية احد أكثر الحركات الفكرية قوة في أوربا. كان هناك تراث اوكهامي في انجلترا بدأ في النصف الاول من القرن الرابع عشر تحت قيادة توماس برودواردين (رئيس أساقفة كانتوربيري) وروبرت هولكوت وآدم وودهام. كان للأوكهاميين في باريس خلال القرن الرابع عشر تأثير قوي كذلك وضموا نيكولاس الاوتريكورتي، وجون بوريدان، وجون الميركورتي وانضم لهم فيما بعد بيتر دي آيلي، وجين جيرسون ومارسيليوس الانغيني ( والذي  كان ناشطاً في هيلدبرغ كذلك). كان هناك تراث اسماني قوي في ألمانيا، خصوصا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر والتي توجت بجابرييل بيل. في الحقيقة، فقد تنامى تأثير الفكر الاسماني خارج اسبانيا وايطاليا بشكل واسع لدرجة أنه وفي عهد لوثر لم يكن هناك إلا جامعة واحدة في ألمانيا لم تكن تحت سيطرة الاسمانيين.

قوضت الاسمانية الرؤية التي طورتها المدرسية عن عالم مسيحي متناغم (ضداً لوقائع أقل تناغم سياسياً ودينياً على الأغلب) وكنتيجة أحدثت ثورة في المسيحية ولكنها لم تكن هدامة. لم تقدم الاسمانية رؤية جديدة للإله فحسب بل قدمت أيضاً رؤية جديدة لما يعني أن تكون انساناً والتي وضعت فيها تركيزاً كبيراً على الإرادة البشرية. وكما لاحظ انتوني ليفي أن المدرسية لم تملك منذ القرن الثالث عشر أي نظرية نفسية تستطيع تفسير الأفعال كشيء عقلاني ومراد في الوقت ذاته. الإرادة عند المدرسيين هي للإله والإنسان بالتالي إما أن يفعل كل شيء أو لا يفعل أي شيء. ناصر توما الاكويني الموقف الأخير، فيما كد سكوتوس (معتمداً على تركيز بونوفينتورا على استقلال الله عن مخلوقاته الممكنة) ومن بعده اوكهام على حرية الإرادة الإلهية بشكل جوهري. ومن خلال مركزية الإرادة الإلهية قدم الاثنان تبريرا وأهمية جديدة للإرادة البشرية. خلق البشر على صورة الإله، وهم كالإله مخلوقات قاصدة لأفعالها بدلا من كونهم موجودات عاقلة. لطالما عدّ هذا الشكل من القدرة على الإرادة الحرة لاعبا أساسياً فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، ولكن المسيحية الأرثودوكسية أنكرت أن البشر أحرار في قبول ورفض الفضل الإلهي الماحي للذنوب. ومع ذلك فإن كان البشر أحرار حقاً، كما اعتقد غالبية الاسمانيين، فمن أقل البداهة أن يختاروا القيام بأفعال تزيد من فرصهم في الخلاص.

على الرغم من أن هذا الموقف يعد منطقياً، كانت مثل هذه الفكرة عرضة للتشكيك قياساً بمعايير ذلك الوقت لأنها كانت قريبة بشكل خطر إلى البيلاجينية التي أدانها أوغسطين وكل لاهوتي ارثودوكسي أتى بعده. على الرغم من كل الادعاءات المتكررة من قبل اوكهام وعدد من أتباعه من أن الإله لا يتجاوب مع الإنسان بأي شكل من الأشكال وبالتالي فلا يمكن أن يتأثر بأي فعل ناجم عن الإرادة البشرية، إلا أن الاسمانيين تعرضوا لهجوم متواصل من قبل البيلاجينيين. وهذا كان في أحد جوانبه يتعلق بتأويلهم الإنسان كمختار لأفعاله بدلاً من كونه موجود عاقل، ولكنه كان بالطبع بسبب حقيقة أن عدداً من الاسمانيين وجدوا صعوبة في تأييد وجود إله مرعب وغير رحيم، مدعمين ذلك لا من جهة لاهوتية ولكن كشأن عملي من الله لن يقوم بحرمان الخلاص لكل من يقوم بكل ما يستطع وأن يعطي كل ما يملك. (إن فعلت ما في وسعك، فلن يحرمك الله الفضل) وهذا ما كان يسمى بمبدأ الفعل. بدى أن هذه الرؤية تفضي إلى القول بوجود معايير للخلاص، ولكن هذه المعايير كانت شخصية تماماً بالنسبة لكل فرد. وكل واحد منها يختلف عن تلك في الآخر. سلبت تحديد قدسية الأشياء وحرمتها من يد الكنيسة. فلم يعد التبرع ضرورة لتحصيل الخلاص، لأن الله يستطيع من خلال قوته المطلقة أن يرى كل فعل زائف على أنه تام، والأهم من ذلك أنه يستطيع أن يرى كل فعل على أنه زائف. بالتالي فإن مبدأ الفعل لا يحجم من السلطة الروحية (والأخلاقية) للكنيسة، بل يدافع عن مفهوم الخلاص القريب بشكل كبير من البيلجانية.

بصرف النظر عن المظاهر، من الخطأ اعتبار هذه الرؤية الاسمانية شكلا من البيليجانية. على الرغم من أن الاسمانيين المتأخرين من أمثال جابرين بييل قاموا فعلا بالترويج لأفكار مشابهة للبيليجانية، إلا أن أوكهام وأتباعه في القرن الرابع عشر والخامس عشر لم يفعلوا ذلك. لم يمنح مفهومهم عن كلية القدرة الإلهية مساحة كافية من أجل منح الإرادة الإنسانية أي فعالية. صحيح أن ملاحظتهم لأهمية الإرادة البشرية بدى وكأنه يلمح إلى استطاعة البشر على نيل خلاصهم، ولكن ذلك مما خففت حدته من خلال تأكيدهم على أن كل الاحداث والاختيارات مقدرة بالكامل بواسطة الإله. ورغم أن عقيدتهم بدت وكأنها تمنح مساحة أكثر للحرية البشرية، إلا أن هذا تم ابطاله من خلال التزامهم بالقول بقوة إلهية قررت كل شيء بشكل مطلق ولكنها فعلت ذلك بشكل اعتباطي تماما بالتالي لم تكن أمراً قابلاً للتنبؤ.

استطاعت الاسمانية من خلال هذا التركيز على الحتمية الإلهية أن تتجنب البيليجانية، ولكن ثمن ذلك كان غالياً، لأن مفهوم التقدير المسبق لم يكن معفياً للبشر من مسؤوليتهم الأخلاقية فحسب، ولكنه جعل الإله مسؤولا عن الشر كذلك. رأى جون الميركروتي بأن هذه النتيجة هي أثر لا مناص منه لمذهبه الاسماني، مقراً بأن الله قرر سلفاً ما سيكون معصية ومن سيكون عاصياً. فيما ذهب نيكولاس دي اوتريكورت إلى أبعد من ذلك، خالصاً إلى أن الإله نفسه كان السبب في المعصية. على الرغم من أن غالبية الإسمانيين ولسبب جيد لم يقوموا بالتركيز بوضوح على هذه النتيجة، إلا أنها كانت أهم من أن تحجب لوقت طويل، لتظهر بكل أثرها القوي في فترة التجديد.

سعت الاسمانية إلى تمزيق غشاء العقلانية عن وجه الإله من أجل الوصول إلى مسيحية أصيلة، ولكنها أظهرت من خلال ذلك إلهاً نزوياً مرعباً وغير قابل للمعرفة أو التنبؤ، غير مقيد بالطبيعة أو العقل ومحايد بين الشر والخير. حولت هذه النظرة للإله نظام الطبيعة إلى فوضى من الموجودات المتشخصة، ونظام المنطق إلى مجرد تسلسل من الأسماء. تمت تعرية الإنسان من مكانته السامية في الترتيب الطبيعي للأشياء، وترك ليعوم في عالم لانهائي دون قانون طبيعي يقوده وبلا سبيل أكيد لتحصيل الخلاص. لذلك فليس من المفاجئ أن يكون هذا الإله لغير أكثر الزهاد والصوفية تطرفاً إلا مصدراً للقلق وعدم الاطمئنان.

على الرغم من استمداد هذه الرؤية الجديدة للإله قوتها من تأثير الفكرة نفسها ومن أسسها الإنجيلية، إلا أن ظروف الحياة الصعبة في القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر لعبت دوراً أساسياً في نجاحها. خلال هذه الفترة حدثت ثلاثة أحداث وهي: الموت الأسود، الإنفصال الكبير، وحرب المئة عام والتي هزت أسس حضارة القرون الوسطى الواهنة جراء فشل الحملات الصليبية، واختراع البارود، والضربة القوية التي تعرض لها الاقتصاد الزراعي التي أسست للحياة الإقطاعية. على الرغم من أن هذه الرؤية للإله كان ستعتبر متهاوية في القرنين الثاني والثالث عشر، إلا أن النكبات التي حدث في الفترات اللاحقة جعلت الإيمان بهذه الإله أمرا ممكناً.

ورغم أن نهاية القرون الوسطى شهدت صعوداً للرؤية الاسمانية للإله، إلا أن المشروع المدرسي لم يتلاشى ببساطة. فقد تم إحياؤه أكثر من مرة ولكن لم ينل ذات التطلعات مرة أخرى. وحتى فرانسيشكو سواريز أحد أشهر المدافعين عن توما الاكويني وآخر المدرسيين العظماء كان اسمانيا أنطولوجياً. قام بالدفاع عن الواقعية التوماوية في مستوىً ما، مدافعاً عن الوجود الذهني الإضافي للكليات، ولكنه قام بقولبة رأيه بشكل اسماني في مستوىً أعمق، مؤكداً على أن كل موجود شخصي هو كليّ. وهذا ما يعني بأن العالم الذي وجدت فيه الحداثة لم يكن عالم الفكر المدرسي بل عالم الفكر المدرسي مقلوباً. لم يحدث هذا الانهيار للمدرسية بلحظة واحدة بالطبع وفي فترة زمنية قصيرة، ولكنه قطع شوطاً كبيراً لذلك مع نهاية القرن الرابع عشر.

من أفيجنون إلى العالم الحديث

نقل كرسي البابوية إلى أفيجنون في عام 1305 لأن البابا كان محابياً للملك الفرنسي، إلى جانب العنف الذي استوطن روما حتى أصبح البابا غير آمناً فيها بعد الآن. وظل هناك حتى عام 1378. خلال ذلك الوقت أصبحت أفيجنون موضعاً للحياة الفكرية الأوربية. على الرغم من أنها كانت أبعد ما تكون عن مركزية موقعها، إلا أن المدينة كانت على طريق تجارة كبير وكانت تمتلك طرق تواصل سهلة نسبياً من فرنسا وألمانيا واسبانا وإيطاليا وانجلترا. تهافت عليها المفكرون لأسباب مختلفة. هدف اللاهوتيون المحافظون إلى الاستفادة من سلطة الكوريا البابوية للتغلب في الصراعات الفكرية التي كانوا يخسرونها في باريس واكسفورد وغيرها من مدن الجامعات، فين حين قدم مناوؤوهم للدفاع عن مواقفهم الأصولية. وكما رأينا فقد كان هذا السبب الذي دفع أوكهام للقدوم إلى أفيجنون، ولكن كان الدفاع عن جماعته هو ما دفعه للبقاء هناك وزجت به في صراعه مع البابا. ومع ذلك فلم يكن إلا واحداً من المفكرين المهمين الذين قدموا إلى أفيجنون خلال هذه الفترة.

في الواقع، فإنه وأثناء صراع البابا وأوكهام في آخر الصراعات اللاهوتية في العصور الوسطى في أديرة ومحاكم أفيجنون وعلى بعد أحياء، خرج ابن منفىً في فلورينتينا كمشروع سيساعد في تعيين ملامح العصر الحديث. وهو فرانسيشكو بيترارك، رفض بيترارك حاله كحال اوكهام الفكر المدرسي من جهة أنه يبالغ في العقلنة، ولكنه كان رافضاً كذلك لحجج الاسمانية اللامتناهية عن العبارات وما رآه كشكوك تافهة عن القدرة الإلهية. حاله كحال الاسمانيين كان بيترارك متنبهاً إلى فساد الكنيسة ويأمل في التطهير والتجديد، ولكنه لم يسعى لهذا التجديد عن طريق الإيمان ومن خلال نص لاهوتي جديد ولكن عن طريق دمج التقاليد المسيحية بالقيم الأخلاقية القديمة.

اعتقد بيترارك بأن الحياة المسيحية لا تتطلب مجرد إيمان ومناسك بل ممارسات أخلاقية أيضا، وأن هذا الشكل من الأخلاق لا يتحقق إلا من خلال فهم أعمق لما يعني أن تكون انسانا وهذا لا يستوحى من الكتاب المقدس فحسب بل من النماذج الاخلاقية للعصور القديمة. نحى بالتالي إلى احياء حب الشرف والجمال كدوافع بشرية مرموقة، في تناقض حاد مع التورع المسيحي في أواخر العصور الوسطى. على الرغم من أن فكره ظل مسيحياً بشكل عام، إلا أنه استوحى مفهوما جديدا للإنسان بقيم جديدة، لا بوصفه مواطنا في مدينة الدولة أو الجمهورية ولكن كموجود شخصي كامل مستقل له سيادته المطلقة. ميّز بيترارك بأن مثل هؤلاء الأفراد قد يحيطون أنفسهم بأصدقاء أو ينضمون إلى آخرين كمواطنين، ولكنه كان مقتنعاً بأنهم يستطيعون فعل ذلك على أكمل وجه إذا ما كانوا أفرادا مستقلين في البداية. كان هذا المثال للفردانية البشرية الذي ألهم الحركة الإنسانوية.

لم يكن مثل هذا التركيز على الفرد في العالم القديم معهوداً . فلم يكن النموذج المثالي للفنان والمواطن الاغريقي في تكوين سمة الفرد أو شخصيته ولكن من خلال استيعابه لنموذج مثالي. لم يضع بيترارك وأتباعه الإنسانويين الإنسان بحد ذاته كمركز للأشياء بل وضعوا الإنسان بوصفه فرداً، ومن هذا المنطلق فقد دانوا للإسمانيين أنطولوجياً أكثر من العصور القديمة. فالفرد بالنسبة للإنسانويين ليس حيواناً ناطقاً يقف على قمة الخلق. فقد اعتقد الانسانويين حالهم كحال اوكهام بأن البشر لا يمتلكون تكويناً أو غاية طبيعية. بالتالي فقد توصلوا أيضاً إلى أن ما يميز البشر هو إرادتهم الحرة. وهذه الإرادة كما استوعبتها الانسانوية تختلف في اعتبار جوهري عن الإرادة التي عزاها اوكهام والاسمانيون للبشر. فهي ليست مجرد إرادة مخلوقة ولكنها إرادة خالقة بنفسها. فقد منح الإله البشر القدرة على الإرادة، ثم يقومون بتكوين أنفسهم بالطريقة التي يشاؤون. هذا المفهوم عن الموجود المريد بذاته شبيه جدا بالإله الاسماني. فهذا الإنسان صانعٌ حاله كحال الإله الذي خلقه، ولكنه صانعٌ يتجلى بديع صنعه في ذاته، هو شاعر بالمعنى الحرفي للمصطلح، قادر على الانتماء إلى أي موجود وتحويل نفسه إلى أي واحد منهم.

وهذا الفرد على أية حال ليس هو الإله. فهو مقيد بنظامه الأخلاقي وبالحركة العشوائية للمواد أو بما اصطلح عليه بالانسانويين من أعقبوا الرومان بالقدر. يستطيع الفنانون منح الهيئة للأشياء، أن يرسموا الصور، أن ينحتوا المنحوتات، يبنوا القصور، وأن يؤسسوا الدول حتى، ولكن القدر سيهوي بهذا كله إلى الخراب. فحتى أعظم الأمراء كما يرى ميكيافيلي على سبيل المثال سيستطيع النجاح في نصف المرات فقط. على الرغم من أن الفرد عند الإنسانويين هو حر وإلهي بمعنى ما، إلا أنه ليس بكلي القدرة لأنه يمر بفترة طفولة وخرف يكون فيها معتمداً على غيره، وبموت يطيح بسيادته عاجلاً أم آجلاً.

هذه الفكرة الانسانوية عن القدر تعكس مفهوماً كامنا عن الزمن كدلالة انحطاط. لا تتلازم الهيئة والغاية في الطبيعة بل هما نتاج لإرادة فنية تبني سدودا في مواجهة طوفان القدر، ولكنها سدود يتجاوزها القدر في نهاية المطاف. انعكست هذه النظرة التشاؤمية لقدرة الفن على السيطرة على الطبيعة في فهمهم لموقعهم في الزمن. فقد علموا بأن العالم البديع القديم الذي أعجبوا به قد استبدل بعصر كالح شيطاني. تمنوا أن ينجحوا في تأسيس عصر ذهبي جديد ولكنهم لم يتصورا أبداً بأنه سيستمر إلى الأبد ولم يحلموا بأن يتطور بنجاح إلى الأبد.

نمت الإنسانوية إلى جانب الاسمانية ومن خلالها. فقد عرضت حلاً لعديد من الإشكالات التي نجمت عن كلية القدرة الإلهية. تم بناء هذا الحل من خلال أسس اسمانية، وهي عن طريق فهم الإنسان كموجود فرد مريد، على الرغم من أن نجاحها لا يعزى إلا إلى تضيقيها للفروقات الأنطولوجية التي رأت الاسمانية أنها تفصل الإنسان عن الإله. كانت الرؤية الناجمة عن الفرد المهيب الهائل “كتمثال ضخم” كما تصفه شخصية كاسيوس في مسرحية شكسبير، كانت بالتالي شيئاً جديداً وخطوة جلية إلى ما وراء القرون الوسطى. أًصبحت العظمة لا التواضع هدفاً للإنسان، ولأجل هذه الغاية قام بتوظيف الفن بدلاً من الفلسفة والبلاغة بدلاً من الجدل. نحت الإنسانوية كنتيجة لذلك إلى الإجابة عن الإِشكالية الناجمة عن كلية القدرة الإلهية عن طريق تصور شكل جديد للإنسان يستطيع تأمين نفسه من خلال سلطته الخاصة في العالم الفوضوي الذي خلقته الاسمانية.

نتصور الإنسانوية هذه الأيام كعدو لدود للدين أو شكل من أشكال الإلحاد. ولكن النهضة الإنسانوية كانت تقريباً إنسانوية مسيحية. استندت الإنسانوية في سمتها المسيحية الخاصة إلى شيشرون والأفلاطونية المحدثة، وطرحت رؤية للمسيحية ركزت فيها بشدة على الممارسة الأخلاقية أكثر من الإيمان والطقوس. هذا التحول الحاضر حتى في الانسانويين الحداثيين الشماليين، دفع بالمسيحية إلى اتجاه بيليجاني كان مهيناً جداً لكثير من المسيحيين الغيورين. من هذا المنطلق أصبح التأثير الإنسانوي على المعتقد والممارسة المسيحية مهماً جدا في تأجيج ثاني الحركات الفكرية البارزة في الإجابة على الإشكال المطروح من خلال الثورة الإسمانية ألا وهو الإصلاح.

كان لوثر هو أب الإصلاح البروتستانتي، وحياته وفكره كانت بشكل أو بآخر ردة فعل للإشكالات التي طرحتها الاسمانية. ومع ذلك فإنه وفي رده على الاسمانية فقد اتبع سبيلاً مختلفاً بشكل جذري عن ذلك الذي عند الانسانويين لا يبتعد فيه من الإله إلى الإنسان بل من الإنسان عوداً إلى الإله. نحى الإنسانويين إلى إصلاح المسيحية، ولكن فكرة لوثر عن الإصلاح كانت أكثر أصولية وشمولاً.

وصف الإصلاح البروتستانتي بأنه آخر تجلي لتدين القرون الوسطى، وعلى الرغم من أن هذا الادعاء لا يعد خاطئا تماماً، إلا أنه يخفي إلى أي درجة كبيرة قام الإصلاح المسيحي برفض مسيحية القرون الوسطى وفق أصول اسمانية. ومثال لوثر يوضح ذلك. أصبح لوثر اوكهامي، ولكنه كان قلقاً منزعجا من صلابة وجمود الإله الذي وصفته الاسمانية، وعانى من آثار شكه بخلاصه الشخصي. بالكاد تخفف حدة قلق لوثر من خلاصه الشخصي من خلال اللجوء إلى إله حاد بطبعه، والذي قد يقوم بمنح الخلاص للأولياء ويمحق المذنبين اليوم ولكنه قد يفعل العكس غداً.

سعي لوثر الشخصي لليقين مقابل هذا الإله كان مرتبطاً بصراعه ضد فساد الكنيسة. كان فساد الكنيسة في تصور لوثر مرتبطاً للعمل وبيع صكوك الغفران بالتحديد. إذا كان ما هو ظاهر في الإله والإنسان كنتيجة له أيضاً، بالتالي فإن الخطيئة لا تمحى إلا من خلال الإرادة الحقة بغض النظر عن نتائجها. ولكن الإرادة الحقة لا تعتمد على الإنسان بل الإله. بالتالي فقد كانت اجابة لوثر على سؤال الغفران هي اجابته عن الإله الاسماني: “الإيمان وحده سبب للخلاص.” قبل لوثر مفهوم الاسمانية عن الانسان ككائن مريد ولكنه نقل هذا المفهوم من خلال إعادة تشكيل علاقة الالهي بالإرادة البشرية. وفقاً للوثر فإن الإيمان هو إرادة الإتحاد بالإله، ولكن الايمان لا يأتي إلا من الإله عن طريق الانجيل. الإيمان بمعنى آخر ضامن للخلاص.

من النظرة الأولى، يبدو من العصي علينا أن نرى كيف للانجيل أن يحل الإشكالات المطروحة من قبل الاسمانية، بما أن الاتكال على الانجيل يبدو بأنه يفترض ثبات ما أوجبه الإله، وهو ثبات تنكره الاسمانية صراحة. إلا أن لوثر يعطي الإنجيل مكانة مختلفة. من خلال هذه الرؤية، فالإنجيل ليس مجرد نص بل هو ما يتحدث به الإله مباشرة إلى الإنسان. يبعث الإيمان حينها من سماع صوت الإله. لا تصبح سلطة الإله حينها أمرا يعيق ويعزل ولكنها يفعل من خلالنا وفينا. أصبح لوثر قادراً هنا على نقل الإله الاسماني المرعب إلى سلطة بين البشر بوصفهم أفراد. فالمسيحي يولد من جديد من خلال الإله لأن الإله يولد فيه.

ادعى اوكهام فردانية كل موجود كمخلوق فريد للإله، ولكنه رأى الإنفصال الجذري بين الإله والإنسان كحاجب لا يمكن اختراقه من قبل الفهم الانساني وكحاجب لا يمكن إختراقه من قبل الإرادة البشرية. وكنتيجة لذلك فقد توجه إلى الإنجيل، ولكن حتى الإنجيل لم يكشف إلا اللحظة التقريرية لإرادة الإله النائي، والتي قد تكون عكس ما كانت عليه في أي لحظة. رأى لوثر الإله أيضا كإله “كامن” لا يمكن تحليله فلسفياً أو فهمه. توجه لوثر أيضاً إلى الانجيل كالمصدر الوحيد للهداية. وعلى عكس الاسمانية، فقد اعترف لوثر بأن الفرق بين الاله والانسان قد يسد من خلال غرس الكتاب المقدس للإرادة الإلهية والذي سيردم كل الشكوك. وعلى عكس الانسانويين فلم يكن هذا الأمر راجعا إلى أن الإنسان أراد بنفس الطريقة التي يريد بها الاله، أي عن طريق الإختراع، ولكن لأن الإنسان أراد ما أراده الإله، أي بشكل أخلاقي وبتورع. لا يصبح الإله نصف إله ولكنه يصبح مسكنا للإله، يصبح الإله المبدأ الداخلي الموجّه لحياته، أو الوعي كما يطلق عليه لوثر.

لم يرى الإنسانيون أو الإصلاحيون أنفسهم كمؤسسي عصر جديد أو محدثي ما هو جديد بالكلية. بل فهموا أدوارهم كمعيدي أمجاد أمر قديم تقليدي. ومن خلال ذلك وجدوا أنفسهم متشابكين في الصراع الناجم عن العلاقة بين الالهي والإنسان والتي أرقت المسيحية منذ بداياتها. اقترحت الانسانوية الايطالية بشكل بروميثي بأن الإنسان يستطيع الارتفاع إلى منزلة الاله أو أن يصبح إلها بشكل ما. وهي بهذا المعنى بيليجانية ظاهرة أو شبيهة بالبيليجانية على الأقل. أضحت رؤية الانسانوية للإنسان بالتالي غير متوافقة مع القدرة المطلقة الإلهية ولمفهوم الإله بما هو إله. أصبح من الصعب أن يرى كيف للإنسان أن يكون أكثر من مجرد حيوان بدون هذه الإله. لم يكن الإصلاح موجها لتجاوزات الكنيسة فحسب ولكن ضد البيليجانية الإنسانوية كذلك. كان إله الإصلاحيين مطلق القدرة وكان الإنسان عدماً دون الإله. وهذا ما جعل من فكرة الإنسان ذي الإرادة الحرة وهماً. ولكن هذا الموقف المضاد للإنسانوية والبيليجانية كان غير مقنعاً بذات الدرجة، لأن إرادة الإنسان إذا أصبحت واهنة، فالإله هو مصدر الشر لا الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يحمل جريرة أفعاله أخلاقياً. على الرغم من عدم استطاعة الإنسانوية الاحتفاظ بمفهوم عن مطلق قدرة الإله، إلا أنها لم تستطع أن توجد بدونه. وعلى هذا المنوال لم يستطع اللاهوت الإصلاحي الاحتفاظ بمفهوم للإله الخيّر وسط غياب إرادة بشرية حرة. وهذا ما جعل الانسانويين والإصلاحيين يتورطون في تناقض حاولوا الهروب منه. وهذا ما أدى بهم بالضرورة إلى الخلاف. وهذا الإختلاف يظهر بوضوح من خلال المناظرات بين اراسموس ولوثر عن حرية وتقييد الإرادة، إلى جانب الحروب الدينية الكارثية التي عصفت في أنحاء اوربا لأكثر من مئة عام.

أسست الانسانوية والإصلاح رؤاهم للعالم عن الانسان والعالم بشكل متتالي. غرست هذه الخيارات في التاريخ الممتد للمسيحية، وما برز من صراع بينهم كان من نواحي عدة انعكاساً للتعارض الحاضر في المسيحية منذ البداية. وفي خضم هذا الصراع نحت مجموعة صغيرة من المفكرين منحىً جديداً معتزلين الإله والإنسان كمؤسس لبحثهم، ومالوا بدلا عنه إلا العالم الطبيعي. تبدأ الحداثة الأصيلة بهذه الطريقة من خلال هدف الوصول إلى علم يصنع من الإنسان سيداً ومالكاً للطبيعة. كان هذا المشروع مدينا للاسمانية بطرق مختلفة ومهمة.

دمرت الاسمانية الأساس الانطولوجي للعلم في العصور المظلمة من خلال افتراض عالم عشوائي لموجودات فردية بشكل جوهري. بالنسبة للاسمانيين، فقد كان العالم مجرد دلالة أعلى ترتيباً، يساعد على فهم لا يتطابق مع أي واقع. بالتالي فقد بدى بأن الاسمانية تجعل من العلم أمرا مستحيلاً. في الواقع فإن العلم الحديث نشأ عن الاسمانية كإعادة نظر للمعنى في الانطولوجيا الاسمانية.

فهمت الميتافيزيقيا المدرسية الإله كأسمى الموجودات والخلق كترتيب معقلن للموجودات تمتد إلى الإله. وهذا الترتيب لا يمكن ملاحظته من خلال الرؤية الاسمانية ليس بسبب أن كل موجود هو مختلف شخصياً، ولكن لأن الإله ليس موجوداً بذات المعنى الذي تقصد به الموجودات كلها. على الرغم من أن اوكهام يشير إلى هذه الهوة بين الإله وخلقه، إلا أنه لم يتوسع في ذلك بتفصيل. تكفل المفكر الكبير الصوفي الألماني ميستر ايكهارت (1260 – 1328) بهذه المهمة وهو من تلاقى دربه بدرب اوكهام وبيترارك في افينجون.

تأثر ايكهارت بشدة بالأفلاطونية المحدثة، على الرغم من أن أفلاطونيته المحدثة لطّفت بتصوفه. رأى ايكهارت حاله كحال اوكهام مسافة لانهائية بين الإله والعالم. يبدو لنا الإله عدما من منظور الموجودات التي نصادفها في حياتنا اليومية. من وجهة نظر ايكهارت، يجب أن تفحص هذه الاشكالية من خلال منظور الهي لا بشري، أن لا تفحص منطقيا بل صوفيا. من حلال المنظور هذا، فالعدم هي موجودات العالم لا الإله، أو أنها بدون الإله تضحي عدما. لأن هذه الموجودات بمعنى ما يجب أن تكون إله، بمعنى أن يكون الإله في هذه الموجودات بشكل ما. وبدونه قد تضحي مجرد عدم. ومع ذلك فإن الفوارق اللانهائية بين الإله وخلقه تعني بأن الإله لا يمكن أن يكون في جواهر الأشياء وماهياتها. يرى ايكهارت بأن الإله في خلقه بمعنى آخر، كقوة موجهة تقرر لهم وجودهم. وباصطلاح الاسمانيين فالإله هو إرادة مجردة، نشاط مجرد، أو قوة مجردة، والعالم في وجوده هو إرادة إلهية. أو من خلال الاصطلاح الحديث، فالعالم حركة غير منقطعة قررتها إرادة إلهية عليّة فعالة أو آلية. العالم هو التجسد، جسد الإله، ويحضر في العالم كروح في جسد، كلية قدرته هي مبدأ غائيته.

بالتالي فالخلق ليس خرقا للنظام ببساطة. يصبح وجود الإله في العالم بمعنى جديد مختلف عن ذلك المتصور عند الفكر المدرسي والميتافيزيقيا التقليدية. لا يصبح الإله مجرد الجوهر والماهية المطلقة للوجودات كلها بل هو كيفيتها أو صيرورتها. من أجل سمة النظام الإلهي في العالم، من الضروري أن نبحث في الصيرورة، ونعني به ضرورة اكتشاف القوانين التي تحكم حركة الموجودات كلها. يصبح اللاهوت والعلم الطبيعي حينها أمرا واحداً.

تعمل حينها العقلانية والمادية معاً من خلال هذا الفهم العام للعلاقة بين الإله وخلقه، ولكنها تختلف بشكل نسبي في فهمها للمعنى الكامن في هذه العلاقة. تفهم العقلانية هوية علاقة الإله وخلقه هذه بشكل من وحدة الوجود. تصبح حركة الطبيعة على اثر ذلك هي حركة الإله، وقوانين الطبيعة هي بنى وأشكال الإرادة الإلهية. تصبح الأسس اللاهوتية للعلم العقلاني حينها لا من خلال الانجيل بل من خلال استنتاج قوانين الحركة من الإرادة المتعالية أو من الحرية.

بينما على النقيض من ذلك، تفهم المادية معنى هوية علاقة الإله وخلقه هذه بشكل إنكاري. إن القول بأن إله الاسمانية كما فهمه اوكهام هو في كل شيء بنفس الطريقة التي اقترحها ايكهارت (ومن بعده نيكولاس الكوسي) هو قول بأن كل شيء متعمد، هو حركة بلا هدف أو غاية، أو أي انتظام ضروري. من خلال هذه الرؤية لا يعود بين الكون الاسماني والكون المادي المتحرك أي فارق ظاهر. لا يعود لعدم وجود الإله أي ارتباط بفهمنا للطبيعة، لأنه لا يستطيع زيادة أو الحد من فوضى الوجود الشخصي الجوهري التي يتسم بها الوجود. لا يضطر العلم حينها لأخذ هذا الإله والإنجيل في الإعتبار في جهده من أجل فهم العالم الطبيعي ويستطيع الاتكال على التجربة وحدها بدلا من ذلك. بالتالي فإن المادية “الإنكارية” تملك أصلا لاهوتياً في الثورة الاسمانية. صحيح ان المادية تنطلق من الذرية القديمة والأبيقورية، ولكن كلا الاثنان يفهمان ويقبلان من خلال ما هو في أصله رؤية اسمانية للعالم.

هذا الفهم الجديد للصيرورة أو التغير كتجلٍ للإرادة الإلهية هو الأساس الانطولوجي للوعي الذاتي للحداثة. فهم الوجود منذ عهد أفلاطون كوجود لازماني غير متغيّر. لطالما كان التغيّر دلالة على الانتكاس والانحطاط عن الوجود. شكك الاسمانية بهذه المفهوم من خلال تأكيدها على أن الإله لم يكن عرضة للتغيّر فقط بل هو التغيّر نفسه. لم يعد يرى الكون المتغيّر كإنتكاسة عن الكمال، لم يعد “صورة الخلود المتحركة” كما يصفها أفلاطون في طيماوس. لم يعد التغيّر مجرد انحطاط. على الرغم من هذه الرؤية الجديد للصيرورة لم تكن موجودة من قبل وكانت مقلقة بشكل مستمر للمفكرين الحداثيين الذين جاهدوا مراراً وتكراراً من أجل اكتشاف أساس انطولوجي ثابت للصيرورة. إلا انها كانت خطوة مؤثرة بعيدا عن مفهومي الزمن والتغير في العصور القديمة والعصور المظلمة.

إن لم يكن التغيّر انحطاطاً، فهذا يعني بأن بعض التغيّر قد يكون تقدماً. فقد ينتج التغيّر المقاد بواسطة تنوير انساني خيراً. يفتح التقدم في هذه الحالة كإمكان بشري. فكرة قدرة الإرادة على السيطرة على العالم كانت واضحة عند الانسانويين في عصر النهضة من أمثال ميكيافيلي، ولكن اتكالهم على براعة الأفراد ورغبتهم جعل سبيل سيطرتهم على الطبيعة غير واضح لهم. عنت محدودية الانسان أن حتى أعظم الأفراد سيخضع حتماً للزمن القاهر. وهذا ما يعني بأن السيطرة على الطبيعة ستتطلب أكثر من مجرد الإرادة الفردية. جادل المفكرون الحداثيون الأوائل بأن هذه المشكلة قد تحل إذا ما وعى البشر من أن العلم ليس إنجازاً شخصياً بل هو مشروع ضخم إجتماعي أو سياسي. وبهذه الطريقة كان من الممكن أن تتصور إرادة بشرية لا محدودة العمر تستطيع أخيراً السيطرة على العالم الطبيعي.

يوصف فرانسيس بيكون (1561-1626) عادة بأنه أب العلم الحديث. رفض بيكون الواقعية بشكلها المدرسي والكلاسيكي مشابهاً سابقيه بذلك. ووافق الاسمانية على أن “لا يوجد في الطبيعة شيء إلى جانب أجسام الأفراد التي تؤدي أفعالا شخصية خالصة”. وكنتيجة لذلك يصبح الكون متاهة لا يقبل ولوج العقل البشري المجرد له. لم يفلح المفكرون السابقون في رأي بيكون في تحقيق أي تقدم خلال هذه المتاهة لأنهم لم يستعملوا ما توفر لهم من قدرة لتحقيق هذه الغاية، متكئين بدلاً من ذلك على التعميمات المتعجلة والملاحظة المجردة. هناك أسباب عدة لهذا الخطأ، ويصفها بيكون بتفصيل في كتابة الأورجانون الجديد من خلال نقاشه المشهور للمفاهيم الأربعة الخاطئة المغروسة في العقل. اعتقد البشر أن كل ما عليهم معرفته يأتيهم عن طريق تجربتهم المباشرة. وعلى اثر ذلك أصبحوا غير مستعدين أو قادرين على التحقق من تعميماتهم من خلال فحصهم للجزئيات. وهذا ما يعني بأنهم كانوا قانعين بالتخمين بدلاً عن المعرفة، ووضعوا أحلام الذهن موضع المعرفة الحقيقية. اعتقد بيكون حتى في زمنه الذي وجهت للواقعية الشكوك من ارتداع البشر عن هذا البحث بسبب لجوء غير مجدي للعصور القديمة ومن خلال الاعتقاد بأن التطور العلمي مستحيل بسبب غموض الطبيعة، وقصر الحياة، وخداع الحواس، وضعف الأحكام، وصعوبة التجربة وغيرها. كان يرى بأن ما هو في حاجة ملحة إليه هو إعادة بناء كاملة للعلم والفن والمعرفة البشرية من خلال أساس قوي.

تختلف المعرفة التي يهدف لها بيكون جذرياً مع المعرفة المدرسية. فهو لا يهتم بماهية الطبيعة وما تنحو تجاهه من خلال العلة الشكلية والغائية للأشياء، بل السمة الجزئية وحركة المادة، لا يريد بيكون معرفة ماهية الطبيعة بل كيفية عملها، بالتالي فإن هدفه ليس النظرية أو الافتراض بل اصلاح حالة الإنسان. عندما تفهم الطبيعة بهذه الطريقة، فقد ينتج عنها ما فيه صلاح للحياة البشرية، لأننا عندما نفهم خصائص الجزئيات سنصبح حينها قادرين على جمعها بشكل يحقق الأثر الذي نرومه. غاية بيكون الأخيرة هي الوصول إلى نموذج للطبيعة لا يكون نظام فئات ساكن ولكن ككل ديناميكي ومجال لتداخل الجزيئيات. وفهم الطبيعة بهذا الشكل يعني استيعاب الطبيعة كقوة.

اعتقد بيكون بأن القوة التي تصدر عن معرفة الطبيعة قد تحمل البشرية إلى آفاق لا تتصور. مع ذلك يرى بأن هذه المعرفة لا تتحصل إلا من خلال إسقاط الشخص منزلته درجة أقل من خلال خضوعه للطبيعة وتحجيمه لحدود إرادته. حتى تسيطر وتتحكم بالطبيعة يجب عليك أن تكون خادماً مفسرا لها. يرى بيكون بأن هدف العلم على إثر ذلك: “لا يتحصل بهناء التكهنات، بل شأن البشرية وحظها وكل قوتها في الممارسة. لأن الإنسان ما هو إلا خادم مفسر للطبيعة، وما يفعله وما يعلمه هو ما يلحظه في نظام الطبيعة حقيقة أو توهما، ودونه لا علم له ولا قدرة. لأن سلسلة العلل لا تكسر ولا تتخلخل، ولا يمكن أن يتحكم في الطبيعة دون أن تطاع. وهذا ما يعني بأن توأما معرفة الإنسان وسلطته يتلاقيان، ولا تفشل هذه العملية إلا من خلال الجهل بالعلل.”

التسليم بمثل هذه المعرفة هو إزدراء للروح البشرية، لأن النجاح يعتمد على هجر ايماننا المتباه بأننا نشغر مكانة أعلى في نظام الخلق. بدلاً من التصرف كآلهة الخلق كما اقترحت الانسانوية، يجب علينا أن نكون مبتدئين في معمل الطبيعة. فنحن لسنا في حاجة لفطنة عظيمة أو تفوق فردي بل اصرار صلب وانصياع إلى أوكد القوانين والأنظمة.

على الرغم من أن التواضع يفتح لنا أفقاً لدراسة الطبيعة، إلا أن القسوة هي ما توصلنا إلى غايتنا. لن تقودنا مجرد التجربة إلا إلى البلاط الخارجي للطبيعة. حتى نصل إلى حجر الطبيعة الداخلية، يجب علينا أن نمزقها إلى قطع، أن نقيدها ونهيجها ونحللها ونعذبها من أجل أن نجبرها على كشف مدخلها السري لحجرات كنوزها. لن نستطيع الفوز بمعرفة عملها وقواها المخفية إلا من خلال التعامل معها كخدم غير رحيمين من سيقوم بإخضاع وتعذيب سيدهم من أجل معرفة مصدر قوته. اعتماداً على أسس هذه المعرفة نستطيع حينها التوصل إلى “شكل ونوع من الاختراعات يستطيع أن يقمع ويتجاوز الضرورات والمآسي البشرية”.

وهذا ما جعل بيكون يعرض إجابة ثورية جديدة للإشكال المطروح بواسطة الاسمانية والإله الإسماني. واجه وقبل الرؤية الاسمانية للعالم وحاول إيجاد حل لإشكالاتها الأساسية. فهو لا يهدف إلى تجل شاعري للعالم ولا موضعاً جديدا لإله. ينحو بدلا من ذلك نحو اكتشاف القوى المخفية والتي تتحرك الطبيعة من خلاله لتكسب السيادة عليها. الإنسان كائن مريد يسعى لضمان نفسه في العالم كما يرى ذلك بيكون وبيترارك واوكهام. وعلى النقيض الزهد الفرانسيسي والمفهوم الإنساني للفردية المشابهة للألوهية، يتخيل بيكون الانسان كمخلوق خائف ضعيف لا يستطيع النجاح حتى يعمل مع أقرانه البشر خلال سنين عدة من أجل معرفة قوانين الطبيعة وتحويل هذه المعرفة إلى فائدة البشر. ما يجعل من نجاح مشروع بيكون ممكناً هي السمة الديموقراطية فيه، فهو لا يتكيء على مجهود العظماء النادرين العباقرة، ولكن على التطبيق المستمر للإدراك الاعتيادي على مجموعة من الإشكالات البسيطة التي يمكن تحليلها بسهولة. يفترق بيكون عن سابقيه من الانسانويين. فبطل المعرفة الذي يتخيله بيكون في كتابه الاطلانطيس الجديد على سبيل المثال، ليس انسانا لامعاً بروح عظيمة، بل عالم غير بطولي شبيه بالكهنة وفيه رصانة يحمل الدافع للبحث في الدنيء والخاطيء لا الجميل والراقي فقط، لأنه يعلم كما يعلم بيكون من أن ” ما يستحق الوجود يستحق إذن أن يعرف”.

على الرغم من وضع بيكون أولى اللبنات للعلم الحديث مقام على أسس اسمانية، إلا أن جاليلو وديكارت وهوبز هم من أقاموا حيطانه. في الحقيقة فإن منهجية بيكون لم تكن مناسبة للطبيعة كما فهمت كمادة متحركة. إن تركيزها الاسماني الصارم على الموجودات الفردية ومنهجها الاستقرائي هو ما جعلها غير قادرة على ادراك الحركة على هذ النحو. إن تحويل جاليلو للحركة إلى عالم هندي مجرد وفهمه الجديد للقصور الذاتي في الفيزياء كانتا خطوتان جوهريتان جعلتا من العلم الرياضي الحديث ممكنا. وعلى هذه الأسس طور ديكارت وهوبز رؤى بديلة للمشروع العلمي الحديث.

إن الفارق بين ديكارت وهوبز مهم وأساسي في تفرع الحداثة. هناك نزعة في الفكر الحداثي تبدأ بديكارت وتتضمن لايبنتز وسبينوزا وكانط وفيخته وهيجل وشوبنهور وغالبية الفلاسفة القاريين. وهناك بداية ثانية مع هوبز ولوك وهيوم وميل بالإضافة إلى العديد من المفكرين الانجلو-أمريكيين المعاصرين. هاتان النزعتان الفكريتان تقدمان أجوبة بديلة للإشكالية الجوهرية المطروحة من خلال الإله الاسماني داخل طار العلم الحديث. تحول الاختلاف بينهم إلى عدة إشكالات، ولكن كان لسؤال الطبيعة وعلاقة الانسان والاله أهميته الأساسية.

الإنسان عند بيكون جزء من الطبيعة. بالتالي فهو ” يستطيع فعل الكثير والكثير من خلال ملاحظته لسير الطبيعة فقط من خلال الواقع أو الذهن. ودون ذلك لا يستطيع معرفة شيء أو فعل شيء”. الإنسان موجود طبيعي معرض لكل قيود الطبيعة. على الرغم من مقدرته على تحسين حالته وفي معنى محدود يستطيع ترويض العالم الطبيعي، إلا أنه يبقى جزءاً من الطبيعة لا خالقها.

يقدم ديكارت رؤية مختلفة للمشروع الحديث. وفكره أيضاً كان متأثراً كثيراً بإشكالية الإله الاسماني، ولكن حله لهذا الإشكال كان مختلفاً من جانب جذري مقارنة ببيكون. على وجه الخصوص، فهو يمتلك مفهوماً مختلفاً جذرياً عن موقف الإنسان في علاقته مع الإله والطبيعة. ففي بدايات أفكاره كان ديكارت مقتنعاً بدرته على بناء علم يقيني مستند على الرياضيات. اعتقد ديكارت بأن مثل هذا العلم يستطيع انتاج مظاهر رياضية لكل الحركة التي ستسمح للبشر في ترويض الطبيعة بحق، ويستطيعون من خلاله لا مجرد تحسين البؤس الإنساني كما يطمح بيكون ولكن من اجل جعل الإنسان إلها فانياً لكل الخلق. تعرض هذا المشروع المبدئي للتشكيك عن طريق ملاحظة ديكارت أن فكرة الإله كامل القدرة تقلل من قيمة يقينية الرياضيات. وهذه الملاحظة قادت إلى البحث الروحي الذي انتهى بتوصل إلى ديكارت إلى مفهومه المشهور أنا أفكر إذن أنا موجود كأساس للمعرفة البشرية. مشروع ديكارت العلمي كما يظهر في فكره الناضج هو ردة فعل على الإشكال المطروح من قبل الاسمانية.

ما يجعل الحل الديكارتي لهذه الإشكالية مميزاً عن حل بيكون هو ما يحضر في مفهومه الأساسي، لأنها تؤسس للعلم الحديث من خلال فاعل مجهول لا يتجاوز الطبيعة فحسب بل هو قادر على مقاومة وتحدي (أو حتى استبدال) الإله نفسه. يصبح الإنسان مخضعاً للطبيعة عند ديكارت وحاكماً عليها من خلال التخلص من مالكه الحالي، وهذا يعني انتزاعه من الإله. وهذا ممكن لأن الإنسان في معنى ما هو إله، أو على الأقل هو الإرادة غير المحدودة التي تشكل الإله.

المفهوم الديكارتي للعلم يتكيء على مفهوم جديد للإنسان كموجود مريد على غرار الإله كامل القدرة الاسماني وهو قادر مثله على التحكم بالطبيعة خلال ممارسة لإرادة اللامحدودة. لا يعتمد ديكارت على الاسمانية فقط بل على مفهوم الانسانوية على الفرد الخالق المقتدر، وعلى فكرة لوثر عن تشارك الإرادة الإلهية والإنسانية. وهذه التركيبة الرصينة هي ما نجحت في إثارة مفهوم الذاتية الذي يلعب دورا رئيسياً في العقلانية والمثالية ومؤخراً في الفكر القاري كذلك.

على قدر ما أن ديكارت يترك الإنسان في الطبيعة كجسم متحرك ويقوم في الوقت نفسه برفع مكانته فوقها إلى مرتبة شبيهة بكلية القدرة، إلا أنه يضع الأساس لإستياء حتمي لا علاج له يلقي بخطر أخلاقي وسياسي كبير على الحداثة. تنحو الإرادة الإنسانية الحرة غير المتناهية باستمرار إلى ترويض وتجاوز الجسد ولكنها في الوقت نفسه لا تزال متجسدة. من خلال ميلها إلى اكتشاف جوهرها المحدود فستنحو دائماً إلى إلغاء المتناهي، وهذا الإلغاء مستحيل. على الرغم مما يبدو على المثالية من مثالية ورقي إلا أنها في شكلها العملي تواجه باستمرار اغراءً  من الفكر الملياري من اجل استعمال اكثر معاني السيطرة تطرفاً من اجل تحقيق ما لا يمكن تحققه من غاياتها.

لهوبز رؤية أكثر محدودية للقدرة الإنسانية من تلك التي يمتلكها ديكارت. فالإنسان عند هوبز هو جزء من الطبيعة، جسم متحرك. يعتقد هوبز حاله كحال الاسمانيين بأن هذه الحركة لم تقدر بشكل غائي، ولكن على عكسهم فهو لا يراها حركة عشوائية بل ميكانيكية. فهي لا تعي جوهرها كما هو المفهوم الأرسطي، ولا هي المنجذبة إلى غاية طبيعية من خلال حب أو جمال، بل هي مدفوعة باستمرار إلى الأمام من خلال تصادمها مع موجودات فردية أخرى. بالتالي فالإنسان لا يتحرك وفقاً لدوافع طبيعية جوهرية، ولا بواسطة إلهام إلهي أو إرادة حرة، ولكن من خلال تعاقب لحركات سببية. على عكس ديكارت، لا يرى هوبز الانسان أعلى رتبة من الطبيعة. فالبشر هم ذوات طبيعية خاضعة لقوانين الطبيعة. وبواسطة هذه القوانين التي تحكم كل مادة، سيلازم كل واحد من هذه الذوات (البشر) حركته إلا إذا ألغيت من خلال تعارضها مع جسم آخر. وهذا التصادم بين الموجودات البشرية هو صراع، لأنه يحد من الحركة المستمرة للأفراد. وهذا ما يجعل حالة الإنسان الطبيعية في عالم مكتظ مليء هي حالة حرب. غاية العلم كما يرى هوبز هي في تنظيم حركة أجساد البشر وكل ما هو غير بشري من أجل زيادة حركة الإنسان غير المعاقة (بالتالي هي حرة).

أهمية الإرادة الحرة في فكر هوبز مهملة بشكل كبير. في الحقيقة، ينكر هوبز امتلاك البشر لإرادة حرة، واصفا الإرادة بانها آخر الميل قبل الفعل. تعاش الحياة البشرية عند هوبز خلال الطبيعة وهي محدودة دائما بالعالم الطبيعي. فالأنسان مخلوق أكثر من كونه خالق، محكوم بالقوانين أكثر من كونه مشرعا لها. فهو ليس موجودا متعالياً قد يتصور نفسه إلهاً بل ذات مجبرة غايتها الأسمى هي الاستمرار في مساقها المقرر لها مسبقا بأقل تدخل ممكن من الآخرين.

يخشى غالبية البشر من الموت في نظر هوبز ويقبلون الخضوع لدولة من اجل تحقيق السلام ويوسعون من حدود حريتهم. المخاطر الكبرى لمثل هذا الحكم والسلام الذي يجلبه هي الرغبة بالمجد (التي تميّز الانسانوية) والايمان بأن أفعالنا في هذه الحياة تستطيع التأثير على حياتنا القادمة (والتي كانت رئيسية للإصلاح). أثر الرغبة بالمجد محدود بسبب الليفياثان، والذي يصفه هوبز بـ”إله فان”، لإنعدام من قد ينافسه على الشرف. أثر التعاطف الديني يخفف بواسطة فهم صحيح بالتقدير المسبق. يوافق هوبز كلاً من كالفين ولوثر ممن أن كل شيء مقدر مسبقاً ولكنه يرى بأن هذه الحقيقة هي ما تقرر بأن ما نفعله في هذا العالم لا تملك أي تأثير على خلاصنا. إذا كان كل أمر مقدر مسبقاً، هذا يعني بأن لا شيء من الممكن لأحد فعله حتى يحوز على الخلاص أو يخسره.

عن طريق استبعاد المجد والطوبى كمحركات للفعل البشري، يؤمن هوبز بأن البشر سيكونون ميالين إلى طلب الوقاية والرخاء. وهذه أقل خيرية من المجد العملي أو الماورائي، ولكنها أيضا أقل احتمالية في مصدرا للصراع العنيف. بالتالي يهدف هوبز إلى جعل الانسان حاكماً ومالكاً للطبيعة لا من أجل بلوغ أعالي مجده بل من أجل إرضاء رغباته الطبيعية المادية.

تهدف الحداثة إلى غايتين، بأن تجعل الإنسان حاكماً ومالكاً للطبيعة وبأن تجعل الحرية البشرية أمراً ممكناً. السؤال الذي يظل معلقاً هو ما إذا كانت هاتان الغايتان متوافقتان فيما بينهما. يشير النقاش بين هوبز وديكارت في الاعتراضات والردود على كتاب التأملات بأنها ليست كذلك. ما نراه في هذا النقاش هو عودة الإشكالات في أساس النقاش بين لوثر واراسموس. يرى ديكارت حاله كحال اراسموس بوجود حرية بشرية بالإضافة إلى العلية من خلال الطبيعة. يرى هوبز حاله كحال لوثر بعدم وجود قوة غير قوة الإله المطلقة كسبب مطلق يقف خلف حركة المادة كلها. وهنا نرى عودة ظهور العلاقة المشكلة بين الانسان والإله في قلب الحداثة والتي أربكت المسيحية منذ نشوئها. إن التحول الحداثي الموجودي من الإنسان والإله إلى الطبيعة على إثر ذلك لا يزال يسلم بأهمية بنوية وميتافيزيقية مستمرة للتصنيفات التي تهدف إلى تجاوزها. عانى من أتى بعد ديكارت وهوبز في التراث الحداثي من هذا السؤال. تميز التنوير تحديداً بسلسلة من المحاولات لحل هذه الإِشكالية. مركزية هذه الإشكالية للمشروع الحداثي أصبحت ظاهرة في نظام التناقض الكانطي في الثورة الفرنسية. وفي نهاية الحداثة، أصبحنا نواجه سؤالاً عن وجود حل لهذه الإشكالية من خلال الأفق الأنطولوجي الذي تفتتحه الحداثة، وبالتالي ما إذا كانت الحداثة في أكثر أشكالها علمانية قادرة على الهروب من الإِشكالية الميتافيزيقية/اللاهوتية التي بدأت من خلالها.

يفحص أفلاطون في محاورة بارمنديس السؤال الأساسي عن الواحد والكثرة. وهذا السؤال أساسي لأنه لا يمكن الإجابة عنه، لأنه في ذاته افتراض سابق لكل تفكير، بالتالي هو افتراض سابق للسؤال والإجابة. لا نستطيع التفكير في الأشياء دون التفكير بأن هذه الأشياء كموجودات هي واحد وكثير في الوقت نفسه. هناك العديد من التفسيرات لهذه المعضلة، بعضها متجذر في الطبيعة المتناقضة للوجود بينما الآخر في عدم فعالية اللغة على ادراك الموجود، ولكننا لا نحتاج إلى الخوض في هذه المسألة هنا. من المهم في سبيل تحقيق هدفنا هنا أن نتنبه إلى عدم وجودة إجابة قاطعة لهذا السؤال. بالتالي فلا يوجد رؤية نظرية نهائية للكل حتى تعمل كحقيقة أساسية مطلقة غير متزعزعة. فلا البحث البارميندي عن الواحد ولا الفردانية الجوهرية أو الاسمانية تستطيع معالجة هذا التناقض. ولا هي يمكن لها أن تلغى بواسطة منعطف لغوي يتخيل كل شيء كمجرد كلمات وعلامات، تخلق لعبة اللغة أو ألعاب لغة العالم من جديد في كل مرة نتحدث فيها. يوضح هذا السؤال ويعيد تشكيل كل التفلسف. يجادل بلاتو في بيرمانديس بأن المحاولة لتفسير العالم بدون إحالة إلى الواحد هي محاولة مقدر لها بالفشل. ترفض الاسمانية الواقعية لأنها تذهب بعيداً في اتجاه الواحد، واضعة هوية بين الإله وخلقه. فيما تفصل الاسمانية على العكس فصلاً حاداً بين الاثنين وكنتيجة فهي تركز على الكثرة والجزئية.

واجه الأشخاص الثلاثة الذي غادروا كاتدرائية نوتردام دي دوم في ذلك اليوم من عام 1326 وهم وليام الاوكهامي وفرانسيشكو بيترارك ومايستر ايكهارت، واجهوا هذا السؤال وراموا الإجابة عنه. شكلت إجاباتهم وإجابات من أعقبوهم العالم الحديث بطرق مختلفة ومتناقضة، معيدة تعريف الطبيعة وعلاقة الإنسان والإله والكون. من خلال النزاعات التي نواجهها الآن ومن خلال النزاعات التي يخبئها لنا المستقبل عن الطبيعة والحداثة والعولمة، من الضروري ألا نفهم الطرق التي يتشكل فيها مخالفونا فحسب بل أن فهم الطرق التي لا تزال تشكلنا وتثير اعتقاداتنا وأفكارنا والتي في أساسها ليست حداثية، بل في الحقيقة هي إعادة ظهور للسؤال الذي مهد لولادة العصر الحديث.

The post الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86-2/feed/ 0 15663
كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d8%ad%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a7%d9%8b/ https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d8%ad%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a7%d9%8b/#respond Thu, 07 Dec 2017 23:03:52 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=15480 كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً في العام 2008 حصل الأخوين كاميرون وتايلور وينكلفوس على مبلغ تسوية قدرة 65 مليون دولار لأغلاق ملف قضية قاما برفعها على زميلهم السابق […]

The post كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً appeared first on المكتبة العامة.

]]>
كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً
في العام 2008 حصل الأخوين كاميرون وتايلور وينكلفوس على مبلغ تسوية قدرة 65 مليون دولار لأغلاق ملف قضية قاما برفعها على زميلهم السابق في جامعة هارفارد مارك زوكربيرج تتهمه بسرقة الأكواد البرمجية الخاصة بهما واستعمالها في صناعة موقع “الفيس بوك” .
لم يعترف مارك بسرقة هذه الأكواد ابدا ولكنه قبل بدفع التسوية حرصا على سمعته و تخوفا من تمكنهما من الحصول على تعويض ضخم ان استطاعا حشد بعض من زملائهما السابقين و الشهادة لصالحهما , وأيضا لتخفيف الضغط عليه في قضايا أخري مماثلة .
حصل الأخوين وينكلفوس على مبلغ 65 مليون دولار دون القيام باي شيء و بعد دفع مستحقات المحاميين و الخبراء الذين ساعدوهما في الحصول على هذا المبلغ وضعا جزء من ثروتها يقدر ب 11 مليون دولار في استثمار من نوع جديد .
في العام 2013 عندما كانت عملة البيتكوين الرقمية (العملة الرقمية عبارة عن كود برمجي وليس لها وجود فعلي و لا قيمة حقيقية على الاطلاق الا بالقدر الذي يحدده لها المضاربون في التعامل ) تقيم ب 120 دولار للبيتكوين الواحد قاما بشراء كمية ضخمة هذه العملة الغامضة (التى لا يعرف من مبتكرها ولا الكمية المتوافرة منها ولا ملاكها بغض النظر عما يتردد كل فترة من معلومات يتضح كذبها لاحقا).
ومن 120 دولار الي 11831 دولار قفزت قيمة البيتكوين في السنوات القليلة الماضية , ومعها تضاعفت ثروة الاخوين الي ما يزيد عن مليار دولار !
تلك العملة التى لا يقابلها اي شيء مادي ارتفعت قيمتها بشكل جنوني بعد استعمالها كوسيلة دفع غير قابلة للتعقب في العالم السفلي للأنترنت فيمكن بيع وشراء أي شيء من المخدرات للأسلحة للمواد الاباحية الغير قانونية بدون القدرة على تعقب متلقي او دافعي الاموال خلافا للأوراق المالية المرقمة و الحسابات البنكية المراقبة , و اشتهرت عندما استعملت للحصول على الفدية في عمليات الاختراق الالكتروني والتى كان أشهرها الهجوم العالمي بفيروس (واناكراي) الذي عطل أجهزة الكومبيوتر في 70 دولة حول العالم و دفع الضحايا الفدية لاستعادة السيطرة على حاسباتهم بعملة بيتكوين دون ان يتم التوصل الي اشخاص المهاجمين الي اليوم .
ليست البيتكوين العملة الرقمية الوحيدة في العالم ولا المحاولة الاولي لصنع عملة عالمية غير ورقية ولا مرتبطة بدولة ولكن الضجة حولها و التى يصعب قبول انها كانت طبيعية جذبت الالاف من المغامرين و الطامحين للمضاربة عليها لتصل الي هذه القيمة التاريخية المذهلة ويحصل من صنعوها و استحوذوا على الكم الاكبر منها على ثروات هائلة نتيجة هذه المضاربات .
ولا نستطيع ان نتجاهل هذا الواقع الفريد من نوعه الذي نشهده .. حيث اصبح الحصول على الثروة من لا شيء فعلياً امراً واقعاً فالأخوين وينكلفوس قد حصلا على ثروة مهولة بدون ان ينتجا اي شيء او يقدما للمجتمع اي شيء .. حتى انهما لا يدفعان ضرائب فثروتهما من تعويض قضائي معفي منها و عملة البيتكوين غير مدرجة في العملات المعترف بها وغير معروف حجمها ولا اصحابها فلا يمكن احتساب ضرائب عليها !
أهمية مثل هذه القضية لا تكمن في أثارتها و الثروة الهائلة المرتبطة بها فحسب بل أنها تطرح أسئلة عميقة حول النظام الاقتصادي العالمي وحول الاخلاقيات الرأسمالية والليبرالية .
فالأخوين وينكلفوس وغيرهما عندما قاما بتكوين هذه الثروة من اللاشيء ودون تقديم شيء الي المجتمع حتى الضرائب استعملا طرقا قد توصف بالاحتيالية و تصم ثروتهما الضخمة انها نتيجة عمليات نصب ..
ولكن قانونا هما لم يرتكبا اي خطأ يؤاخذا عليه بل تعد أفعالهما وغيرهما من ترويج لعملة البيتكوين و قبلة في مقاضاة مارك زوكربيرج للحصول على جزء من ثروته افعالاً مبررة و مقبولة في اطار الليبرالية والنفعية ..
لم يرغم مارك على دفع التسوية و لم يرغم احد على المضاربة في عملة البيتكوين حتى اصبحت قيمتها ترتفع وتنخفض بجنون بين عشية وضحاها و حتى الان التعامل بالتكوين قائم رغم محاولات الصين و الاتحاد الاوربي السيطرة عليها وتقنين التعامل بها للحد من خطورتها الاقتصادية و الجنائية .. فما الذي يجعل صناعة مليار دولار من اللاشيء ( هناك مليارات كثيرة ولكننا لا نستطيع وضع ايدينا عليها بهذا الوضوح ) امراً سيئاً او لا أخلاقيا ؟
ليست الإشكالية في الثروات الجديدة المهولة التى تكونت في أوقات قياسية ولكن الاشكالية انها ليست نتاج عمل او ابداع او جهد و لا تعبر عن اي قيمة مادية او علمية وكأنها نتيجة سحر اسود ! و هل هو من العدل ان يستحوذ بعض الافراد على ثروات تكفي شعوب وبلا جهد ولا عمل ؟
بحسب الرؤية الرأسمالية الليبرالية فهؤلاء لم يرتكبوا اي جرم بل أنهم يمثلون نماذج يحتذي بها بحسب الرؤية النفعية التى تحدد الصواب والخطأ بحسب ما يعود على المريء من ادائهما من الم او متعة .. والحصول على مليار دولار بلا جهد أمر ممتع بالتأكيد .
ولكن هل هذا امر سليم عقليا و اخلاقيا في الحال و المآل ؟ هل حقاَ الرأسمالية والليبرالية مستقبل العالم المشرق ام ان الامر يحتاج لإعادة نظر ؟ لا أدعي التوصل الي رأي حاسم في الموضوع و تقييمه ولكنه يحتاج منا بالتأكيد للكثير من التأمل والتفكر .

أحمد فتحي سليمان

facebook.com/ahmed.fathie.7

The post كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d8%ad%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a7%d9%8b/feed/ 0 15480
سجائر رخيصة – قصة قصيرة https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%b1%d8%ae%d9%8a%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%b1%d8%ae%d9%8a%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d8%a9/#respond Wed, 28 Jun 2017 16:02:49 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=12159 سجائر رخيصة – قصة قصيرة   مقربا السيجارة الى جبينه، كان يصيخ السمع الى الصوت الخافت لطقطقة التبغ وهو يحترق. يلمح بعينيه طرف السيجارة المشتعل الآخذ في التآكل، مصّاعدا منه […]

The post سجائر رخيصة – قصة قصيرة appeared first on المكتبة العامة.

]]>
سجائر رخيصة – قصة قصيرة

 

مقربا السيجارة الى جبينه، كان يصيخ السمع الى الصوت الخافت لطقطقة التبغ وهو يحترق. يلمح بعينيه طرف السيجارة المشتعل الآخذ في التآكل، مصّاعدا منه خيط رفيع من الدخان الأزرق ينتهي بدوائر لولبية الى سحب في الهواء. يسحب الدخان من فلتر سيجارته، يمتص النيكوتين، ثم ينفث الدخان مرة اخرى من أنفه. يقوم بهذه السلسلة من الحركات عشرات المرات يومياً. نصحه زملاؤه بالابتعاد عن التدخين، ونصحه ما يمكن أن نسميهم المقربين بالتخفيف منه، لانهم يعلمون جيدا ان مسألة الانصراف عن التدخين نهائيا غير واردة في مخيلته. ولكنه لا يهتم اطلاقا – ككل شيء في حياته – برأيهم جميعا. لقد صارت اللا مبالاة اسلوبه في التواصل مع العالم. وباستثناء بعض اللحظات القليلة التي تتخلل يومه في العمل، لا يركز على شيء تماما، وكأنه يحيا بنصف وعي. هو لا يعرف بالضبط كيف وصل الى هذه الحالة من التخلي عن كل شيء تقريبا.

بالطبع كانت له أحلام وطموحات في احدى الأيام، ولكن تكرار الصدمات والانتكاسات واحدة تلو الاخرى أفقده القدرة على الشعور بالانفعال، وبعد عدة أحداث – هو لم يعد يذكرها بالتفصيل –  انصرف عن الحياة وصار يعيش بنصف وعيه. فهل يمكن أن تؤدي الانهيارات الى الحكمة؟ الى الزهد الحقيقي؟

أطفأ عقب سيجارته المتآكل البائس في المنفضة مزاحما اعقاب سجائره الرخيصة، وأسند ذراعه الى نافذة المقهى، – هذا المقهى الفقير المنزوي الذي يستقطب العاطلين والكسالى والهاربين من الحياة، الذين فقدوا فرصة الوجود بشكل لائق، والذين يضنون في سبيل مجاراة اللحظات التي تعبر بهم نحو لحظات جديدة اخرى في مدار زمني لا يؤدي الى شيء ولا يعطيهم شيئا سوى قضاء مزيد من الوقت في قصة لم يختاروها من البداية. فهؤلاء هم الجانب الآخر من المعادلة، الذين هم موجودون هنا في القصة لاستغلالهم في اكمال مشهد من بطولة غيرهم، فوجودهم ليس له قيمة سوى لغرض معادلة تصب في صالح الجانب المقابل لجانبهم، ان وجودهم فقط  هو ما يعطي قيمة المعادلة، أما ذواتهم فلا قيمة لها، هم الشخوص الثانوية المتواجدون لرغبة من قبل كاتب القصة، لا أكثر.

بعد مرور القليل من اللحظات، راح يراقب قطة تترصد يمامة هبطت تقضي حاجتها من الجوع على جانب الطريق، ثم شرد في اللا شيء وغاب للحظات عن الوعي بالاشياء. في تلك اللحظة عبرت من أمام المقهى حسناء فاتنة، فسرى جو من الجلبة داخل المقهى، جميع من يجلس بمواجهة الشارع أخذ يتابع تلك الحسناء تعبر مفتتنين بجمالها وحسنها، أخرجه من سهوه و لفت انتباهه هذه الجلبة التي دهمت المقهى فجأة وهذا الكم من الانظار الموجهة نحو الشارع فأثير بداخله شيء من فضول، وأدار وجهه نحو الشيء الجاذب للانظار حتى رآها، كانت أنثى قادرة على أن تنسف قواعد لا مبالاته، فأخذ بجمالها للحظات، ثم تأمل تفاصيلها، ملامحها الجميلة الهادئة، بشرتها البيضاء المائلة للحمرة، شعرها حالك السواد المنسدل على كتفيها ثائرا على الدنيا، جسمها اللدن، نهداها البارزان المستديران، ردفاها يهتزان كقطعة الجيلي، وساقيها الناعمتان، كانت حسناء تملك جاذبية لا يمكن لأعتى الرهبان مقاومتها، ظل مفتونا بتفاصيلها وأنوثتها وجمالها وهي تعبر الشارع، الى أن وقفت أمام أحدهم، كان شابا ثلاثينيا، ممشوق القامة، وعضلاته لم تكن ضخمة ولم تكن صغيرة كانت متسقة مع جسمه، وكان وسيم الملامح، يرتدي بذلة أنيقة، وعيناه متقدتان بالثقة. وقفا يتبادلان الحديث لثوانٍ مبتسمين ، ثم أخرج الثلاثيني من جيبه علبة صغيرة واخرج منها خاتما ووضعه في إصبعها، واستدارا سائرين الى أن وصلا إلى سيارة فارهة، فتح لها باب السيارة واستدار يتولى القيادة. وبأزيز صارخ انطلقت السيارة مندفعة فجأة مثيرة غبار الشارع في وجه كل من كانوا يراقبونهما في المقهى الصغير.

 أدار رأسه مرة اخرى عن الشارع الى طاولته، ابتسم ابتسامة بلهاء، أخرج سيجارة جديدة – كانت اخر سيجارة في العلبة التي بحوزته – أشعلها وأخذ يعيد تكرار عملية التدخين، مقربا السيجارة الى جبينه ، منصتا لصوت طقطقة التبغ وهو يحترق.

نهاية

لمتابعة الكاتب على فيسبوكEslam M Essmat

 الصورة لـ Edward Hopper

The post سجائر رخيصة – قصة قصيرة appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%b1%d8%ae%d9%8a%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d8%a9/feed/ 0 12159
العقل والسلطة: كيف تم تهميش العقل في التاريخ الإسلامي ؟ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%85-%d8%aa%d9%87%d9%85%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%85-%d8%aa%d9%87%d9%85%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/#respond Fri, 21 Apr 2017 06:13:31 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=10185 العقل والسلطة: كيف تم تهميش العقل في التاريخ الإسلامي ؟ – د. محمد عجلان منذ ما يزيد على ثمانية قرون، حاول الفيلسوف الإسلامي ابن رشد من خلال كتابه “فصل المقال […]

The post العقل والسلطة: كيف تم تهميش العقل في التاريخ الإسلامي ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
العقل والسلطة: كيف تم تهميش العقل في التاريخ الإسلامي ؟ – د. محمد عجلان

منذ ما يزيد على ثمانية قرون، حاول الفيلسوف الإسلامي ابن رشد من خلال كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، أن يؤكد على أن الشريعة لا تعارض الفلسفة أو البحث العقلي، بل يثبت بالدليل القاطع عبر آيات القرآن الكريم أنه يجب إعمال العقل، مما يجعل النظر العقلي جزءاً من إتباع أوامر الشريعة. وإذا كان النظر العقلي واجباً بمنطوق القرآن نفسه، فإن دراسة الأدوات اللازمة لهذا النظر العقلي واجبة بالضرورة؛ لأنك لن تحقق نظراَ عقلياَ دون التمرّس بأدوات هذا النظر. لكن ما يهمنا في هذه النقطة هو أن موضوع العلاقة ما بين الفلسفة والدين، هو موضوع قروسطي بالأساس، حيث كانت القضية المركزية المثارة في القرون الوسطى سواء في الشرق الإسلامي أو الغرب المسيحي هي طبيعة هذه العلاقة. وإذا كان الغرب قد استطاع أن يتجاوز هذه القضية، إلا أننا مازلنا نحياها رغم مرور عدة قرون على وفاة ابن رشد، مما يؤكد على أننا لم نبرح مكاننا على مدار قرون عديدة، ويشير إلى حقيقة كوننا مازلنا نعيش القرون الوسطى حضارياً وإن كنا نحيا في القرن الحادي والعشرين تاريخياً. وكان من المنتظر أن نتجاوز نحن لا الغرب هذه القضية بشكل أسرع؛ لأن في الفترة التي أثيرت فيها أمثال هذه القضايا كنا أكثر تطوراً من الغرب بكثير، بل كنا قادة العالم فكرياً وسياسياً، لكن يبدو أن الرياح قد جاءت بما لا تشتهي السفن العربية.

وهذا الحضور الماضوي في الثقافة العربية الإسلامية يؤكد على غياب العقل، والغياب هنا لا يعني الانعدام، ولكن يعني غياب الفعالية، غياب محورية الدور، رغم وجوده على هامش الحياة والمجتمع، كأنه قطعة زينة نلفت الأنظار إليها في أوقات الاسترخاء، لكن وقت الجد يتم إقصاؤها وإعادتها إلى مخازنها. ومن هنا ننتقل إلى سؤال مركزي ألا وهو: لماذا تم إقصاء مدرسة العقل لصالح مدرسة النقل على مدار تاريخنا الإسلامي؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال نطرح سؤالاً آخر سيساهم في الإجابة على السؤال الأول، ألا هو: ما علاقة العقل بالسلطة، وهل يمثل العقل تهديداً لها؟

يبدو أن سلسلة الأسئلة التي تحيل إلى بعضها لن تنتهي، حيث يجب علينا أن نطرح سؤالاً ثالثاً وهو: ما هي آثار التأكيد على قيمة العقل في تشكيل الإنسان؟

من المعروف أن الحداثة الغربية قامت على أسس ثلاثة، وهي: الذاتية، أو الإيمان بقيمة الإنسان كذات حاضرة وليس مجرد جزء من كيان أوسع، والعقلانية، أي اعتبار العقل هو المعيار والمرجعية في التعرف على العالم والحكم على الأشياء، فهو معيار القبول أو الرفض، ثم الإيمان بفكرة التقدم، بمعنى أن العالم يتحرك في خطوات ثابتة دائما نحو تحقيق الأفضل. وبالتالي فإن العقل جزء أصيل كي يشعر الإنسان بذاته وبالتالي يحلم بعالم أفضل، ولا يتوقف عند اعتبار الماضي هو العصر الذهبي الذي لن يتكرر. وهذا الفرد المؤمن بذاته وبقدرة عقله على تغيير الواقع يمثل تهديداً للسلطة الاستبدادية؛ لأنه سيطرح على نفسه الأسئلة عبر هذا العقل عن طبيعة الواقع الذي يعيشه، وحول مدى تناسبه مع الحياة الكريمة التي تليق به كإنسان، ولن ينظر لنفسه كمجرد أحد أفراد قطيع، أياً كان شكل هذا القطيع، وطَرْح الأسئلة والبحث عن النموذج الأفضل للمجتمع يمثل إزعاجاً للسلطة الحاكمة، التي تريد أن تصور الوضع القائم بأنه أفضل وضع، وأنه يجب على المواطن أن يحمد سلطانه على الحال أياً كان.




ولم يكن أمام السلطة لتحقيق هدفها سوى تقديم مدرسة النقل على مدرسة العقل، وبدا ذلك في الانتشار الواسع والدعم الكبير الذي نالته مدرسة النقل، التي تجعل العقل في مرتبة لاحقة على النقل، رغم أن العقل هو وسيلة الفهم بالأساس، ولا يمكن التعاطي مع أي نص بعيداً عن العقل. وربما يعترض البعض على هذا الطرح قائلا: إن السلطة في فترات معينة قدمت مدرسة العقل، وكان هذا واضحا في ظل تقديم المأمون للمعتزلة الذين يمثلون تيار العقل في التاريخ الإسلامي، لكن هذا الوضع كان هو الاستثناء وليس القاعدة من ناحية، ومن ناحية أخرى سنجد أن هذا التقديم للمعتزلة له اعتبارات سياسية، حيث كان المأمون يضرب بهم السطوة التي حصل عليها رجال الدين الممثلين للتيار التقليدي، فقد كانت هناك فترة انتقالية ما بين انتصار المأمون على أخيه الأمين، وبين استقرار الأوضاع في بغداد عاصمة الخلافة، فترة يقول دكتور عابد الجابري أنها كانت تقريبا 5 سنوات ترك فيه المأمون البلاد في حالة فوضى كنوع من العقاب لهم لمساندتهم الأمين، في هذا التوقيت ظهر دور فعال لرجال الدين حين سعوا لمواجهة حالة الفوضى على الأرض، فاكتسبوا سلطة روحية قوية لدى الجماهير، فما كان من المأمون سوى أن يفكر في حيلة لضرب هذه السلطة التي تهدد سلطته، فلم تكن المواجهة المباشرة معهم مجدية، فاختلق قضية خلق القرآن، حتى يضرب هؤلاء، فإن استجابوا لتوجهات السلطة سقطوا من أعين العامة، وإن لم يستجيبوا – كما كان الحال مع ابن حنبل – يكون للسلطة الحق في الخلاص منهم باعتبارهم يمثلون تهديداً للدين.

وليست محنة ابن رشد الذي يمثل العقلانية الإسلامية بامتياز، ببعيدة عما حدث مع تيار ابن حنبل في ظل حكم المأمون وخليفتيه، فقد كانت التهمة التي وجهتها السلطة لابن حنبل ورفاقه من الأصوليين، هي نفسها التهمة التي تم توجيهها لابن رشد، حيث قيل في الحالتين إن هؤلاء يمثلون خطراً على الدين، وأن أفكارهم تهدد عقائد المسلمين، وتمت محاصرة الطرفين ليس لأنهم يمثلون تهديدا للدين بحق، ولكن لأن كل منهما كان يمثل خطراً على السلطة ذاتها، فقد كان ابن رشد بأفكاره هذه التي أعلنوا أنها تهدد صحيح الدين، مقرباً من السلطة في زمانه، وقام بترجمة أعمال أرسطو تحت رعاية أبي يعقوب مؤسس الدولة الموحدية، والذي كان شغوفاً بالفلسفة ودراستها وجمع كتبها، لدرجة أنه اجتمعت لديه مكتبة تشبه مكتبة المأمون العباسي. وقد عين أبو يعقوب ابن رشد على قضاء إشبيلية تقديراً لعلمه ومكانته. وقد حظي ابن رشد بنفس المكانة لدى الخليفة المنصور بعد وفاة والده أبي يعقوب، إلى أن وقعت الأزمة والتي استمرت حوالي عامين عاد ابن رشد بعدها لسابق مكانته. فإذا كان الأمر أمر دين وتهديد للعقيدة، فما كان له أن يعود بعد مجرد عامين إلى سابق مكانته. إلا أن السبب الحقيقي لا علاقة له بالدين في حقيقة الأمر، بل كانت الشكوك التي حامت حول علاقة ابن رشد بأحد إخوة الخليفة المنصور، والذي كان يطمع في السلطة حين مرض الخليفة، فالأمر أوله السلطة وآخره أيضا.

لكن رغم كل شيء، فإن تيار العقل يمثل تهديداً للسلطة بخلاف تيار النقل، حتى وإن كانت ثمة حالات توحي بتأييد السلطة لأنصار العقل، وسر تهديد تيار العقل للسلطة هو أن هذا التيار يساهم في خلق مواطن مدرك لقوته، مؤمن بقدرته على التفكير بنفسه دون وصاية من أحد، تجد تيار النقل الذي يقدّس السابقين، ولا يجد لنفسه حولاً ولا قوةً، فهو جزء من تيار عام ولا يحق له التفكير لنفسه، بل التفكير في المسكوت عنه يصبح جريمة لا تُغتفر، والتاريخ الإسلامي والحاضر الإسلامي أيضا زاخر بالعديد من الأمثلة على ذلك. وهذا المواطن المنمّط غير المدرك لمكمن قوته لأنه توقف عن إعمال عقله، هو ذاته المواطن التي تحتاجه السلطة، وكأن مدرسة النقل لديها خط إنتاج لخلق مواطنين على مقاس السلطة، وهذا يوضح لماذا كان هذا التيار هو الغالب طوال التاريخ الإسلامي، ويؤكد أيضاً لماذا تم إقصاء تيار العقل، وذلك لما يمثله تيار النقل من خدمة كبيرة للسلطة، وما يمثله تيار العقل من تهديد للسلطة القائمة في حال انحرافها عن مسار خدمة مواطنيها، وما أكثر ما انحرفت هذه السلطة عن هذا الهدف، ولذا وجب تكميم العقول قبل تكميم الأفواه، فتكميم العقول يضمن ضيق مساحة المعارضة القائمة على التفكير العقلاني، أياً كان موضوع التفكير؛ لأن العقل حين ينال حريته لن يحبس نفسه في موضوعات بعيدة عن الواقع، وبالتالي سيطال السلطة بالتفكير والتشريح عاجلاً أو آجلاً، فمحاصرة التيار العقلاني هو ضمانة وجودية للسلطة، أما إذا استطاعت قلة أن تنفر من هذا الحصار، فإنها لن تكون ذات أثر، وحينها سيكون من السهل اتهامها بمخالفة صحيح الدين، الذي هو صحيح الدين السلطوي، الذي تم تشكيله على نار السلطة الهادئة على مدار قرون.

وبتوضيح طبيعة علاقة العقل بالسلطة، نكون قد أجبنا على السؤالين الأول والثاني الذين تم طرحهما في بداية كلامنا، وهما: لماذا تم إقصاء مدرسة العقل لصالح مدرسة النقل؟ وما علاقة العقل بالسلطة، وهل يمثل العقل تهديداً لها أم لا؟

لكن، هل ستتمكن السلطة من الاستمرار في لعب هذا الدور؟ هل سنبقى أسرى أنظمة سياسية وفكرية لا تعترف بالعقل أو مكانته؟ هل سيبقى المواطن مستلبا وغير قادر على أداء دوره الإيجابي؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة ليس أمراً هيناً، ولا يجب أن نصدر حكماً نهائياً عليها بالموافقة أو النفي، إلا أن ثمة متغيرات على الأرض سوف تعيد ضبط قواعد العلاقة ما بين السلطة والجماهير، وثورة الاتصالات هي أبرز هذه المتغيرات، حيث أنها ساهمت في تقليص مساحة سيطرة الأنظمة الحاكمة، وفتحت أمام الجماهير متنفساً لمعرفة البدائل في بيئات أخرى، وكذلك منحتهم إمكانات الفعل بشكل لم يسبق له مثيل. فقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تحريك الجماهير، واستطاع المواطن المغلوب على أمره أن يسقط أنظمة ويقيم أخرى من خلال هذه الوسائل. وقد يبدو للبعض أنها مجرد تغيرات في الشكل لا الجوهر، وأن ثمة أنظمة سقطت، لكن التي تلتها ليست بخير منها، لكن كلامنا هنا حول القدرة على التغيير لا الحكم على نوعية هذا التغيير. بل ربما لا نعدو الصواب إن اعتبرنا أن المستقبل المتشكل وفق سياقات ثورة الاتصال سوف يكون مستقبل الجماهير، مما يدفعنا للقول إننا على أعتاب ما يمكن تسميته بـ “عصر الجماهير”، فقد فقدت السلطة في ظل العولمة جزءاً كبيراً من إمكاناتها لصالح الشركات الكبرى، ومع اختراع وسائل التواصل أصبح بمكنة الجماهير أن تعلن عن حاجاتها مباشرة، مما يجعلنا أمام احتمالية تشكيل جديد لآليات الممارسة السياسية، ربما يدفعنا إلى ديمقراطية مباشرة لكن بآليات حديثة تختلف عن السياق اليوناني القديم. هذه احتمالات ربما تبدو للبعض بعيدة عن التصديق، لكن في عصور تاريخية سابقة كان الحديث عن الديمقراطية تجديفاً، وكانت فكرة حقوق الإنسان مجرد يوتوبيا غير قابلة للتصديق، ناهيك عن القابلية للتطبيق. فإذا كانت الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي مازالت مصرة على استخدام آليات تغييب العقل، فإن الزمن قد تجاوزها بالفعل وسوف يدهس كل نظام يحاول أن يحرّف بوصلة التاريخ. فثورة الاتصالات التي يتعامل معها الكثيرون باستخفاف سوف تكون هي سبيل الخلاص لهؤلاء، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشر المقال بمجلة الثقافة الجديدة، عدد مارس، 2017

The post العقل والسلطة: كيف تم تهميش العقل في التاريخ الإسلامي ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%85-%d8%aa%d9%87%d9%85%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/feed/ 0 10185
أقنعة الإسلام: بين افتراء الغاضبين وأطماع السياسيّين https://maktaba-amma.com/%d8%a3%d9%82%d9%86%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b6%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%b7/ https://maktaba-amma.com/%d8%a3%d9%82%d9%86%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b6%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%b7/#respond Mon, 17 Apr 2017 17:32:36 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=10088 أقنعة الإسلام: بين افتراء الغاضبين وأطماع السياسيّين – بقلم: بقلم عمار بنحمودة لعلّ أكثر المفاهيم استعصاء في تعريفها، هي التي تبدو في ظاهرها بديهيّة متداولة، ويعدّ مصطلح الإسلام من أكثر المفاهيم […]

The post أقنعة الإسلام: بين افتراء الغاضبين وأطماع السياسيّين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
أقنعة الإسلام: بين افتراء الغاضبين وأطماع السياسيّين – بقلم: بقلم عمار بنحمودة

لعلّ أكثر المفاهيم استعصاء في تعريفها، هي التي تبدو في ظاهرها بديهيّة متداولة، ويعدّ مصطلح الإسلام من أكثر المفاهيم عسرًا وإثارة للاختلاف[1] في التحديد المفهوميّ؛ إذ تفترق السّبل بالسّاعين إلى تعريفه، وتتباين طرائق المسلمين وغيرهم من المهتمّين بشأنه تأويلًا؛ فمنذ اللحظة التي توفّى فيها النبيّ، وحتّى قبل أن يوارى جسده التراب، دشّنت سقيفة بني ساعدة فصولًا من الجدل حول شرعيّة خلافة الرسول؛ إذ بانقطاع الوحي السّماويّ المنزّل، بدأت رحلة التأويل الإنسانيّ، وتطوّرت أزمة الاختلاف في التأويل، لتتحوّل إلى محنة سياسيّة، بدأت سلميّة، ولكنّها تحولت، بعد ذلك، إلى عنف دمويّ، تجلّت ملامحه الأولى بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفاّن، وتولّدت عن هذه الحادثة “فتنة بين المسلمين” لا تزال آثارها بادية إلى يومنا هذا، وافترق المسلمون إلى طرائق قددًا؛ فمنهم من نسب نفسه إلى أهل السنّة والجماعة، ومنهم من تشيّع إلى آل البيت، ومنهم من انتسب إلى الخوارج، ومنهم من كان من المرجئة، ومنهم من تصوّف، …إلخ، وتعدّدت الفرق الإسلاميّة حتّى صار عدّها أمرًا مستعصيًا، في ظلّ تناميها المستمرّ وانشطارها الدّائم، بينما ظلّ كلّ فريق متشبّثًا بتأويله وفهمه للنصّ القرآني والسنّة النبويّة، ويدّعي أنّه صاحب الحقيقة الدينيّة المطلقة، ويتّهم خصومه بالكفر والمروق، وقد أدّى اختلاف المسالك التأويليّة إلى قراءات متعدّدة للنصّ القرآني، وصدامات بين الفرق، ولعلّ بعض وجوهها؛ الخلاف حول الذّات الإلهيّة؛ تشبيهًا وتجسيدًا وتجريدًا، أو الخلاف حول القرآن؛ إن كان مخلوقًا أو قديمًا، أو الخلاف حول آليات التأويل، وأولويّة النصّ أو العقل في فهم أحكامه، ولهذا، فلا غرابة اليوم أن نجد دعاة العنف يشرعنون عنفهم بالدّفاع عن الإسلام، ودعاة السلم والمدافعين عن حقّ الآخر المختلف، يدعّمون رؤيتهم بالشّواهد النصّية، والسّيرة النبويّة، فتكون النتيجة؛ مسارات مختلفة من التأويل، يدّعي كلّ طرف منها النطق باسم الإسلام، والتعبير عن حقيقته.

1- الإسلام قناع الغاضبين:

ليست الجماعات التي تشرعن عنفها باسم الإسلام، سوى امتداد للحركات الاحتجاجيّة التي قامت في التاريخ الإسلاميّ، وأعلنت الخروج عن الحكّام أو معارضة السّلطة القائمة باسم المقدّس، وإن اختلفت المقاصد، وتبدّلت الغايات بحكم تغيّر الحاجات الإنسانيّة، وانفتاح العالم بعضه على بعض؛ فقد كان الدّين وسيلة لتبرير الثّورات التي شهدها التّاريخ الإسلاميّ، مثل؛ ثورة الزنج، أو القرامطة[2]؛ بل إنّه رفع منذ نشأته شعارات ثوريّة على المنظومة الجاهليّة والعقيدة الوثنيّة، فهل يكون ذلك هو السبب الذي دفع جماعات مقاتلة في مناطق مختلفة من العالم، إلى اعتماد الخطاب الدّينيّ مبرّرًا لاحتجاجاتها وسندًا لشرعيّتها؟

كانت الحروب القديمة محدودة في مجالها وتأثيرها، وأضحت أصداء الحروب اليوم تتّسع أكثر من ساحات الوغى التي تدور فيها تلك المعارك، وتؤثّر بشكل كبير في رسم متخيّل عالمي للإسلام والمسلمين.

فلا يخفى اليوم أنّ من آثار ادّعاء جماعات عنيفة تحتكر الإسلام، وتبرّر به عنفها، أن يتحمّل سائر المسلمين من المتسامحين والمسالمين وزر تلك الصّورة، فيحسبون على الانتماء إلى دين عنيف ينبذ الاختلاف، ويعيد صور القتل القروسطيّة إلى عصور التقدّم والحداثة.

مثل تلك المعاناة، يلقاها المسلم المغترب عن وطنه في البلدان الغربية، والطّامع في الهجرة، والطّامح إلى العلم والمعرفة في الدّول الأكثر تقدّمًا؛ فقد صار وشم الإرهاب على وجه كلّ عربيّ مسلم، وفي جواز سفر كلّ ناطق بالضّاد، ومؤمنٍ بإله المسلمين؛ ولذلك، فلابدّ من التّمييز بين التأويل والأقنعة التي يحتكر بها أصحابها الإسلام، والفصل بين المعرفيّ والإيديولوجي؛ فمن الشرعيّ أن تطمح جماعة إلى نيل السلطة، وأن ترسم تصوّرها للدّولة التي يحلم المنتمون إليها بتحقيقها، ولكن من غير المشروع، من وجهة نظر المسلمين المسالمين، أن تحتكر تلك الجماعات النّطق باسم الإسلام، وكأنّه قُدّ على مقاس مقاصدها السياسيّة، وعُدّل على حساب استراتيجياتها العسكريّة؛ فالإسلام تراث مشترك بين السنّي، والشيعيّ، والمعتزليّ، والخارجيّ، والمتصوّف، وسائر المنتمين إلى الفرق الإسلاميّة؛ لذلك، فإنّ أوّل الاحتجاجات التي تعارض الجماعات العنيفة، يكون مصدرها المسلمون أنفسهم؛ لأنّ ضرر تلك التنظيمات يعود عليهم بالوبال، قبل أن يمثّل خطرًا على الآخرين، وإنّ الجماعات المسلّحة التي تخوض حروبًا في سوريا باسم الإسلام، تضع من ضمن أولويّاتها الإطاحة بالنظام القائم، وقتال المسلمين، بينما تستبعد من برامجها أيّة حرب ضدّ، من عدّوا في المتخيّل العربيّ الإسلاميّ، أعداءً حقيقيّين للأمّة.

إنّه لمن الشائع اليوم؛ أن تُعلن جماعة شرعيّتها باسم الإسلام، ثمّ تقوم بذبح المسلمين أنفسهم كالخراف بلا رحمة، ولا شفقة، وتعرض رؤوسهم على عدسات الكاميرا، مثلما تعرض رؤوس الأغنام والأبقار في الأسواق، وإنّه لمن الرّائج اليوم أن يتدثّر البعض بعباءة الإسلام، ويعتدي بعد ذلك على أملاك النّاس وأرزاقهم، ويُخرجهم من ديارهم كرهًا، فيكون أشدّ عليهم من أعدائهم خارج الحدود، ذاك أمر صار شائعًا، ولكن، هل يمكن أن نعدّ ذلك من الإسلام؟




لعلّنا إن نسبناه إلى الإسلام، بحكم أيّ تبرير تاريخيّ يقرن الممارسات العنيفة بالتراث، أو جدليّ يبرّر العنف الإسلاميّ بعنف الآخر؛ فقد أضفينا شرعيّة على عنف جماعات تمزّق أوصال الدّول بدل أسلمتها وتوحيدها، وتتآمر مع العدوّ في الوقت الذي تحاول فيه الإقناع بأنّها متشبّثة بقضايا الأمّة، وتغرق الأنظمة في الأزمات بدل حلّها، وتزيد النّاس خوفًا من الإسلام، بدل الترغيب فيه، وما الذي يدعو بعض السّياسيين المنتمين إلى الأحزاب الإسلاميّة المعتدلة، إلى وصف تلك الجماعات بأنّها إسلام الغاضبين؟[3]، فأيّ إسلام يقطع الرقاب، ويسبي النساء، ويحرق النّاس أحياء، ويعتدي على الأملاك الخاصّة والعامّة، ويحوّل المناطق الآمنة إلى ديار حرب لا أمن فيها ولا حياة؟ وأيّ مسلمين أولئك الذين لا يتوانون عن قتل إخوانهم من البشر المسالمين؟ وما هوّية تلك الجماعات التي تَعْرِضُ نفسها لكلّ المتآمرين والمتصارعين، ولا تضع نصب عينيها سوى الوصول إلى السلطة والقضاء على المنافسين؟ ألم يتآمر أتباع تنظيم القاعدة مع الأمريكيين ليدحروا الشيوعيين في أفغانستان؟ ومن بعد أن استُعملوا ورقة ضدّ خصوم الأمريكيين، ألقي بجثّة زعيمهم في البحر، وقد صار شيطان أمريكا الرّجيم، واليوم، تعرض الجماعات خدماتها في العراق وسوريّا، لتحقيق مصالح الدّول العظمى، ويوم تُقضى تلك المصالح، يُلقون في غياهب التّاريخ، وقد خرّبوا كلّ أرض وطؤوها، وزلزلوا كلّ نظام عرفته أرض المسلمين. فهل هؤلاء هم صورة لإسلام الغاضبين؟ وكيف نتصوّر، بعد ذلك، ردود الأفعال من مسيحيّة غاضبة أو يهوديّة غاضبة قد تردّ على إسلام الغاضبين؟

إنّ منح هذه الجماعات لقب الإسلام، هو إساءة للمسلم ذاته؛ لأنّ إضفاء هذه الشرعيّة على أعمالهم الحربيّة العنيفة، يعني تحميل سائر المسلمين وزر ما يفعلون، فما داموا رمز إسلام الغاضبين، فإنّ كلّ مسلم غاضب؛ هو إرهابيّ بطبعه.

ومادام الغضب طبيعة بشريّة ملازمة له؛ فمعنى ذلك، منطقيًّا، القول: إنّ كلّ مسلم هو إرهابيّ بالقوّة، ويمكن أن يتحوّل في كلّ لحظة إلى إرهابيّ بالفعل. وذاك أمر يحمل مغالطة لا يقوى على نسج خيوطها سوى السّاسة، الذين تعوّدوا اعتماد قناع الإسلام، لتحقيق أهدافهم السياسيّة؛ ولهذا، فهم يلتقون مع “إسلام الغاضبين” في اعتماد الدّين قناعًا وتبريرًا للأطماع السياسيّة، بالشعارات القدسيّة، سواء كان الشعار: الدّولة الإسلاميّة العنيفة، أو الإسلام السياسيّ الوسطيّ. وهما وجهان لعملة واحدة، شعاراتها كالأوراق النقديّة التي نتداولها؛ قد تحمل صورة مناضل، أو زعيم، أو شاعر، ولكنّ أهميتها الحقيقيّة في قيمتها الماديّة، وليس في الشعار الذي تحمله؛ فهو مجرّد زينة لا أثر لها فيما تؤدّيه العملة من وظيفة مادّية، ويفقد الرمز بتداوله كلّ قيمة، ويصير دالًّا بلا مدلول.

2- الإسلام قناع للحالمين بالسلطة:

لماذا ينكر البعض على جماعات سياسيّة اعتماد الإسلام شعارًا للدعوات الحزبيّة؟ هل هو نتيجة خلفيات إيديولوجية، أم بسبب مبررات موضوعيّة؟

إنّ الناظر في شعار (الإسلام هو الحلّ)؛ يجد كثيرًا من المغالطات فيه، أهمّها؛ الإطلاق في موضع التخصيص، والاستيلاء على قيمة رمزيّة مشتركة، دون تفويض أو شرعيّة، وتحميل المسلمين وزر أفعال من اتّخذ من العنف سبيلًا، فعن أيّ إسلام يتحدّث المنظرون لهذا الحل؟ وهل يمكن أن نطعن في إسلام الأطراف المتقاتلة في العراق أو سوريا أو اليمن؟ فإذا كان إسلام داعش إسلام الغاضبين؛ فما الذي يمكن أن يطلق على إسلام أعدائهم؛ من حزب الله، أو الجيش السوريّ، أو جيش العراق، أو الأكراد، أو الحشد الشعبيّ؟ أم يمكن الفصل بين مؤمنين بالإسلام هو الحل، وغير مؤمنين بأنّ الإسلام هو الحلّ؟ وفي هذه الحالة؛ أين نصنّف من انتسبوا إلى فريق الرّافضين للإسلام حلًّا (هكذا في صيغة الإطلاق)، هل هم من أنصار (الجاهليّة هي الحلّ) أم (الكفر هو الحلّ)؟

إنّ مثل هذا الاحتكار لشعار الإسلام من أجل الوصول إلى الحكم، هو اعتداء على حقّ سائر المسلمين الذين يدينون بالإسلام، ولكنّهم لا يرون في تصوّر الحزب الذي ادّعى احتكار الإسلام، حلًّا لمشاكلهم؛ فقد تكون مسلمًا، ولكنّك لا تنتمي إلى حزب (النّهضة) في تونس، وقد تكون مسلمًا ولكنك ترفض تصوّر (داعش) أو (النصرة) لشكل الدّولة وطريقة تسييرها، وقد تكون مسلمًا، ولكنّك لا تنتمي إلى الحزب الذي ينسب نفسه للإسلام، ويحاول الإقناع بأنّ مشروعه قائم على نصرته، فهل معنى قوله ذاك أنّ بقيّة الأحزاب لا تنصر الإسلام؟

وقد لا تكون مسلمًا، وذاك حقّ طبيعيّ ممنوح لكلّ البشر؛ فإذا كان النبيّ غير قادر على إقناع جماعات ظلّت متشبّثة بتصوّراتها المختلفة عن الدّين الإسلاميّ، فكيف يريد أنصار الجماعات، اليوم، تحويل العالم كلّه إلى ديار إسلام، وإكراه الناس على الإيمان، وفرض تأويلهم على الآخرين؟ ألم ترد آيات صريحة في القرآن تُدين الإكراه، كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[4].

لا شكّ أن أزمة الأحزاب التي تحاول الاحتماء بشعار (الإسلام هو الحلّ)، تكمن في أنّها تظلّ عاجزة عن حلّ المأزق الذي وقعت فيه، وأوقعت غيرها من الأحزاب في ويلاته؛ فحين تحتكر جماعة من المسلمين تأويل الإسلام، وترى في تصوّرها تجسيدًا للإرادة المقدّسة التي دعا إليها الأنبياء، توقع الآخرين في مأزق الخلاف بدل الاختلاف، وتسلبهم حقّ الانتماء، وتجعلهم يكتوون بنار المقدّس التي تلهب مشاعر الجماهير، وأنصار الأحزاب الدينيّة، ليستعيدوا الحلم القديم بدحر الكفّار، وتأسيس دولة الإسلام، وقد يتوسّع هذا المتخيّل، ليرى أصحابُه سائر الأحزاب بنفس المنظار الذي رأت به كتب الفرق المارقين والهالكين من فرق الضّلال، ولذلك؛ فهو يعتمد الإسلام قناعًا لطموحه السياسيّ، ورغبته في الوصول إلى الكرسيّ، ومن منطلق وضع الإسلام قناعًا؛ فهو لا ينكر على من شرعنوا عنفهم بالإسلام إسلامهم؛ لأنّه لو أنكر عليهم قناعهم، لسقط عن وجهه قناع الإسلام، ولظلّت أطماع السّياسيين عارية من كلّ ثوب مقدّس يكسو عورتها، ويخفي طموح جماعة من النّهمين إلى الغنيمة ونيل المناصب، فضلًا عن قصورهم النظريّ والمفهوميّ، وفقرهم المدقع في مجال الفكر السياسيّ[5].

قد يقول منظّرو الإسلام السّياسيّ، مثلما يقول كثير من السّاسة، ما لا يفعلون، وذلك أمر طبيعيّ، مادامت السّياسة تمارس بتقاليد ماكيفيليّة، ولكن من غير الطبيعي أنّ يعتمد الإسلام قناعًا لتلك الأطماع؛ فالإسلام أوسع من أن يحتكره السياسيّون، وهو بالأساس رسالة أخلاقيّة؛ فالسّياسيّة مدنّسة، والدّين مقدّس، والأحزاب خاصّة، والدين عام ومشترك، والإسلام متنوّع تنوّع الأنشطة الإنسانيّة: فهو علم، ومعرفة، وفنّ، وفلسفة، ورياضة روحيّة، ورؤية وجوديّة، وأبعاد أنطولوجيّة، بينما نظرة السّاسة ضيّقة وإيديولوجيّة.


[1]– يقول إدوارد سعيد: “إنّ مصطلح “الإسلام”، كما يستخدم اليوم، يبدو وكأنّما يدلّ على شأن واحد بسيط، ولكنّه، في الحقيقة، وهم في بعض أجزائه، ودفعة إيديولوجيّة في بعضه، وهو تحديد وتعريف بسيط جدًّا لدين يعرف بالإسلام في بعضه الآخر، ولا تقوم أيّة مقابلة مباشرة على أيّة درجة من الأهميّة الصحيحة بين الإسلام في المصطلح الغربي الرائج، وبين الحياة الزاخرة بالتنوعات الهائلة، التي يحفل بها عالم الإسلام بسكانه، والذين يزيد عددهم عن الثمانمائة مليون نسمة، وبحدوده الشاسعة التي تمتدّ وتشمل الملايين من الأميال المربعة، في إفريقيّا وآسيا، بصورة أساسيّة، وبالعشرات من مجتمعاته، ودوله، وتواريخه، وجغرافيته، وثقافته المميزة”، الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربيّة من وجهة نظر غربيّة، بيروت، دار الجيل، ط1، 1994م، ص ص 66- 67

[2]– يقول إبراهيم الحيدري: “استخدمت شتى أساليب العنف في الدولة الإسلاميّة، وخاصّة العنف المقنّع؛ الذي اتّخذ صورًا عديدة في التّاريخ الإسلاميّ”، سوسيولوجيا العنف والإرهاب، بيروت، دار السّاقي، ط1، 2015م، ص 51

[3]– صرح رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي، اليوم الأحد 16 أكتوبر 2016م، على هامش أشغال اجتماع مجلس شورى حركة النهضة، (إنه لا يمكن أن نكفّر الدّواعش، لا يمكن أن نكفّر أحدًا يقول: لا إله إلا الله).

كما أشار في تصريح لإحدى الإذاعات التونسيّة: “داعش؛ حالة متوترة وغاضبة”، مضيفًا: ”لا أبحث لهم عن مبرر؛ هو صورة من صور الإسلام الغاضب، الذي يخرج عن العقل والحكمة. ونحن نقول له: أنت ظالم، ومخطئ، ومتطرّف، ومتشدّد”.

[4]– سورة يونس، الآية 99

[5]– انظر: أوليفييه روا، تجربة الإسلام السياسيّ، ترجمة: نصير مروة، بيروت، دار الساقي، ط1، 1996م، ص 65

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post أقنعة الإسلام: بين افتراء الغاضبين وأطماع السياسيّين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a3%d9%82%d9%86%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b6%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%b7/feed/ 0 10088
الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86/#respond Tue, 21 Mar 2017 12:23:33 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=9068 الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي / ترجمة: فيصل الفرهود المقدمة مفهوم الحداثة في يوم ضبابي من عام 1326 وقف ثلاثة رجال وسط حشد من العباد في كاتدرائية نوتردام […]

The post الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي / ترجمة: فيصل الفرهود

المقدمة

مفهوم الحداثة

في يوم ضبابي من عام 1326 وقف ثلاثة رجال وسط حشد من العباد في كاتدرائية نوتردام دي دومز في أفيجنون. كانت بنية الرومانسيك في حاجة واضحة للإصلاح، ولكنه ما زال مركز الحياة الروحانية بعد عقد فقط من كونه قرية ريفية. ولكن كيف تغيّر كل هذا! أصبحت القرية هي المركز الجديد للبابوية وكنتيجة أصبحت عرضة لتغيير جذري. كان هناك قصر يجري بناءه وكانت الأموال تأتي من كل حدب وصوب فيما تواجد الفرسان والبيروقراطيين والسفراء والسماسرة في كل مكان. كانت السوق ممتلئة بالبضائع من كل أنحاء أوربا وبلاد الشام. وكان الباحثون والشعراء ومنسوبي الكنيسة القريبون والبعيدون منها يقدمون إليها بشكل متواصل. بدأت القرية الصغيرة بالتحول إلى مدينة ذات أهمية كبيرة. وأولئك الرجال الثلاثة الذين حضروا القداس كانوا مؤشراً على هذا التغيّير. الأول انجليزي والثاني إيطالي والثالث ألماني والثلاثة كانوا يتحدثون اللاتينية بإتقان. كان الأول فرانسيسي بدا مرتبكاً وكان يبدو بوضوح أنه يعاني من بعض الضغط النفسي، بينما الثاني كان شاباً مهووساً بملبسه وأنيقا بتكلف، فيما كان الثالث مسناً دومينكياً بدا غارقا في تأملاته. رحل الثلاثة حال انتهاء القداس وتفرقوا. قليل من معاصريهم من كان يعلم بأن السبل الثلاثة المتفرقة التي سلكها هؤلاء الثلاثة من القداس ومن افيجنون كانت ستغير من مسيرة الإنسانية والعصر الحديث.

image1 (1)

فيصل الفرهود

يعتقد الكثير هذه الأيام بأن الحداثة فقدت بريقها، ولكن في عام 1326 لم تكن حتى بصيصا في عيني أحد. لم يكن ينتظر قاطني ذلك العالم غداً مشرقاً مضيئاً بل كانوا ينتظرون نهاية العالم. لم يكونوا يستبشرون بقادم الأيام أو يسترجعون الماضي، ولكنهم نظروا فوقهم للجنة وتحتهم إلى جهنم. وأشك قليلاً بأنهم كانوا سيرون العالم الحديث حينها بانبهار. نحن لا نراه كذلك لان الاعتياد ولد فينا الازدراء، ونأخذ الحداثة على انها أمر مفروغ منه ونتملل منها أحياناً، ونعتقد كذلك بأننا نعرف ما هي الحداثة بوضوح. ولكن هل نعي ماهي الحداثة؟ هل نفهم ما يعني أن تكون حداثيا؟ يفترض هذا الكتاب بأننا لا نعي ذلك وآثار الأحداث الأخيرة تبرهن على ذلك بشدة.

ماذا يعني أن تكون حداثياً؟ أن تكون حداثياً في استعمال اللغة اليومية هو أن تكون مواكباً لعصرك ومعاصراً له. يستوعب هذا الاستعمال المنتشر كثيرا من الحقيقة في هذا الموضوع، حتى وإن كان استيعاب المعنى العميق والمهم لهذا التعريف غائبا نوعا ما. في الحقيقة، فإن من سمات الحداثة المسكوت عنها أن نركز على ما هو مقابل لنا وتتغافل عن المغزى العميق من جذورنا. الفهم الشائع للحداثي والحقيقة غير الشائعة له هو في تعريف الفرد من خلال ارتباطه بعصره. في عصور ماضية وأماكن أخرى، كان الناس يعرفون أنفسهم من خلال أرضهم ومسقط رأسهم، من خلال أعراقهم وجماعاتهم، من خلال عاداتهم وآلهتهم، ولكن ليس من خلال ارتباطهم بالزمن بشكل خاص. بالطبع فإن أي وعي للنفس يفترض مفهوما معيناً للزمن، ولكن في كل هذه الحالات ظلت هذه اللحظة الوقتية موجودة ضمنياً. حدد القدماء موقعهم زمانياً من خلال ارتباطهم بأحداث جذرية، مثل خلق العالم، تحرر من عبودية، انتصار تاريخي، أو أول أولمبياد ولكن ارتباطك مؤقتا بأي من هذه الأشكال هو أمر مختلف عن تعريف نفسك من خلال ارتباط زمني. أن تكون حداثياً هو أن تكون “جديداً”، أن تكون حدثاً غير مسبوق في الزمن، أن تكون بداية جديدة، مختلفاً عن كل ما سبقك، أسلوباً جديد من الوجود في العالم، لا أن تكون شكلاً من الوجود بل شكلا من التحقق. وعي الفرد بحداثته يعني وعيه بأنه مبدع ذاته، كشخص حر مبتكر بمعنى جذري، لا كمجرد شخص مضبوط بالعادات ومحكوم بالقدر والعناية الإلهية. أن تكون حداثياً هو أن تصبح محرراً لنفسك صانعاً لها وبالتالي لن تكون مجرد جزءاً من عادة أو تاريخ ولكن أن تصنع التاريخ أنت. وعلى إثر ذلك فأن تكون حداثياً لا يعني بأن تعرف ارتباطك بالزمن فقط ولكن أن تفهم الزمن كنتاج لحرية الانسان وتفاعلها مع العالم الطبيعي. أن تكون حداثياً كنتيجة هو أمر هائل وفريد من نوعه. ولكن ما الذي يمكن أن يبرر هذا الرأي المبهر المتغطرس؟

image1

غلاف كتاب “الجذور اللاهوتية للحداثة”

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بسهولة، ولكن فحصنا لأصول مفهوم الحداثة قد يساعدنا في رؤية ما جعلنا نعتقد هذا الاعتقاد اللافت للنظر ومن أي جهة يجب أن يبرر. تعود جذور الكلمة “حداثي” إلى الكلمة اللاتينية “modus” والتي تعني “مقياس”، كمقياس للزمان، ومع التفريع اللاتيني المتأخر ”modernus“، تفرعت عنه كل الأشكال الأخيرة. استعمل كاسيودوروس هذا المصطلح في القرن السادس ليفرق بين زمنه زمن الروم المتقدم وبين الكتاب الكنسيين، فيما استعمل مصطلح ”modernitas ” في القرن الثاني عشر للتفريق بين الأزمنة المعاصرة من الماضية. بدأ المصطلح بعدها بفترة زمنية قصيرة بالظهور في اللهجات المحلية. استعمل دانتي المرادف الإيطالي لها ”moderno ” في عام 1300 تقريبا، وفي عام 13611 استعمل نيكولاس اورسيم المرادف الفرنسي لها “moderne.”. على أي حال، لم يستعمل المصطلح للتفريق بين “القديم” و “الحديث” حتى عام 1460 ولم يستعمل في المعنى المعاصر للتفريق بين فترة تاريخية معيّنة حتى القرن السادس عشر. ظهر المصطلح الإنجليزي للحداثة والذي يشير إلى للأزمنة الحديثة أول ما ظهر عام 1585، أما المصطلح “حداثة” فلم تستعمل حتى عام 1627. كان مفهوم الحداثة كعصر تاريخي يفهم من ذلك الحين وحتى الآن كمقابل للعصور القديمة. على الرغم من أن التفريق بين القديم والحديث كان حاضرا في العصور القديمة، إلا أنه لم يستعمل بالمعنى الحديث، وذلك يعود غالباً إلى توظيف المصطلحات في سياق رؤية دورية للزمن كانت حاضرة في الرؤى الميثولوجية القديمة للطبيعة وأصل الكون والتي تم تبنيها من الفلاسفة والمؤرخين القدماء كذلك. كان مفهوم “الجديد” حينها ملازما للانحطاط والسقوط، كما في مسرحية السحب لأريستوفانيس، حينما كانت العادات الحديثة للأثينيين مضادة للتقاليد السامية للجيل الذي قاتل في الماراثون.

عملت المسيحية خلال العصور الوسطى من خلال هذا الإطار المرجعي، وقامت بإعادة تشكيله حتى يتوافق مع مفهومها اللاهوتي للعالم ككاشف عن إرادة الإله. من خلال وجهة النظر هذه، فللعالم بداية معينة ومسار تنامٍ ونهاية قدرت وأفصح عنها مجازاً في النصوص المقدسة. من خلال تأطير هذه الرؤية قام المفكرون المسيحيون بالاستناد بكامل ثقلهم على النبوءة في دانيال والتي وصفت العالم كتسلسل من أربع امبراطوريات وهي: البابلية، الفارسية، المقدونية والرومانية. يظهر المسيح في الأخرويات في بدايات نشوء آخر الامبراطوريات وسيعود لينشيء عصره الذهبي عندما تنهار. لم يعد الزمن بالنسبة للمسيحيين دائرة بتسلسل لانهائي بل بدأ منذ فقدان الجنة وسينتهي عند استعادتها. بالتالي لم يتصور المسيحي في العصور الوسطى نفسه كمنافس على القوة والشهرة في العالم بل كمرتحل غريب تقرر أفعاله على الأرض ما إذا كان سينال الخلاص أم الثبور. وكنتيجة أصبحت التقوى أكثر أهمية من الحكمة والشجاعة.

برز مفهوم “الحديث” في سياق إصلاحات الكنيسة في القرن الثاني عشر، على الرغم من أنها حملت دلالة مختلفة عما تحمله هذه الأيام. من خلال اعتقاد هؤلاء الحداثيين أو المجددين بأنهم على مشارف عصر جديد، رأى هؤلاء أنفسهم كما قال بيرنارد تشارتريس (1080-1167) كأقزام على اكتاف عمالقة، أقل شأنا من سابقيهم ولكنهم أقدر على أن يستبشروا المستقبل. اختصر هذا الفهم من خلال أعمال يواكيم الفيوري (1130/35-1201/02) والذي بشّر بدنو آخر الزمان والذي سيتحول فيه العالم إلى دير كبيرة. وهذا ما جعل معنى أن تكون حديثاً بالنسبة لهم يعني بأن تعاصر آخر الزمان على أعتاب الخلود. على الرغم من أن هذه الرؤية اليواكمية (من يواكيم) والتي تبشر بقدوم عصر روحي تبدو وكأنها تتنبأ برؤية عصر النهضة وبقدوم عصر ذهبي جديد أو تصور الحداثة عن عصر العقلانية، إلا أن مفهوم العصريّ في العصور المظلمة كان لا يزال مغروساً في المفهوم الأخروي والمجازي للزمان. بالتالي ظهرت فجوة ضخمة تفصل بين هذه الرؤية وما عقبها من اصطلاحات.

فكرة الحداثة كما نفهمها متصلة بشدة بفكرة العصور القديمة الأصيلة. يأتي التفريق بين العتيق والحديث من التفريق المستحدث في القرن الثاني عشر بينa via antiqua وa via moderna. كان هذا التفريق في أصله فلسفياً ولم يكن تاريخياً بين موقفين مختلفين بشأن التعميمات وهي طريقتان مختلفان في قراءة أرسطو. كانت “العصور القديمة” هي المسلك الواقعي القديم والذي رأى التعميمات كحقيقة مطلقة، فيما كان “الحديث” هو المسلك الاسماني الحديث والذي رأى بأن الأشياء الفردية متحققة والتعميمات مجرد أسماء. أثمر هذا التفريق المنطقي في رسم تصور لفهم جديد للزمن والوجود.

 على أن تكوين مصطلح الحداثة حدث من خلال إتصاله بمصطلح العصور القديمة، إلا أن الاثنين استخدما في بداية الأمر بمعنيين مختلفين. أقام الشاعر الإيطالي بيترارك أساس فكرة “الحديث” حينما وصف عصراً قاتما يفصل عصره عن العصور القديمة. إلا أنه لم يرمي إلى شيء “حديث” أو “جديد” بل إلى إحياء عصر ذهبي غابر. وكانت هذه الرؤية محل قبول عند الانسانويين. أشار لورينزو فالا على سبيل المثال في منتصف القرن الخامس عشر إلى أن عصره الحالي انفصل عن العصر الحديث الذي عاشه البشر إلى قريب. لم يكن يعني الحديث في هذا المعنى العالم الذي يوشك على الوجود ولكن إلى عالم العصور المظلمة المنقض. لم يعي فالا عالمه كأمر حديث غير مسبوق ولكن كمحاولة لاستعادة ما فقد، كعودة إلى شكل قديم من الوجود.

لم يستعمل مصطلح “الحديث” في معناه المتأخر حتى القرن السادس عشر، واستعمل حينها ليصف أسلوباً فنياً معيناً. في الحقيقة فإنه وفي القرن السابع عشر فقط حينما قام جورج هورن (1666) ومن بعده بشكل رئيسي كريستوفر كالاريوس (1696) قاموا بوصف رؤية ثلاثية لتاريخ العالم تستمر فيه العصور القديمة حتى عصر القسطنطين، وتستمر العصور الوسطى حتى نهاية الإمبراطورية الرومانية الشرقية والعصر الحديث والذي يبدأ من القرن السادس عشر.

كانت فكرة العصر الحديث أو كما سميت بالحداثة، كانت جزءاً من فهم ذاتي قام بتمييز الفكر الأوربي منذ وقت بيكون وديكارت. تختلف الفكرة جذرياً عن تلك التي استعملت سابقاً لأنها تتكئ على مفهوم ثوري للحرية والتقدم. إشارة إلى الاكتشافات التي جرت على أيدي كولومبوس وكوبرنيكوس، يقوم بيكون على سبيل المثال بالادعاء بأن الحداثة أسمى من العصور القديمة ويدعم ذلك بمنهجية من أجل تحصيل المعرفة في العالم والتي ستقوم برفع شأن البشرية إلى أسمى مما هم عليه. كان يعلم بأن هذه الفكرة على تناقض مع التحيز السائد في عصره إلى العصور القديمة والتي كان يرونها كمثال للكمال لا يمكن تخطيه، وقام بمواجهة هذه المشكلة مباشرة، مؤكدا على أنه وعلى الرغم من أن الاغريق كانوا قدماء، إلا أن هذا لم يكن سبباً كافيا لمنحهم السلطة. كانوا في نظره مجرد أطفال مقابل رجال في عصره لأنهم افتقروا للنضج الناتج عن القرون التي تخللتها التجربة البشرية. ما بني عليه هذا التحول الثوري في مفهوم العصور القديمة لم يكن مفهوما جديداً للمعرفة ولكن مفهوما جديداً أيضا للزمن لا كتسلسل دائري نهائي ولكن كخط طولي لانهائي. تم تصوير هذا التحول على أن جزء من التطور الطبيعي المستمر الذي يستطيع الأحرار من البشر إتقانه والتحكم به من خلال أشكال من المناهج العلمية المتقنة. يستطيعون بهذه الطريقة أن يكونون متحكمين وممتلكين للطبيعة وبالتالي يقومون بتكوين عالم أكثر أهلية لهم.

النزاع بين القدماء والحديثين

كان مفهوم الحداثة هذا محل جدل منذ البداية، فقد سيطر ميل مفرط للعصور القديمة على تصاعد مفهوم العلم الحديث والمفهوم المتطابق للتقدم في سياق محيط ثقافي والذي قاد للنزاع المشهور بين العريق والحديث والذي لفت انتباه المفكرين الفرنسيين في نهاية القرن السابع عشر. ابتدأ الديكارتيون الفرنسييون هذا النقاش من خلال قولهم بأن واقع التقدم العلمي كان مؤشراً على احتمال على أن يكون الفن والادب الحديث أسمى من القديم. دافع نيكولاس بويلي وآخرون في ردهم قاموا بالدفاع عن تفوق الفن والأدب القديم. هاجموا في المقابل تشارلز بيراولت وفونتينيل وغيرهم من الحداثيين الفرنسيين. على أي حال لم يكن هؤلاء المفكرون ناقدون للقدماء أنفسهم ولكن لمعاصريهم الذين فضّلوا تمجيد عصر النهضة للقدماء والذين نقل العراقة إلى الكلاسيكية. بالتالي فإن النزاع في أصله كان جدلاً بين الإنسانويون والديكارتيون، وإنتهى في فرنسا من خلال الاعتراف بأنه وعلى الرغم من التقدم في العلم الطبيعي إلى ان هذا لم يحدث في العلم. تم التعامل مع كل عصر على أنه يمتلك معاييره الخاصة للكمال الفني.

هذا التفريق الذي ظهر في هذا النقاش لم يتم حله بسهولة. ادعى فولتير على سبيل المثال بعد عدة سنوات في دفاعه عن الحديث والمعاصر بقوله بان الطلاب الذين يسكنون في ليسي في وقته كانوا أكثر حكمة من أي فلاسفة العصور القديمة. أشار روسو في المقابل في كتابه خطاب في الفن والعلم إلى أن الفن والعلم الحديث لم يقم إلا بالتقليل من سعادة الإنسان واستقامته، والتي ازدهرت بشدة في الجمهورية الرومانية والاسبارطية.

على الرغم من نشوء هذا النزاع في فرنسا، إلا أنه استمر أيضا في إنجلترا وألمانيا. ففي إنجلترا والتي سميت فيها معركة الكتب، تواصل النزاع فيها حتى وصل إلى العقود الأولى من القرن الثامن عشر، وغطى أغلب الجوانب ذاتها. نافح توماس بورنت وريتشارد بينتلي إلى جانب اخرين عن تفوق الحداثيين، فيما دافع كل من سير ويليام تيمبل وسويفت ودريدين عن القدماء. بينما اتخذ ويليام ووتون موقفاً وسطاً قائلا بضرورة انفصال الفن عن العلم ومحاكمتهم إلى معايير مختلفة. انتهى هذا الجدال بصعود كلاسيكية البابا، ولكن الصعود الأدبي كان عرضة للتشكيك بعد فترة وجيزة من خلال اكتشافات نيوتن المشهودة والتي بدأت في إعلان تفوق الحداثيين.

أما في ألمانيا، فقد برز عديد من الإشكالات ذاتها في النصف الأخير من القرن الثامن عشر. في هذه الحالة، كان يوجد تأييد قوي مبدئي لحضور العصور القديمة كنتيجة للتأثير الواسع لكتاب تاريخ الفن القديم لوينكل مان. في موقف معارض لهذا الرأي نافح هيردر وشليك وشيلر بضرورة التفريق بين نوعين مختلفين من الفن وبالاقرار بأن الفن الحديث يمتلك جذوراً مختلفة عن تلك في فن العصور القديمة. على الرغم من انتهاج هيجل لموقف وسط والذي رأى العصور المختلفة محكومة بمعاييرها الخاصة، إلا أنه دعم تفوق الحداثيين، مع أنه لم يخف تعاطفه العميق مع خسارة العصور القديمة لبريقها.

يشير هذا النقاش بأكمله إلى الأهمية البالغة التي توكلها الحداثة لفصل نفسها عما سبقها. أشار روبرت بيبين إلى حاجة الحداثة في إثبات فرادتها ولكن إلى سموها وتفوقها على ما سبقها. يصبح التقدم في هذا المعنى نتيجة مباشرة أو إمتداد لفكرة إستقلالية أصول المشروع الحداثي.

أهمية هاتين الفكرتين حاضرة من خلال مركزيتهما في الازمة الفكرية التي بعثت الشكوك في المشروع الحداثي. على الرغم من أن الإنفصال المبكر بين عالمي العلم والجمالي/الأخلاقي المحكومان بمعايير وقوانين مختلفة باعثا على التشكيك في الادعاء العالمي المبكر للحداثة، إلا أن تقنين كانط لهذا الانفصال في تناقض القوانين الكانطي هو ما اقتلع جذور المشروع الحداثي ككل. فقد أشار إلى أن الطبيعة والحرية كما رأتهما الحداثة لا يمكن أن يتعايشا معاً، وبأن علاقتهما متناقضة بالضرورة. ولذلك وجب التخلي عن تصور الحداثة لنظرية جامعة تستطيع تفسير حركة الإله والبشر والعالم الطبيعي. كانت دعاوى الثورة الفرنسية المفرطة في السلطة الموكلة للعقل وبالتنبه الضعيف له بدور هذه الدعاوى في حقبة الإرهاب هي ما جعلت حدود المشروع الحداثي ظاهرة للعيان.

على الرغم من الجهد الفلسفي لحل هذا التناقض من قبل العديد من المفكرين، إلا أن القرن التاسع عشر والعشرين وصما بالفجوة السحيقة بين هذا العاملين الرئيسيين للمشروع الحداثي. شدد العديد من الرومانسيين ومثالي ما بعد الديكارتية على سبيل المثال على دور الحرية البشرية ولكنهم رفضوا المفهوم القائل بأن الطبيعة قد تفسر بواسطة حركات ميكانيكية لمواد غير عاقلة أو من خلال تفاعل القوى الطبيعية المجردة. على أي حال، كل الأسئلة التي طرحت عن الحداثة تم التغاضي عنها من خلال التقدم المعاصر في العلوم الطبيعية ومن خلال التطور الكبير في الحضارة الصناعية التي شددت على منفعة تزايد القوة البشرية ولكنها لم تبال بأي السبل فاوضت على استقلالية الانسان. من الناحية العملية، فعلى الرغم من أن الضمير الفلسفي والجمالي للبعض أحدث بعض التأثير على الحياة الفكرية، إلا أنه لم يفلح في إحداث تأثير على الإيمان الجمعي المتنامي في المشروع الحداثي العلمي والذي بدى لهم واعداً بالنفع الشامل على البشرية. بلغ هذا الإيمان ذروته في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ووجد صداه في الفن المستقبلي والأدب وفي النصب التذكارية العامة مثل برج ايفل. حتى النقد القوي لمجتمعات القرن التاسع عشر الصناعية ظل منسجماً مع التطلع العام للحداثة، من خلال الحديث فقط عن الخطوات المستقبلية الضرورية التي ستضمن توزيع ثمرات التقدم بالتساوي بين الجميع.

أزمة الحداثة

 

تهتكت فكرة الايمان في المشروع الحداثي وفي فكرة التقدمية بسبب الأحداث التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين. أظهرت الحرب العالمية الأولى على وجه التحديد بأن التطور التقدمي للقوة البشرية لم يكن بنّاءً ببساطة ولكنه هدّاماً بصورة بشعة، وأن ذلك التقدم التقني لم يكن متزامناً مع تقدم أخلاقي أو مع تطور الحالة البشرية. شهدت فترة ما بين الحربين ازدياد هذه الحالة التشاؤمية في الاعمال الفلسفية من الحداثة مثل كتاب سبينغلر “انهيار الغرب” وكتاب هسرل “أزمة العلوم الأوربية” وكتاب هايدجر “الوجود والزمن”، إلى جانب الأعمال الأدبية لمن أطلق عليها فيما بعد “الجيل الضائع”. على أي حال، على أصداء ما كان يرى حينها بأنه تطور اجتماعي واقتصادي مبهر للاتحاد السوفيتي، وللتعافي الاقتصادي الحاصل في عام 1920، بدت حينها أحداث الحرب العظيمة إنحرافا بسيطاً في الطريق إلى التطور التقدمي للقوة البشرية ولما فيه صالحهم، مع ذلك ومع بدايات الكساد الكبير ونهوض القومية الاشتراكية وبداية الحرب العالمية الثانية، بدأت العديد من الشكوك الجذرية الجديدة بالظهور فيما يتعلق بالمشروع الحداثي والتقدمية. بدت هذه الشكوك تكتسب مصداقيتها من خلال حدوث الهولوكوست، والتي جعلت من المستحيل على أكثر الحداثيين حماساً أن يستطيع التحدث عن التقدمية مجددا. ومع مجيء الحرب الباردة واحتلال السوفييت لشرق أوربا في عام 1948 وظهور خطر الإبادة النووية، بدا بأنها كانت المسمار الأخير في نعش الحادثة. المشروع الحداثي كما طرح باديء الأمر في القرن السابع عشر كان قدد حقق تطورا مبهرا في الأوجه التي تخيلها ديكارت وبيكون وهوبز، ولكنه لم ينتج ما توقعه من سلام وحرية ورخاء. في الحقيقة، هي بدت في رأي مفكري ما بعد الحرب سبباً في إظهار أسوأ ما في البشرية وفي شكل مفاجيء قامت بتطبيق حقيقة إدعاء روسو بأن التقدم في الفن والعلوم كان يزيد من قوة الإنسان ولكنه يحط من شأن استقامته وأخلاقه بشكل مساو.

اتخذ نقد المشروع الحداثي على اعقاب الحرب العالمية الثانية أشكالاً عدة، بانياً عماده على النقد القديم لسبينقلر وهسرل وهايدجر. رأى بعض اتباع هسرل كارثة القرن العشرين كأثر مترتب على خلل في مفهوم العقلانية تم تقديمه عن طريق ديكارت وجاليلو. تحدث ليو شتراوس من هذا المنطلق بأن الأزمة الحالية ماهي إلا آخر الآثار المترتبة للموجات الثلاث الناجحة للفكر الحداثي والتي غمرت العقلانية القديمة والقانون الطبيعي، مستبدلة إياهم بأسلوب جديد للسلطة وعقيدة في الحقوق الطبيعية. في سياق مقارب، رأت حنه أرندت أملاً للتجديد من خلال العودة إلى العالم القديم، على الرغم من انها ركزت كثيرا على السياسة الجمالية والحياة العامة للديموقراطية الأثينية أكثر من الفلسفة القديمة. وبموقف نقدي مماثل للحداثة، هدف ايريك فولجين إلى إحياء المسيحية الأفلاطونية كأنجع الخيارات الممكنة للتجديد.

ذهب شكل آخر من النقد إلى أن أزمة الحداثة ليست نتيجة لخلل في العقلانية الحديثة ولكن أثر مترتب لفشل التراث الغربي نفسه والذي بدأ مع أفلاطون وبلغ ذروته مع أفكار هيجل وأتباعه.  لم يؤمن هؤلاء المفكرون بأن حل أزمة الحداثة هو من خلال العودة إلى شكل قديم من العقلانية. رأى هؤلاء متبعين في ذلك هايدجر بدلا من هسرل بأن التفكيك الوجودي للعقلانية الغربية هو متطلب أساسي لكل بداية جديدة. وهذا ما جعلهم يرون حل أزمة الحداثة لا من خلال العودة لما قبل الحداثة بل من خلال استكشاف محيط ما بعد الحداثة. بالنسبة للفلاسفة مثل دريدا واديرنو ودولوز كان الحل الضروري لتحريرنا من مشاكل الحداثة هو عن طريق فلسفة اختلاف ما بعد بنوية لا عن طريق فلسفة هوية أفلاطونية.

وعلى نقيض من المابعد حداثيين وما قبل الحداثيين، حاول المتحمسون للمشروع الحداثي في إظهار بأن ما يسمى بأزمة الحداثة ليست في ذاتها أمراً حداثياً. ولكنها في نظرهم نتاج لرجعية لم تولد داخل الحداثة بل في مقابلها. بهذا المعنى، فالقومية الاشتراكية لم تكن أمرا حداثياً بل من بقايا العهد الجرماني أو أنها نتاج ردة الفعل الرومانسية للحداثة أو أنها آثر مترتب للتعصب اللوثري والذي هو في أصله غير حداثي. وشبيه بذلك الطبيعة الشمولية للاشتراكية في روسيا والتي لم تكن نتيجة للأمل المستحيل للحداثة في جعل الإنسان مالكا ومتحكما على الطبيعة ولكن كان نتاجاً للسلطوية الروحية الممتدة في الأرثوذكسية الروسية والتي كانت ضداً للحداثة. بالتالي فقد كان الحل لأزمة الحداثة كما رآه هؤلاء الداعمون للحداثة لا يتطلب تخلفاً عن الحداثة وإستبدالها بأشكال سابقة من الحياة أو بالإلتفات إلى البدائل التي توفرها ما بعد الحداثة، ولكن من خلال تطهير الحداثة نفسها وتنقيتها من الرجعية ومن العوامل الدخيلة عليها (والديانات قبل الحداثية). بالتالي فقد كانوا يرون الإنتصار على الفاشية، تنامي العلمانية، والتطور الاقتصادي في آسيا وامريكا اللاتينية وقبل كل شيء سقوط الاتحاد السوفييتي كدلائل على الأثر والقوة الباقية للمشروع الحداثي.

كان انهيار جدار برلين اعلاناً عن نهاية العصر الذي اتسم بالمواجهة بين الليبرالية الفردانية والشمولية الجمعية. لم تسيطر هذه المواجهة على سياسة النصف الاخير من القرن العشرين فحسب، بل سيطرت على الحياة الثقافية. بدى سقوط جدار برلين على إثر ذلك لمساندي الحداثة كمؤشر على القوة الطبيعية شديدة الاغراء للمشروع الحداثي. كل ما تبقى للمستقبل كان هو تحول الدول الاشتراكية سابقاً إلى مجتمعات ليبرالية رأسمالية، واستمرارية تحديث العالم النامي. رأى بعض الملاحظين ممن اخذهم الحماس ذلك الوقت بأن تلك اللحظة كانت حتمية وفريدة ليصفوها بأنها نهاية التاريخ ولحظة إدراك غاية البشرية الأخيرة. ومن خلال المنطلق ذاته ولكن بأسلوب أكثر تواضع، تنبه آخرون إلى الكم الهائل من العمل اللازم من أجل تأسيس رفاه عالمي وسلام مستديم، ولكنهم اعتقدوا بأن انجاز ذلك سيكون من خلال تطور تدريجي وعولمة ولبرلة تتكيء على الدافع لا القوة. رأى آخرون لاسيما أولئك المتشبثون بالمستقبل الما بعد حداثي بأن نهاية الحرب الباردة كانت انتصارا لليبرالية الامبريالية ولكن اعتقدوا بأن هذا كله يمكن تجاوزه من خلال سياسة جمالية تنحو إلى تأسيس مجتمع متعدد الثقافات غير متعرض للهيمنة بل ميال إلى الجدل والصراع يمضي قدماً من خلال التكيّف والتوافق والتعلم المتبادل بدلاً من الحرب والغزو. لن ينتهي الاختلاف حينها والمعاناة ستستمر ولكن المستقبل سيكون مثمراً.

خبت كل دواعي التفاؤل بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي، على أعقاب الحادي عشر من سبتمبر انحسرت فكرة العالم متعدد الثقافات واستبدلت بفكرة صراع حضارات وشيك. على الرغم من أن هذا الصراع هو في أصله مواجهة بين العقل والوحي، إلا أنه يزرع الشكوك في عقيدتنا التنويرية المتهاوية والتي تقول بأن العقل بكل وضوح وبلا شك أسمى من الوحي، وبالرغم من أن الدين قد يجد حيزاً في الحياة المعاصرة فإنه لن يكون إلا في منزلة أدنى. بالتالي يتم التغاضي عنه كملكية خاصة ولا يرى كسلطة يجدر بها أن تقوم بتكوين حياتنا العامة.

يجب أن تقودنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى التشكيك في الفرضية الغربية المشهورة بأن أصل الحضارة في المصلحة الذاتية لا في الإيمان الديني. على الرغم من وجود إجماع على حقيقة ذلك، إلا أن تبرير حقيقتها ليس واضحا. حقيقة أن اعتقادات الأخيرين من الشدة بمكان للحد الذي لا تعطينا فيه خيارا على المدى القريب إلا بأن نقوم بالدفاع عن العالم الحديث وأسلوب حياته، ولكن في الوقت نفسه نحن مكرهون على هذا التحدي حتى نعيد التفكير في جذور الحداثة نفسها، والقرارات المنسية التي ساهمت في تشكيل ولا تزال تشكل أسلوب حياتنا.

منشأ الحداثة

 

ترى الرواية التقليدية التي تعود إلى هيجل بأن العصر الحديث كان نتاجاً لأناس استثنائيين، لعلماء بارعين وفلاسفة ومكتشفين وكتاب تغلبوا على الخرافات الدينية في عصرهم وبنوا عالماً جديدا عماده العقل. تصور الحداثة في هذه الحالة كحالة إنفصال جذرية عن الماضي. تعرضت هذه الرؤية لمنشأ الحداثة للتهوين في بدايات القرن العشرين من قبل اتيني جيلسون، الذي قرر بأن هؤلاء المؤسسين المفترضين للعصر الحديث قاموا باستعارة العديد من أفكارهم الرئيسية من سابقيهم من العصور المظلمة. فلا هم ولا عصرهم الذي أسسوه كان أمراً غير مسبوق كما صوروه. حاول المؤرخون المتأخرون المهتمون بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ العلم من خلال تأسيسهم على البدايات بأن يظهروا بأن التحول من العصور المظلمة إلى العالم الحديث كان أكثر تدرجاً مما كان يعتقد حتى أيامنا هذه. في الحقيقة فقد أكد هؤلاء المؤرخون وبعد تفحص دقيق على وجود العديد من الأوجه المشتركة بين هاتين الحقبتين، أكثر مما اقترحته الرؤية التقليدية.

من خلال هذه الأوجه المشتركة والمختلفة، جادل كارل لوويث في كتابه المعنى في التاريخ (1949) بأن الحداثة كانت نتاجاً لعلمنة الأفكار السامية المسيحية وبأنها كنتيجة لم تكن منفصلة عن العصور الوسطى. فعلى سبيل المثال، فمن هذا المنظور يبدو لنا مفهوم التقدمية وهو أساسي في الفهم الذاتي المعاصر، يبدو بأنه نتاج علمنة لمفهوم المليارية المسيحي. ومن هذا المنطلق يبدو لنا بأن قراءة نشوء الحداثة كإنتصار للعقل على الخرافة مليئة بالإشكال.

قوبلت فرضية العلمنة هذه والتي لاقت رواجاً خلال الستينات والسبعينات برفض هانز بلومبرنغ، والذي جادل بأن العصر الحديث لم يكن عالماً من العصور المظلمة تمت علمنته ولكنه كان أمراً جديداً وفريداً من نوعه. يبدو موقف بلومبنريغ على السطح بأنه إحياء للموقف التقليدي الذي يربط الحداثة بانتصار العقل، ولكنه في الحقيقة يتبنى رؤية أكثر نيتشوية والتي لا تعرف الحداثة بالعقل ولكن بإثبات الذات. سمة إثبات الذات التي يتصف بها العالم الحديث في نظره ليس نتاجاَ لمجرد إرادة القوة. ولكنه موجه نحو حل الإشكال أو السؤال الذي خلفه انهيار العصور المظلمة. وبالتالي يرى بلومينبرغ الحداثة كانتصار ثانٍ على الإشكال الذي ساهم في ولادة المسيحية وهي الغنوصية. وهذا الانتصار الثاني كان بالغ الأهمية كما يرى بلومنبرغ، لأن محاولة المسيحية للانتصار عليها كانت ناقصة منذ البادية. ظهرت الغنوصية من جديد كما يرى بلومنبرغ في نهاية العصور الوسطى في مظهر مذهب الاسمانية، والتي دمرت مذهب المدرسية وساهمت في ولادة مذهب الارادية كضد للإله المدرك. حاولت الحداثة في سعيها ضد الغنوصية الجديدة هذه إلى تأسيس جذور للبشرية من خلال مفهوم إثبات الذات البشري. الحداثة في هذه الحالة لم تكن مجرد علمنة للمسيحية ولكنها شيء حديث يمتلك شرعيته بطريقته الخاصة.  لذلك فإن الظواهر التي كانت تبدو بأنها من عوامل الرؤية المسيحية للعالم التي تم علمنتها هي في حقيقتها إعادة إحتلال لما هي الآن مواقف مسيحية خاوية، بمعنى أنها محاولة للإجابة على أسئلة مسيحية قديمة بأساليب معاصرة. بالتالي فإن فكرة التقدمية من هذا الناحية ليست شكلاً معلمنا من فكرة المليارية المسيحية ولكنها “إعادة احتلال” للرغبة الحاصلة في العصور المظلمة من اجل إظهار تأثير الله في كل حادثة. يرى بلومنبرغ بأن الملاحظة الخاطئة للإجابة على ما يقرأ الآن على انه أسئلة واهية ضللت رؤيتنا عن فهم الحداثة وجعلتنا ننحو بشكل خاطيء إلى التشكيك في شرعية المشروع الحداثي.

ترشدنا مقاربة بلومنبرغ هذه إلى الاتجاه الصحيح، ولكنه لا يعي الأهمية الميتافيزيقية لمحاججته هذه ولذلك لا يتنبه إلى الطريقة التي تأخذ فيها الحداثة شكلها داخل البنية اللاهوتية والميتافيزيقية للتراث. لا تبرز الحداثة كمقابل أو في موقف متصل مع العصور المظلمة ولكن من خلال أنقاضها كما يشير إلى ذلك بلومنبرغ. لم تعلوا أفكار الحداثة المؤثرة أو تمحوا أفكار العصور المظلمة بل قامت بدفع بقايا العصور المظلمة بعد أن صيّرها الصراع بين المدرسيين والاسمانيين إلى أنقاض. استطاع “العقل” الحداثي أن يعلوا على “الخرافة” أو “الوثوقية” لأن “الوثوقية” كانت في أضعف حالاتها جراء الازمة الميتافيزيقية/اللاهوتية التي جلبت العالم الى نهايته. بلمومنبرغ محق أيضاً في قوله بأن سقوط عالم العصور المظلمة لم يفتح المجال ببساطة لأفكار جديدة وأساليب حياة جديدة ولكنه قدم البشرية بسؤال عصري جديد نجح في توجيه الفكر البشري إلى طرق جديدة من ذلك الحين. ما تفتقد له مقاربة بلومنبرغ هو ملاحظة أن الأشكال التي افترض الفكر الحداثي وجودها لم تكن إعادة احتلال اعتباطي لمواقف العصور المظلمة ولكنه كان استيعاباً للإحتمالات الميتافيزيقية واللاهوتية التي خلّفها التراث القديم. وحتى نفهم الحداثة كما هي الآن، علينا إذن أن نقوم بفحص أصول الحداثة، حتى نلحظها كما هي خلف الستار الذي صاغته الحداثة لتخفي عنا جذورها. بالتالي فجذور الحداثة لا تقع في التأكيد على الذات البشرية ولا في العقل ولكن من خلال الصراع اللاهوتي والميتافيزيقي الذي شهد نهاية عالم العصور المظلمة ونقل أوربا في الثلاثمئة سنة التي فصلت العصور المظلمة عن العالم الحديث. يقدم هذا الكتاب رؤية للجذور المخفية للحداثة في هذه القرون المنسية.

تحدث مارتن هايدجر في محاضرته الافتتاحية عام 1929 في جامعة فريبورخ بأن الأفكار والأفعال البشرية مدفوعة ومقادة بواسطة التجربة الحاصلة من خلال أسئلة أساسية تشكيكية بمعنى وطبيعة كل شيء بما فيها المتسائل. تبرز هذه الأسئلة في لحظة تنحل فيها شرعية ومعنى كل طرائق التفكير والوجود ويتحول العالم إلى عدمية وفوضى. تولد هذه التجربة شعوراً عميقا بالارتباك يدفع البشر للبحث عن الأجوبة وليقوموا بصياغة أساليب تفكير ووجود جديدة وكنتيجة يقومون بإعادة تشكيل العالم الذي يعيشون فيه. تظهر التغيرات الحقيقية في التاريخ من وجهة نظر هايدجر في هذه الحالات كنتيجة لمواجهة هذه الأسئلة التاريخية وكل شيء يعقبها وينتج عنها. هذه الأسئلة لا تحررنا ببساطة من الماضي ولكنها توجهنا إلى مستقبل جديد. اعتقد هايدجر بأن اليونانيين قبل سقراط واجهوا مثل هذه الأسئلة الأساسية وبأن التاريخ الغربي منذ ذلك الوقت لم يكن إلا محاولات من أجل الإجابة على هذه الأسئلة. كانت العدمية في نظره هي استيعاب عدم جدوى كل محاولات الإجابة هذه، حالها حال تجربة السؤال نفسها. واجهت البشرية من جديد كما يرى هايدجر مثل هذا السؤال الذي مزق نظرية الوجود وفتح على إثر ذلك إمكانية بداية جديدة، عالم جديد، وتاريخ جديد.

يعتمد هايدجر على نيتشه في سعيه لتطوير هذا الرأي، الذي رأى بروز العدمية كلحظة تاريخية مفتاحية. اعتقد نيتشه بأنه وعلى الرغم من أن موت الاله وانهيار القيم الغربية التي وعلى إثرها سيودي بالبشرية إلى هاوية من الحرب والخراب، إلا أن هذا الحدث سيكشف العالم بشكل غير مسبوق منذ العصر التراجيدي الاغريقي. على الرغم من أن موت الإله سينتج “منطقاً مرعبا من الإرهاب”، إلا انه اعتقد كذلك بأن ” بأن الأفق في نهاية الأمر يبدو حراً لنا مجدداً”. إذا كان الاله ميتاً ولا شيء يبدو حقاً، إذن “كل شيء مباح”. بالتالي جحيم العدمية متصل بشكل وثيق بعصر راديكالي انفتاحي. على الرغم من أن نيشته وهايدجر كانا محقين في رؤية الطبيعة الفاصلة والحاسمة لهذه الأسئلة، إلا أنهم بالغوا في الإنفتاح الذي تحدثوا عنه. في الحقيقة فإن تجربة هذه الأسئلة قد تقود البشرية إتجاهات جديدة وناحية أجوبة جديدة، ولكن البشر سيواصلون صياغة هذه الأجوبة داخل بنىً مفهومية سائدة والتي على إثرها ستواصل في تشكيل طرق تفكيرنا عن الأشياء بسبل عدة. وهذا ما نراه بوضوح في تطور الفكر الحديث.

تنشأ الحداثة جراء التصادم مع أسئلة تاريخية. لا يكمن العالم الحقيقي الذي قام برسم آلية تفكيرنا في نهاية الحداثة بل في بدايتها. في الحقيقة فإن النهاية “العدمية” للحداثة هي الصورة الباهتة لهذه البداية، وإذا ما أردنا فهم أنفسنا ومن أين وجدنا وماذا يقودنا وما هو الذي يستمر في توجيهنا فعلينا أن نفهم هذه البداية. وهذا الكتاب معنيٌ بهذه البداية، عن أزمة “العدمية” في فكر العصور المظلمة والتي ولّدت هذه الأسئلة التاريخية التي تقف خلف الحداثة وتوجهها. سأدافع فيما سأقوله تالياً بأن الحداثة كما نفهمها الآن نشأت عن طريق سلسلة من الإجابات المعنيّة بهذا السؤال الذي قام ببناء طرق تفكير ووجود وفعل جديدة لعالم كان يبدو متهاوياً في طريقه إلى هاوية سحيقة. سأحاول أن أظهر بأنه وعلى الرغم من أن هذه “الأجوبة” تتشارك جميعها بعض الفرضيات الوجودية، إلا أنهم يفترقون بشكل جذري وأحياناً يمتلكون رؤى في الطبيعة وعلاقة الإنسان، الاله، الطبيعة والعقل، تتضاد فيما بعضها. يفتح فهم سؤال الحداثة بهذا المعنى نظرة إلى الأساس المتضارب للحداثة.

برز السؤال التاريخي الذي ساهم في ولادة العصر الحديث من خلال أزمة لاهوتية/ميتافيزيقية داخل المسيحية عن طبيعة الإله وطبيعة الوجود كنتيجة لذلك. كانت هذه الأزمة حاضرة بتجلٍ في الثورة الاسمانية على المدرسية. هذه الثورة الفكرية مع ذلك كانت انعكاسا لتحول أعمق في التجربة الوجودية المماثلة. كان المدرسيون في أواخر العصور الوسطى واقعيين أنطولوجياً وهذا يعني بأنهم كانوا يعتقدون بالوجود الحقيقي للكون أو لنعبر عنها بشكل آخر فقد قاموا بالتعامل مع الكون كمؤسس للعقل الإلهي. كانوا يتعاملون ويؤمنون ويؤكدون على أن الواقعية المطلقة ليس للأشياء الجزئية ولكن للكليات، وقاموا بالتعبير عن هذه التجربة من خلال منطق القياس والذي كان يرى كانعكاس للعقل الإلهي. كانت نظرية الخلق نفسها تجسيداً لهذا العقل، بينما تموضع الإنسان على رأس هرم هذا الخلق بوصفه الحيوان العقلاني المقاد بواسطة الغايات الأخيرة للطبيعية وبالأهداف الروحية الموحاة له.

قامت الاسمانية بقلب هذا العالم على رأسه. بالنسبة للاسمانيين كان العالم عبارة عن أفراد وجزئيات بينما الكليات كانت مجرد خيال. لم تكن الكلمة عندهم تشير إلى ذوات كلية ولكنها كانت مجرد إشارات مفيدة للفهم البشري. كان الخلق في أصوله جزئياً وبالتالي لم يكن لاهوتياً. على إثره فلم يكن من الممكن أن يفهم الإله بواسطة العقل البشري ولا من خلال الوحي الإنجيلي او من خلال التجربة الروحية. بالتالي لم يعد البشر يمتلكون غايات أخيرة طبيعية أو روحية. بهذه الطريقة مزقت الثورة الاسمانية ضد المدرسية كل جانب من جوانب عالم العصور الوسطى. وجلب النهاية لكل الجهود الضخمة التي بدأت مع الآباء الكنسيين من اجل جمع العقل والوحي من خلال توحيد التعاليم الطبيعية والأخلاقية الإغريقية مع المفهوم المسيحي للخالق القادر على كل شيء.

إلى فترة قريبة لم يتم منح الثورة الاسمانية ولم تعطى أهمية هذا النقاش حقها. وهذا كان في بعضه عائداً لقرار الكنيسة الكاثولوكية في أواخر القرن التاسع عشر في أن توحد عقيدة الكنيسة بالعقيدة التوماوية، والتي قادت الى إهمال نقاد توما الاكويني من القرن الرابع عشر والخامس عشر والاستخفاف بهم. كان هذا التركيز على توما الاكويني مدفوعا برغبة مفهومة لتنقية العقيدة الكاثولكية، ولكنها اعتمدت كذلك على استيعاب ان هؤلاء النقاد الاسمانيين لعبوا دورا مهما في تمكين الأسس الفكرية من أجل حركة التجديد. السبب الثاني والأهم لفشل ملاحظة الأهمية لهذه الثورة التاريخية هي حقيقة أن إله الاسمانيين كان قلقاً. كان الاله الذي وصفه توما الاكويني وديكارت لانهائي، ولكن عظمة خلقه والثقة من خيريته كانت متجلية في كل مكان. بينما كان الإله الاسماني على الضد من ذلك، مطلق القدرة بشكل مخيف، خارج نطاق معرفة الإنسان، وخطر مستمر على صالح الإنسان، ومع ذلك فلا يمكن الإحاطة بهذا الإله بالمفردات وبالتالي لا يمكن اختباره إلا من خلال سؤال جبار أثار الرهبة والجزع، وأريد هنا أن اقترح بأن هذا هو السؤال الذي يقف على مشارف بداية الحداثة.

أكدت الرؤية الجديدة عن الإله والتي برزت في القرن الرابع عشر على القدرة الإلهية وعلى تعذر التنبؤ بدلا من الحب الإلهي والعقل، ولكن هذا الإله الجديد لم يكن مفهوماً إلا التغيير الضخم في العالم نفسه. مثل الإنفصال الكبير، حرب المئة عام، الموت الأسود، اختراع البارود، الحركية الاجتماعية، والحملات الصليبية، كلها لعبت دوراً مهما في تشكيل القلق وعدم الأمان الذي أسهم في الرؤية الاسمانية للمعقول في العالم.

المسلك الميتافيزيقي للحداثة

 

تأسست الحداثة كنتيجة لسلسلة المحاولات من أجل ايجاد حل خارج الازمة التي أحدثتها الثورة الاسمانية. لم تكن هذه المحاولات اعتباطية أو عن طريق الصدفة ولكنها كانت انعكاسا للخيارات الفلسفية المتاحة من بين الاحتمالات الميتافيزيقية. كما سنرى الآن، فإن كل محاولة لتحديد الهوة السحيقة التي تسببت بها الاسمانية كانت محاولة لبناء العالم وفق أسس ميتافيزيقية معينة. وحتى نفهم ما يعني هذا، فعلينا حينها ان نناقش باختصار طبيعة الميتافيزيقيا.

نفهم الميتافيزيقيا هذه الايام كفرع من الفلسفة، وهو فرع شوهت سمعته في عصرنا الوضعي العلماني بسبب اهتمامه بأمور تتجاوز الحواس وبسبب اتصالها بالدين. أما الميتافيزيقيا في العصر الذي نبحث فيه فقد كانت تحمل معنى اوسع. الميتافيزيقيا العامة والتي كانت تتضمن الانطولوجيا والمنطق، بينما كانت الميتافيزيقيا الخاصة والتي تضمنت اللاهوت المعقلن وعلم الكون المعقلن والأنثروبولوجيا المعقلنة. بالتالي لم تكن الميتافيزيقيا جزءاً من الفلسفة ولكن أشمل اشكال المعرفة متضمنة كلاً من دراسة الوجود والعقل والاله والانسان وطبيعة العالم. ولنضع هذا كله في مصطلحات معاصرة فقد كانت الميتافيزقيا تتضمن البحث في طبيعة الوجود وطبيعة العقل، فيما كانت الميتافيزيقيا الخاصة تتضمن البحث عن ثلاث جوانب من الوجود: الانسان، الطبيعة، والإله. وحتى نستعمل الاصلاح المشهور بسبب هايدجر، فقد كانت الميتافيزيقيا العامة مهتمة بالأسئلة الوجودية بينما اهتمت الميتافيزيقيا الخاصة بالأسئلة الموجودية.

كانت الثورة الاسمانية ثورة وجودية شككت في الوجود نفسه. وكما رأينا سابقاً، فإنها أماطت الطريق لنشوء أنطولوجيا جديدة ومنطق جديد ومفهوم جديد للانسان والاله والطبيعة. وتم من خلالها تشكيل كل الفكر الاوربي اللاحق عليها من خلال هذا التحول. على الرغم من تقليل الاسمانية للمدرسية إلا انها لم تستطع إيجاد بديل مقبول بشكل عام للرؤية الشاملة للعالم التي قامت بتدميرها. وهذا ما جعل بعض التراجع عن الاسمانية الأصولية أمرا لا مفر منه. ولكن من خلال الرؤية الانطولوجية البسيطة فلم يحدث أي تراجع فقد قبلت كل الأشكال الفكرية اللاحقة أو معظمها الفردانية الأنطولوجية التي أكدت عليها الاسمانية بالقوة. أما فيما يتعلق بالجوانب الاخرى من الميتافيزيقيا فقد وجد بعض التنوع والاختلاف الملحوظ على الرغم من أن هذا التنوع كان مقيداً ببنية الميتافيزيقا نفسها. في الحقيقة فكما سنرى، لم يركز المفكرون اللاحقون على الأسئلة التأسيسية الأنطولوجية ولكن على الاسئلة الموجودية، عن أولوية وعلو بعض جوانب الوجود داخل الميتافيزيقيا الخاصة. على إثر ذلك فإن أعمق الخلافات في الفترة مابين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر لم تكن وجودية ولكنها كانت موجودية، لم تكن الخلافات حول طبيعة الوجود ولكن عن أي واحد من الجوانب الثلاثة –الانسان، الالهي، الطبيعي – كانت له الأولوية. وحتى نختصر هذا كله فإن المفكرين مابعد المدرسيين لم يختلفوا فيما بينهم حول الوجود نفسه ولمن حول تراتبية جوانب الوجود.

وهذا جلي بوضوح حتى من خلال التفحص السطحي للانسانية والتجديد، وهما حركتان فكريتان وقفتا بين الاسمانية والعالم الحديث. وكلاهما قبل الفردانية الانطولوجية التي ادعتها الاسمانية، ولكنهما افترقا جذرياً عما إذا كانت الاولوية الموجودية للإنسان او للإله. وضع الانسانويون الانسان أولاً وقاموا بتأويل الإله والطبيعة على هذا الأساس. بينما كان التجديد على النقيض يبدأ من خلال الاله ويرى الانسان والطبيعة من منظوره فقط. على الرغم من اتفاقهم على الأمور الوجودية، إلا أن الفروقات الناشئة من خلال خلافاتهم الوجودية كانت متعذرة العلاج، وقامت بلعب دور مهم في الحروب الدينية الطاحنة والتي مزقت الحياة الاوربية في القرون السادسة عشر والسابعة عشر. كانت الحداثة كما هي في فهمنا الدقيق لها هي أثر تابع للمحاولة من أجل حل هذا النزاع من خلال التأكيد على أولوية موجودية لا الانسان ولا الإله بل للطبيعة. وكما سنرى، على الرغم من مساعدة هذه البداية الطبيعية تخفيف حدة هذا الصراع، إلا أنها لم تستطع استئصال العداوة في جذرها دون التخلص من الاله أو الانسان. لا يمكن لأحد أن يستبعد الاله دون أن يحول الانسان الى وحش ولا يمكن لأحد أن يستبعد الانسان دون الوقوع في التطرف اللاهوتي.

تهدف السلالتان الضخمتان للفكر الحديث واللتان تبدئان مع ديكارت ثم هوبز إلى إعادة بناء العالم لا كجزء من صنيع الانسان ولا كمعجزة إلهية ولكن كموجود طبيعي. إلا أنهم يختلفون على أية حال حول طبيعة ومكانة الاله والانسان في العالم كلما تبحروا فيه، يرى ديكارت الانسان كموجود طبيعي ولكنه إلهي بشكل جزئي وبالتالي يتميّز عن الطبيعة ومتحرر من قوانينها. أما هوبز فيرى الانسان طبيعي تماماً وهذا يعني بأنه حر بما يتوافق مع سببية العالم الطبيعي. وهذا ما يجعل هذان القطبان من أقطاب الفكر الحديث يتعرضان لذات الانقسام الذي فصل بين الانسانويين والإصلاح الكنسي.

شكل هذا التعارض إشكالية جذرية للفكر الحديث، وحرص المفكرون ممن كرسوا أنفسهم لهدف التنوير على حلها، ولكن في النهاية لم تؤدي هذه الجهود إلى نفع، فلم يكن ممكناً أن يحل هذا التعارض من خلال أسس الحداثة الميتافيزيقية. وملاحظة هذه الحقيقة، والتي وجدت أول بداياتها وتجلياتها من خلال مبدأ التناقض الكانطي والذي آذن بأزمة الحداثة والتي لا نزال نعيش في ظلالها حتى الآن. لا يعني الحديث عن أزمة الحداثة بأن نقوم بالتأكيد على تخلي المفكرين الحداثيين عن مشروع الحداثة. فلم تكن المثالية الالمانية في أصلها إلا محاولة ايجاد حل لهذه المشكلة. ومع فشل المشروع الحداثي الهادف الى الانسجام مع العقلانية الحديثة، فقد تم تمييز الحداثة بأنها شق كبير بين الإرادية الراديكالية والحتمية الراديكالية. رسوخ هذا الانقسام وعدم قدرة المفكرين الحديثين على ايجاد حل لعلاج هذا الجرح، نحى بالكثير إلى هجر الحداثة لصالح البدائل في مابعد الحداثة أو ماقبل الحداثة.

ما إذا كنا نستطيع التوصل إلى حل لهذا التعارض وإلى أي أحد، هو أمر يعتمد على استيعابنا للسؤال الذي تسبب في نشوء الحداثة. تعني مواجهتنا لهذا السؤال إعادة اعتبارنا لسؤال العلاقة بين الوحي والعقل. إن كانت الحداثة هي العصر الذي نقوم به بتعريف وجودنا من خلال زماننا، ونعرف زماننا من خلال وجودنا الخاص كجزء من التاريخ، سنستطيع التصالح مع أنفسنا عندما نقوم بالتصالح مع فكرة أننا فانون. يصبح للفناء معنى لدينا ضد الخلود. حتى نعي سؤال الحداثة التي تواجهنا به، علينا إذن أن نتنبه إلى سؤال الجذور اللاهوتية للحداثة. وهذا الكتاب هو محاولة لطرح هذا السؤال.

الثورة الاسمانية ومنشأ الحداثة

 

الأزمة اللاهوتية لفكر القرون الوسطى

 

على الرغم من أن العالم الحديث أصبح واعيا بنفسه في القرن السادس عشر والسابع عشر، فإنه من الخطأ أن نعتقد بأن الحداثة بدأت منذ ذلك الحين بقدر ما هو خاطئ أن نعتقد بأن الحياة البشرية بدأت عندما بدأ الإنسان بالوعي بذاته. لم تزدهر الحداثة كاملة من خلال جاليلو، بايكون، ديكارت، وهوبز ولكنها نهضت قبل وقت طويل وكنتيجة لجهود العديد من الاشخاص المختلفين من سياقات متعددة. وكما ناقشنا سابقاً، فإن من أكثر سمات الحداثة تميزاً هي في أن تظهر ذاتها كشيء جديد بشكل جوهري غير مسبوق. وهذا أثر تابع لفهم حداثي مميز لقدرات الانسان وطريقته في تجلي ذاته في العالم. مع ذلك، هناك أسباب معتبرة للتشكيك في صحة هذا لفهم الذات هذا. وكما اكتشف اوديب، فلا أحد يولد “ابناً للقدر”، كل شخص وكل شيء له أصل يقوم بتشكيله بطريقة دقيقة. وحتى نبدأ في فهم طبيعة العالم الحديث، فمن المهم أن نفحص تطور وعيها المبكر في الثلاثمئة سنة بين سقوط عالم القرون الوسطى ونهوض الحداثة.

نستطيع تعقب جذور عالم القرون الوسطى إلى التوليفة الحاصلة بين المسيحية والفلسفة الوثنية في العالم الهلنستي في أواخر العصور القديمة. بدأ هذا في الاسكندرية في القرن الأول والثاني. وهنا دمجت نزعات مختلفة من الفكر المسيحي، المعتقدات الدينية الشرقية، الأفلاطونية المحدثة، وعدد من الرؤى الفلسفية القديمة بطرق مختلفة ومتعارضة في وقتها، لتعكس التكامل الروحي والفكري في ذلك الوقت. برزت وتمأسست عملية سير هذا الدمج من خلال تبني المسيحية كالدين الرسمي للامبراطورية الرومانية بقيادة قسطنطين. ذابت النزعات المتضاربة المختلفة داخل عقيدة رسمية من خلال مجامع كنسية كان اولها مجمع نيقيا عام 323. بغض النظر عن التوحيد العقدي المفروض من قبل السلطة الامبراطورية، فإن التوتر الحاصل داخل المسيحية بين الوحي الذي يشدد على كلية القدرة الالهية وعقيدة التجسد من جهة، والفلسفة التي تشدد على العقلانية ومفهوم الكون العقلاني من جهة أخرى، لم يتم حله بسهولة وظل مشكلة ممتدة للمسيحية خلال تاريخها المديد. مما لا شك فيه بأن كثيرا من التطور المتعاقب على اللاهوت المسيحي حدث ضرورة من خلال هذا التنافر المتفاقم الدوري المستمر بين هذين العنصرين في المسيحية.

فقدت العديد من المعرفة الناجمة عن التأثير الفلسفي الاغريقي على المسيحية في أوربا الغربية خلال الفترة المبكرة من عهد القرون الوسطى ، على الرغم من تأمين الفيلسوف بوثيوس لنقطة وصل ضعيفة لهذا التراث الفكري. كان اكتشاف ارسطو هو الحدث الجوهري في مسيحية القرون الوسطى من خلال الاتصال بالعالم العربي في اسبانيا والشام بشكل كبير. وهذا ما قاد نهضة المدرسية بعد المليارية بقليل، وهي أعظم المحاولات اللاهوتية واكثرها تماسكا من اجل التوفيق بين العنصرين الفلسفي والانجيلي في المسيحية.

على الرغم من وجود تنوع ملحوظ داخل المدرسية، إلا أن بنيتها التقليدية كان واقعية. كانت الواقعية كما فهمتها المدرسية هي الايمان بالوجود الذهني الزائد للكليات. ومن خلال اعتمادهم الكبير على القراءة الافلاطونية المحدثة لأرسطو، رأى المدرسيون بأن الكليات مثل الفصائل والأجناس هي الأشياء المتحققة في النهاية وبأن الجزئيات ماهي إلا مصاديق معينة لهذه الكليات. إلى جانب أن هذه الكليات لم تكن إلا ما أراده العقل الإلهي أن يكون معلوما للبشر إما من خلال التنوير كما رأى اوغسطين، أو من خلال البحث في الطبيعة كما رأى توما الاكويني. ومن خلال الانطولوجيا الواقعية هذه أصبح العقل والطبيعة يعكس أحدهما الآخر. وحينها يمكن أن توصف الطبيعة من خلال القياس المنطقي المعرف من خلال البنية العقلانية للعلاقات بين الأنواع كلها بعضها ببعض. إلى جانب أنه وعلى الرغم من أن الإله متجاوز لخلقه، إلا أنه كان منعكسا من خلاله وقد يعرف الإله من خلالهم عن طريق القياس. بالتالي، من الممكن للمنطق واللاهوت الطبيعي أن يعوض أو يستعاض به عند البعض بالوعي. ولأسباب مقاربة، لم يحتج الانسان إلى الإنجيل حتى يعلمه أخلاقه الدنيوية وواجباته السياسية. فقد كان موجودا طبيعياً بغاية طبيعية محكوم بقوانين الطبيعة. كان الإنجيل بالطبع ضرورياً من أجل فهم كل ما يتجاوز الطبيعة وقدر الإنسان فوق الطبيعي من ضمنها، إلا أنه كان يمكن للحياة الدنيوية أن تدرك فلسفياً.

 اعتمدت كاتدرائية الفكر المدرسي على توفيق دقيق بين المعتقدات المسيحية والعقلانية الوثنية، وكان فقدان هذا التوازن هو ما أدى إلا انهيارها في النهاية. تعرض هذا التوازن للتهديد من خلال تنامي تأثير العقل والعلمانية من خلال الكنيسة، والتي عززت من الانفصال عن الممارسات المسيحية، ومن خلال الاحتياج الطارئ والمتزايد إلى شكل أكثر أصالة من المسيحية يعتمد على الوحي و/أو عن طريق مماثلة حياة المسيح. اعتمد الحفاظ على مسيحية القرون الوسطى على التوفيق بين هذين الباعثين المتضادين. ولا يمكن الحفاظ على هذه التركيبة نظرياً إلا من خلال خلق لاهوت أكثر وضوحاً، وعملياً عن طريق اللجوء المتزايد للسلطة البابوية والملكية.

كان المسبب المباشر لهذا النزاع الذي مزق هذه التركيبة هو تنامي الأرسطية من خلال الكنيسة ومن خارجها. كان الاهتمام المتزايد بأرسطو من جهة هو أثر حتمي لتنامي المدرسية نفسها، ولكن نموها تسارع تحديداً من خلال إعادة تقديم العديد من النصوص الارسطية لأوربا المسيحية عن طريق تعليقات الفلاسفة المسلمين العظماء: ابن رشد وابن سينا. أكثر تجليات هذا الاهتمام الجديد بأرسطو وضوحا كان من خلال تطوير نظام فلسفي مستقل إلى جانب اللاهوت بالإضافة إلى شكل جديد من الفكر المسيحي العلماني. قرأت هذه الظاهرة بشكل تشكيكي من قبل المتورعين المدافعين عن شكل أكثر أصالة للمسيحية لا بسبب جذورها الوثنية ولكن بسبب علاقتها بالإسلام. كانت الوثنية شراً معلوما وقابلا للتحمل، ولكن الإسلام على النقيض كان نذير شؤم لاهوتي وخطر سياسي. استطاعت المسيحية على مدى 200 عام أن تعلوا على الإسلام خصوصا في الشرق، ولكن بعد خسارتها لمستعمراتها في الشام في أواخر القرن الثالث عشر وصعود القوة العسكرية الإسلامية، مما حدى بروح التفاؤل هذه أن تخفت وبالشك بوجود التأثير الإسلامي على المسيحية أن يتزايد. وهذا ما جعل تنامي الأرسطية في هذا السياق من قبل المدافعين المشككين بالإيمان يرى بوصفه صعوداً للأثر الرشدي.

حاولت الكنيسة أن تقوم بالحد مما رأته شكلا من التخريب اللاهوتي عن طريق أمر كنسي. تم اتهام الأرسطية لأول مرة عام 1270 ثم بشكل أكبر عام 1277 بواسطة أسقف باريس إتيان وعند طريق مطران كانتربوري روبرت كيلواردبي. استخدمت صفة كلية القدرة الإلهية المطلقة كسمة جوهرية في صياغة هذه الإدانة، وخلال الأعوام اللاحقة، ظهر مفهوم “حرية القادر” حتى يؤسس عماد مفهوم جديد عن الإله معارض للأرسطية. انعكست هذه الرؤية من جهة من خلال اعمال دونز سكوتز ولكنها ظهرت بوضوح ودقة من خلال أعمال ويليام اوكهام ومن خلال الحركة الاسمانية التي ولدتها أفكاره.

ولد اوكهام  في إنجلترا بين 1280 و 1285. وبعد دخوله الكنيسة الفرانسيسية في عمر مبكر، أكمل دراسته في اوكسفورد. على الاغلب انه لم يكن التلميذ لخليفته المعروف دونز سكوتوز ولكنه تأثر به تأثراً بالغا بلا شك، والذي بقي أثره قوياً في أوكسفورد. أكملت أغلب اعمال اوكهام الفلسفية واللاهوتية يبن 1317 و 1324 عندما تم استدعاءه إلى أفينجون ليرد على دعاوى الهرطقة في حقه. في عام 1326 تم اعلان حظر 51 من ادعاءاته، ولكن لم تدن أي منها.

اعتمادا على أعمال المفكرين الاسمانيين الاولين مثل روسيلين وابيلارد، ومن خلال اعمال هنري وسكوتوز، خط اوكهام بتفصيل كبير الأسس للاهوت وميتافيزيقيا جديدة تتعارض بشكل جذري مع المدرسية. يرى اوكهام بأن الايمان وحده لا يخبرنا بأن الله كلي القدرة ويستطيع عمل كل ما هو ممكن، بمعنى أنه غير متناقض. بالتالي فإن كل موجود إنما يوجد كنتاج إرادته ولا يظل موجوداً على حاله هذه إلا بمحض إرادته. يصبح الخلق حينها فعلا ناجما عن مطلق النعمة والفضل ولا يدرك إلا من خلال الوحي. خلق الاله العالم ولا يزال يفعل من خلاله، ولا يقيّد بقوانين العالم ولا بأحكامه السابقة. يفعل ما يشاء بمحض إرادته ولا يدين بأفعاله إلى أي إنسان كما يردد اوكهام. بالتالي فلا وجود لنظام ثابت للطبيعة والعقل يستطيع الإنسان فهمه ولا معرفة للإله دون الوحي. يرفض اوكهام على إثر ذلك القياس المنطقي والوحي المدرسي وكنتيجة فهو بهذا قلل من أهمية الأسس اللاهوتية والميتافيزيقية لعالم العصور الوسطى.

كان مفهوم كلية القدرة الإلهية مسؤولا عن زوال الواقعية. يرى اوكهام بأن الإله لا يستطيع خلق الكليات لأن خلقه لها يقيّد من قدرته المطلقة. إذا ما كانت الكليات موجودة، فإن الإله لن يستطيع ازالة أي من مصاديقها لأنه حينها سيقوم بإزالة الكليات نفسها. بالتالي، فلا يستطيع الإله على سبيل المثال أن يلعن إنسانا دون أن يلعن البشرية كلها. إذا لم توجد الكليات فسيصبح كل فرد مختلف عن الاخر بشكل جوهري، كمخلوق فريد للإله نفسه خلق من اللاشيء عن طريق مطلق قوته واستمر في الوجود بهذه القوة وحدها. قد يقوم الإله بتوظيف أسباب ثانوية حتى تحدث وتحافظ على موجود، ولكنها ليست ضرورية ومسؤولة بالكامل عن خلق او استمرار وجود هذا الموجود.

الوجود الضروري الوحيد هو الإله عند اوكهام. وكل ما عداه من موجودات هي مخلوقات ممكنة ناجمة عن إرادته. أي أن الأشياء التي يختار الإله إخراجها إلى الوجود تملك طبيعة أصلا، ولكن هذه الطبائع ليست كلية في ذاتها بل تنطبق على كل فرد على حده. ومع ذلك فهي لانهائية في العدد واختيرت بحرية عن طريق الإرادة الإلهية. لا تقوم هذه “الطبائع” بتقييد الإرادة الإلهية بأي معنى حقيقي إلا من جهة أنها تدفع الإستحالة عنها وهي التناقض المنطقي. هذه الطبائع ليست مضمنة او مفروضة مسبقاً في أي شيء. لا تقوض إدعاءات اوكهام بشأن الأنطولوجيا الفردانية الانطولوجيا الواقعية فقط ولكنها تقوض القياس المنطقي والعلم كذلك، لأنه وعند غياب الكليات الواقعية، تصبح الأسماء مجرد إشارات أو إشارات لإِشارات. لا تكشف اللغة حينها عن الموجود بل هي عمليا تقوم بإخفاء الحقيقة عن الموجود أحياناً من خلال تبنيها للقول بواقعية الكليات. في الحقيقة إن ما يسمى بالكليات ما هي إلا مجرد درجة ثانية او أعلى من الإشارات نستعملها نحن الموجودات المتناهية حتى نقوم بجمع الموجودات الشخصية في فئات. هذه الفئات مع ذلك لا تدل على أشياء حقيقية. وإنما هي خيالات ذهنية مفيدة من أجل مساعدتنا في فهم العالم الفردي جوهريا. ومع ذلك فهي تقوم بتشويه الواقع. بالتالي فإن المفهوم المؤسس للمنطق الاسماني بالنسبة لاوكهام كان مقص أوكهام المشهور: لا تقم بمضاعفة الكليات التي تحتاجها أقل. على الرغم من أننا ككائنات متناهية لا نستطيع استيعاب العالم من دون كليات، إلا أن كل تعميم يقودنا خطوة بعيداً عن الواقع. بالتالي فكلما قل استعمالنا “للمفردات” أصبحنا أقرب للحقيقة.

بما أن كل موجود شخصي هو موجود ممكن لإرادة الإله الحرة كما يرى اوكهام، فلا يمكن أن توجد أي معرفة بموجودات مخلوقة سابقة على البحث. وكنتيجة، لا يمكن للبشر أن يفهموا الطبيعة دون اختبار الظواهر بأنفسهم. بالتالي يتم استبدال القياس المنطقي بالفرضيات كأساس للعلم. ومع ذلك فلا يمكن للمعرفة البشرية أن تذهب إلى ما وراء الفرضيات، لأن الاله حر بمعناه المطلق بمعنى أنه حر حتى من أفعاله السابقة، يستطيع حينها أن يقلب أي شيء قام بتكوينه، أن يكسر كل سلسلة سببية، أو أن يخلق العالم من جديد إذا ما أراد ذلك. وهذا يعني أنه لا وجود لأي ضرورة مطلقة إلا إرادة الإله. يرى أوكهام بأن الإله لم يضطر حتى إلى إرسال ابنه على هيئة انسان، فقد يكون المخلص على هيئة حمار أو حجر.

في الدفاع عن هذا المفهوم الجوهري لمطلق القدرة، شارف اوكهام واتباعه على انكار الوحي. لذلك نحو إلى تجنب هذه النتيجة التجديفية من خلال التفريق بين قدرته المطلقة وقدرته المعيّنة، بين سلطته المطلقة المعيّنة، بين ما يمكن للإله أن يفعله وبين ما قرر فعله. كان من الصعب على هذا التفريق ان يصمد طويلاً لأن الإله لم يكن تحت أي اضطرار لأن يحافظ على وعده أو أن يكون مضطرداً في أفعاله. وباصطلاح الاسمانيين فإن الإله “حيادي” بمعنى انه لا يميّز بين الضوابط الطبيعية والعقلية للخير والشر حتى توجه أفعاله أو تقوم بتقييدها. وهذا يعني بأن الخير خير لا لذاته بل لأن الإله اختاره. يعني بأنه وعلى الرغم من أن الإله يستطيع انقاذ الرهبان اليوم ويقوم بمعاقبة المخطئين، إلا أنه يستطيع أن يفعل العكس غداً، ليعيد خلق العالم منذ البداية إن كان ذلك ضرورياً. وحتى نكون عادلين، فإن أوكهام لم يعتقد لا هو ولا أغلب أتباعه بأن الإله قد يقوم بفعل ذلك فعلاً. فقد كانوا ترجيحيين في أغلب الأحيان، وهذا يعني بأنهم اعتقدوا بأن الإله قد يعتمد عليه في إيفاء وعوده التي قطع. بالتالي لم يعتقدوا بأن الإله قد يعاقب الرهبان ويخلص العصاة، ولكنهم أصروا على أن هذا الاحتمال لا يمكن أن يدفع بدون تجريد الإله من ألوهيته.

اعتقد أغلب الاسمانيين بأن البشر لا يستطيعون معرفة الكثير عن الإله أكثر مما أفصح لهم عنه في الكتاب المقدس. يستطيع اللاهوت الطبيعي على سبيل المثال أن يثبت وجود الإله وعلوه وكونه مطلقاً كما يرى اوكهام، ولكنه لا يستطيع أن يثبت وجود إله واحد فقط. ولد هذا الرفض الجذري للاهوت المدرسي من خلال تزعزع الثقة لا بأرسطو وشارحيه المسلمين فقط ولكن بالمنطق الفلسفي نفسه. وفي هذا المعنى، دعّم فكر اوكهام من موقع الوحي في الحياة المسيحية.

رفض اوكهام كذلك الفهم المدرسي للطبيعة. فقد تصورت المدرسية الطبيعة غائية، كعالم تظهر فيه الغائية الإلهية بإستمرار. أصبحت الموجودات الجزئية على ما هي عليه الآن من خلال سعيها لبلوغ غايتها الخاصة. بالتالي فقد لاحظوا الحركة كموجه نحو الفضيلة. أصبح رفض الاسمانيين للكليات ليس رفضا للأسباب الشكلية ولكن للغائية كذلك. إن لم توجد الكليات فلن توجد كليات غائية من أجل أن تتحقق. لا توجّه الطبيعة حينها البشر إلى الفضيلة. أو حتى نقوم بعرض هذا الرأي بإيجابية أكثر، فإن الاسمانية تفتح إمكانية حصول فهم جديد جذري لحرية الإنسان.

لا يعني عدم وجود غايات طبيعية محددة للبشر أنهم لا يمتلكون واجبات أخلاقية. يستمر القانون الأخلاقي برسم حدود للفعل البشري. يعتقد الاسمانيون مع ذلك بأن هذا القانون لا يعرف إلا من خلال الوحي. فلا وجود لدافع خلاصي أو طبيعي من أجل إطاعة القانون الأخلاقي. لا يدين الاله لأحد من البشر ولا يستجيب له. بالتالي فهو لا يخلصهم أو يعذبهم بما فعلوا أو لم يفعلوا. لا يوجد دافع نفعي للفعل الأخلاقي، فالغاية الوحيدة للفعل الأخلاقي هي الامتنان. ترى الاسمانية بأن البشر يدينون بوجودهم إلى الإله. فقد وهبهم نعمة الحياة، وعلى البشر أن يدينون له بالامتنان. سيعطي البعض حياة أبدية ثانية ولكنه لن يكون عادلاً أو ظالماً في قراره لأن أعطياته ماهي إلا من قبيل النعمة والفضل. سيكون من اللاعقلاني أن يتذمر أحد عن قدره فلا أحد له حق في الوجود، ناهيك عن الوجود الأبدي.

وكما يوضح هذا العرض البسيط، فإن إله الاسمانية لم يعد هو ذلك الإله الرحيم الذي تتنبأ أفعاله منطقياً كما هو عند المدرسيين. تزايدت حينها الفجوة بين الإنسان والإله بشكل كبير. لم يعد بإمكان البشر أن يفهموا أو يؤثروا على الاله – كان حراً في أفعاله، محايدا فيما يتعلق بعواقب ما يفعل. سن للبشر قوانين تحكم أفعالهم، ولكنه يستطيع تغييرها في أي لحظة شاء. تعرض بعض البشر للخلاص فيما لعن البعض، ولكن لا توجد إلا علاقة عرضية بين الخلاص والتقوى، وبين اللعن والخطيئة. وليس من الواضح لنا ما إذا كان هذا الإله يحب البشر. بالتالي فإن الكلمة التي خلقها هذا الإله كانت فوضى جذرية عارمة من الاشياء التي لا يستطيع البشر ايجاد اليقين والأمان من خلالها.

كيف لأحد أن يحب أو يوقر مثل هذا الإله؟ لم يكن هذا السؤال جديداً. فقد طرحه مؤلف سفر يوحنا منذ قرون عندما واجه فرضية مماثلة، ثم اهتم كالفن من بعده بظلم مثل هذا الاله الذي لم يكن يستطيع تخيله إلا شيطانا متستراً. قد لا يكون من المستغرب أن تلقى هذه النظرة للإله رواجا عند الفرانسيسيين وهم من يقفون في موقف مضاد جذرياً للجانب اللاهوتي الأرسطي. خلال الفترة الأخيرة من القرون الوسطى، كانوا هم الصوت البارز المنادي لشكل أكثر أصالة أو “بدائي” من المسيحية لم يسيّر وفقاً للأفكار الفلسفية اليونانية والأسس الفلسفية الفاسدة للدولة الرومانية ولكن من خلال مثال المسيح. رأوا بأن الحياة المسيحية لا تستلهم من قصور الباباوات والقضاء البابوي ولكن في الفقر والزهد. بل إن أكثر الفرانسيسيين أصولية رأى الوحي غير كاف، وآمن بعدم استطاعة أحد عيش الحياة المسيحية إلا من خلال مشابهة حياة المسيح وأتباعه. لم يكونوا وحيدين في سعيهم من أجل إيجاد البديل. في الحقيقة، فلم يكونوا إلا الحركة المشهورة من بين الحركات “البدائية” داخل الكنيسة التي ضمت كل من الكاثار، والولدينيسية والهيوماليتية. ولكن فرانسيس تحدث بالنيابة عن كل هؤلاء الأصوليين حينما قال بأن على من يريد أن يصبح مسيحياً بأن يمشي إلى جانب المسيح متتبعاً “طريق الألآم”. وبهذه الطريقة فقط يستطيع تقدير المعنى وراء التجسد وحب الإله للبشر. جسد فرانسيس هذا الإخلاص للمعاناة من خلال زهده (وندباته) وحافظ على قدسيتها في “القانون” الشهير الذي فرض على أتباعه التقشف والفقر.

انقسمت جماعة فرانسيس بعد وفاته في 1226 بين متعصبين طالبوا بالانصياع التام “للقانون” وبين المعتدلين الذين التمسوا إعفاءً بابوياً من أكثر كياناتها تطرفاً. وبالنظر إلى القبول العام لهذه الحركة بين العامة وبسبب الخطر الناجم عنها والذي يهدد للنظام الهرمي البابوي، لم يقم البابا جون (1249-1334) بمنحهم هذا الاعفاء فحسب، بل قام بملاحقة أكثر الفرانسيسيين تعصبا وهو ما يطلق عليهم الفراتيسليين. على الرغم من أن هذا أرضى أكثر أعضاء الجماعة براغماتية، إلا أن البابا جون لم يتوقف عند هذا الحدث. وبسبب تدخله في خلاف بين جماعة الفرانسيسيين وحاكمهم مايكيل السيسيني بسبب إشكالية الفقر (أو كما أطلق عليها نزاع الفقر)، قام حينها بإدانة اعتقادات الفرنسيسيين في السمو الأخلاقي لحياة التورع، مجادلاً بأن هذا القول يتعارض مع الكتاب المقدس.

تنبه جون إلى ان عقيدة الفقر لا تهدد سلطته داخل الكنيسة فحسب ولكنها هددت في تحول الكنيسة ككل. كانت الكنيسة في القرون الوسطى ترى نفسها كتجسد للروح القدس وبالتالي كتجلٍ لسلطة الإله وحكمه على الأرض. وهذا ما جعل رجال الكنيسة يرون بأن عليهم أن يعيشوا في هيئة تليق بمركزهم. تحدت عقيدة الفقر الفرانسيسية هذه الرؤية. فالبشر كما كان يعتقد فرانسيس ليسوا بموجودات سامية في ذاتها، وسعادة الإنسان لا تتحصل من مركزه وممتلكاته في العالم بل من قربه للإله. وهذا يعني بان مملكة الرب ليست مملكة في الأرض تمثلها الكنيسة بالمعنى الحرفي، ولكنها مملكة روحية يتلاقى البشر فيها وينتمون لبعضهم من خلال الإله فقط. وهذا ما يجعل هذه العقيدة لا تعد هجوماً على السلطة والثراء الكهني فحسب، فقد كانت إلى جانب ذلك هجوما على النظام الهرمي البابوي وعلى الكنيسة نفسها.

أحد أهم المدافعين عن الفرانسيسية في هذا النقاش كان ويليام الاوكهامي، والذي كان حينها متواجدا في افينجون من اجل الدفاع عن تهم التجديف الموجهة له من قبل انداده التوماويين. اعتمد البابا في رأيه ضد سمو الفقر على الضرورة الطبيعية للفقر من اجل الحفاظ على الحياة البشرية، مؤكدا على أن الفقر كان موجودا حتى قبل هبوط آدم. فيما اعتمد الفرانسيسون على الوحي في رأيهم المعارض، بأن الفقر لم يوجد نتاجاً للطبيعة ولكن كان نتيجة للخطيئة وهذا ما يعني بأنه كان بعد إنزال آدم. وأكدوا كذلك على أنه وعن طريق قوة الإله المطلقة استطاع المسيح وأتباعه من العودة إلى حالة ما قبل هبوط آدم، من خلال عيشهم حياة تورع دون ممتلكات. قام فرانسيس في نظرهم بفتح هذه الامكانية بشكل جديد، وعلى اثر ذلك فقد خط الأسس لتقليد مسيحي أًصيل. وهذا ما جعل اوكهام وفرانسيس يرتعبون عندما رفض البابا جون هذه الرؤية على أسس ثبات تراتبيية النظام في الطبيعة. لأنهم اعتقدوا بأن الإله لا يمكن بأن يكون راضخا لقوانين الطبيعة التي قام بخلقها. وحياة المسيح كانت تطبيقاً لهذه الحقيقة. بالتالي فإنه ووفقا لرؤيتهم فإن اعلان البابا كان احياءً لموقف ابيلارد التجديفي القائل بأن الإله مجبر على انقاذ البعض من الخلود من خلال إرادته القديمة. رأوا بأن الله غير ملزم بمثل هذه القوانين وهو عرضة لقوانين عدم التناقض فقط. وما دون ذلك فهو حر وذو سيادة، وإنكار هذه الحقيقة نكران للإله. وعلى إثر ذلك اعلنوا البابا مهرطقاً وهجروا أفيجنون طالبين حماية الامبراطور. أصبح اوكهام عضوا في المحكمة الإمبراطورية إلى جانب مارسيليوس البادوي (1270-1342) أصبحوا أدوات فاعلة في تكوين رادع فكري للإمبراطور في خلافه مع البابوية.

الاسمانية بهذا المعنى هي لاهوت فرانسيسي. قامت بإسقاط بنية العالم الذي تصورته المدرسية حتى توفق بين الإله والبشر وقامت باستبدالها بفوضى موجودات شخصية جوهرية تحكمها الفوضى. ومع ذلك فقد وحدت كل هذه الموجودات من خلال الإله مباشرة. من وجهة النظر الفرانسيسية، فإن الحياة هي عالم شخصي جوهرياً ولا يبدو عشوائيا إلا لأولئك الذين لم يتنبهوا إلى اتحاد الخلق في الإله. كل الموجودات في نظر فرانسيس ومن شاركه هذه الرؤية الصوفية الاتحادية كانوا اخوة، لأن كل الموجودات الحيوية وغير الحيوية هي مخلوقات وخلق للإله على ذات الدرجة.

حاولت الكنيسة أن تقمع الاسمانية، ولكن كل هذه الجهود كان أثرها طفيفاً. تم حظر افكار اوكهام في عام 1326 وتكررت ادانتها في 1339 و 1347، ولكن تأثيره واصل التنامي وخلال المئة والخمسين سنة التي اعقبت وفاته أصبحت الاسمانية احد أكثر الحركات الفكرية قوة في أوربا. كان هناك تراث اوكهامي في انجلترا بدأ في النصف الاول من القرن الرابع عشر تحت قيادة توماس برودواردين (رئيس أساقفة كانتوربيري) وروبرت هولكوت وآدم وودهام. كان للأوكهاميين في باريس خلال القرن الرابع عشر تأثير قوي كذلك وضموا نيكولاس الاوتريكورتي، وجون بوريدان، وجون الميركورتي وانضم لهم فيما بعد بيتر دي آيلي، وجين جيرسون ومارسيليوس الانغيني ( والذي  كان ناشطاً في هيلدبرغ كذلك). كان هناك تراث اسماني قوي في ألمانيا، خصوصا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر والتي توجت بجابرييل بيل. في الحقيقة، فقد تنامى تأثير الفكر الاسماني خارج اسبانيا وايطاليا بشكل واسع لدرجة أنه وفي عهد لوثر لم يكن هناك إلا جامعة واحدة في ألمانيا لم تكن تحت سيطرة الاسمانيين.

قوضت الاسمانية الرؤية التي طورتها المدرسية عن عالم مسيحي متناغم (ضداً لوقائع أقل تناغم سياسياً ودينياً على الأغلب) وكنتيجة أحدثت ثورة في المسيحية ولكنها لم تكن هدامة. لم تقدم الاسمانية رؤية جديدة للإله فحسب بل قدمت أيضاً رؤية جديدة لما يعني أن تكون انساناً والتي وضعت فيها تركيزاً كبيراً على الإرادة البشرية. وكما لاحظ انتوني ليفي أن المدرسية لم تملك منذ القرن الثالث عشر أي نظرية نفسية تستطيع تفسير الأفعال كشيء عقلاني ومراد في الوقت ذاته. الإرادة عند المدرسيين هي للإله والإنسان بالتالي إما أن يفعل كل شيء أو لا يفعل أي شيء. ناصر توما الاكويني الموقف الأخير، فيما كد سكوتوس (معتمداً على تركيز بونوفينتورا على استقلال الله عن مخلوقاته الممكنة) ومن بعده اوكهام على حرية الإرادة الإلهية بشكل جوهري. ومن خلال مركزية الإرادة الإلهية قدم الاثنان تبريرا وأهمية جديدة للإرادة البشرية. خلق البشر على صورة الإله، وهم كالإله مخلوقات قاصدة لأفعالها بدلا من كونهم موجودات عاقلة. لطالما عدّ هذا الشكل من القدرة على الإرادة الحرة لاعبا أساسياً فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، ولكن المسيحية الأرثودوكسية أنكرت أن البشر أحرار في قبول ورفض الفضل الإلهي الماحي للذنوب. ومع ذلك فإن كان البشر أحرار حقاً، كما اعتقد غالبية الاسمانيين، فمن أقل البداهة أن يختاروا القيام بأفعال تزيد من فرصهم في الخلاص.

على الرغم من أن هذا الموقف يعد منطقياً، كانت مثل هذه الفكرة عرضة للتشكيك قياساً بمعايير ذلك الوقت لأنها كانت قريبة بشكل خطر إلى البيلاجينية التي أدانها أوغسطين وكل لاهوتي ارثودوكسي أتى بعده. على الرغم من كل الادعاءات المتكررة من قبل اوكهام وعدد من أتباعه من أن الإله لا يتجاوب مع الإنسان بأي شكل من الأشكال وبالتالي فلا يمكن أن يتأثر بأي فعل ناجم عن الإرادة البشرية، إلا أن الاسمانيين تعرضوا لهجوم متواصل من قبل البيلاجينيين. وهذا كان في أحد جوانبه يتعلق بتأويلهم الإنسان كمختار لأفعاله بدلاً من كونه موجود عاقل، ولكنه كان بالطبع بسبب حقيقة أن عدداً من الاسمانيين وجدوا صعوبة في تأييد وجود إله مرعب وغير رحيم، مدعمين ذلك لا من جهة لاهوتية ولكن كشأن عملي من الله لن يقوم بحرمان الخلاص لكل من يقوم بكل ما يستطع وأن يعطي كل ما يملك. (إن فعلت ما في وسعك، فلن يحرمك الله الفضل) وهذا ما كان يسمى بمبدأ الفعل. بدى أن هذه الرؤية تفضي إلى القول بوجود معايير للخلاص، ولكن هذه المعايير كانت شخصية تماماً بالنسبة لكل فرد. وكل واحد منها يختلف عن تلك في الآخر. سلبت تحديد قدسية الأشياء وحرمتها من يد الكنيسة. فلم يعد التبرع ضرورة لتحصيل الخلاص، لأن الله يستطيع من خلال قوته المطلقة أن يرى كل فعل زائف على أنه تام، والأهم من ذلك أنه يستطيع أن يرى كل فعل على أنه زائف. بالتالي فإن مبدأ الفعل لا يحجم من السلطة الروحية (والأخلاقية) للكنيسة، بل يدافع عن مفهوم الخلاص القريب بشكل كبير من البيلجانية.

بصرف النظر عن المظاهر، من الخطأ اعتبار هذه الرؤية الاسمانية شكلا من البيليجانية. على الرغم من أن الاسمانيين المتأخرين من أمثال جابرين بييل قاموا فعلا بالترويج لأفكار مشابهة للبيليجانية، إلا أن أوكهام وأتباعه في القرن الرابع عشر والخامس عشر لم يفعلوا ذلك. لم يمنح مفهومهم عن كلية القدرة الإلهية مساحة كافية من أجل منح الإرادة الإنسانية أي فعالية. صحيح أن ملاحظتهم لأهمية الإرادة البشرية بدى وكأنه يلمح إلى استطاعة البشر على نيل خلاصهم، ولكن ذلك مما خففت حدته من خلال تأكيدهم على أن كل الاحداث والاختيارات مقدرة بالكامل بواسطة الإله. ورغم أن عقيدتهم بدت وكأنها تمنح مساحة أكثر للحرية البشرية، إلا أن هذا تم ابطاله من خلال التزامهم بالقول بقوة إلهية قررت كل شيء بشكل مطلق ولكنها فعلت ذلك بشكل اعتباطي تماما بالتالي لم تكن أمراً قابلاً للتنبؤ.

استطاعت الاسمانية من خلال هذا التركيز على الحتمية الإلهية أن تتجنب البيليجانية، ولكن ثمن ذلك كان غالياً، لأن مفهوم التقدير المسبق لم يكن معفياً للبشر من مسؤوليتهم الأخلاقية فحسب، ولكنه جعل الإله مسؤولا عن الشر كذلك. رأى جون الميركروتي بأن هذه النتيجة هي أثر لا مناص منه لمذهبه الاسماني، مقراً بأن الله قرر سلفاً ما سيكون معصية ومن سيكون عاصياً. فيما ذهب نيكولاس دي اوتريكورت إلى أبعد من ذلك، خالصاً إلى أن الإله نفسه كان السبب في المعصية. على الرغم من أن غالبية الإسمانيين ولسبب جيد لم يقوموا بالتركيز بوضوح على هذه النتيجة، إلا أنها كانت أهم من أن تحجب لوقت طويل، لتظهر بكل أثرها القوي في فترة التجديد.

سعت الاسمانية إلى تمزيق غشاء العقلانية عن وجه الإله من أجل الوصول إلى مسيحية أصيلة، ولكنها أظهرت من خلال ذلك إلهاً نزوياً مرعباً وغير قابل للمعرفة أو التنبؤ، غير مقيد بالطبيعة أو العقل ومحايد بين الشر والخير. حولت هذه النظرة للإله نظام الطبيعة إلى فوضى من الموجودات المتشخصة، ونظام المنطق إلى مجرد تسلسل من الأسماء. تمت تعرية الإنسان من مكانته السامية في الترتيب الطبيعي للأشياء، وترك ليعوم في عالم لانهائي دون قانون طبيعي يقوده وبلا سبيل أكيد لتحصيل الخلاص. لذلك فليس من المفاجئ أن يكون هذا الإله لغير أكثر الزهاد والصوفية تطرفاً إلا مصدراً للقلق وعدم الاطمئنان.

على الرغم من استمداد هذه الرؤية الجديدة للإله قوتها من تأثير الفكرة نفسها ومن أسسها الإنجيلية، إلا أن ظروف الحياة الصعبة في القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر لعبت دوراً أساسياً في نجاحها. خلال هذه الفترة حدثت ثلاثة أحداث وهي: الموت الأسود، الإنفصال الكبير، وحرب المئة عام والتي هزت أسس حضارة القرون الوسطى الواهنة جراء فشل الحملات الصليبية، واختراع البارود، والضربة القوية التي تعرض لها الاقتصاد الزراعي التي أسست للحياة الإقطاعية. على الرغم من أن هذه الرؤية للإله كان ستعتبر متهاوية في القرنين الثاني والثالث عشر، إلا أن النكبات التي حدث في الفترات اللاحقة جعلت الإيمان بهذه الإله أمرا ممكناً.

ورغم أن نهاية القرون الوسطى شهدت صعوداً للرؤية الاسمانية للإله، إلا أن المشروع المدرسي لم يتلاشى ببساطة. فقد تم إحياؤه أكثر من مرة ولكن لم ينل ذات التطلعات مرة أخرى. وحتى فرانسيشكو سواريز أحد أشهر المدافعين عن توما الاكويني وآخر المدرسيين العظماء كان اسمانيا أنطولوجياً. قام بالدفاع عن الواقعية التوماوية في مستوىً ما، مدافعاً عن الوجود الذهني الإضافي للكليات، ولكنه قام بقولبة رأيه بشكل اسماني في مستوىً أعمق، مؤكداً على أن كل موجود شخصي هو كليّ. وهذا ما يعني بأن العالم الذي وجدت فيه الحداثة لم يكن عالم الفكر المدرسي بل عالم الفكر المدرسي مقلوباً. لم يحدث هذا الانهيار للمدرسية بلحظة واحدة بالطبع وفي فترة زمنية قصيرة، ولكنه قطع شوطاً كبيراً لذلك مع نهاية القرن الرابع عشر.

من أفيجنون إلى العالم الحديث

 

نقل كرسي البابوية إلى أفيجنون في عام 1305 لأن البابا كان محابياً للملك الفرنسي، إلى جانب العنف الذي استوطن روما حتى أصبح البابا غير آمناً فيها بعد الآن. وظل هناك حتى عام 1378. خلال ذلك الوقت أصبحت أفيجنون موضعاً للحياة الفكرية الأوربية. على الرغم من أنها كانت أبعد ما تكون عن مركزية موقعها، إلا أن المدينة كانت على طريق تجارة كبير وكانت تمتلك طرق تواصل سهلة نسبياً من فرنسا وألمانيا واسبانا وإيطاليا وانجلترا. تهافت عليها المفكرون لأسباب مختلفة. هدف اللاهوتيون المحافظون إلى الاستفادة من سلطة الكوريا البابوية للتغلب في الصراعات الفكرية التي كانوا يخسرونها في باريس واكسفورد وغيرها من مدن الجامعات، فين حين قدم مناوؤوهم للدفاع عن مواقفهم الأصولية. وكما رأينا فقد كان هذا السبب الذي دفع أوكهام للقدوم إلى أفيجنون، ولكن كان الدفاع عن جماعته هو ما دفعه للبقاء هناك وزجت به في صراعه مع البابا. ومع ذلك فلم يكن إلا واحداً من المفكرين المهمين الذين قدموا إلى أفيجنون خلال هذه الفترة.

في الواقع، فإنه وأثناء صراع البابا وأوكهام في آخر الصراعات اللاهوتية في العصور الوسطى في أديرة ومحاكم أفيجنون وعلى بعد أحياء، خرج ابن منفىً في فلورينتينا كمشروع سيساعد في تعيين ملامح العصر الحديث. وهو فرانسيشكو بيترارك، رفض بيترارك حاله كحال اوكهام الفكر المدرسي من جهة أنه يبالغ في العقلنة، ولكنه كان رافضاً كذلك لحجج الاسمانية اللامتناهية عن العبارات وما رآه كشكوك تافهة عن القدرة الإلهية. حاله كحال الاسمانيين كان بيترارك متنبهاً إلى فساد الكنيسة ويأمل في التطهير والتجديد، ولكنه لم يسعى لهذا التجديد عن طريق الإيمان ومن خلال نص لاهوتي جديد ولكن عن طريق دمج التقاليد المسيحية بالقيم الأخلاقية القديمة.

اعتقد بيترارك بأن الحياة المسيحية لا تتطلب مجرد إيمان ومناسك بل ممارسات أخلاقية أيضا، وأن هذا الشكل من الأخلاق لا يتحقق إلا من خلال فهم أعمق لما يعني أن تكون انسانا وهذا لا يستوحى من الكتاب المقدس فحسب بل من النماذج الاخلاقية للعصور القديمة. نحى بالتالي إلى احياء حب الشرف والجمال كدوافع بشرية مرموقة، في تناقض حاد مع التورع المسيحي في أواخر العصور الوسطى. على الرغم من أن فكره ظل مسيحياً بشكل عام، إلا أنه استوحى مفهوما جديدا للإنسان بقيم جديدة، لا بوصفه مواطنا في مدينة الدولة أو الجمهورية ولكن كموجود شخصي كامل مستقل له سيادته المطلقة. ميّز بيترارك بأن مثل هؤلاء الأفراد قد يحيطون أنفسهم بأصدقاء أو ينضمون إلى آخرين كمواطنين، ولكنه كان مقتنعاً بأنهم يستطيعون فعل ذلك على أكمل وجه إذا ما كانوا أفرادا مستقلين في البداية. كان هذا المثال للفردانية البشرية الذي ألهم الحركة الإنسانوية.

لم يكن مثل هذا التركيز على الفرد في العالم القديم معهوداً . فلم يكن النموذج المثالي للفنان والمواطن الاغريقي في تكوين سمة الفرد أو شخصيته ولكن من خلال استيعابه لنموذج مثالي. لم يضع بيترارك وأتباعه الإنسانويين الإنسان بحد ذاته كمركز للأشياء بل وضعوا الإنسان بوصفه فرداً، ومن هذا المنطلق فقد دانوا للإسمانيين أنطولوجياً أكثر من العصور القديمة. فالفرد بالنسبة للإنسانويين ليس حيواناً ناطقاً يقف على قمة الخلق. فقد اعتقد الانسانويين حالهم كحال اوكهام بأن البشر لا يمتلكون تكويناً أو غاية طبيعية. بالتالي فقد توصلوا أيضاً إلى أن ما يميز البشر هو إرادتهم الحرة. وهذه الإرادة كما استوعبتها الانسانوية تختلف في اعتبار جوهري عن الإرادة التي عزاها اوكهام والاسمانيون للبشر. فهي ليست مجرد إرادة مخلوقة ولكنها إرادة خالقة بنفسها. فقد منح الإله البشر القدرة على الإرادة، ثم يقومون بتكوين أنفسهم بالطريقة التي يشاؤون. هذا المفهوم عن الموجود المريد بذاته شبيه جدا بالإله الاسماني. فهذا الإنسان صانعٌ حاله كحال الإله الذي خلقه، ولكنه صانعٌ يتجلى بديع صنعه في ذاته، هو شاعر بالمعنى الحرفي للمصطلح، قادر على الانتماء إلى أي موجود وتحويل نفسه إلى أي واحد منهم.

وهذا الفرد على أية حال ليس هو الإله. فهو مقيد بنظامه الأخلاقي وبالحركة العشوائية للمواد أو بما اصطلح عليه بالانسانويين من أعقبوا الرومان بالقدر. يستطيع الفنانون منح الهيئة للأشياء، أن يرسموا الصور، أن ينحتوا المنحوتات، يبنوا القصور، وأن يؤسسوا الدول حتى، ولكن القدر سيهوي بهذا كله إلى الخراب. فحتى أعظم الأمراء كما يرى ميكيافيلي على سبيل المثال سيستطيع النجاح في نصف المرات فقط. على الرغم من أن الفرد عند الإنسانويين هو حر وإلهي بمعنى ما، إلا أنه ليس بكلي القدرة لأنه يمر بفترة طفولة وخرف يكون فيها معتمداً على غيره، وبموت يطيح بسيادته عاجلاً أم آجلاً.

هذه الفكرة الانسانوية عن القدر تعكس مفهوماً كامنا عن الزمن كدلالة انحطاط. لا تتلازم الهيئة والغاية في الطبيعة بل هما نتاج لإرادة فنية تبني سدودا في مواجهة طوفان القدر، ولكنها سدود يتجاوزها القدر في نهاية المطاف. انعكست هذه النظرة التشاؤمية لقدرة الفن على السيطرة على الطبيعة في فهمهم لموقعهم في الزمن. فقد علموا بأن العالم البديع القديم الذي أعجبوا به قد استبدل بعصر كالح شيطاني. تمنوا أن ينجحوا في تأسيس عصر ذهبي جديد ولكنهم لم يتصورا أبداً بأنه سيستمر إلى الأبد ولم يحلموا بأن يتطور بنجاح إلى الأبد.

نمت الإنسانوية إلى جانب الاسمانية ومن خلالها. فقد عرضت حلاً لعديد من الإشكالات التي نجمت عن كلية القدرة الإلهية. تم بناء هذا الحل من خلال أسس اسمانية، وهي عن طريق فهم الإنسان كموجود فرد مريد، على الرغم من أن نجاحها لا يعزى إلا إلى تضيقيها للفروقات الأنطولوجية التي رأت الاسمانية أنها تفصل الإنسان عن الإله. كانت الرؤية الناجمة عن الفرد المهيب الهائل “كتمثال ضخم” كما تصفه شخصية كاسيوس في مسرحية شكسبير، كانت بالتالي شيئاً جديداً وخطوة جلية إلى ما وراء القرون الوسطى. أًصبحت العظمة لا التواضع هدفاً للإنسان، ولأجل هذه الغاية قام بتوظيف الفن بدلاً من الفلسفة والبلاغة بدلاً من الجدل. نحت الإنسانوية كنتيجة لذلك إلى الإجابة عن الإِشكالية الناجمة عن كلية القدرة الإلهية عن طريق تصور شكل جديد للإنسان يستطيع تأمين نفسه من خلال سلطته الخاصة في العالم الفوضوي الذي خلقته الاسمانية.

نتصور الإنسانوية هذه الأيام كعدو لدود للدين أو شكل من أشكال الإلحاد. ولكن النهضة الإنسانوية كانت تقريباً إنسانوية مسيحية. استندت الإنسانوية في سمتها المسيحية الخاصة إلى شيشرون والأفلاطونية المحدثة، وطرحت رؤية للمسيحية ركزت فيها بشدة على الممارسة الأخلاقية أكثر من الإيمان والطقوس. هذا التحول الحاضر حتى في الانسانويين الحداثيين الشماليين، دفع بالمسيحية إلى اتجاه بيليجاني كان مهيناً جداً لكثير من المسيحيين الغيورين. من هذا المنطلق أصبح التأثير الإنسانوي على المعتقد والممارسة المسيحية مهماً جدا في تأجيج ثاني الحركات الفكرية البارزة في الإجابة على الإشكال المطروح من خلال الثورة الإسمانية ألا وهو الإصلاح.

كان لوثر هو أب الإصلاح البروتستانتي، وحياته وفكره كانت بشكل أو بآخر ردة فعل للإشكالات التي طرحتها الاسمانية. ومع ذلك فإنه وفي رده على الاسمانية فقد اتبع سبيلاً مختلفاً بشكل جذري عن ذلك الذي عند الانسانويين لا يبتعد فيه من الإله إلى الإنسان بل من الإنسان عوداً إلى الإله. نحى الإنسانويين إلى إصلاح المسيحية، ولكن فكرة لوثر عن الإصلاح كانت أكثر أصولية وشمولاً.

وصف الإصلاح البروتستانتي بأنه آخر تجلي لتدين القرون الوسطى، وعلى الرغم من أن هذا الادعاء لا يعد خاطئا تماماً، إلا أنه يخفي إلى أي درجة كبيرة قام الإصلاح المسيحي برفض مسيحية القرون الوسطى وفق أصول اسمانية. ومثال لوثر يوضح ذلك. أصبح لوثر اوكهامي، ولكنه كان قلقاً منزعجا من صلابة وجمود الإله الذي وصفته الاسمانية، وعانى من آثار شكه بخلاصه الشخصي. بالكاد تخفف حدة قلق لوثر من خلاصه الشخصي من خلال اللجوء إلى إله حاد بطبعه، والذي قد يقوم بمنح الخلاص للأولياء ويمحق المذنبين اليوم ولكنه قد يفعل العكس غداً.

سعي لوثر الشخصي لليقين مقابل هذا الإله كان مرتبطاً بصراعه ضد فساد الكنيسة. كان فساد الكنيسة في تصور لوثر مرتبطاً للعمل وبيع صكوك الغفران بالتحديد. إذا كان ما هو ظاهر في الإله والإنسان كنتيجة له أيضاً، بالتالي فإن الخطيئة لا تمحى إلا من خلال الإرادة الحقة بغض النظر عن نتائجها. ولكن الإرادة الحقة لا تعتمد على الإنسان بل الإله. بالتالي فقد كانت اجابة لوثر على سؤال الغفران هي اجابته عن الإله الاسماني: “الإيمان وحده سبب للخلاص.” قبل لوثر مفهوم الاسمانية عن الانسان ككائن مريد ولكنه نقل هذا المفهوم من خلال إعادة تشكيل علاقة الالهي بالإرادة البشرية. وفقاً للوثر فإن الإيمان هو إرادة الإتحاد بالإله، ولكن الايمان لا يأتي إلا من الإله عن طريق الانجيل. الإيمان بمعنى آخر ضامن للخلاص.

من النظرة الأولى، يبدو من العصي علينا أن نرى كيف للانجيل أن يحل الإشكالات المطروحة من قبل الاسمانية، بما أن الاتكال على الانجيل يبدو بأنه يفترض ثبات ما أوجبه الإله، وهو ثبات تنكره الاسمانية صراحة. إلا أن لوثر يعطي الإنجيل مكانة مختلفة. من خلال هذه الرؤية، فالإنجيل ليس مجرد نص بل هو ما يتحدث به الإله مباشرة إلى الإنسان. يبعث الإيمان حينها من سماع صوت الإله. لا تصبح سلطة الإله حينها أمرا يعيق ويعزل ولكنها يفعل من خلالنا وفينا. أصبح لوثر قادراً هنا على نقل الإله الاسماني المرعب إلى سلطة بين البشر بوصفهم أفراد. فالمسيحي يولد من جديد من خلال الإله لأن الإله يولد فيه.

ادعى اوكهام فردانية كل موجود كمخلوق فريد للإله، ولكنه رأى الإنفصال الجذري بين الإله والإنسان كحاجب لا يمكن اختراقه من قبل الفهم الانساني وكحاجب لا يمكن إختراقه من قبل الإرادة البشرية. وكنتيجة لذلك فقد توجه إلى الإنجيل، ولكن حتى الإنجيل لم يكشف إلا اللحظة التقريرية لإرادة الإله النائي، والتي قد تكون عكس ما كانت عليه في أي لحظة. رأى لوثر الإله أيضا كإله “كامن” لا يمكن تحليله فلسفياً أو فهمه. توجه لوثر أيضاً إلى الانجيل كالمصدر الوحيد للهداية. وعلى عكس الاسمانية، فقد اعترف لوثر بأن الفرق بين الاله والانسان قد يسد من خلال غرس الكتاب المقدس للإرادة الإلهية والذي سيردم كل الشكوك. وعلى عكس الانسانويين فلم يكن هذا الأمر راجعا إلى أن الإنسان أراد بنفس الطريقة التي يريد بها الاله، أي عن طريق الإختراع، ولكن لأن الإنسان أراد ما أراده الإله، أي بشكل أخلاقي وبتورع. لا يصبح الإله نصف إله ولكنه يصبح مسكنا للإله، يصبح الإله المبدأ الداخلي الموجّه لحياته، أو الوعي كما يطلق عليه لوثر.

لم يرى الإنسانيون أو الإصلاحيون أنفسهم كمؤسسي عصر جديد أو محدثي ما هو جديد بالكلية. بل فهموا أدوارهم كمعيدي أمجاد أمر قديم تقليدي. ومن خلال ذلك وجدوا أنفسهم متشابكين في الصراع الناجم عن العلاقة بين الالهي والإنسان والتي أرقت المسيحية منذ بداياتها. اقترحت الانسانوية الايطالية بشكل بروميثي بأن الإنسان يستطيع الارتفاع إلى منزلة الاله أو أن يصبح إلها بشكل ما. وهي بهذا المعنى بيليجانية ظاهرة أو شبيهة بالبيليجانية على الأقل. أضحت رؤية الانسانوية للإنسان بالتالي غير متوافقة مع القدرة المطلقة الإلهية ولمفهوم الإله بما هو إله. أصبح من الصعب أن يرى كيف للإنسان أن يكون أكثر من مجرد حيوان بدون هذه الإله. لم يكن الإصلاح موجها لتجاوزات الكنيسة فحسب ولكن ضد البيليجانية الإنسانوية كذلك. كان إله الإصلاحيين مطلق القدرة وكان الإنسان عدماً دون الإله. وهذا ما جعل من فكرة الإنسان ذي الإرادة الحرة وهماً. ولكن هذا الموقف المضاد للإنسانوية والبيليجانية كان غير مقنعاً بذات الدرجة، لأن إرادة الإنسان إذا أصبحت واهنة، فالإله هو مصدر الشر لا الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يحمل جريرة أفعاله أخلاقياً. على الرغم من عدم استطاعة الإنسانوية الاحتفاظ بمفهوم عن مطلق قدرة الإله، إلا أنها لم تستطع أن توجد بدونه. وعلى هذا المنوال لم يستطع اللاهوت الإصلاحي الاحتفاظ بمفهوم للإله الخيّر وسط غياب إرادة بشرية حرة. وهذا ما جعل الانسانويين والإصلاحيين يتورطون في تناقض حاولوا الهروب منه. وهذا ما أدى بهم بالضرورة إلى الخلاف. وهذا الإختلاف يظهر بوضوح من خلال المناظرات بين اراسموس ولوثر عن حرية وتقييد الإرادة، إلى جانب الحروب الدينية الكارثية التي عصفت في أنحاء اوربا لأكثر من مئة عام.

أسست الانسانوية والإصلاح رؤاهم للعالم عن الانسان والعالم بشكل متتالي. غرست هذه الخيارات في التاريخ الممتد للمسيحية، وما برز من صراع بينهم كان من نواحي عدة انعكاساً للتعارض الحاضر في المسيحية منذ البداية. وفي خضم هذا الصراع نحت مجموعة صغيرة من المفكرين منحىً جديداً معتزلين الإله والإنسان كمؤسس لبحثهم، ومالوا بدلا عنه إلا العالم الطبيعي. تبدأ الحداثة الأصيلة بهذه الطريقة من خلال هدف الوصول إلى علم يصنع من الإنسان سيداً ومالكاً للطبيعة. كان هذا المشروع مدينا للاسمانية بطرق مختلفة ومهمة.

دمرت الاسمانية الأساس الانطولوجي للعلم في العصور المظلمة من خلال افتراض عالم عشوائي لموجودات فردية بشكل جوهري. بالنسبة للاسمانيين، فقد كان العالم مجرد دلالة أعلى ترتيباً، يساعد على فهم لا يتطابق مع أي واقع. بالتالي فقد بدى بأن الاسمانية تجعل من العلم أمرا مستحيلاً. في الواقع فإن العلم الحديث نشأ عن الاسمانية كإعادة نظر للمعنى في الانطولوجيا الاسمانية.

فهمت الميتافيزيقيا المدرسية الإله كأسمى الموجودات والخلق كترتيب معقلن للموجودات تمتد إلى الإله. وهذا الترتيب لا يمكن ملاحظته من خلال الرؤية الاسمانية ليس بسبب أن كل موجود هو مختلف شخصياً، ولكن لأن الإله ليس موجوداً بذات المعنى الذي تقصد به الموجودات كلها. على الرغم من أن اوكهام يشير إلى هذه الهوة بين الإله وخلقه، إلا أنه لم يتوسع في ذلك بتفصيل. تكفل المفكر الكبير الصوفي الألماني ميستر ايكهارت (1260 – 1328) بهذه المهمة وهو من تلاقى دربه بدرب اوكهام وبيترارك في افينجون.

تأثر ايكهارت بشدة بالأفلاطونية المحدثة، على الرغم من أن أفلاطونيته المحدثة لطّفت بتصوفه. رأى ايكهارت حاله كحال اوكهام مسافة لانهائية بين الإله والعالم. يبدو لنا الإله عدما من منظور الموجودات التي نصادفها في حياتنا اليومية. من وجهة نظر ايكهارت، يجب أن تفحص هذه الاشكالية من خلال منظور الهي لا بشري، أن لا تفحص منطقيا بل صوفيا. من حلال المنظور هذا، فالعدم هي موجودات العالم لا الإله، أو أنها بدون الإله تضحي عدما. لأن هذه الموجودات بمعنى ما يجب أن تكون إله، بمعنى أن يكون الإله في هذه الموجودات بشكل ما. وبدونه قد تضحي مجرد عدم. ومع ذلك فإن الفوارق اللانهائية بين الإله وخلقه تعني بأن الإله لا يمكن أن يكون في جواهر الأشياء وماهياتها. يرى ايكهارت بأن الإله في خلقه بمعنى آخر، كقوة موجهة تقرر لهم وجودهم. وباصطلاح الاسمانيين فالإله هو إرادة مجردة، نشاط مجرد، أو قوة مجردة، والعالم في وجوده هو إرادة إلهية. أو من خلال الاصطلاح الحديث، فالعالم حركة غير منقطعة قررتها إرادة إلهية عليّة فعالة أو آلية. العالم هو التجسد، جسد الإله، ويحضر في العالم كروح في جسد، كلية قدرته هي مبدأ غائيته.

بالتالي فالخلق ليس خرقا للنظام ببساطة. يصبح وجود الإله في العالم بمعنى جديد مختلف عن ذلك المتصور عند الفكر المدرسي والميتافيزيقيا التقليدية. لا يصبح الإله مجرد الجوهر والماهية المطلقة للوجودات كلها بل هو كيفيتها أو صيرورتها. من أجل سمة النظام الإلهي في العالم، من الضروري أن نبحث في الصيرورة، ونعني به ضرورة اكتشاف القوانين التي تحكم حركة الموجودات كلها. يصبح اللاهوت والعلم الطبيعي حينها أمرا واحداً.

تعمل حينها العقلانية والمادية معاً من خلال هذا الفهم العام للعلاقة بين الإله وخلقه، ولكنها تختلف بشكل نسبي في فهمها للمعنى الكامن في هذه العلاقة. تفهم العقلانية هوية علاقة الإله وخلقه هذه بشكل من وحدة الوجود. تصبح حركة الطبيعة على اثر ذلك هي حركة الإله، وقوانين الطبيعة هي بنى وأشكال الإرادة الإلهية. تصبح الأسس اللاهوتية للعلم العقلاني حينها لا من خلال الانجيل بل من خلال استنتاج قوانين الحركة من الإرادة المتعالية أو من الحرية.

بينما على النقيض من ذلك، تفهم المادية معنى هوية علاقة الإله وخلقه هذه بشكل إنكاري. إن القول بأن إله الاسمانية كما فهمه اوكهام هو في كل شيء بنفس الطريقة التي اقترحها ايكهارت (ومن بعده نيكولاس الكوسي) هو قول بأن كل شيء متعمد، هو حركة بلا هدف أو غاية، أو أي انتظام ضروري. من خلال هذه الرؤية لا يعود بين الكون الاسماني والكون المادي المتحرك أي فارق ظاهر. لا يعود لعدم وجود الإله أي ارتباط بفهمنا للطبيعة، لأنه لا يستطيع زيادة أو الحد من فوضى الوجود الشخصي الجوهري التي يتسم بها الوجود. لا يضطر العلم حينها لأخذ هذا الإله والإنجيل في الإعتبار في جهده من أجل فهم العالم الطبيعي ويستطيع الاتكال على التجربة وحدها بدلا من ذلك. بالتالي فإن المادية “الإنكارية” تملك أصلا لاهوتياً في الثورة الاسمانية. صحيح ان المادية تنطلق من الذرية القديمة والأبيقورية، ولكن كلا الاثنان يفهمان ويقبلان من خلال ما هو في أصله رؤية اسمانية للعالم.

هذا الفهم الجديد للصيرورة أو التغير كتجلٍ للإرادة الإلهية هو الأساس الانطولوجي للوعي الذاتي للحداثة. فهم الوجود منذ عهد أفلاطون كوجود لازماني غير متغيّر. لطالما كان التغيّر دلالة على الانتكاس والانحطاط عن الوجود. شكك الاسمانية بهذه المفهوم من خلال تأكيدها على أن الإله لم يكن عرضة للتغيّر فقط بل هو التغيّر نفسه. لم يعد يرى الكون المتغيّر كإنتكاسة عن الكمال، لم يعد “صورة الخلود المتحركة” كما يصفها أفلاطون في طيماوس. لم يعد التغيّر مجرد انحطاط. على الرغم من هذه الرؤية الجديد للصيرورة لم تكن موجودة من قبل وكانت مقلقة بشكل مستمر للمفكرين الحداثيين الذين جاهدوا مراراً وتكراراً من أجل اكتشاف أساس انطولوجي ثابت للصيرورة. إلا انها كانت خطوة مؤثرة بعيدا عن مفهومي الزمن والتغير في العصور القديمة والعصور المظلمة.

إن لم يكن التغيّر انحطاطاً، فهذا يعني بأن بعض التغيّر قد يكون تقدماً. فقد ينتج التغيّر المقاد بواسطة تنوير انساني خيراً. يفتح التقدم في هذه الحالة كإمكان بشري. فكرة قدرة الإرادة على السيطرة على العالم كانت واضحة عند الانسانويين في عصر النهضة من أمثال ميكيافيلي، ولكن اتكالهم على براعة الأفراد ورغبتهم جعل سبيل سيطرتهم على الطبيعة غير واضح لهم. عنت محدودية الانسان أن حتى أعظم الأفراد سيخضع حتماً للزمن القاهر. وهذا ما يعني بأن السيطرة على الطبيعة ستتطلب أكثر من مجرد الإرادة الفردية. جادل المفكرون الحداثيون الأوائل بأن هذه المشكلة قد تحل إذا ما وعى البشر من أن العلم ليس إنجازاً شخصياً بل هو مشروع ضخم إجتماعي أو سياسي. وبهذه الطريقة كان من الممكن أن تتصور إرادة بشرية لا محدودة العمر تستطيع أخيراً السيطرة على العالم الطبيعي.

يوصف فرانسيس بيكون (1561-1626) عادة بأنه أب العلم الحديث. رفض بيكون الواقعية بشكلها المدرسي والكلاسيكي مشابهاً سابقيه بذلك. ووافق الاسمانية على أن “لا يوجد في الطبيعة شيء إلى جانب أجسام الأفراد التي تؤدي أفعالا شخصية خالصة”. وكنتيجة لذلك يصبح الكون متاهة لا يقبل ولوج العقل البشري المجرد له. لم يفلح المفكرون السابقون في رأي بيكون في تحقيق أي تقدم خلال هذه المتاهة لأنهم لم يستعملوا ما توفر لهم من قدرة لتحقيق هذه الغاية، متكئين بدلاً من ذلك على التعميمات المتعجلة والملاحظة المجردة. هناك أسباب عدة لهذا الخطأ، ويصفها بيكون بتفصيل في كتابة الأورجانون الجديد من خلال نقاشه المشهور للمفاهيم الأربعة الخاطئة المغروسة في العقل. اعتقد البشر أن كل ما عليهم معرفته يأتيهم عن طريق تجربتهم المباشرة. وعلى اثر ذلك أصبحوا غير مستعدين أو قادرين على التحقق من تعميماتهم من خلال فحصهم للجزئيات. وهذا ما يعني بأنهم كانوا قانعين بالتخمين بدلاً عن المعرفة، ووضعوا أحلام الذهن موضع المعرفة الحقيقية. اعتقد بيكون حتى في زمنه الذي وجهت للواقعية الشكوك من ارتداع البشر عن هذا البحث بسبب لجوء غير مجدي للعصور القديمة ومن خلال الاعتقاد بأن التطور العلمي مستحيل بسبب غموض الطبيعة، وقصر الحياة، وخداع الحواس، وضعف الأحكام، وصعوبة التجربة وغيرها. كان يرى بأن ما هو في حاجة ملحة إليه هو إعادة بناء كاملة للعلم والفن والمعرفة البشرية من خلال أساس قوي.

تختلف المعرفة التي يهدف لها بيكون جذرياً مع المعرفة المدرسية. فهو لا يهتم بماهية الطبيعة وما تنحو تجاهه من خلال العلة الشكلية والغائية للأشياء، بل السمة الجزئية وحركة المادة، لا يريد بيكون معرفة ماهية الطبيعة بل كيفية عملها، بالتالي فإن هدفه ليس النظرية أو الافتراض بل اصلاح حالة الإنسان. عندما تفهم الطبيعة بهذه الطريقة، فقد ينتج عنها ما فيه صلاح للحياة البشرية، لأننا عندما نفهم خصائص الجزئيات سنصبح حينها قادرين على جمعها بشكل يحقق الأثر الذي نرومه. غاية بيكون الأخيرة هي الوصول إلى نموذج للطبيعة لا يكون نظام فئات ساكن ولكن ككل ديناميكي ومجال لتداخل الجزيئيات. وفهم الطبيعة بهذا الشكل يعني استيعاب الطبيعة كقوة.

اعتقد بيكون بأن القوة التي تصدر عن معرفة الطبيعة قد تحمل البشرية إلى آفاق لا تتصور. مع ذلك يرى بأن هذه المعرفة لا تتحصل إلا من خلال إسقاط الشخص منزلته درجة أقل من خلال خضوعه للطبيعة وتحجيمه لحدود إرادته. حتى تسيطر وتتحكم بالطبيعة يجب عليك أن تكون خادماً مفسرا لها. يرى بيكون بأن هدف العلم على إثر ذلك: “لا يتحصل بهناء التكهنات، بل شأن البشرية وحظها وكل قوتها في الممارسة. لأن الإنسان ما هو إلا خادم مفسر للطبيعة، وما يفعله وما يعلمه هو ما يلحظه في نظام الطبيعة حقيقة أو توهما، ودونه لا علم له ولا قدرة. لأن سلسلة العلل لا تكسر ولا تتخلخل، ولا يمكن أن يتحكم في الطبيعة دون أن تطاع. وهذا ما يعني بأن توأما معرفة الإنسان وسلطته يتلاقيان، ولا تفشل هذه العملية إلا من خلال الجهل بالعلل.”

التسليم بمثل هذه المعرفة هو إزدراء للروح البشرية، لأن النجاح يعتمد على هجر ايماننا المتباه بأننا نشغر مكانة أعلى في نظام الخلق. بدلاً من التصرف كآلهة الخلق كما اقترحت الانسانوية، يجب علينا أن نكون مبتدئين في معمل الطبيعة. فنحن لسنا في حاجة لفطنة عظيمة أو تفوق فردي بل اصرار صلب وانصياع إلى أوكد القوانين والأنظمة.

على الرغم من أن التواضع يفتح لنا أفقاً لدراسة الطبيعة، إلا أن القسوة هي ما توصلنا إلى غايتنا. لن تقودنا مجرد التجربة إلا إلى البلاط الخارجي للطبيعة. حتى نصل إلى حجر الطبيعة الداخلية، يجب علينا أن نمزقها إلى قطع، أن نقيدها ونهيجها ونحللها ونعذبها من أجل أن نجبرها على كشف مدخلها السري لحجرات كنوزها. لن نستطيع الفوز بمعرفة عملها وقواها المخفية إلا من خلال التعامل معها كخدم غير رحيمين من سيقوم بإخضاع وتعذيب سيدهم من أجل معرفة مصدر قوته. اعتماداً على أسس هذه المعرفة نستطيع حينها التوصل إلى “شكل ونوع من الاختراعات يستطيع أن يقمع ويتجاوز الضرورات والمآسي البشرية”.

وهذا ما جعل بيكون يعرض إجابة ثورية جديدة للإشكال المطروح بواسطة الاسمانية والإله الإسماني. واجه وقبل الرؤية الاسمانية للعالم وحاول إيجاد حل لإشكالاتها الأساسية. فهو لا يهدف إلى تجل شاعري للعالم ولا موضعاً جديدا لإله. ينحو بدلا من ذلك نحو اكتشاف القوى المخفية والتي تتحرك الطبيعة من خلاله لتكسب السيادة عليها. الإنسان كائن مريد يسعى لضمان نفسه في العالم كما يرى ذلك بيكون وبيترارك واوكهام. وعلى النقيض الزهد الفرانسيسي والمفهوم الإنساني للفردية المشابهة للألوهية، يتخيل بيكون الانسان كمخلوق خائف ضعيف لا يستطيع النجاح حتى يعمل مع أقرانه البشر خلال سنين عدة من أجل معرفة قوانين الطبيعة وتحويل هذه المعرفة إلى فائدة البشر. ما يجعل من نجاح مشروع بيكون ممكناً هي السمة الديموقراطية فيه، فهو لا يتكيء على مجهود العظماء النادرين العباقرة، ولكن على التطبيق المستمر للإدراك الاعتيادي على مجموعة من الإشكالات البسيطة التي يمكن تحليلها بسهولة. يفترق بيكون عن سابقيه من الانسانويين. فبطل المعرفة الذي يتخيله بيكون في كتابه الاطلانطيس الجديد على سبيل المثال، ليس انسانا لامعاً بروح عظيمة، بل عالم غير بطولي شبيه بالكهنة وفيه رصانة يحمل الدافع للبحث في الدنيء والخاطيء لا الجميل والراقي فقط، لأنه يعلم كما يعلم بيكون من أن ” ما يستحق الوجود يستحق إذن أن يعرف”.

على الرغم من وضع بيكون أولى اللبنات للعلم الحديث مقام على أسس اسمانية، إلا أن جاليلو وديكارت وهوبز هم من أقاموا حيطانه. في الحقيقة فإن منهجية بيكون لم تكن مناسبة للطبيعة كما فهمت كمادة متحركة. إن تركيزها الاسماني الصارم على الموجودات الفردية ومنهجها الاستقرائي هو ما جعلها غير قادرة على ادراك الحركة على هذ النحو. إن تحويل جاليلو للحركة إلى عالم هندي مجرد وفهمه الجديد للقصور الذاتي في الفيزياء كانتا خطوتان جوهريتان جعلتا من العلم الرياضي الحديث ممكنا. وعلى هذه الأسس طور ديكارت وهوبز رؤى بديلة للمشروع العلمي الحديث.

إن الفارق بين ديكارت وهوبز مهم وأساسي في تفرع الحداثة. هناك نزعة في الفكر الحداثي تبدأ بديكارت وتتضمن لايبنتز وسبينوزا وكانط وفيخته وهيجل وشوبنهور وغالبية الفلاسفة القاريين. وهناك بداية ثانية مع هوبز ولوك وهيوم وميل بالإضافة إلى العديد من المفكرين الانجلو-أمريكيين المعاصرين. هاتان النزعتان الفكريتان تقدمان أجوبة بديلة للإشكالية الجوهرية المطروحة من خلال الإله الاسماني داخل طار العلم الحديث. تحول الاختلاف بينهم إلى عدة إشكالات، ولكن كان لسؤال الطبيعة وعلاقة الانسان والاله أهميته الأساسية.

الإنسان عند بيكون جزء من الطبيعة. بالتالي فهو ” يستطيع فعل الكثير والكثير من خلال ملاحظته لسير الطبيعة فقط من خلال الواقع أو الذهن. ودون ذلك لا يستطيع معرفة شيء أو فعل شيء”. الإنسان موجود طبيعي معرض لكل قيود الطبيعة. على الرغم من مقدرته على تحسين حالته وفي معنى محدود يستطيع ترويض العالم الطبيعي، إلا أنه يبقى جزءاً من الطبيعة لا خالقها.

يقدم ديكارت رؤية مختلفة للمشروع الحديث. وفكره أيضاً كان متأثراً كثيراً بإشكالية الإله الاسماني، ولكن حله لهذا الإشكال كان مختلفاً من جانب جذري مقارنة ببيكون. على وجه الخصوص، فهو يمتلك مفهوماً مختلفاً جذرياً عن موقف الإنسان في علاقته مع الإله والطبيعة. ففي بدايات أفكاره كان ديكارت مقتنعاً بدرته على بناء علم يقيني مستند على الرياضيات. اعتقد ديكارت بأن مثل هذا العلم يستطيع انتاج مظاهر رياضية لكل الحركة التي ستسمح للبشر في ترويض الطبيعة بحق، ويستطيعون من خلاله لا مجرد تحسين البؤس الإنساني كما يطمح بيكون ولكن من اجل جعل الإنسان إلها فانياً لكل الخلق. تعرض هذا المشروع المبدئي للتشكيك عن طريق ملاحظة ديكارت أن فكرة الإله كامل القدرة تقلل من قيمة يقينية الرياضيات. وهذه الملاحظة قادت إلى البحث الروحي الذي انتهى بتوصل إلى ديكارت إلى مفهومه المشهور أنا أفكر إذن أنا موجود كأساس للمعرفة البشرية. مشروع ديكارت العلمي كما يظهر في فكره الناضج هو ردة فعل على الإشكال المطروح من قبل الاسمانية.

ما يجعل الحل الديكارتي لهذه الإشكالية مميزاً عن حل بيكون هو ما يحضر في مفهومه الأساسي، لأنها تؤسس للعلم الحديث من خلال فاعل مجهول لا يتجاوز الطبيعة فحسب بل هو قادر على مقاومة وتحدي (أو حتى استبدال) الإله نفسه. يصبح الإنسان مخضعاً للطبيعة عند ديكارت وحاكماً عليها من خلال التخلص من مالكه الحالي، وهذا يعني انتزاعه من الإله. وهذا ممكن لأن الإنسان في معنى ما هو إله، أو على الأقل هو الإرادة غير المحدودة التي تشكل الإله.

المفهوم الديكارتي للعلم يتكيء على مفهوم جديد للإنسان كموجود مريد على غرار الإله كامل القدرة الاسماني وهو قادر مثله على التحكم بالطبيعة خلال ممارسة لإرادة اللامحدودة. لا يعتمد ديكارت على الاسمانية فقط بل على مفهوم الانسانوية على الفرد الخالق المقتدر، وعلى فكرة لوثر عن تشارك الإرادة الإلهية والإنسانية. وهذه التركيبة الرصينة هي ما نجحت في إثارة مفهوم الذاتية الذي يلعب دورا رئيسياً في العقلانية والمثالية ومؤخراً في الفكر القاري كذلك.

على قدر ما أن ديكارت يترك الإنسان في الطبيعة كجسم متحرك ويقوم في الوقت نفسه برفع مكانته فوقها إلى مرتبة شبيهة بكلية القدرة، إلا أنه يضع الأساس لإستياء حتمي لا علاج له يلقي بخطر أخلاقي وسياسي كبير على الحداثة. تنحو الإرادة الإنسانية الحرة غير المتناهية باستمرار إلى ترويض وتجاوز الجسد ولكنها في الوقت نفسه لا تزال متجسدة. من خلال ميلها إلى اكتشاف جوهرها المحدود فستنحو دائماً إلى إلغاء المتناهي، وهذا الإلغاء مستحيل. على الرغم مما يبدو على المثالية من مثالية ورقي إلا أنها في شكلها العملي تواجه باستمرار اغراءً  من الفكر الملياري من اجل استعمال اكثر معاني السيطرة تطرفاً من اجل تحقيق ما لا يمكن تحققه من غاياتها.

لهوبز رؤية أكثر محدودية للقدرة الإنسانية من تلك التي يمتلكها ديكارت. فالإنسان عند هوبز هو جزء من الطبيعة، جسم متحرك. يعتقد هوبز حاله كحال الاسمانيين بأن هذه الحركة لم تقدر بشكل غائي، ولكن على عكسهم فهو لا يراها حركة عشوائية بل ميكانيكية. فهي لا تعي جوهرها كما هو المفهوم الأرسطي، ولا هي المنجذبة إلى غاية طبيعية من خلال حب أو جمال، بل هي مدفوعة باستمرار إلى الأمام من خلال تصادمها مع موجودات فردية أخرى. بالتالي فالإنسان لا يتحرك وفقاً لدوافع طبيعية جوهرية، ولا بواسطة إلهام إلهي أو إرادة حرة، ولكن من خلال تعاقب لحركات سببية. على عكس ديكارت، لا يرى هوبز الانسان أعلى رتبة من الطبيعة. فالبشر هم ذوات طبيعية خاضعة لقوانين الطبيعة. وبواسطة هذه القوانين التي تحكم كل مادة، سيلازم كل واحد من هذه الذوات (البشر) حركته إلا إذا ألغيت من خلال تعارضها مع جسم آخر. وهذا التصادم بين الموجودات البشرية هو صراع، لأنه يحد من الحركة المستمرة للأفراد. وهذا ما يجعل حالة الإنسان الطبيعية في عالم مكتظ مليء هي حالة حرب. غاية العلم كما يرى هوبز هي في تنظيم حركة أجساد البشر وكل ما هو غير بشري من أجل زيادة حركة الإنسان غير المعاقة (بالتالي هي حرة).

أهمية الإرادة الحرة في فكر هوبز مهملة بشكل كبير. في الحقيقة، ينكر هوبز امتلاك البشر لإرادة حرة، واصفا الإرادة بانها آخر الميل قبل الفعل. تعاش الحياة البشرية عند هوبز خلال الطبيعة وهي محدودة دائما بالعالم الطبيعي. فالأنسان مخلوق أكثر من كونه خالق، محكوم بالقوانين أكثر من كونه مشرعا لها. فهو ليس موجودا متعالياً قد يتصور نفسه إلهاً بل ذات مجبرة غايتها الأسمى هي الاستمرار في مساقها المقرر لها مسبقا بأقل تدخل ممكن من الآخرين.

يخشى غالبية البشر من الموت في نظر هوبز ويقبلون الخضوع لدولة من اجل تحقيق السلام ويوسعون من حدود حريتهم. المخاطر الكبرى لمثل هذا الحكم والسلام الذي يجلبه هي الرغبة بالمجد (التي تميّز الانسانوية) والايمان بأن أفعالنا في هذه الحياة تستطيع التأثير على حياتنا القادمة (والتي كانت رئيسية للإصلاح). أثر الرغبة بالمجد محدود بسبب الليفياثان، والذي يصفه هوبز بـ”إله فان”، لإنعدام من قد ينافسه على الشرف. أثر التعاطف الديني يخفف بواسطة فهم صحيح بالتقدير المسبق. يوافق هوبز كلاً من كالفين ولوثر ممن أن كل شيء مقدر مسبقاً ولكنه يرى بأن هذه الحقيقة هي ما تقرر بأن ما نفعله في هذا العالم لا تملك أي تأثير على خلاصنا. إذا كان كل أمر مقدر مسبقاً، هذا يعني بأن لا شيء من الممكن لأحد فعله حتى يحوز على الخلاص أو يخسره.

عن طريق استبعاد المجد والطوبى كمحركات للفعل البشري، يؤمن هوبز بأن البشر سيكونون ميالين إلى طلب الوقاية والرخاء. وهذه أقل خيرية من المجد العملي أو الماورائي، ولكنها أيضا أقل احتمالية في مصدرا للصراع العنيف. بالتالي يهدف هوبز إلى جعل الانسان حاكماً ومالكاً للطبيعة لا من أجل بلوغ أعالي مجده بل من أجل إرضاء رغباته الطبيعية المادية.

تهدف الحداثة إلى غايتين، بأن تجعل الإنسان حاكماً ومالكاً للطبيعة وبأن تجعل الحرية البشرية أمراً ممكناً. السؤال الذي يظل معلقاً هو ما إذا كانت هاتان الغايتان متوافقتان فيما بينهما. يشير النقاش بين هوبز وديكارت في الاعتراضات والردود على كتاب التأملات بأنها ليست كذلك. ما نراه في هذا النقاش هو عودة الإشكالات في أساس النقاش بين لوثر واراسموس. يرى ديكارت حاله كحال اراسموس بوجود حرية بشرية بالإضافة إلى العلية من خلال الطبيعة. يرى هوبز حاله كحال لوثر بعدم وجود قوة غير قوة الإله المطلقة كسبب مطلق يقف خلف حركة المادة كلها. وهنا نرى عودة ظهور العلاقة المشكلة بين الانسان والإله في قلب الحداثة والتي أربكت المسيحية منذ نشوئها. إن التحول الحداثي الموجودي من الإنسان والإله إلى الطبيعة على إثر ذلك لا يزال يسلم بأهمية بنوية وميتافيزيقية مستمرة للتصنيفات التي تهدف إلى تجاوزها. عانى من أتى بعد ديكارت وهوبز في التراث الحداثي من هذا السؤال. تميز التنوير تحديداً بسلسلة من المحاولات لحل هذه الإِشكالية. مركزية هذه الإشكالية للمشروع الحداثي أصبحت ظاهرة في نظام التناقض الكانطي في الثورة الفرنسية. وفي نهاية الحداثة، أصبحنا نواجه سؤالاً عن وجود حل لهذه الإشكالية من خلال الأفق الأنطولوجي الذي تفتتحه الحداثة، وبالتالي ما إذا كانت الحداثة في أكثر أشكالها علمانية قادرة على الهروب من الإِشكالية الميتافيزيقية/اللاهوتية التي بدأت من خلالها.

يفحص أفلاطون في محاورة بارمنديس السؤال الأساسي عن الواحد والكثرة. وهذا السؤال أساسي لأنه لا يمكن الإجابة عنه، لأنه في ذاته افتراض سابق لكل تفكير، بالتالي هو افتراض سابق للسؤال والإجابة. لا نستطيع التفكير في الأشياء دون التفكير بأن هذه الأشياء كموجودات هي واحد وكثير في الوقت نفسه. هناك العديد من التفسيرات لهذه المعضلة، بعضها متجذر في الطبيعة المتناقضة للوجود بينما الآخر في عدم فعالية اللغة على ادراك الموجود، ولكننا لا نحتاج إلى الخوض في هذه المسألة هنا. من المهم في سبيل تحقيق هدفنا هنا أن نتنبه إلى عدم وجودة إجابة قاطعة لهذا السؤال. بالتالي فلا يوجد رؤية نظرية نهائية للكل حتى تعمل كحقيقة أساسية مطلقة غير متزعزعة. فلا البحث البارميندي عن الواحد ولا الفردانية الجوهرية أو الاسمانية تستطيع معالجة هذا التناقض. ولا هي يمكن لها أن تلغى بواسطة منعطف لغوي يتخيل كل شيء كمجرد كلمات وعلامات، تخلق لعبة اللغة أو ألعاب لغة العالم من جديد في كل مرة نتحدث فيها. يوضح هذا السؤال ويعيد تشكيل كل التفلسف. يجادل بلاتو في بيرمانديس بأن المحاولة لتفسير العالم بدون إحالة إلى الواحد هي محاولة مقدر لها بالفشل. ترفض الاسمانية الواقعية لأنها تذهب بعيداً في اتجاه الواحد، واضعة هوية بين الإله وخلقه. فيما تفصل الاسمانية على العكس فصلاً حاداً بين الاثنين وكنتيجة فهي تركز على الكثرة والجزئية.

واجه الأشخاص الثلاثة الذي غادروا كاتدرائية نوتردام دي دوم في ذلك اليوم من عام 1326 وهم وليام الاوكهامي وفرانسيشكو بيترارك ومايستر ايكهارت، واجهوا هذا السؤال وراموا الإجابة عنه. شكلت إجاباتهم وإجابات من أعقبوهم العالم الحديث بطرق مختلفة ومتناقضة، معيدة تعريف الطبيعة وعلاقة الإنسان والإله والكون. من خلال النزاعات التي نواجهها الآن ومن خلال النزاعات التي يخبئها لنا المستقبل عن الطبيعة والحداثة والعولمة، من الضروري ألا نفهم الطرق التي يتشكل فيها مخالفونا فحسب بل أن فهم الطرق التي لا تزال تشكلنا وتثير اعتقاداتنا وأفكارنا والتي في أساسها ليست حداثية، بل في الحقيقة هي إعادة ظهور للسؤال الذي مهد لولادة العصر الحديث.

The post الجذور اللاهوتية للحداثة – مايكل آلين غيليسبي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d9%86/feed/ 0 9068
التفحلط الذاتي .. خواطر كاتب حداثي https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%ad%d9%84%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d8%ae%d9%88%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d9%8a/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%ad%d9%84%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d8%ae%d9%88%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d9%8a/#respond Tue, 10 Jan 2017 10:06:59 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6340 التفحلط الذاتي .. خواطر كاتب حداثي – بقلم: خيال بعيد التفحلط الذاتي وتجاوزية اللامعنى وهرمنطيقا اللاوجود . هي فكرة تنبثق من عدمية الحقيقة وتتجلى في الهيمنة الذكورية في عالم منغلق […]

The post التفحلط الذاتي .. خواطر كاتب حداثي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
التفحلط الذاتي .. خواطر كاتب حداثي – بقلم: خيال بعيد

التفحلط الذاتي وتجاوزية اللامعنى وهرمنطيقا اللاوجود . هي فكرة تنبثق من عدمية الحقيقة وتتجلى في الهيمنة الذكورية في عالم منغلق على ذاته. وهذا يتناقض كليا مع مبادئ ما بعد الحداثة والوعي الما بعد حداثى ويتجذر في لانهائية خفية ومستترة ترنو نحو اقامة حدود وسدود بين ما هو متغير وما هو ثابت. وهذا يؤدي حتما لحالة من التقوقع الذاتي في اطر وخلفيات تقيد الحركة الجدلية للتاريخ وتحرم الذات من تطلعاتها نحو فهم اشمل واعمق . وهذا بدوره يؤدي الى الانشطار والتمزق والشعور بالدونية في عالم يحطم كل الاطر والخلفيات حتى ييقى حرا ومتحررا لا يقيده مبدأ ولاتعوقه فكرة جاهرة معلبة.

وهنا يمكن ان نجد تفسيرا لحالة التفحلط الذاتي في المقولات الفرويدية التي اصلت للعامل الجنسي وهو ما ظهر جليا في تفسيرات ماركوزة واعادة تأويله للفرويدية وطاقة الليبيدو والنرجسية التي تتحكم في الذات العربية وتمنعها من التطلع لتجاوز هذه الحالة من التفحلط الذاتي. وربما تفيدنا تصورات بورديو عن االمجال والواقع في فهم هذه ا لحالة. وكيفية وضع الحلول من اجل تحطيم الخلفيات الثقافية والاثنولوجية المتجذرة في العقل الاسلامي والتي تمنعه من عملية التحرر والفهم الاشمل للعلاقة الطردية العكسية بين الشكل والمضمون بحيث يمكن ان نضع مبادئ لفلسفة جديدة تجمع بين الشكل والمضمون والكلمة والمعنى والثابت والمتغير في (كل) واحد شامل يتخطئ حالة التفحلط الذاتي وينشئ قوة دافعة جديدة ويضخ دماء جديدة في العقل العربي والاسلامي .
امضاء كاتب حداثى

عزيزي القارئ

كل ما كتبته اعلاه — ليس له اي معنى بل هو مجرد هراء – فهل علمت بذلك قبل ان اخبرك أم انك انخدعت كالعادة — بالطبع أنا لا ألهو بك ولا أسخر منك ولكني اريد ان الفت نظرك لهذه الخدعة حتى تنتبه لها ولا تنخدع بها مرة أخرى خاصة أنها صارت منتشرة وناجحة في الغالب فإنتبه فإن عقلك هو أغلى نعمة منحتها لك العناية الالهية فلا تسمح لأحد أيا كان أن يسلبك هذه النعمة ويتعامل معك على أنك (لاعاقل )

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post التفحلط الذاتي .. خواطر كاتب حداثي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%ad%d9%84%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d8%ae%d9%88%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d9%8a/feed/ 0 6340
لقاء نادر للدكتور علي الوردي يتكلم عن الحضارة والأجيال القادمة وتركها للدين https://maktaba-amma.com/%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%a7%d8%af%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%8a%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%85-%d8%b9%d9%86-%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%a7%d8%af%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%8a%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%85-%d8%b9%d9%86-%d8%a7/#respond Thu, 29 Dec 2016 23:20:32 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5882 لقاء نادر للدكتور علي الوردي يتكلم عن الحضارة والأجيال القادمة وتركها للدين علي حسين محسن عبد الجليل الوردي (1913- 13 تموز 1995 م) عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ وعرف باعتداله وموضوعيته […]

The post لقاء نادر للدكتور علي الوردي يتكلم عن الحضارة والأجيال القادمة وتركها للدين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
لقاء نادر للدكتور علي الوردي يتكلم عن الحضارة والأجيال القادمة وتركها للدين

علي حسين محسن عبد الجليل الوردي (1913- 13 تموز 1995 م) عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ وعرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق. لقب عائلته الوردي نسبة إلى أن جده الأكبر كان يعمل في صناعة تقطير ماء الورد.

رابط الفيديو

 

The post لقاء نادر للدكتور علي الوردي يتكلم عن الحضارة والأجيال القادمة وتركها للدين appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%a7%d8%af%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%8a%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%85-%d8%b9%d9%86-%d8%a7/feed/ 0 5882
التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1/#respond Sun, 18 Dec 2016 10:09:58 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5419 التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية – محمد سبيلا يشكو العديد من الدارسين من غموض معنى الحداثة، ومن تعدد وعدم تحدد مدلولاتـها. وإذا كان هذا الغموض والالتباس يرجع […]

The post التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية appeared first on المكتبة العامة.

]]>
التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية – محمد سبيلا

يشكو العديد من الدارسين من غموض معنى الحداثة، ومن تعدد وعدم تحدد مدلولاتـها. وإذا كان هذا الغموض والالتباس يرجع في جزء منه إما إلى غموض ذهني، أو إلى غياب العناء الفكري اللازم أحيانـا، أو إلى سوء نية مسبق ضد الحداثة، فإن أحد أسباب هذا الغموض هو كون هذا المفهوم حضاريا شموليا يطال كافة مستويات الوجود الإنساني حيث يشمل الحداثة التقنية والحداثة الاقتصادية، وأخرى سياسية، وإدارية واجتماعية، وثقافية، وفلسفية الخ…

مفهوم الحداثة هذا أقرب ما يكون إلى مفهوم مجرد أو مثال فكري يلم شتات كل هذه المستويات، ويحدد القاسم المشترك الأكبر بينها جميعا. وبمجرد انتهاج طريق هذا النموذج الفكري المثالي، فإن الدارس يشعر مباشرة بوجود قدر من التعارض بين الحداثة والتحديث. فالمفهوم الأول، يتخذ طابع بنية فكرية جامعة للقسمات المشتركة بين المستويات المذكـورة، منظورا إليها من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور البنيوي، بينما يكتسي مفهوم التحديث مدلولا جدليا وتاريخيا منذ البداية من حيث إنه لا يشير إلى القسمات المشتركة بقدر مـا يشير إلى الدينامية التي تقتحم هذه المستويات، وإلى طابعها التحولي.

وعندما يختار المرء الدخول إلى هذا الموضوع من الزاوية الأولى، زاوية الحداثة، فإنه يجد نفسه محكوما بضرورة الاهتمام بالثوابت والقواسم والسمات المشتركة، مهملا الخصوصيات ومظاهر التباين، كما يجد نفسـه مدفوعا إلى عدم التركيز على الوقائع والأحداث والتواريخ والفواصل، موليا الاهتمام الأكبر للمنحنيات العامة في كل مستوى.

في هذه المحاولة سأحاول، قدر الإمكان، التركيز على التحولات الفكرية العامة للحداثة على كافة هذه المستويات، محاولا الجمع بين المنظـور البنيوي الذي يحاول تتبع السمات الأساسية للحداثة، والمنظور التاريخي الذي يحاول متابعة التحولات التدريجية والانفصالية أحيانا، التي تطال هذه السمات نفسها.

كما سأحاول أيضا، من خلال تتبع التحولات الفكرية الكبرى المصاحبة للحداثة، التمييز قدر الإمكان بين مستويين في هذه التحولات الفكرية : المستوى الإبستيمولوجي والمستوى الفلسفي، وذلك على الرغم من تداخل هذين المستويين وتشابكهما إلى حدود كبيرة.

1 ـ في المعرفة

تتميز الحداثة بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة قوامها الانتقال التدريجي من “المعرفة” التأملية إلى المعرفة التقنية. فالمعرفة التقليدية تتسم بكونـها معرفة كيفية، ذاتية وانطباعية وقيمية ـ فهي أقرب أشكـال المعرفة إلى النمط الشعري ـ الأسطوري القائم على تملي جماليات الأشياء وتقابلاتـها ومظاهر التناسق الأزلي القائم فيها.

أما المعرفة التقنية فهي نمط من المعرفة قائم على إعمال العقل بمعناه الحسابي، أي معرفة عمادها الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم. النموذج الأمثل لـهذه المعرفة هو العلم أو المعرفة العلمية التي أصبحت نموذج كل معرفة. هذا النمط من المعرفة تقني في أساسه، من حيث إن المعرفة العلمية استجابة للتقنية وخضوع لمتطلباتـها. فالتقنية كما أوضح هيدجر ذلك ليست مجرد تطبيق للعلم عبر إرادة الإنسان، بل هي ما يحدد للعلم نمط معرفته المطلوب. فالعلم الحديث علم تقني في جوهره أي خاضع لما تقتضيه التقنية بالدرجة الأولى، أي التكميم منهجا وطريقة والتحكم والسيطرة غاية. ضمن هذا المنظور للمعرفة تكتسب مسألة المنهـج أهمية قصوى. فالمنهج، من حيث هو تنظيم وتحقيب لعملية المعرفـة، وطريقة في التناول تؤدي إلى تحقيق التقدم في المعرفة، وتقود إلى اكتساب القدرة على تملك الأشياء، يقود بالضرورة إلى إضفاء طابع تقني على المعرفة العلمية.

إن المعرفة الحداثية معرفة علمية بمعنى أنـها معرفة تقنية، أي في خدمة التقنية، وبالتالي فهي معرفة حسابية وكمية وأداتية همها النجاعة والفعالية وغايتها السيطرة، الداخلية والخارجية، على الإنسان وعلى الطبيعـة، أو بعبارة أدق إنها سيطرة على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان. وارتباط المعرفة بالسيطرة والقوة لا يطال الطبيعة والعلوم الطبيعية وحدها، بل يطال الإنسان والعلوم الإنسانية ذاتـها حين يختلط هم المعـرفة والتحرر بـهمِّ السيطرة والتحكم.

عقل الحداثة عقل أداتي والمعرفة الحداثية معرفة تقنية بمعنى أنـها إضفاء للطابع التقني على العلم، لكنها بنفس الوقت ومن حيث هي إضفاء للطابع العلمي على العلوم الإنسانية والاجتماعية على وجه الخصوص، فهـي إضفاء للطابع التقني على الثقافة ككل. في هذا السياق تصبح أشكال المعرفة غير المنطبعة بالطابع العلمي، أي بالطابع التقني، أشكالا دنيا من المعرفة، ومن ثمة الـهجومات المختلفة، ذات النفس الوضعي، التقني، على الفلسفة مثلا، باعتبارها معرفة متجاوزة. فالمعرفة الحقة هي المعرفة العملية الاختبارية لا النظرية التأملية إذ أن الممارسة تحوز الأولوية القيمية والإبستمولوجية على النظرية. وهذه المعرفة العلمية ـ التقنية لا تكتفي بالحط من قيمة الأنماط المعرفية الأخرى، بل تطال الفضاء الثقافي كله، وتتحول إلى ثقافة وإيديولوجيا بل إلى ميتافيزيقا أيضا. يصبح العلم ـ التقني ثقافة تحل محل الثقافة التقليدية وتكيفها بالتدريج، مؤطرة المجتمع العصري، مزودة إياه بمشاعر الـهوية والانتماء وبمعرفة وأخلاق. كما يتخذ العلم التقني مصدرا للشرعية السياسية أي نواة لإيديولوجيا سياسية. ولعل الديموقراطية، كتكنولوجيا سياسية، هي في أحد أوجهها تعبير عن هذا النوع الجديد، الدنيوي، من المشروعية القائمة على العلم كتقنية. بل إن هذا المركب المعرفي الجديد ينتزع بالتدريج صورة ميتافيزيقا أي تبشيرا بالأمل, ووعدا بالخلاص، ومصدرا واهبا للمعنى.

2 ـ في الطبيعة

الحدث الفكري الأساسي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، هو نشوء ما اصطلح على تسميته بالعصر العلمي ـ التقني ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي. ويشكل منشأ هذا العصر الجديد تحولا أساسيا في النظر إلى الطبيعة. وقد كانت هذه الأخيرة في العصور الوسطى نظاما متكاملا يتسم بنوع من التناسق الأزلي الذي يعكس الحكمة العلويـة المبثوثة في كافة أرجاء الكون والمحققة لمظاهر كمالاته الروحية.

هذا التحول المفصلي في تاريخ علم الطبيعة تمثل في الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس مفتتحا الانتقال الحديث من العالم المغلق إلى الكون اللانـهائي. لكن النقطة الجوهرية في هذا التحول هي النظـر إلى الطبيعة كامتداد كمي هندسي وحسابي، وهو التحول الذي حدث مع غاليلو.

لقد أصبحت الطبيعة امتدادا Rex extensa متجانس العناصر لا فرق ولا تميز بين مكوناتها ولا تخضع لتراتب انطولوجي كما كان الأمر في الفكر القديم والفكر الوسطوي. فالمكان عبارة عن وحدات أو نقط متجانسة، والزمان بدوره آنات متجانسة، مما مهد لقبول التصور الرياضي الميكانيكي للطبيعة، وهو التصور الذي يفرغ الطبيعة من أسرارها لينظر إليها ككم هندسي ممتد قابل للحساب وخاضع لقوانين الرياضة. فنـزع الطابـع الإحيائي السحري عن الطبيعة هو الوجه الآخر في النظر إليها من خلال مفاهيم رياضية تعتبر الطبيعة ـ كما قال غاليلو ـ كتابا مفتوحا بلغة المثلثات والمربعات والأشكال الهندسية.

والعلاقة القائمة بين عناصر الطبيعة هي علاقات ميكانيكية وديناميكية خاضعة لقانون العلية. ويشكل هذا القانون نقلة نوعية في فهم العلاقة بين الظواهر لأنه ينتقل بـها من مستوى التفاعلات العضوية المحملـة بالأسرار والألغاز إلى تفاعلات القوى والكميات القابلة للرصد والحساب، أي من التصور العضوي والغائي إلى التصور الميكانيكي والديناميكي العلّي. والطريف في الأمر هو أن ليبنتس الذي صاغ وطور مبـدأ العلة (مبدأ العقل Principe de raison)، قد طور في نفس الوقت تصورا ديناميا غائيا للمادة والكون حين اعتبر أن طبيعة الأجسام ليسـت هي الامتداد بل القوة أي النـزوع والقدرة على الفعل ورد الفعل، كما ساهم في إرساء التصور الرياضي للطبيعة عندما اعتبر أن الله، وهو يمارس الحساب، يخلق أفضل العوالم الممكنة.

وهكذا حول العلم الحديث الطبيعة إلى معادلات رياضية وأشكال هندسية أي إلى هياكل عظيمة فارغة كما يقول برتراند راسل، أو إلى مجـرد مخزن للطاقة منذور لأن يتحول إلى موضوعات قابلة للاستهلاك، كما يقـول هيدجر.

وقد أبدى العلم الحديث منذ البداية تواضعا معرفيا جما إذ رسم لنفسه حدودا في فهمه للطبيعة. فهو لم يدع أبدا أنه يسعى إلى فهم الجواهـر والأشياء في ذاتـها، بل قصر مسعاه منذ البداية على محاولة فهـم الظواهر مركزا على ما هو قابل منها للرصد وللتعبير الكمي. ومن ثمة طغت روح النسبية على أحكامه ونظرياته، بل إن البحث العلمي اتسم في الأغلب الأعم بنـزعة مواضعاتية (conventionnaliste) واضحة.

فالخطوات والاحتياطات المنهجية التي يلجأ إليها العالم هي نوع من الاختيار القبلي للموضوع، اختيار للمجال الذي يجب أن يظهر فيه الموجود، ولزاوية النظر إليه. فالموجود هنا –بلغة هيدجر- لا يظهر من تلقاء ذاته بل يرغم على الظهور وفق الخطاطات والتصميمات المسبقة وشبكات التأويل التي تخضعه لـها وتدرجه في سياقها.

 

3 ـ في الزمن والتاريخ

إذا كان المسار الطويل الذي تدرجت فيه الحداثة في تصورها للطبيعة هو تبين أن كينونة الطبيعة تتمثل في الدينامية والآلية بدل الغائية، فقد وازى هذا التطور، فيما يخص تصور الزمن والتاريخ، تحول فكري قاد إلى إظهار أن كينونة التاريخ تتمثل في الصيرورة، أو بعبارة أخرى فإن تحول الكينونة إلى فعل وصيرورة ابتدأ في الطبيعة ثم سرى إلى التاريخ. فقد أصبـح التاريخ سيرورة Processus وصيرورة Devenir أي مسارا حتميا تحكمه وتحدده وتفسره عوامل ملموسة كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس، أو حروبـهم وصراعاتـهم من أجل الكسب، وكالصراع العرقـي، أو القبلي، أو المذهبي أو غيره. وبعبارة أخرى فإن غائية التاريخ بدأت تختفي وتتضاءللصالح الميكانيزمات الداخلية والحتميات المختلفـة التي تتدخل في تحديده تحديدا لا تعرف وجهته إلا من خلال مقارنة العوامل الفاعلة فيه. وبعبارة ليوستروس فقد أصبح التاريخ توسطا بين الواقع والمثال، عبر حركة تطورية مستقيمة الاتجاه. فمثلما نـزع العلم عن الطبيعة طابعها السحري والإحيائي، فقد نـزعت المعرفة والممارسة الطابع الأسطوري عن التاريخ بنفي طابعه الغائي والنظر إليه باعتباره مجرد حركة تطورية مستقيمة تتحكم فيها عوامل داخلية قد تكون هي المحددات الاقتصادية (ماركس) أو التقنية أو السيكولوجية (فرويد) أو غيرها.

وقد قاد ربط تطور التاريخ بعوامل تاريخية محددة وملموسة إلى تطور نـزعة تاريخانية ترجع كل شيء للتاريخ وتشرطه به لدرجة أنه تم وسم الحداثة بكونـها عبادة للتاريخ (Idolatrie de l’histoire)الذي أصبح هو المصدر أو المنتج الأساسي للمعنى.

وقد واكب التحول في مفهوم التاريخ تحول آخر طال مفهوم الزمن. فقد تمثلت الحداثة للوعي الفلسفي في القرن الثامن عشر مع هيجل كفترة جديدة جدة راديكالية بالقياس إلى ما سبقها من عصور، وخاصة ابتداء من القرن الخامس عشر والأحداث الثلاث الكبرى التي راوحت حواليه : اكتشاف العالم الجديد، النهضة الأوربية والإصلاح الديني. وقد كان هيجل هو أول من طرح قطيعة الحداثة مع الإلـهامات المعيارية للماضي، التي هي غريبة عنها، طرحا فلسفيا.

يتميز زمن الحداثة بأنه زمن كثيف، ضاغط، ومتسارع الأحداث، فهو يعاش كمادة فريدة (denrée rare) تتمركز حول حاضر مشرئب إلى الآتي. فالحاضر هو اللحظة التي يتم فيها انتظار الانتقال المتسارع لمستقـبل مختلف كلي. وهذا الحاضر، الذي تمثله في نظر هيجل الأنوار والثورة الفرنسية، يمثل “البـزوغ الرائع للشمس” الذي يقطع مع العالم القديم وينشئ عاملا جديدا كليا.

يبدو إذن أن زمن الحداثة زمن متجه نحو المستقبل الذي يكتسب بالتدريج دلالات يوتوبية عبر تجربة تتنامى فيها بالتدريج المسافة بين الحاضر والمنتظر ، وتطغى على قاموسها مصطلحات التطور، والتقدم والتحرر والأزمة.

عصر الحداثة هو العصر الذي يختل فيه التوازن بين الماضي والمستقبل، فهو العصر الذي يحيا بدلالة المستقبل، وينفتح على الجديد الآتي، وبالتالي لم يعد يستمد قيمته ومعياريته من عصور ماضية، بل يستمد معياريته من ذاته، وذلك عبر تحقيق قطيعة جذرية مع التراث والتقليد.

إذا كان الزمن التقليدي متمحورا على الماضي فإنه حتى عندما يشرئب إلى المستقبل، فهو ينظر إليه باعتباره استعادة إسقاطية للماضي في المستقبل، إذ أن الزمن في المنظور التقليدي يتميز بالحضور الكثيف للماضـي وبقدرته على تكييف كل الآنات الأخرى. أما زمن الحداثة فيتسم بالفاصل المتزايد بين “فضاء التجربة” و”أفق الانتظار”، وهو الفاصل الذي لا يني يتزايد باستمرار لدرجة تجعل البعد اليوتوبي مطالبا للمفهوم الحداثي للزمن. لكن الانتظارات والآمال التي يحملها زمن الحداثة تحمل بشائر المستقبل المنتظر حدوثه داخل خط الزمان نفسه عبر نقلات كميـة أو نوعية لا تقع خارج أفقه، وبذلك يمارس الوعي التاريخي الحداثي استدماجا مستمرا للانتظارات الكبرى البعيدة المدى، إما عبر التقنية أو من خلال الإيديولوجيات المحملة بالطوبي. ومن ثمة مجاسدة مفهوم التقدم للمفهوم الحداثي للزمن مجاسدة كمية وكيفية في نفس الآن. مما يكسب مفهومي التاريخ والزمن من جديد بعدا غائيا وإن كان تاريخانيا هذه المرة.

يمكن أن نطلق على التصور الجديد للتاريخ والزمن اسم النـزعة التاريخانية وهي النـزعة التي بدأت تطال ـ بموازاة تبلور وتغلغل روح الحداثة ـ كافة مجالات الحياة الإنسانية، وعلى رأسها المجال السياسي الـذي تنطلق داخله دينامية تمايز واستقلال تدريجي عن المجال الديني، وتتبلور فيه شرعية جديدة قوامها استمداد السلطة لشرعيتها من الشعب، وتتطور فيه آليات جديدة للحكم قائمة على فكرة التعاقد، والانتخاب، والمراقبة، وفصل السلط، والمشاركة الواسعة في إدارة الشأن السياسي.

4 ـ في الإنسان

تميز فكر الحداثة، وثقافة الحداثة بإيلاء الإنسان قيمة مركزية نظرية وعملية. ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات. وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة أو الشيء المفكر Res Cogitaus أو الكوجيتو.

المفارقة الكبرى في تصور فكر الحداثة للإنسان هي أنه عندما يجعل الإنسان مركزا مرجعيا للنظر والعمل، وينسب إليه العقل الشفاف، والإرادة الحرة، والفاعلية في المعرفة وفي التاريخ، فهو بنفس الوقت يكشف بجلاء عن مكوناته التحتية، ومحدداته العضوية الغريزية والسيكولوجية ودوافعه الأولية (الجنس، العدوان، البحث عن الربح، التغذية…).

وهكذا تلتقي النظرة الحداثية للإنسان، من حيث هي إضفاء صبغة طبيعة على الإنسان، بإضفاء صبغة تاريخية على الطبيعة، وإضفاء صبغة طبيعية على التاريخ. والفلسفة ومعظم العلوم الطبيعية والاجتماعية تنخرط في هذه الحركة ابتداء من الفيزياء الفلكية إلى الأنتروبولوجيا الإحيائية إلى الماركسية إلى التحليل النفسي إلى العلوم السلوكية المعاصرة.

غير أن هذا التصور العقلاني للإنسان الذي بلوره فكر الحداثة الأوربية سرعان ما تعرض للمراجعة والنقد. فمقابل هذا التصور العقلاني للإنسان كذات مركزية، عاقلة وعارفة، مريدة وفاعلة، بدأ يتبلور خط فكري معاكس قوامه أن الإنسان ذات مشروخة ومشروطة، غير عارفة بذاتـها، وخاضعة لحتمية البنيات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية واللسانية والرمزية التي تحددها معا، ذات يداهمها اللاعقل والوهم والمتخيل من كل جانب. لقد أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي (الثورة اللغوية، الثورة الإبستمولوجية، الثورة البنيوية، الثورة التاريخية) إلى فصل المعنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثل، مبينة أن المعاني لا تصدر عن ذات سيكولوجية أو ترسندنتالية، وإنما تتولد في اللغة ومنظومات القرابة ومختلف المنظومات الرمزية، وأن الذات ليست فاعلا بقدر ما هي حصيلة مفاعيل. وقد أطلق ريكور على هذا التوجه اسم فلسفة الوجس.

غير أن هذه المراجعات لم تمس جوهر التصور الحداثي للإنسان بل سعت فقط إلى تلطيف وتنسيب عقلانيته ووعيه بذاته وحريته وفاعليته.

الحداثة والفاعل

يمكن أن نميز، فيما يخص فواعل الحداثة بين الفواعل السوسيولوجية، والفواعل الفكرية. الصنف التفسيري الأول نجده لدى ماكس فيبر وكارل ماركس، والصنف الثاني نجد نموذجه لدى بعض الفلاسفة كهيجل وهيدجر.

التفسير السوسيولوجي يرجع نشأة الحداثة إلى الدور الفاعل للمنشأة الرأسمالية والإدارة البيروقراطية كمؤسستين عقلانيتين، عقلنت أولاهما العملية الاقتصادية، وعقلنت الثانية نظام تسيير المجتمع. يرى ماكس فيبر أن هناك علاقة داخلية حميمية بين العقلانية والحداثة. وإذا كانت العقلنة اتخذت طابعا مؤسسيا منظما في الاقتصاد والإدارة، فإنـها مع ذلك عملية شاملة اكتسحت المجتمع الغربي كله. وقد أدت عملية نزع الطابع السحـري عن العالم إلى تفكيك التصورات التقليدية وتولد ثقافة دهرية من طلب المسيحية نفسها. وفي سياق هذه العملية تطورت العلوم التجريبية، واستقلت الفنون، وتشكلت دوائر الثقافة خاضعة لمعايير داخلية خاصة مرتبطة بالممارسة. وبعبارة أخرى، وأخذا بتأويلات هابرماس لنظرية الحداثة عند فيبر، فإن العقلنة لم تقتصر على إضفاء طابع دنيوي على الثقافة، بل دفعت أساسا إلى تطور المجتمعات الحديثة. لقد تمايزت البنيات الاجتماعية الجديدة، وتباينت المجالات الثقافية متمحورة حول مركزين ناظمين ومنظمين لنمط الحياة الجديدة وهما النشأة الرأسمالية والجهاز البيروقراطي للدولة، اللذين هما مركزان متنافذان من الناحية الوظيفية. وقد اكتسحت الأنشطة العقلانية بالقياس إلى غاياتـها في مجالي الاقتصاد والإدارة الحياة اليومية، وأشكال الحياة التقليدية، تلك التي كانت متمحورة حول التنظيمات الحرفية، وفككتها بالتدريج كبنيات وكثقافة. ومن ثمة الأهمية القصوى والحاسمة لكل من الاقتصاد والسياسة في المجتمع الحديث.

يربط ماركس نشأة الحداثة بالرأسمالية كنظام اقتصادي، وبالبورجوازية كقوة بشرية تحديثية. ففي “البيان الشيوعي” يكيل ماركس أعظم المدائح للبورجوازية من حيث أنـها “عندما استولت على السلطة وضعت حدا للعلاقات الإقطاعية والبطركية والعاطفية”، وأدخلت تغيرات ثورية على أدوات وعلاقات الإنتاج، “فهذه الانقلابات الثورية المستمـرة في أساليب الإنتاج، وهذا التزعزع غير المنقطع في النظام الاجتماعي بأسـره، وهذا القلق والاضطراب الدائبان، كل ذلك يميز عصـر البورجوازية عن العصور السالفة كلها”. إن سائر العلاقات الاجتماعية المتوارثة، الجامدة المتجلدة، وما تجره وراءها من مواكب الأوهام والأفكار القديمة المبجلة تكنس وتندثر، أما التي تـحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها. فكل ما هو صلب يتبخر، وكل ما هو مقدس، يدنس”. بل إن “البورجوازية تجتاح الكرة الأرضية بأسرها، تحثها الحاجة إلى الأسواق الجديدة دائما”. لقد أخضعت البورجوازية الريف للمدينة، وخلقت مدنا عظيمة، وزادت بصورة مفرطة سكان المدن على حساب سكان الأرياف وبذلك انتـزعت قسما كبيرا من السكان من بلاهة حياة الحقول.

وقد خلقت البورجوازية قوى منتجة أكثر عددا وأعظم جبروتـا كما خلقت سائر الأجيال مجتمعة. فقد قامت بإخضاع قوى الطبيعة والآلات وتطبيق الكيمياء على الصناعة والزراعة والملاحة بالبخار، والسكك الحديدية، والبرق الكهربائي وعمران قارات كاملة، وحفر القنوات للأنهار. وفي عهدها اتحدت مقاطعات بكاملها بمصالحها وقوانينها وحكوماتـها وتعريفاتـها الجمركية المختلفة واجتمعت في أمة واحدة وفي مصلحة وطنية وطبقية واحدة وراء حبل جمركي واحد.

وعلى وجه العموم فإن المادية التاريخية ترجع التحولات الاجتماعية إلى التناقض بين علاقات الإنتاج القائمة وقوى الإنتاج الجديدة، إلا أن ماركس في هذا النص من “البيان” يسند إلى البورجوازية، بروحها الثورية الإدارية المغامرة، كل التحولات الكبرى التي شهدتـها أوربا بالانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، مما يجعل موقف ماركس في هذه المسألة مراوحا بين إيلاء الأولوية في التغيير للعنصر الإرادي البشري أحيانا وللعوامل البنيوية التقنية والاقتصادية أحيانا أخرى.

هناك نموذج آخر للتفسير مختلف كليا نجده لدى كبار الفلاسفة الذين يرجعون التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات، وفي التاريخ البشـري عامة إلى تحولات فكرية وفلسفية, فهيدجر يرى أن المصادر التاريخية لثقافة ما أو لمجتمع ما يحدده مسبقا فهم كل ما يمكن أن يحصل في العالم، وهو الفهم الذي يلزم ويوجه كل مجموعة بشرية إلزاما وتوجيها ضمنيا أشبه ما يكون بحتيمية قدرية مضمرة. وهذا الفهم المسبق تتضمنه الميتافيزيقا. فهي التي “تؤسس عصرا وتمنحه من خلال تأويل محدد للموجود، ومفهوم معين عن الحقيقة مبدأ تشكله الأساسي”. وهذا قانون فلسفي يشمل كل العصور ” فكيفما كانت الطريقة التي يتم بـها تأويل الموجـود، سواء كروح بالمعنى الوارد لدى النـزعة الروحية، أو كمادة وقوة بالمعنى الوارد لدى الاتجاه المادي، أو كصيرورة وحياة، أو كتمثـل، أو كإرادة، أو كقوام جوهري (Substance)، أو كذات فاعلة، أو كطاقة، أو كعود أبدى لذات الشيء، فإن الموجود يظهر كموجود على ضوء الوجود”. وهذه الفكرة نجدها متداولة في الفلسفة الألمانية منذ هيجل الذي كان قد اعتبر تاريخ الفلسفة مفتاحا لفلسفة التاريخ كما أن تاريخ الغرب الحديث حسب هيدجر يجسد أساسه في تاريخ الميتافيزيقا الغربية، التي تشكل “التاريخ المخفي للغرب”.

وحتى إذا كان من العسير، من خلال المنظور الهيدجري، أن نرجع نشأة الحداثة إلى “فاعل”، لأن الأمر عنده يتعلق بتحولات قدرية في معنى الموجود وتصور الحقيقة، أكثر مما يتعلق بفعل فاعل، فإن ممن الممكن، من باب المجاز، اعتبار ديكارت (وكذا ليبنتس) هو بطل الحداثة ورائدها. علـى الرغم من أن هيدجر يتتبع جذور نشأة العقلانية الحديثة إلى التحول الذي حدث مع أفلاطون، والذي تجسد في الانتقال من الفيزيس إلى الايدوس. ففلسفة ديكارت تجسد هذا التحول الكبير الذي دشن مطلع العصور الحديثة وجعل الذات “مركزا ومرجعا للموجود بما هو كذلك. وذلك لم يكن ممكنا إلا بشروط تحول معنى الوجود كليا (…) إذ أصبح ينظر إلى الموجود في كليته على أنه لا يوجد حقا، ولا يكون موجودا إلا إذا كان محط تمثل وإنتاج (…). وأصبح يُبحث عن وجود الموجود ويعبر عنه في الوجود ـ المتمثل للموجود”.

يربط هيدجر إذن نشأة الحداثة بالحدث الفلسفي المتمثل في جعل الذات مركزا ومرجعا. لكن مضمون هذه الذات المرجعية هو العقل والإرادة، وهو كونـها عقلا حاسبا وحسابيا بالمعنى اللاتيني لكلمة Ratio. هذا العقل الحسابي ـ الأداتي ـ حسب تسمية رواد مدرسة فرنكفورت، يجد تعبيره في العلم كمنظور حسابي وكمي للأشياء المدركة والقابلة للاستعمال،وفي التقنية كتحريض للطبيعة وإرغام لـها على أن تسلم طاقتها وتكشف أسرارها.

يبدو من خلال استعراض المواقف المختلفة من مسألة فواعل الحداثة أنه حتى وإن اختلفت الفئات ومن ثمة المؤسسات التي يكل إليها المفكرون دورا مولّدا أو محركا للحداثة (الرأسماليون، الإداريون، المثقفون، الساسة، العسكر…إلخ) فإنه يكاد يكون هناك نوع من الإجماع على تبلور ثقافة عقلانية شكلت الأرضية الفكرية والإيديولوجية الحافزة على انطلاق مخاض الحداثة.

السمات الفلسفية

يربط العديد من الدارسين نشأة الحداثة بمبدأ الذاتية. وهذا المفهوم متعدد الدلالات فهو يشكل مضمون ما سمي بالنـزعة الإنسانية. ومن ثمة فهو يعني مركزية مرجعية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وشفافيتها وعقلانيتها. كان هذا المفهوم يحيل لدى هيجل على دلالات أخرى يوجـزها هابرماس في أربع دلالات ملازمة :

1 ـ الفردانية، وتعني أن الفرادة الخاصة جدا هي التي لـها الحق في إعطاء قيمة لادعاءاتـها.

2 ـ الحق في النقد، ويعني أن مبدأ العالم الحديث يتطلب أن على كل فرد أن يتقبل فقط ما يبدو مبررا ومقنعا.

3 ـ استقلالية الفعل، فمن خصائص العصور الحديثة تهيؤها لتقبل ما يفعله الأفراد والاستجابة له.

4 ـ الفلسفة التأملية ذاتـها، فمن خصائص العصور الحديثة كذلك عند هيجل أن الفلسفة تدرك الفكرة التي تجتاز وعيا بذاتـها.

يرى هيجل أن مبدأ الذاتية هذا بدلالاته المختلفة قد فرضته الأحداث التاريخية الكبرى : الإصلاح الديني، والأنوار، والثورة الفرنسية. فمع الإصلاح البروتستاني لدى لوثر أصبح الإيمان الديني مرتبطا بالتفكير الشخصي، وكأن العالم القدسي قد أصبح واقعا مرتبطا بقرارنا الشخصي. فهذا الإصلاح قام على التأكيد على سيادة الذات، وأبراز قدرتها على التمييز والاختيار باعتباره حقا من حقوقها، في حين كان الإيمان التقليدي قائما على ضرورة الإتباع والخضوع للقوة الآمرة للتراث والتقليد. كما أن الثورة الفرنسية وإعلان مبادئ حقوق الإنسان قد فرضت مبدأ حرية الاختيار، بمقابل الحق التاريخي المفروض، كقاعدة أساسية للدولة.

هكذا أصبح مبدأ الذاتية محددا في كل مجالات الفعل، ومحددا في كل أشكال الثقافة الحديثة. فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحالية الحاضرة للإنسان في حين أنـها كانت من قبل مدونة ومملاة على الفرد. كما أصبحت الذاتية أساس المعرفة العلمية التي تكشف أسرار الطبيعة بقدر ما تحرر الذات العارفة، فالطبيعة تصبح جملة قوانين شفافة ومعروفة من طرف الذات. وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينية، والدولة، والمجتمع، وكذا العلم والأخلاق والفن تبدو جميعا كتجسيد لمبدأ الذاتية. هذا المبدأ الذي يظهر كذاتية مجردة في الكوجيتو الديكارتي أو الوعي الذاتي المطلق لدى كنط.

ومن زاوية أخرى فإنه يمكن القول بأن الأنشطة المعرفية في مجال العلم والأخلاق والفن كانت قد تمايزت واستقلت معاييرها الداخلية، كما أن دائرة المعرفة كما يقول هيجل، قد تمايزت عن دائرة الإيمان، وكل هذه الدوائر ظلت بمثابة تعبير عن مبدأ الذاتية.

السمة الأساسية الملازمة للذاتية هي العقلانية بمعنى إخضاع كل شيء لقدرة العقل التي هي بحث دؤوب عن الأسباب والعلل، ومن ثمة الارتباط الحميم لمبدأ السبب أو العلة بمبدأ العقل (Principe de Raison). وهذا المبدأعبرعنه لأول مرة ليبنتس في الصيغة التي تقول لا شيء بدون علة، وبفضله يصبح كل من الواقع الطبيعي والواقع التاريخي معقولا أو عقلانيا (أو قابلا للتفسير) بالنسبة للذات. هكذا يصبح كل شيء ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏مفحوصا ‎‎‎‎‎ومفهوما بل ومحكوما من طرف العقل. وعبره يتحقق الإنسان من سيادته النظرية على العالم الذي يغدو شفافا وخاليا من الأسرار.

هذه العقلانية الحسابية الصارمة أو الأداتية سواء في مجال المعرفة العلمية والتقنية أو في مجال الإدارة والتسيير هي شكل من أشكال السيطرة والقوة، ومن ثمة ارتباط العقلانية بالسيطرة سواء تعلق الأمر بالسيطرة الكوكبية للتقنية المنفلتة من عقالها أو بالنـزعة الكليانية السياسية. إن العقلانية الأداتية سيطرت على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان، وسيطرت على هذا الأخير عبر السيطرة على الطبيعة بواسطة التقنية، فالحداثة في عمقها مشروع تندغم فيه بصورة رفيعة إرادة الهيمنة بإدارة التحرر.

ترتبط بالعقلانية الأداتية وما ينتج عنها من سيطرة، سمة فلسفية أخرى أساسية تسم العصور الحديثة وهي غياب المعنى، وانتفاء المقاصد الغائية الكبرى التي كانت تشد وتزين العالم التقليدي. فنتيجة اكتساح ثقافة الحداثة لكل القطاعات الاجتماعية، وعقلنتها لكل مستويات الوجود الاجتماعي هي خسوف المعاني الكبرى، أوبتعبير ماكس فيبر افتقاد العالم لسحره (Ent zauberung). ورغم أن هيدجر يستعمل مصطلحا آخر (Ent Gotterung) للتعبير عن نفس الفكرة فإنه يجمل في النهاية هذه السمة في لفظ العدمية، ويعني بـها افتقاد القيم العليا لقيمتها، وغياب الأهداف الكبرى، وانعدام الجواب عن السؤال البسيط: لماذا؟ والعدم المعني هنا حركة تاريخية أصيلة وليست رأيا لهذا الفرد أو ذاك وليس حتى ظاهرة تاريخية بين ظواهر أخرى، بل هو بالأحرى، في جوهره، الحركة الأساسية في تاريخ الغرب الحديث34.وغياب المعنى، الملازم للعصور الحديثة، ليس سمة منعزلـة، بل هو الوجه الآخر لانتصاب الذاتية معيارا، ولظفر العقلانية الأداتية التي تشكل “عالما مروضا”، ولانفلات العلم التقني، وتحوله إلى أداة سيطرة على الطبيعة والإنسان، لدرجة يبدو معها أن “غياب المعنى ناتج عـن الطابع النهائي الحاسم لبداية الميتافيزيقا الحديثة”.

ولعل النعوت التي تطلق على عصرنا هذا عصر الموضة، عصر الفراغ، عصر التفاهة والهشاشة (la médiocrité, l’ephemère) تعكس صدى هذه السمات المتحدث عنها، والتي وازت في نشأتـها تبلور مفهوم الحداثـة نفسه كما نجد ذلك لدى الشاعر الفرنسي بودلير الذي يعرف “الحداثة بأنها ما هو عابر، وفرار fugitif وعارض contingent..” (بودلير: رسام الحياة الحديثة). إلا أن هذا الفراغ الناتج عن غياب المعـاني الكبرى غالبا ما ” يتم ملؤه باستكشاف تاريخي وسيكولوجي للأساطير”، وباستثمار أقانيم جديدة كالإيديولوجيات اليوتوبية الكبرى الواعدة بالسعادة والحرية والمساواة، والأبطال الجماهيريين لهذا العصر في مختلف المجالات كأبطال الرياضة والسياسة والسينما والغناء والموضة.

الحداثة ومفعولاتـها

تتميز الحداثة بأنها تحول جذري على كافة المستويات: في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي التاريخ. إنها بنية فكرية كلية. وهذه البنية عندما تلامس بنية اجتماعية تقليدية فإنـها تصدمها وتكتسحها بالتدريج ممارسة عليها ضربا من التفكيك ورفع القدسية.

تستخدم الحداثة أساليب رهيبة في الانتشار والاكتساح. فهي تنتقل كالجائحة في الفضاءات الثقافية الأخرى إما بالإغراء والإغواء عبر النماذج، والموضة والإعلام، أو عبر الانتقال المباشر من خلال التوسع الاقتصادي أو الاحتلال الاستعماري أو الغزو الإعلامي بمختلـف أشكـاله إلى غير ذلك من القنوات والوسائل.

وعندما تصطدم الحداثة بمنظومة تقليدية فإنـها تولد تمزقات وتخلق تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية ومؤسسية كبيرة، وتخلق حالة فصام وجداني ومعرفي ووجودي معمم. وذلك بسبب اختلاف وصلابة المنظومتين معا. فللتقليد صلابته، وأساليبه في المقاومة والصمود أمام الانتشار الكاسح للحداثة، وطرائقه في التكيف معها ومحاولة احتوائها ؛ كما أن للحداثة قدراتـها الخاصة على اكتساح وتفكيك المنظومات التقليدية، وأساليبها في ترويض التقليد، ومحاولة احتوائه أو استدماجه أو إفراغه من محتواه. فالصراع بين المنظومتين صراع معقد وشرس بل قاتل. وقد سبـق لي أن تحدثت في مكان آخر عن العلاقة الاستعارية بين التقليد والحداثة. فكثيرا ما يتلبس التقليد لبوس الحداثة ليتمكن من التكيف والاستمرار بينمـا تتلبس الحداثة بالتقليد أحيانا لتتمكن من أن تنفذ وتفرض نفسها. وهذا التزاوج نشهده في كافة مستويات الكل الاجتماعي، نشهده في التلاقح بين منظومتي القيم،وفي المستوى الإدراكي،والسلوك الفردي،في المعرفة،في الاقتصاد وفي السياسة. ففي المجال السياسي مثلا يحصل تمازج بين مصدرين للشرعية السياسية: الشرعية التقليدية المستمدة من الماضي،والتراث والأجداد، وشرعية المؤسسة العصرية القائمة على أن الشعب هـو مصدر السلط. وهذا التمازج والاختلاط يطال الخطاب السياسي والإيديولوجي، والسلوكات السياسية، ويطبع المؤسسات السياسية، والثقافـة السياسية برمتها. وهو على الرغم من كل مظاهر التعايـش تمازج صراعي في عمقه.

هذه الحالة البينية هي حالة طويلة الأمد إذ أنها لا تحسم بتحويل إرادي للمؤسسات أو للمنظومات القانونية بل عبر تحولات بعيدة المدى. وانتقال منظومة ثقافية تقليدية إلى الحداثة هو في الغالب انتقال عسير مليء بالصدمات الكوسمولوجية، والجراح البيولوجية أو الخدوش السيكولوجية للإنسان، وكذا بالتمزقات العقدية لأنه يمر عبر “قناة النار”، أي عبر مطهر العقل الحديث والنقد الحديث.

وكل ثقافة لم تتجشم مثل هذه المعاناة المرة تظل تراوح مكانها على عتبة الحداثة، وفي عدم قدرة على الحكم على نفسها بسبب عدم قدرتها على رؤية ذاتـها من الخارج، وهذه القدرة لا يمكن اكتسابـها إلا بموضعة الذات وإخضاع المسلمات لمحك العقل والنقد، والحد.

المصدر: مجلة فكر ونقد

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1/feed/ 0 5419
سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/#respond Sat, 17 Dec 2016 22:11:44 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5408 تتوخى هذه المحاولة البحث في المرجعية الفكرية والتاريخية لمسألة الحداثة، من  خلال تقديم قراءة تسعى إلى مقاربة مسألة الحداثة في الفكر الغربي الحديث، عبر تحليل مجموعة ملامح وسمات فكرية وتاريخية، […]

The post سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
تتوخى هذه المحاولة البحث في المرجعية الفكرية والتاريخية لمسألة الحداثة، من  خلال تقديم قراءة تسعى إلى مقاربة مسألة الحداثة في الفكر الغربي الحديث، عبر تحليل مجموعة ملامح وسمات فكرية وتاريخية، وذلك بالوقوف عند نماذج ومحطات فلسفية كانت أهم من نظر وفكر في مسألة الحداثة في الفكر الأوربي الحديث… سيتم ذلك من خلال مبحثين رئيسيين: المبحث الأول يحمل عنوان: تحديدات مفاهيمية، والمبحث الثاني تحت عنوان: الحداثة مشروع  تاريخي.

 همنا في المبحث الأول، هما إبستمولوجيا مفاهيميا بالتحديد، حيث نود  التساؤل عن ماهية الحداثة وطبيعتها، ثم نروم في مقام ثان بتمييزها عن لفظ آخر يقاسمها الاشتقاق اللغوي والفكري وهو التحديث، في محاولة للفصل  الإجرائي بين ماهو فلسفي فكري ،وماهو سوسيولوجي تاريخي. ثم سعينا إلى بسط افتراض مؤداه أننا بصدد حداثات ممكنة بالجمع وليس حداثة بالمفرد تاريخياً وجغرافياً.

بينما كان الهم  الثاني، هو رصد أهم لحظات وملامح تشكل مسألة الحداثة من خلال التطرق لسؤال التنوير باعتباره عتبة الحداثة مع كل علم من هؤلاء الإعلام: (شارل بودلير، رينيه ديكارت، إيمانويل كانط، وفريدريك هيجل).

المبحث الأول: تحديدات مفاهيمية:

الأكيد أن أي عمل علمي، أو يسعى لأن يكون كذلك، لابد وأن يبدأ بتحديد ومساءلة الأرضية التي يشتغل عليها، ومنها المفاهيم والمصطلحات قيد البحث. وبما أننا هنا بصدد دراسة مسألة الحداثة، فمن البداهة أن نبادر بالسؤال الإشكالي التالي: ماذا يعني مفهوم الحداثة وما علاقته بمفهوم التحديث وهل الأمر يتعلق بحداثة أم بحداثات؟

(1) في معنى الحداثة:

بالعودة إلى مرجع أساسي في تناول هذا الموضوع الشائك، نجد المفكرالفرنسي (جان بودريار/1929_2007) يستهل حديثه عن الحداثة Modernitéla، باعتبارها “ليست لا مفهوماً سوسيولوجياً، ولا مفهوماً سياسياً أو حتى مفهوماً تاريخياً، إنها نمط حضاري خاص يتعارض دوماً مع نمط التقليد”[1]. حيث إنها تقوم في وجه التعدد الثقافي والرمزي في المجتمعات “التقليدية” كشكل متجانس يجتاح العالم انطلاقاً من الغرب الحضاري، الشيء الذي يضفي عليها هالة من الأسطر لدرجة يتماها في مظاهرها ماهو واقعي بماهو أسطوري.

ومع ذلك،يظل لها مدلولاً ملتبساً يشيرمن جهة إلى تطور تاريخي، ومن جهة ثانية  إلى تغير في الذهنية، أنها معطى متشابك يمتزج فيه الواقعي بالأسطوري، واقع يتميز في كل المجالات: “دولة حديثة، تقنية حديثة، موسيقى ورسم وعادات وأفكار حديثة، على هيأة مقولة عامة وضرورة ثقافية”[2].

إن الحداثة بما أنها نشأت عن كثير من التحولات العميقة في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والديني والثقافي، فهي تتحقق على مستوى العادات وطرائق العيش وأنماط الحياة اليومية، إلى درجة أنها تتحول إلى صورة كاريكاتورية في جانبها التحديثي، إنها متغيرة في أشكالها وسيرورتها من حيث الزمان والمكان، وبالتالي فهي غير ثابتة ولا قابلة  للتصور إلا كمنظومة من القيم، بل كأسطورة. وبهذا المعنى يتعين كتابتها بحروف بارزة تماماً مثل التقليد للتعبير عن ماهيتها.

مفهوم الحداثة وماهيتها:

وبما أنها “ليست مفهوماً تحليلياً، فإنه ليست هناك قوانين للحداثة، بل فقط معالم للحداثة، ليست هناك أيضاً نظرية للحداثة، بل منطق وإيديولوجيا للحداثة”[3]. حيث أنها  منظومة قيمية مقننة للتغير تتعارض مع المنظومة القيمية المقننة للتقليد، لكنها مع ذلك  تتبدى في بعض الأحيان حذرة من كل تغير جذري قد يحدث طفرة واحدة.

إن ماهية الحداثة مرتبطة بأزمة تاريخية وبأزمة الإنسان الحديث، وبالتالي فإنها لا تعدو أن تكون إلا تجل معين لهذه الأزمة، إذ أنها لا تقوم بتحليل هذه الأزمة، بل تعبر عنها بطريقة غامضة، بهروب مستمر إلى الأمام. فهي تلعب “دور فكرة القوة ودور إيديولوجيا سائدة متسامية بتناقضات التاريخ كمفاعيل للحضارة، إنها تجعل من الأزمة قيمة وأخلاق متناقضة”[4]. وهكذا يصح لنا أن نستنتج مع منظري الحداثة، أنها فكرة تتعرف فيها الحضارة على نفسها، وتلعب في ألآن ذاته دور تنظيم ثقافي، وهي بذلك تلتحق خلسة بالتقليد.

وإذا كان (بودريار) يعتبر أن الحداثة ليست نظرية بقدر ما تنطوي على منطق وإيديولوجيا يميزانها عن التصورات التقليدية للعالم، فإنه يرى أن منطق الحداثة هذا يتشكل من ثلاثة أبعاد هي:

1. البعد التقني ــ العلمي، حيث تطور الوجود الإنساني بشكل غير مسبوق نوعا وكماً وكيفاً، وبشكل تدريجي للعلوم والتقنيات وللنمو العقلاني والمنهجي لوسائل الإنتاج ولأساليب تسييرها وتنظيمها، حتى صارت معه ” كأنها عصر الإنتاجية”[5].

2. المفهوم السياسي للحداثة، حيث تجسدت الدولة كفكرة مجردة جامعة وتحددت “في صيغة الدستور، ومن خلال الوضع الاعتباري للفرد، وتحت عنوان الملكية الخاصة”[6]، وذلك ما شكل البنية السياسية للحداثة. إن هذه الوضعية تعلن عن تجاوز لكل الأنظمة السابقة، إذ كانت الحياة السياسية تتحدد في شكل تراتبية تؤطرها وتتحكم فيها العلاقات الشخصية والأطر الاجتماعية والمعرفية التقليدية.

3. المفهوم السيكولوجي، ذلك أنه في مواجهة الرؤية الموحدة للعالم ذات المضامين السحرية الدينية والرمزية للمجتمع التقليدي، يقف “العصر الحديث موسوماً ببزوغ الفرد بوصفه كائناً يحوز وعياً مستقلاً، بنفسيته ونزوعاته الشخصية ومصلحته الخاصة”[7]، مؤسساً بذلك لرؤية جديدة للذات وللعالم.

(2) حداثة أم تحديث؟

بعدما حاولنا في مرحلة أولى تتبع مفهوم الحداثة من حيث تحديداته الفكرية والابستمولوجية، يدور حديثنا هنا عن التمييز بين الحداثة والتحديث وذلك باستحضار أهم التحليلات والكتابات في مجال السوسيولوجيا والفكر السياسي الحديث، حتى يتسنى لنا توضيح ما المقصود من كلا المفهومين بقدر الإمكان. يرى الباحثان السوسيولوجيان ريمون بودون وفرانسوا بوريكو في “المعجم النقدي للسوسيولوجيا” أن كلمة التحديث Modernisationla تستعمل لدى المؤرخين وعلماء الاجتماع، ويقصد بها “مجموعة التغيرات المعقدة جداً والمؤثرة في جميع المجتمعات الإنسانية، وإن بطريقة متفاوتة وبناء على آليات  انتشار جد متنوعة، اعتباراً من القرن السادس عشر وانطلاقاً من أوربا الغربية”[8].

تعابير التحديث:

فإذا نظرنا إلى التحديث في بلدان أوربا الغربية حيث نشأ وعرف تحولات كثيرة وعميقة، يمكن القول أنه “مسار تعبئة وتمايز وعلمنة”[9].

– التعبير الأول (التعبئة):

من الواضح أن التعبير الأول قد اقتبس عن عالم الاجتماع التشيكي Karl Deutsch (1912-1992) الذي تحدث عن عدد معين من الدلائل التي تسمح بتقييم السهولة والسرعة التي يتم بها تنقل الأموال والأشخاص والمعلومات داخل المجتمع نفسه، إذ أن حركية الأموال مرتبطة بظهور الأسواق وبتوسع المبادلات وطرق تدبيرها والاستفادة منها. هناك دليل آخر على أهمية التعبئة الاجتماعية يتجلى في عدد وسرعة المعلومات التي تروج في محيط معين: عدد الكتب والصحف والرسائل والمطبوعات والإرسال الإذاعي والتلفزي، الشيء الذي يكون له بالغ الأثر على المجتمع. حيث إن مسار التحديث يتم في شكل تنقلات للأفراد والجماعات وتحولات في الوظائف والمؤهلات، مما يكون له نتائج على سلوك الأفراد في محيطهم العائلي ومن ثم على جميع مجالات النشاط المرتبطة بها.

– التعبير الثاني (التمايز):

إن التعبير الثاني المقترح لتوصيف عملية التحديث هو “التمايز”، غير أن هذا المصطلح “ليس واضحاً تماماً، ولكنه يمتاز بإقامة علاقة بين ظاهرة التحديث وظاهرة تقسيم العمل”[10]. إذ يرى الباحثان أنه من غير المعقول القول أن المجتمع الأوروبي في القرن الخامس عشر لم يعرف أي نوع من تقسيم للعمل، قد يكون العكس هو الصحيح، حيث أن هذه المجتمعات بقدر ما كانت شديدة التراتبية، بقدر ما كانت الوظائف، وبصورة أعم، الأوضاع متخصصة بشكل يبدو أكثر صرامة مما عليه الأمر في المجتمعات المعاصرة “المتخلفة” منها و”المتقدمة”.

إن ما يميز المجتمعات الحديثة ليس مقدار تمايزها عن المجتمعات التقليدية، وإنما لأنها متمايزة بشكل آخر. إذ أن منظومات مثل البيروقراطية والسمة الطاغية للصناعة والتقنية هي حديثة، بمعنى أنها تطمح لتمييز الأفراد، على الأقل نظرياً، وفقاً للمساهمة التي يقدمونها في مهمة ذات قيمة اجتماعية، بدل تمييزهم انطلاقاً من أصولهم وانتسابهم العائلي والمحلي.

– التعبير الثالث (العلمنة):

يبقى التعبير الثالث هو “العلمنة”، والمقصود بها هنا “ليس حضور أو غياب أي إيمان (أو لا إيمان) بالتحديد، وإنما المقصود هو الفصل المؤسساتي بين الكنيسة (وكذلك الدولة) من جهة، وبين مؤسسات التعليم والبحث العلمي”[11]. غير أن الملاحظ هنا أن هذه مسألة لا تخص تنظيم العلاقة بين الكنيسة والدولة فحسب، وإنما كذلك تنظيم العلاقة بين المعرفة الوضعية وبين المعرفة الدينية ممثلة في الكنيسة.

وهكذا، فإن البحث في مسألة الحداثة والتحديث، في تقديرنا، لا يعدو أن يكون بحثاً على مستويين غير منفصلين تمام الانفصال: مستوى فكري تصوري، ومستوى سوسيولوجي تاريخي. حيث ينظر للحداثة في المستوى الأول على أنها رؤية للوجود الإنساني وبنية فكرية جامعة لكافة مستويات الحياة : اقتصاد، سياسة، اجتماع، فن، ثقافة.. بينما ينظر للتحديث في المستوى الثاني من منظور تاريخي ودينامي متغير يعكس الممكنات التاريخية والثقافية المتاحة للناس كافة.

(3) حداثة بالمفرد أم حداثات بالجمع؟

بعدما خلصنا في المحورين السابقين إلى التمييز بين الحداثة والتحديث، نحاول في هذا المحور الوقوف عند فرضية ندعي أن لها ما يكفي من الصلاحية التحليلية مفادها أن الحداثة تعني “الواحد” الذي يحوي “المتعدد والمختلف”، وسنبين ذلك من خلال مستويين: مستوى أفقي (جغرافي) ومستوى عمودي (تاريخي وموضوعي)، وهذا مجرد تقسيم إجرائي لتوضيح أولي للموضوع.

1- على المستوى الأفقي (الجغرافي):

من الممكن أن نصف تشكل الحداثة في أوربا، باعتبارها رحمها وحاضنتها الأولى، أنه جاء نتيجة لسلسة من التحولات والقطائع الفنية والفلسفية والعلمية والنفسية والسياسية المتواصلة مدعمة بعضها البعض، ويشكل كل منها شرطاً لوجود الأخرى، مع العلم أن “نبتة الحداثة الأولى نبتت في إيطاليا زمن (عصر النهضة) حيث ازدهرت الفنون والعلوم والآداب”[12].

وإذا صح أن إيطاليا هي مشتل الحداثة، فإن هذه الأخيرة بحكم طبيعتها الانتشارية، قد سرت بشكل تدريجي إلى باقي الدول الأوربية: ألمانيا، فرنسا، إنجلترا، وفيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية ثم اليابان ثم روسيا، فالعالم العربي والإسلامي عن طريق  الاستعمار والبعثات العلمية والاحتكاك بالآخر، مع استحضار مستويات وأزمنة انخراط هذه الجغرافيات المختلفة والمتمايزة في الحداثة بهذه الدرجة أو تلك سلباً أو إيجاباً.

وعلى الصعيد الثقافي والمؤسساتي فإن الحداثة في أوربا الغربية تميزت منذ بداية انتشار أفكارها الأساسية بدرجة عالية التنوع في أشكالها المؤسساتية وأبنيتها الخطابية  والمفاهيمية وأنماط وجودها الاجتماعي، وتكون بذلك قد أفرزت مرجعيات أصبحت بمثابة الدليل الموجه والأفق التاريخي المشترك على المستوى العالمي.

2- على المستوى العمودي (التاريخي والموضوعي):

يمكننا الزعمأن فكرة الحداثات المتعددة تفترض أن أفضل الطرق لفهم مسألة الحداثة، هي أن نراها كسيرورة عمليات دائمة التكون والتكوين لتصورات ورؤى وبرامج ثقافية وأنماط وجود متعددة، وعمليات إعادة تكوين لأشكال إيديولوجية ومؤسسية مختلفة، يقوم بها فاعلون فكريون وسياسيون واجتماعيون. لذلك لعله من الصواب على هذا المستوى التوقف عند تشكيلة “حداثات” تندرج وتكون مفهوم الحداثة بشكل عام، هذه نماذج منها دون تفصيل.

أ- الحداثة الفكرية: نمثل لها بأربعة عناصر لا مندوحة عنها وهي: المعرفة، الإنسان، العالم والتاريخ. فيما يخص المعرفة تجسدت الحداثة في المرور من الفكر التأملي  والأنطولوجي إلى الفكر التقني والاستهلاكي. وفيما يتعلق بالإنسان، تقوم الحداثة على الانتقال من الجواهر الروحية القبلية إلى الدوافع الأولية والنفسية. كما تعني بخصوص فهم العالم الانتقال من الأشكال الجوهرية والماهيات إلى المفاهيم والعلاقات الميكانيكية الرياضية والفيزيائية. فيم يحدث تحول في فهم التاريخ من الرؤية المبشرة والغائية إلى النزعة التاريخانية  والوقائعية.

ب- الحداثة التقنية: متجسدة في توسط التقنية والآلات والأدوات الاصطناعية في بناء العلاقات الجديدة بين الإنسان والطبيعة، علماً أن هذه العلاقة لها تاريخ موغل في القدم، مما حدى ببعض الباحثين إلى الحديث عن ثلاث موجات للحضارة: “الموجة الزراعية، الموجة الصناعية، ثم الموجة الثالثة الصناعية والتقنية”[13].

ج- الحداثة السياسية: هنا يتم التركيز على التنظيم المؤسساتي للسلطة وشكل الدولة والإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين الفرد والدولة، واعتبار أن الشعب هو مصدر السلطة، مما يقتضي التمييز بين المجالين السياسي والديني، أي نزع القداسة عن الأول باعتباره مجالاً للنسبي وللصراع حول السلطة والثروة، وترتيب العلاقة مع الثاني باعتباره نزوعاً نحو المطلق والمثال.

د- الحداثة الاقتصادية: ويقصد منها الانتقال إلى الاقتصاد الموسع القائم على منطق الربح والخسارة والاستثمار، أي اقتصاد السوق، عوض الاقتصاد التبادلي المنغلق والمحدود، ولعل ما يميز هذه الحداثة هو العقلنة (Rationalisationla ) الاقتصادية بما تعنيه من ضبط وإدارة وتقنين لشبكة علاقات الدولة والمجتمع. لعل أحد أهم النتائج التي تترتب على فرضية “تعدد الحداثات” هو أن الحداثة والغرب الحضاري “لم يعودا متماثلين، وأن النماذج الغربية للحداثة ليست هي الحداثات الأصلية وحدها”[14]، رغم أنها تتمتع بأسبقية تاريخية وتستمر بوصفها نقطة مرجعية أساسية بالنسبة لباقي التجارب الحضارية.

لكن يبقى الأهم أنه على الدول والمجتمعات التي ترزح تحت ويلات “التقليد” وتعيش حالة الفوات التاريخي بتعبير (ياسين الحافظ) أن تعي جيداً أن الممكنات التاريخية للوجود والفعل في عالمنا المعاصر، تبقى مفتوحة في شكل حداثة لعلها لازالت كائنة بالقوة، لكن مبدأ الأمل يبقى شارعاً أمامها أبواب التحقق بالفعل، متى تملكت أسباب واليات النهوض وانتظمت في تراثها وفق إستراتيجية نقدية للذات وللآخر.

المبحث الثاني : الحداثة مشروع تاريخي

(1) في التنوير والحداثة:

يمكن القول بأن العالم الحديث نشأ من مواجهة واسعة وطويلة، مع عالم القرون الوسطى ضدا على ما عرف بالنزعة “السكولائية” La Scolastique)) في الحقل الثقافي والديني في أوروبا الحديثة، وضدا على تحالف الإقطاع والكنيسة على الصعيد السياسي، الشيء الذي ولد ممكنات تاريخية كبرى برزت لاحقاً. إن السكولائية ليست مجرد نزعة مذهبية، بل إنها موقف ورؤية غائية تتوخى الحط من قيمة الفرد والوجود، بل من كل ما هو بشري وطبيعي. هذا الصراع ولد ما عرف بالنزعة الإنسانية L’Humanisme كدعوة لبدء جديد وثورة ثقافية شاملة تجسدت في ما عرف بـ “صراع القدماء والمحدثون”.

لذلك سنحاول هنا الوقوف عند أربعة أعلام فلسفية وأدبية يجمع مؤرخو الفكر والفلسفة على أنهم أهم من أثر في عهد الأنوار والحداثة: بودلير، ديكارت، كانط، وهيجل.

– بودلير والوعي الجمالي بالحداثة:

نجد النص المؤسس لمعنى الحداثة أولاً كلفظ جمالي عند الشاعر والناقد الفني الفرنسي Charles Baudelaire(1821_1867م)  المنشور أول مرة سنة 1863م قائلاً: “هذا الإنسان يجري ويبحث فعما يبحث؟ الأكيد أن لهذا الإنسان الأعزل الذي حبته الطبيعة بموهبة الخيال الخلاق […] هدفه أكثر سموا من هدف أي جوال قح، هدف أكثر شمولية، هدف آخر غير اللذة الزائلة التي تمنحها اللحظة. إنه يبحث عن هذا الشيء الذي سوف يكون في وسعنا أن نطلق عليه اسم الحداثة، والسبب أنه ما من كلمة أخرى أفضل من هذه للتعبير عن هذه الفكرة”[15].

في نظر (بودلير) التبست التجربة الجمالية بالتجربة التاريخية للحداثة. ففي التجربة الأساسية للحداثة الجمالية، تتخذ مسألة التأسيس الذاتي تشكلاً حاداً، وذلك في الحدود التي يختزل فيها أفق التجربة الزمنية في مبدأ الذاتية المنزاحة عن مركزها، والتي تبتعد عن مواصفات الحياة اليومية. إن الحداثة عند بودلير، هي “العابر والمنفلت والعرضي، إنها نصف الفن أما النصف الآخر فهو الخالد والثابت”[16].

هكذا، وفي قراءة معاصرة لبودلير وتجربته، يرى الفيلسوف الألماني المعاصر  (يورغن هابرماس) أن الحداثة في هذا السياق تحيل إلى “راهنية تستنفذ قواها، وتفقد امتداد زمن انتقالي، زمن راهن يمتد إلى عقود كثيرة، زمن تأسس في قلب الأزمنة الحديثة”[17]. حيث لا يمكن لهذه الراهنية أن تعي ذاتها من خلال التعارض مع عصر متجاوز ومرفوض، أو مع أي شكل آخر من أشكال الماضي، كما لا يمكنها أن تتكون إلا بصفتها تقاطعاً بين الزمن والخلود.

يتجلى بوضوح هذا الوعي الجمالي الأولي بالحداثة، إبان زمن بودلير وقبله بقليل، إذ نشأ إحساس خاص بضرورة أن تتأسس الحداثة على وسائلها الخاصة، فعملية الانفصال عن نموذج الفن القديم بدأت في مستهل القرن الثامن عشر، من خلال ما عرف بالصراع أو النزاع بين القدماء والمحدثين.

إلى ذلك، يرى هابرماس أنه رغم أن “الاسم Modernitas (والزوج المتعارض: Moderni/antiqui) لم يستعمل بمعنى كرونولوجي إلا بدء من العصر القديم المتأخر، فإن النعت “حديث” Moderne لم يحمل صفة الاسم إلا مؤخراً جداً في اللغات الأوروبية للأزمنة الحديثة”[18]  أي منذ منتصف القرن التاسع عشر.

إبان هذا الصراع La querelle)) الذي شهدته أوربا ابتداء من القرن السابع عشر بين القدماء والمحدثين، ثار المحدثون ضد القدماء في محاولة للتغيير وإحداث ثورة ثقافية على جميع الأصعدةففي فرنسا مثلا “تميز أول نشاط فكري “للحداثيين” الفرنسيين عن النموذج الإيطالي بعدة سمات منها: النظام، الوضوح، السلاسة، الواقعية، الشيء الذي يختص به نمط الكتابات المنشورة من طرف المساندين لـ الكاهن /الدوق De Richelieu 1585_1642)( “[19]؛ هذا الأخير  يعتبر رجل دولة ودين فرنسي ووزير أول للملك لويس الثامن عشر.

إن الزوج الدلالي المتعارض: “قديم-حديث” يستبطن نظاماً من القيم، إذ يمكن القول أن كلمة “حديث الظافرة ذات القيمة الإيجابية هي ما تأسس عليه آخر القطائع الذهنية والفكرية لعصر النهضة، رغم أنها ظلت منذ زمن بعيد تعني كل ما كان زمنه قصيراً جداً وكل ما هو عارض contingent، مقابل ثبات القديم”[20]. وهكذا يكون عصر النهضة قد عكس الوضع السائد آنذاك. تبقى الإشارة إلى وجه آخر، وليس أخير، لهذا الصراع بين القدماء والمحدثون والذي عكسه القرن السابع عشر، وجه “ذو طابع سياسي، إذ صارت العلاقة بين السلطة والمجتمع أكثر تحسناً عما كانت عليه بالأمس”[21]. فأصبح من نتائج الصراع ذيوع  مجموعة من الأفكار والمعاني الجديدة من قبيل: التقدم والمعاصرة، حيث صار معنى “أن تكون حديثاً يفيد أن تحيا في عصرك وأن تشارك في تطوير شامل للمعارف”[22].

– ديكارت واليقين العقلي:

يعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596_1650م) أول من سعى إلى تأسيس رؤية جديدة للعالم والأشياءـ انطلاقاً من معايير عقلية مجردة واعتماداً على التجربة، رؤية تقطع مع ما كان سائداً وقتئذ من هيمنة للخرافة والفكر الميتافيزيقي، مما سيغير الإنسان الأوربي من كائن لاهوتي إلى كائن عقلاني.

أبدع ديكارت منهاجه المعروف بالشك المنهجي بناء على عدة قواعد عقلية، تتوخى الوصول للمعرفة الموضوعية واليقين العقلي، إنه يرمي إلى “قيادة أفعال العقل لكي تصل إلى اكتشاف الموضوعات، وإلى التقدم المتوالي في هذا الاكتشاف”[23]. الأمر يتعلق لدى ديكارت بأسبقية العقل وقواعده وعمله في الحياة على أي شيء آخر، “فالعقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس”[24]، إذن فالعقل هو المعيار الوحيد للحقيقة وهو المرجع في الفهم. لذلك كانت القاعدة الأولى من قواعده في المنهج بالصيغة التالية: لا أقبل من أحكامي إلا ما ظهر لي في وضوح وتميز أنه لا يمكن الشك فيه. ماذا يمكن أن نقرأ في هذه القاعدة؟

لعل ديكارت هو أول من زرع في الوعي الأوربي الحديث قول: لا وحث على التساؤل، حيث أنه من المعروف أن القرون الوسطى الأوروبية كانت لا تعترف سوى بـ: نعم، أي الخضوع لكل أنواع السلطة: الإقطاع، الكنيسة، القيم الاجتماعية…، وهكذا أتى ديكارت ليعلن الرفض والعصيان لهذه الثقافة والبدء في زرع بذور تغييرها.

مشروع ديكارت مشروع علمي وفلسفي أساساً، جاء “ليجعلنا سادة على الطبيعة ومسخرين لها”[25]، إنه نواة منطق الحداثة من حيث إحكام السيطرة على الطبيعة وتحويلها لفائدة الإنسان بواسطة العلم الرياضي والتقني. غير أنه تبقى الإشارة أن ديكارت لم يجازف بالبحث في السياسة ! إذ ترك جانباً المجتمع ذاته بمؤسساته الأخلاقية والسياسية والدينية ولم يخضعها للشك المنهجي، وهو ما يعني أن مبدأ الصراع ضد الطبيعة، كما انبثق في الوعي الأوربي، لم يمس بداية المجتمع والدولة.

– كانط وسؤال التنوير:

انطلقت عقلانية “التنوير” مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804) ليس باعتبارها تيار فكري واسع يؤمن بالعقل كمبدأ معرفي وأخلاقي فحسب، بل كمذهب فلسفي وكحركة ثقافية جعلت من العقل والعقلانية قضية حيوية، تناضل من أجل توطيده في كل المجالات الطبيعية والإنسانية والدينية.

يرى (هابرماس) في تأويله لكانط أنه من خلال تحليل أسس المعرفة “يتكفل نقد العقل الخالص بانتقاد الاستعمال السيئ لملكة المعرفة لدينا لأنها صيغت على مقياس الظواهر. فيعوض كانط المفهوم الجوهري للعقل الموروث عن التقليد الميتافيزيقي، بمفهوم للعقل تفتتت عناصره، فصارت وحدته وحدة صورية”[26].

كما يفصل ملكات العقل العملي وملكات الحكم، واضعاً كل ملكة من الملكات على أسس خاصة بها “وفي الحدود التي يؤسس فيها العقل النقدي إمكانية المعرفة النظرية والقدرة على التمييز الأخلاقي والتقييم الجمالي”[27].

ورغم أن (هابرماس) يرى أن كانط قد عبر عن العالم الحديث من خلال مشروعه الفكري، إلى درجة أن أبرز سمات ذلك العالم تنعكس على فلسفته كما لو كانت مرآة، غير أنه يستدرك أن كانط “لم يدرك الحداثة كما هي”[28]. الشيء الذي يدفعنا إلى الاستنتاج أنه ليس من اليسير تقديم موقف حاسم لمسألة علاقة كانط بالحداثة، ومدى وعيه بها إبان العمل على بلورة مشروعه الفلسفي العقلاني  .

هذا من جهة الأساس المعرفي النظري في المشروع النقدي التنويري لكانط، ومن جهة أخرى، اهتم كانط بالتأسيس للحداثة السياسية وتوجهاتها الكبرى كما تمت قراءتها وإعادة صياغتها داخل ميتافيزيقا الحق، وبطرح سؤاله الحاسم: ما التنوير؟.

يقصد كانط بالتنويرAufklarung)): “خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته. ويعني بالقصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير”[29]. فليس من العبث إذا أن يكون شعار التنوير هو: “تجرأ على استخدام فهمك الخاص”!  وتجدر الإشارة أنه تحرياً للدقة ينبغي ترجمة كلمة Aufktarung)) بلفظ “التنوير” وليس “الأنوار” مثلاً، وذلك ليس فقط لأنه يوافق اللفظ الألماني من حيث الصيغة، بل لأنه علاوة على ذلك، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بحالة أو وضعية تسود فيها “الأنوار”، بل بعملية أو سيرورة يتم في إطارها نشر العلم والمعرفة المستندة إلى العقل، والتحرر من الأحكام المسبقة والمعتقدات المستندة إلى مختلف أشكال السلطة غير تلك التي تمتح شرعيتها من العقل ومبادئه .

إن الكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون برغبة منهم “قاصرين طوال حياتهم، حتى بعد أن تكون الطبيعة قد حررتهم من كل قيادة خارجية”[30]. معنى ذلك أن غاية  التنوير هي: “الوصول بالإنسان إلى أن يصبح غاية لذاته، الوصول إلى حالة يستطيع فيها الإنسان أن يقود نفسه بنفسه بوصفه ذاتاً فردية قائمة بذاتها”[31]. بواسطة هذه الدعوة إلى إعمال العقل بجرأة، يكون كانط قد ساهم في نقد الأوضاع السياسية في بلده بروسيا إبان حكم الملك فريدريك الثاني (1740-1786 م)، بحيث لا يحق له “مراقبة أو منع الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوراتهم”[32]، بل إن على الملك على العكس من ذلك أن “يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لغاية خلاص نفسه”[33]. كما انتقد كانط الهيمنة والسيطرة باسم الدين واللاهوت موجهاً خطابه للسلطتين الزمنية والروحية، بل حتى، ويا للمفارقة، لأي متنور يمكن أن يقول ما لم تتجرأ جمهورية على قوله: “فكروا، بمقدار ما تريدون وفي كل ما تريدون، ولكن أطيعوا!”[34].

لقد كان كانط صارماً في رفضه لأية محاولة لتثبيت أي نظام ديني، مهما كانت صلاحيته ومصداقيته، “حتى لو كان هذا النظام نتيجة تعاقد اجتماعي وتوافق سياسي”[35].

 نعتقد بناء على ما سبق إنه من بين أهم نتائج مفهوم التنوير مع كانط، هو نسف إيديولوجيا الكمال والثبات ممثلة في الدولة والإقطاع والكنيسة، التي كانت تحتكر وتهيمن على كل مناحي الحياة، واعتبار التقدم المبني على العقل جوهر الطبيعة البشرية، وغاية حركة التنوير باعتبارها صيرورة دائمة البناء وإعادة البناء .

– هيجل والوعي بالحداثة:

 يتبدى أن أول مفكر وفيلسوف تحقق لديه وعي واضح بمجموع التحولات والأحداث العميقة والمؤثرة في أوروبا الحديثة هو الألماني (فريدريك هيجل /1770-1831)، مبلوراً إحساساً ناضجاً بالدلالات والمعاني التي تجمع تلك التحولات والأحداث في بوتقة واحدة هي: الحداثة.

يبين (هابرماس) كيف أن الحداثة لم يتحصل لها الوعي الذاتي بشكل صريح إلا مع هيجل، حيث وظف مصطلح “العصور الحديثة” توظيفاً مميزاً عن المفهوم الزمني المتداول لدى المؤرخين عادة، ذلك أن “اكتشاف “العالم الجديد” والنهضة والإصلاح، الأحداث الثلاثة الكبرى التي حدثت حوالي 1500م، كانت تشكل العتبة التاريخية بين العصر الوسيط وبين الأزمنة الحديثة”[36]. هذا الوعي الثاقب هو ما سيحدو به إلى القول أنه “ليس من الصعب أن نرى أن عصرنا هو عصر ميلاد عهد جديد، وهو حقبة الانتقال إلى هذا العهد الجديد”[37].

إن الحداثة لم تطرح مسألة البحث في ذاتها عن ضماناتها الخاصة إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث جعلها هيجل أم المشكلات الفلسفية مقتنعا تماماً بأنه “من غير الوارد أن نصل، خارج مفهوم الحداثة، إلى مفهوم تستطيع بواسطته الفلسفة أن تستوعب ذاتها”[38]. فبعد اكتشافه مبدأ الأزمنة الحديثة يفسر هيجل تفوق العالم الحديث وبيان الأزمات التي تعترضه، محاولاً أولاً صياغة الحداثة مفاهيمياً ثم نقدها بشكل جاد ثانياً.

لا يقصد هيجل بمبدأ الأزمنة الحديثة أو العالم الحديث سوى مبدأ الذاتية وأولويته على أي شيء آخر. حيث يحوي مبدأ الذاتية أربع دلالات:

 أ- النزعة الفردية: ومفادها تفرد الإنسان بذاته واستقلاله بها عن السلط الخارجية عنه

ب- الحق في النقد: ويستلزم أن من حق كل شخص ألا يقبل إلا ما يبدو له مبرراً ومعقولاً

ج- استقلالية الفعل: أي أن الأزمنة الحديثة كفيلة بالإجابة عن كل ما يفعل الإنسان

د- الفلسفة المثالية ذاتها: فهي بالنسبة لهيجل من صنع الأزمنة الحديثة ذاتها.

مبدأ الذاتية هذا، وراءه عدة أحداث تاريخية فارقة فرضته، تتمثل في : “الإصلاح الديني والأنوار والثورة الفرنسية، إذ أصبح الإيمان الديني لدى “لوثر” تأملياً، وفي عزلة الذاتية انقلب العالم الديني إلى واقع مشيد من طرفنا نحن”[39].

مع (هيجل) تحول الدين إلى فكر، وتحول هذا الأخير إلى وجود. حيث أنه لم يكتف “بتأسيس الإيمان بالله وبخلود النفس على أساس عقلي كما فعل ديكارت، كما لم يكتف بالحديث عن الدين في حدود العقل كما فعل كانط، بل تحدث عن الدين باعتباره هو الفلسفة، كما نظر إلى العقيدة باعتبارها هي الوجود”[40]، فتحول الله إلى مطلق والوحي إلى معرفة مطلقة والشريعة إلى قانون مجرد.

إن الأزمنة الحديثة هي ما يسمو فيه الإنسان إلى مرتبة القدرة والإرادة الحرتين، مما يخوله أن يمتلك كنوزاً كان القدامى ينسبونها للآلهة. من الواضح إذن، أن مبدأ الأزمنة الحديثة ومبدأ الذاتية يؤسسان للحداثة الواعية بذاتها من خلال فعل الإنسان في التاريخ، عكس ما كان عليه الأمر مع (كانط) حيث لم يكن مبدأ الذاتية فاعلاً بوعي واضح.

 فمفهوم التاريخ بالنسبة لهيجل يلعب دوراً أساسياً للغاية، ويختلف عما كان يفهمه من الكلمة فلاسفة القرن الثامن عشر. لا يعني التاريخ عنده مجرد الماضي الموروث، بل يعني منطق الأحداث ومحركها الباطني. أي المجال الذي تتبلور فيه الحقيقة المطلقة كسيرورة، وبالتالي لا ينعكس في الذهن بمجرد ما يتحرر المرء من الأوهام الموروثة، إن المطلق يتجسد في أدوار تاريخية مطردة، يتمثل كل دور في دولة تنتج حضارة متمثلة في أعمال فكرية وفنية وثقافية…الخ.

الدولة هنا عند هيجل لا تحضر كتحليل لتجارب تاريخية، بل “كتحليل لفكرة الدولة، أي كيف نفهم الدولة كشيء عقلي؟ وهو لا يفعل ذلك على نحو مجرد، وإنما بنظرة نقدية للطبيعة البشرية من ناحية، والتاريخ الفعلي للدول من ناحية أخرى”، ذلك لأن المهم في تنظير الدولة ليس هو إنتاج بنية سياسية مثلى، وإنما اكتشاف المبادئ الأساسية طبقاً للمطالب العليا للعقل والأخلاق مع الاهتمام بالتطبيق والممارسة.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

* المراجع المعتمدة في هده الدراسة

1.Beaudrillard Jean,« La modernité » in,Encyclopédia Universalis, corpus 15, Paris, 1992.

2.Alexis Nouss, La Modernité, collection que sais-je ? Paris, PUF, 1995.

3.Danilo Martuccelli, sociologies de la Modernité: l’itinéraire du XXe siècle, collection folio, 1999.

4.Jurgen Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, NRF, Gallimard, 1988

5.Raymond Boudon et François Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, PUF, Paris, 3ème édition, 1990.

6.La querelle des anciens et les modernes XVII-XVIII siècles, Textes réunis par Marc Fumaroli, collection folio classique, Gallimard, 2001.

7. محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000

8. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية (6) دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004

9. نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدها للنشر الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004.

10. مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 104، يناير 2001.

11. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها/ دفاتر فلسفية (11)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006.

12. حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الرابعة، 1990.

13. رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968

14. المفاهيم تكونها وسيرورتها، (ندوة) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 87، الطبعة الأولى 2000.

15. مجلة فكر ونقد:  السنة الأولى، العدد 04، دجنبر 1997

الهوامش


[1]Beaudrillard Jean, « La modernité » in, Encyclopédia Universalis, corpus  15, Paris, 1992.P . 552

[2]Beaudrillard (J), Encyclopédia Universalis P . 552

[3]Beaudrillard (J), Encyclopédia Universalis P . 552

[4]Ibid, P.552

[5]Ibid, P.552

[6]Ibid, P.553

[7]Ibid, P.553

[8]Raymond Boudon et François Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, PUF, Paris, 3ème édition, 1990 , P . 396

[9] Boudon Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie , P . 397

[10]Boudon Bourricaud, Dictionnaire Critique de la Sociologie, P . 399

[11]Ibid, P. 400.

[12]محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000   ص 44

[13]ألفن توفلر: حضارة الموجة الثالثة ، وارد في : محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية (6) دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004 ص 31

[14]إيزنشتات س.ن، حداثات متعددة، ترجمة عاطف أحمد ، مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 104، يناير 2001. ص 98

[15]شارل بودلير : الحداثة الفنية ، ضمن كتابه: رسام الحياة الحديثة 1863 ، محمد ابن طلحة ، وارد في : محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I دفاتر فلسفية (11)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006. ص 18

[16]شارل بودلير : الحداثة الفنية ،  سبيلا و بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I دفاتر فلسفية (11)، ص 19

[17]Jurgen Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, NRF, Gallimard, 1988, P. 10

[18]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité , P. 10

[19]La querelle des anciens et les modernes XVII-XVIII siècles, Textes réunis par Marc Fumaroli, collection folio classique, Gallimard, 2001 , P. 96

[20]Fumaroli, La querelle des anciens et les modernes, P.803

[21]Ibid,P 824

[22]Alexis Nouss, La Modernité, collection que sais-je ? Paris, PUF, 1995,P. 11

[23]نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدها للنشر الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2004. ص 78.

[24]رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1968 ص 109

[25]نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، ص 75

[26]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 22

[27]Ibid, P 22

[28]Ibid, P 23

 [29]ايمانويل كانط ، ما هو التنوير؟ ترجمة اسماعيل المصدق ،مجلة فكر ونقد:  السنة الأولى، العدد 04، دجنبر 1997.ص 144

[30]كانط ، ما هو التنوير؟مجلة فكر ونقد ، ص 144

[31]محمد المصباحي ، مفهوم التنوير من خلال مقالة كانط  ، “ما هو التنوير”؟  المفاهيم تكونها وسيرورتها، (ندوة) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 87، الطبعة الأولى 2000 ، ص 129

[32]كانط ، ما هو التنوير؟ ص 148

[33]نفسه ، ص 147

[34]نفسه ، ص 149

[35]محمد المصباحي ، مفهوم التنوير من خلال مقالة كانط  ، “ما هو التنوير”؟  ص 140

[36]Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 6

[37]هيكل ، ظاهريات الروح ، ص 162 ، محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها I ، ص 45

[38]Habermas, op , cit , P 19

[39]Habermas, P 20

[40]حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الرابعة، 1990، ص 145

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

The post سؤال الحداثة والتحديث: بحث في المرجعية الفكرية والتاريخية للحداثة – بقلم: هشام الهداجي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 5408