الوجود والعدم - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الوجود-والعدم/ مكتبة شاملة Sat, 21 Oct 2017 16:26:51 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 الوجود والعدم - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/الوجود-والعدم/ 32 32 116455859 صيغ الوجود عند مارتن هيدجر https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/ https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/#respond Sun, 09 Jul 2017 09:58:59 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=12312 صيغ الوجود عند مارتن هيدجر – بقلم: عماد الحسناوي يعتبر كتاب الوجود والزمان عند هيدغر من بين أهم كتبه الفلسفية، حيث إهتم فيه بقضايا عدة من بينها فكرة الوجود. يرى […]

The post صيغ الوجود عند مارتن هيدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
صيغ الوجود عند مارتن هيدجر – بقلم: عماد الحسناوي

يعتبر كتاب الوجود والزمان عند هيدغر من بين أهم كتبه الفلسفية، حيث إهتم فيه بقضايا عدة من بينها فكرة الوجود. يرى هيدجر أن معظم التصورات التي جاءت قبله لم تعطي أهمية للوجود على عكس الموجود, وهذا واضح منذ أفلاطون وكانط، وهيجل وهوسرل ثم نيتشه، فأفلاطون في نظرية التذكر يرى أن النفس كانت في البداية في عالم المثل و إرتكبت خطأ وثم سجنها في الجسد, أي أن الاحتكاك بالاشياء ماهو الا مناسبة لتذكر حقيقة الأشياء الموجودة في عالم المثل. ويرفض الديكارتية كونها تركز على مفهوم مصدر الذاتية، اي أنها تقصي العلاقة الموجودة بين الإنسان والله والأرض والسماء أو ما يسميها هيدجر بفكرة الرابوع.وينتقد الكانطية التي تقول بوجود مقولات قبلية أي أن الإنسان يأتي إلى العالم مجهز بمفاهيم. ينتقد هيجل في في فكرة الروح المطلقة وعدم فصله بين ماهو معقول وماهو واقعي.وإنتقد هوسرل لانه عاد للتجربة الاصلية أو ما يسميها بالعالم العيش. وينتقد نيتشه في عدم قدرته على تجاوز الميتافيزيقا لانه في نظر هيدغر تخلص من القيم القديمة لكنه وضع مكانها قيما جديدة تتأسس على إرادة القوة. وبهذا يقول أن كل هذه التصورات تلخص الوجود في الموجود وهنا يقول هيدغر ” الخطاب الميتافيزيقي هو خطاب يقيم تطابق بين الوجود والموجود ويلغي الإختلاف الأنطولوجي الموجود بين الوجود والموجود.” وقسم الوجود الى قسمين الوجود لذاته والوجود في ذاته وهيدغر يفضل الوجود لذاته لانه مرتبط بالعيش الى جانب الكائنات الأخرى وهذا ما جعله سيتخدم مفهوم الدازيين اي الإنسان الذي يعيش في العالم مع وبجوار الكائنات الأخرى. هذا يحيلنا الى إشكال ماهي صيغ علاقة الإنسان بالعالم ؟ صيغ وجود الإنسان في العالم هي :

1- صيغة الانشغال و الاهتمام : تعني هذه الصيغة أن الإنسان ينظر إلى العالم نظرة تأسس على المنفعة، فالعالم هو موضوع لإشباع الرغبات وحاجات الإنسان, بالتالي فالنظرة المتحكمة هي النظرة البراغماتية والاذاتية (تحول العالم الى أدوات). ولهذا يقول هيدجر أن صيغة الإنشغال والإهتمام هي عائق للبلوغ الى حقيقة الوجود. بالتالي لمعرفة حقيقة العالم عليه أن يتخلص من هذه النظرة الأذاتية، وإلا سيتحول بدوره إلا أذات وهنا أستحضر قولة (لاحد المفكرين عندما ردة على صديقه المتأثر بالاشياء المادية, كان يسأله دائما عن الاشياء المادية الثمينة.وقال له المقكر: الأشياء التي تمتلكها أصبحت تملكك) وهنا يقول هيدغر “سيفقد الانسان الإحساس بالعالم من حيث هو عالمه.” ويقول هيدغر أن الصورة البراغماتية هي صورة الانسان العامي الساذج وبالتالي فهي تحول نظرة الانسان من نظرة خالصة للوجود الى نظرة في الموجود، هذا ما ثم تكريسه في ظل الحضارة الصناعية. لكن الانسان يستطيع عبر هذه الصيغة باعتباره كائن يعيش داخل المجتمع أن يغير شكل العالم ومعناه ويضفي على العالم معنى جديد، وهذا ما جعل الإنسان عند هيدجر قدرة على الوجود، اي أن وجوده لم يكتمل بعد. بالتالي عندما يعي الإنسان ذاته كإمكانية فهو يسعى أن يؤصل وجوده ويكون وجوده ضروري وليس عرضي. هذه الصيغة تقودنا الى صيغة ثانية.

2- صيغة الهم : كل فرد كيفما كان يسعى بشكل كبير أن يتميز عن الأخرين بمختلف الطرق. فهو لا يكاد يتخلص من حاجة حتى يسقط في حاجات أخرى وتربطه بقيود جديدة فهي تشكل كما وصفها د.محمد أندلسي قوة تمارس الدكتاتورية بدون الديكتاتور، وكما أسميها أنا بالسلطة الخفية. ليست عبارة عن شخص فهي لاوجود لها ولا هوية لها (غفل) هذه القوة هي التي يطلق عليها هيدجر الهم يمكن القول أنها هي نفسها الانا الاعلى عند فرويد بمعنى كل ما يلتصق في ذاكرة الانسان من مشاعر وأحلام ومعتقدات وأوهام… بهذا يكون الهم يمنع كل إنسان من أن يتخد كل قرار لنفسه فهو يجعلنا بدون مسؤولية بل أكثر من ذلك بدون جرية و إستقلالية، يجعل الفرد يختار وفق ما يناسب متطلباته. إذن كيف يمكن التخلص من سلطة الهم ؟

3- صيغة الوجود المشروع والغير مشروع: فالوجود اللامشروع هو وجود بدون حرية وكرامة وقيمة، فهو الوجود العدمي للانسان. فهو وجود الشخص الخاضع لسلطة الهم. كيف يمكن التخلص من هذه القوة ؟ في نظر هيدغر الخوف والقلق هما القادرين على تحرير الانسان من الهم. فالخوف هو خوف من شيء ما محدد ويشكل تهديد للذات الإنسانية. بينما القلق هو مفهوم مهم عند هيدجر لان تجربته مع القبظلق في علاقته بفكرة العدم، فهو يرى أن الانسان يقلق وذلك راجع لإدراكه بأنه محكوم في النهاية بالموت الذي هو العدم نفسه، والقلق ليس هو الخوف؛ فالقلق الذي عايشه مارتن هيدجر ومنحه الإلهام لبناء نظريته ومفاهيمه، والذي تميز بكونه موضوعا غير مفهوم ومبهم، لم يكن مرتبطا بالشعور بالذنب بعد إرتكاب خطيئة ما كما عند سيرن كيركيجارد، وإنما نشأ من الخوف من العدم، وكان مصدره الوجود وهنا يقول هيدغر “وما القلق إلا حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق.” وبهذا يكون الخوف هو إنفعال يدفع الإنسان الى الهروب من الواقع عبر الثرثرة والفضول والإلتباس ،ويلتجئ الانسان الى هذه الأشياء خوفا من مواجهة العدم، في حين نجد القلق هو الذي يجعل الانسان يتعرف على وجوده اللامشروع وبهذا يكون القلق عند هيدجر الألية التي تهدم ما يبنيه الهم.

4- صيغة الوجود من أجل الموت : هذه الصيغة ليست كمالية للانسان وإنما تدميرية كليا له. يقول هيدغر “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعلم أنه سيموت.” بالتالي فهو يعي أنه سيموت لوحده. بهذه الصيغة الجديدة يكون الإنسان عند هيدغر لم يكتمل بعد فوجوده مؤجل، فالموت يرغم الفرد أن يجعل منه سببا وحيدا لوجوده ، لان موته هو الإمكانية الأخيرة، وهذا ما يجعل حرية الإنسان عند هيدجر تكون سلبية لانها تضع الإنسان في حيرة وأمام إختيارين إما الحياة الكاذبة أو الموت. إذن الموت عند هيدجر هو الذي يجعل الفرد يمتلك ذاته في أعلى درجة، لان بمواجهة الموت تنكشف الحرية ليكون الإنسان ما يريد أن يكون، وكأن الموت لا يدفع بدوره الى الهروب من الحياة نحو ضلالات الهم، بل يدفعه إلى أقصى إمكانته والحرية العميقة .

The post صيغ الوجود عند مارتن هيدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/feed/ 0 12312
الغاية من التطور والوجود: الصراع الأبدي – ماريا بوبوفا https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d8%af/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d8%af/#respond Mon, 28 Nov 2016 17:38:44 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=4820 ” وفي اللحظات النادرة من الصراع، يجب علينا ترك عواطفنا جانبا للشعور بالذات، وتقليص الوقت، وتجاهل الألم والجلوس بهدوء في الوقت الحاضر ومشاهدة عجائب الدنيا“ في صباح أحد الأيام من […]

The post الغاية من التطور والوجود: الصراع الأبدي – ماريا بوبوفا appeared first on المكتبة العامة.

]]>
” وفي اللحظات النادرة من الصراع، يجب علينا ترك عواطفنا جانبا للشعور بالذات، وتقليص الوقت، وتجاهل الألم والجلوس بهدوء في الوقت الحاضر ومشاهدة عجائب الدنيا“

في صباح أحد الأيام من شهر تموز، وخلال رحلة بحثية إلى جزيرة نيو انغلاند الصغيرة التابعة لمقاطعة نانتوكيت، في موطن عالمة الفلك الرائدة ماريا ميتشل تتحدث قائلة  لقد مررت بتجربة مثيرة غير إعتيادية، أثناء سباحتي اليومية في المحيط لفت نظري شيء غريب، بدا وكأنه أنبوبة التنفس للغطس، ولكن عندما أمعنت النظر في ذلك الشيء، أيقنت بأنه طائر جليل ذو رقبة طويلة متلألئة، حينها انتابني الفضول، فبدأت السباحة نحوه بخفة وحذر، وكنت أقول في نفسي أن هذا الطير سيرحل بعيدًا بمجرد اقترابي منه، فأصبح الأمر مربكًا.

      لكنه خيّب ظني حينئذ، إذ أنه لم يحرك ساكنًا، وبدلاً من ذلك سمح لي بالنظر إليه وكان هذا الطائر الملكي أذن لي متعمداً، حيث كانت النظره الأولى تتسم بالهدوء والحذر، ثم اختار هذا الطائر ألا يطير، أو حتى يغير مساره كما تفعل الطيور الأخرى؛ أنذاك أقدمت على الاقتراب جدًا منه حتى تمكنت من رؤية انعكاسي بعينيه، وأصبت بالذهول من صمت وسكون هذا الطائر العجيب؛ وبعد حين بدأت أنا وهذا الطائر الملكي بالسباحة سويًا جنب إلى جنب وأنا أسبح بذراعي وهو كذلك يسبح بجناحيه، لقد كنت حذرة أثناء سباحتي حتى لا أؤذيه، لكن اتضح لي أنه ماهر في السباحة، لقد كاد أن يسبقني، وأيقنت بعدها أنه ينتمي إلى فصيلة طيور الشماط، التي تمتلئ بنشاط متوقد ما بين المثابرة والثبات، لقد كان لقائنا مثيرًا وشعرت حينها بأنني قد منحت الوصول إلى شيء هائل وأبدي.

bird_mariapopova      لقد كان هناك بالطبع فارق الخبرة، وهذا ماكان جليًا لي حينئذ؛ هذا النوع من الروايات ينتمي إلى مدرسة ديانا أكرمان، واحدة من أكبر رواة العلم في عصرنا هذا، والتي سردت الكثير من الروايات ودمجتها في مجلد (الصراع الأبدي)، والتي وضعت بعد ذلك في المكتبة العامة، وتلك الرواية التي تعبر عما تذخر به البرية من أصناف الكائنات والطيور البرية، تلك المشاهدات التي تجعلنا دومًا في دهشة مستمرة.

       لقد قامت أكرمان بكتابة الكثير من الروايات الشيقة، والتي تحكي وتسرد جمال وأسرار الطبيعة الخلابة، وتقارن بين قوة الطبيعة وظواهرها، وبين قلة خبرة البشر وعجزهم عن تحدي الطبيعة بظواهرها الجميلة، التي استقتها من جيرمي بنثام، الأب المؤسس للنفعية، والتي رأى الكثير بعد ذلك أنها عديمة المنفعة، لكن أكرمان عقبت على ذلك قائلة إن العواقب التي ينطوي عليها تحدي الطبيعة تكمن في طبيعتنا العاطفية نحن البشر.

       كما وجدت أركمان أيضًا (الصراع الأبدي):

 

“أننا نحن البشر نبحث عن الشموخ والكبرياء كما نبحث دومًا عن سد النقص والفراغ الذي يعاني منه الكثير منا، ولقد عبرت عنا هذه القصة أننا مجرد رهائن لهذه الطبيعة ونخضع لسلطتها وتغيراتها، وهي التي تؤثر فينا، أما فيما نفعله نحن البشر، سواءً الممطالة والتحدي والقيام بماهو خارج عن إرادتنا أملا في إثبات الذات أو بالأنانية البعيدة كل البعد عن الثقة بالنفس ولكن الرد كان بالمقابل أنها أثبتت من هي ومن نحن.”

thewhitecatandthemonk01

قامت سيدني سميث من خلال أعمالها الادبية مثل القطة البيضاء والراهب والتي صدرت في القرن التاسع عشر وكانت مثالا للتعبير عن تنوع الخبرات المتعاقبه بين مختلف الأجيال والطبيعة

قبل الدخول في سرد الأبعاد الفسسيولوجية والروحية لقصة (الصراع الأبدي)، قامت أركمان بتحليلها بنفسها، وتوضيح نظرة التطور فيها من خلال شرح الأبعاد النفسية والروحية، ودراسة وظيفتها التطورية باعتبارها مقياسًا لتطور الوعي، وأنها ربما تكون أكثر دقة، كتبت التالي:

 

“لماذا هذا التنافس بين البشر دائمًا؟ حيث أن جميع مقومات الملحمة البشرية في الحياة تتطلب هذا التنافس مما أدى إلى تطورنا في الحياة،  وكان له الأثر في كشف الكثير من أسرار الطبيعة والتوجه إلى كل ماهو مفيد ويسهم في تقدم البشرية، ويؤدي إلى ازدهار الحياة والثقافة، فاللغة مهمة للتفاهم والحوار، وهي تلاعب في الكلمات داخل العقل وأيضًا هي وسيلة لتحقيق التواصل بين البشر لشرح المعاني و الأفكار المجردة، فتواصلهم مع بعضهم هام جدًا لتحقيق أعلى مستوى من الرفاهية في المعيشة.

[…]

إنه لمن المألوف لنا والراسخ في أذهاننا منذ طفولتنا أن هذا الصراع والتنافس بين البشر أمر مفروغ منه، ولكن هذا لا يحدث في مجتمعات النمل، فالنمل مثال للتعاون والمشاركة حيث أن هذا السلوك يجب أن تتم تربيتنا عليه منذ الصغر، وتعليمنا إياه عن طريق التكرار و شحذ المهارات، فبالمقارنة مع الحيوانات، فإنها تقوم بالتنافس تارةً، والتلاحم فيما بينها تارةً أخرى من أجل البقاء على قيد الحياة، أما نحن البشر فنحسب في هذا التلاحم فرضًا للسيطرة، في الحقيقة أن هذا التنافس الواقع بين البشر خطر، لكنه شر لابد منه، فبدونه تتأثر البشرية والإنسانية، حيث إن كل إنسان يحاول أن يثبت مهاراته أمام الآخر والعكس، وإبراز علمه وقدرته إما في الاستحواذ على الشهرة أو المال أو السلطة، والتي تعود عليه وعلى الآخرين بالنفع.”

leoghoststory5

قطعة فنية من قبل كريستينا روبينسون من رواية: حكاية الشبح ليو

جسدت أكرمان أيضًا هذا المفهوم من خلال قصة شخص عبقري، وهو عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين، وذلك أملاً في تحليل عبقرية هذا العالم النابغة، ولمحاولة تفسير لماذا هذا التنافس متأصل وراسخ فينا نحن البشر، فأفادت أركمان بأن ذلك يرجع لعدة عوامل، منها العوامل الوراثية للبشر وأطباعهم وعاداتهم المجتمعية.

 

“يتطلب الصراع الحرية قبل كل شيء، والمرء قد يختار الصراع، وقد يجبر على قوانينه، ولكن الصراع ليست مثل الصراعات العادية في الحياة. وإنما هنالك أوقات تكون فيه الحرية مطلب، كما في الاعمال الادبية لكاترين ستانجل مثل قصة الدب القوي.”

strongasabear_stangl1وتوصلت أكرمان من خلال الاشتقاق اللغوي لكلمة الصراع:

 

“تنطوي معظم أشكال الصراع على المنافسة، إما ضد المرء ونفسه، وإما ضد الآخرين، حيث يتم فيه قياس الشجاعة والمكر والمهارات الشخصية الأخرى بين البشر، وهنالك أكثر من قول يؤكد أن معظم أنواع الصراع تتبع نوعًا واحدًا، أو أنواعًا أخرى معينة، يكون الخصم فيه ظاهر كالجبل، أو مخفيًا  في حاسوب يلعب الشطرنج، أوشرًّا مستنسخًا، والصراع هو المجازفة، والمجازفة هي الصراع، وهذه كلمة القتال معناها مستمد من كلمة الصراع، والذي يأتي من المبارزة أو القتال أو المصارعات خاصة في بطولات القرون الوسطى،  بحيث تُتّبع قواعد عند الصراع، ويُعمل وفق شروط تجعل الوضع مقلقًا، وينذر بالخطر، وذو نتائج غير معروفة، وهذا هو أساس الصراع بين البشر، أما فيما يخص الرقص المسالم في الاحتفالات، فإنه يتم من خلال مقارنة ذلك بما هو شائع ومنتشر في المناطق التي تطبق الأنجلو سكسونية، فإنه يتم إضافة بعض الحركات والإيماءات من الغناء والرقص و التصفيق وحركات سريعة أخرى.

لكن عندما نمعن النظر، ونعود سويًا إلى الوراء، لندرك أن معنى هذا الاعتقاد أو الرأي كان مختلفًا عن ذي قبل، لنكتشف أن المعنى الأصلي أيضًا كان مختلفًا تمامًا عن ذي قبل، حيث كان أكثر إلحاحًا وتجريحًا وتجريدًا، وكمثال لنا في الهند والدول الأوروبية، كان سياق الحوار، أو السيناريو للصراع، هو تقديم التضحية بشخص ما، أو بشيء ما، من قد يكون هذا الشخص أو هذا الشيء؟ احتمالات الخسارة كثيرة، وقد يشمل ذلك أحد أقاربه دون النظر إلى أي قيم دينية، أو عامل أخلاقي، فلا إعتبار لهما. كما أن تلك الفكرة مثبتة، ولا يزال العمل بها مستمرًا، وسرعان ما قام البليجان بربط أداء الأفعال المقدسة وإقامة العدل بها حتى أصبحت تظهر باحتفالات كثيرة.”

ولكن في حين قد تكون فتنة الصراع في كونه أبديًا؛ حيث ركزت أكرمان على استكشاف و تفسير أعمق وأسمى نوع من الصراع، فركزت على أكثر الأشياء حماسية وأقرب إلى المتعة، وذلك الأمر هو الذي سيساعدنا على الوصول إلى كمالنا الخفي. تقول شارحةً النقطة الرئيسية:

 

“يعتبر هذا الصراع نوعًا من الصراعات الاندفاعية الهوجاء،  بالرغم من أن كل العناصر ظاهرة وواضحة، حيث تم تقسيمها على أساس المزاجية، لا التفاعل مع الآخرين، وكان تقسيمها طبقًا لما يحدث أو يطرأ من أمور لا يتضمن الصراع الأبدي الألعاب، ولكن يحتوي على بعض الأنشطة المعرضه للانتقاد: كالفن والدين وبعض الرياضات المخصصة للمناطق النائية البعيدة، والتي تمتاز بالصمت والسرعة مثل الغوص والقفز بالمظلات والطيران الشراعي وتسلق الجبال.

ودائمًا مايحتوي الصراع الأبدي على القدسية، ويختفي في أكثر الأماكن المحتملة، أو المتواضعة، وسط الارتفاع الشاهق لصخور النيبال مثلاً، أو الجلوس  في غرفة ذو إضاءة خافتة، أو التمدد على العشب الصناعي، أو التخفى بقناع قشرة جوز الهند؛ نحن نمضي حياتنا في السعي للحظات من شأنها أن تسمح لهذا بالحدوث. كما حصل في الرواية الأدبية للكاتبة موريس سينداك في “نافذة كيني المنسية”، وهو أول كتاب فلسفي للأطفال.”

mauricesendak_kennyswindow10كما اكتشفت أركمان أن هنالك ثمة اختلاف هائل وجوهري بين مصطلحين في غاية الأهمية يحملان نفس المعنى تقريبًا، ومرتبطين بمفهوم الصراع الأبدي، وهما الإثارة والمتعة، حيث أنهما يمثلان أهم الركائز الأساسية لصراع الأبدي والمكونان له

 

“وأحد أهم المصطلحين هي الأثارة التي يشعر بها الأنسان ويجب أن تكون بمقدار معين ويتم التحكم بها لعدة عوامل أولها حتى لا نغرق في ظلم أنفسنا أو الغرور أو شر المفاجئات، ونمثلها بأنحدار شديد من سفح الجبل، أو ماشبه ذلك، وهنالك مقولة في العصور القديمة اليونانية بأن هذا الشعور الزائد بالفعل مخيف ويبعث على عدم الطمأنينة، ودللوا على ذلك بمثال ثقة الطائر الجارح في نفسه البهجه والسرور الذي يناله ويسعد به حالما وجد فريستة انقض عليها فهذا الشعور قد يتصف بالغرور في بعض الأحيان لأنه لا يعلم ماقد تفاجئه به تلك الفريسة من مقاومه ودفاع قد تكلفه حياته وهذا ماينطبق على الانسان وقرارته في الحياة.

ويأتي المصطلح الثاني بنفس السياق والمعنى من المصطلح الأول، فالإثارة التي لا تختلف كثيرًا عن مفهوم المتعة، ووجدوا أن الإثارة تحدث وأنت محلق  في السماء أو بمعنى خيالي يعتمد على أفكارا بعيدة عن المنطق والعقل، في حين وجدوا أن المتعة تتم على أرض الواقع بعيدًا عن أي خيال وذلك ما توصلوا إليه في العصور اليونانية القديمة، ونتيجة لذلك هنالك الكثير من كلماتنا اليوم تعكس ببساطة أين وكيف تقاس الأشياء: المسمى و الحالة والتحديق والحيوية والصمود والثبات والقوانين الأساسية، لكن توجد هنالك المئات من الكلمات الأخرى التي لايمكن توقعها، أما بالنسبة لليونانيين معنى المتعة هو الوقوف خارج الذات كيف يعقل ذلك؟ من خلال الهندسة الوجودية. وهي نظرية أرخميدس المعلنة في القرن الثالث قبل الميلاد  ’’أعطني مكانًا للوقوف‘‘ ’’وأنا سوف أحرك الأرض‘‘ ، ويدرك العقل المتعة عند الأنفجار ضحكاً، و النشوة للتحليق في الأحلام، أو الشوق للطيران عبر المحيط مع الدلافين، وذلك يجعلنا ممتلئين بالإثارة.”

ويكاد أن يكون من الصعب والشيء الغريب أن معظم عناصر الصراع الأبدي يحتاج العثور عليها جهودًا كبيرة، ومن منطلق الفلسفة اليونانية القديمة إلى فكرة فرويد “الشعور بالمحيطات” إلى اقتباسات مهايلاي لفهم طبيعة التجربة الأنسانية؛ ونعود مرة أخرى إلى اللغة أهمية اللغة تكمن في أنها وسليتنا في التعبير عن مافي أنفسنا؛ وتتأمل أكرمان في الصراع الأبدي في خصيصة فريدة للوجود:

 

“الصراع الأبدي هي السمة المميزة والرائعة لكونك إنسان، حيث أنها تكشف عن حاجتنا للحصول على الغرض الذي يحيى الانسان من أجله، ألا وهو فرض النفس وفرض السيطرة مع مزيج من التعالي، ومع استبعاد الشعور بالعاطفة، فلغة القسوة هي اللغة المستخدمة والأكثر حداثة والتي تجعل من المشوق لبلوغ هذه المرحلة وهي هدفها الأساسي لدى بعض فئات البشر الذين يجدون المتعة في الرقص والمسيقى وهذا وذاك … إن الأمر يتطلب تفسيرًا. فمن تفسير الكاتبة أن هذه الفئات الغريبة التي يغلب عليها طابع الأنانية يتناسون ما أمرهم به دينهم وحثت عليه كل الأديان، ولكن إذا نظرتم لشعائر الدينية والقداسات التي أُقيمت لهذا الغرض لعرفتم الفرق فعلا.”

إدخال القراءة المكثفة في الحياة اليومية للشباب، حيث أنهم أكثر الناس تعرضا لهذه الحالة لما هم مملئون به من الحيوية والنشاط والرغبة في إثبات الذات، وهنالك عدة طرق يرونها عاملاً مهمًا لتحقيق مرادهم، فيجدون في السفر فرصةً وملاذًا لتحقيق طموحاتهم وأحلامهم مما يزيد من فرص تحقيق ما تحدثنا عنه، وهو الصراع الأبدي الذي يظهر جليًا في التنافس بين الإنسان وذاته وبين الاخرين، تقول أكرمان:

 

“وحين يدخل المرء إلى واقع بديل مع احترام قواعده وقيمه الخاصة وكذلك توقعاته، قد يجد الكثير من الفروقات بين الثقافات، ومع توفر المتطلبات التقنية والأخلاقية التي لاتعد ولا تحصى، وان له توجه واحد بطريقة جديدة كليا وساحرة لتبرز معنى الحياة النقية … قد يختاره لتصفية نفسه من الأفكار المسبقة والأفكار المحبطة والأراء السلبية وأيضًا يختار البدء بذهن صافٍ، حيث أنه اختار أن يكون ساذجًا منفتحًا بكلية على العالم، لمرة واحدة عندما كان طفلاً، إذ أن هنالك من يتعرضون للسخرية حينما يطبقون الصراع وهذا أمر مفروغ، لا مفر منه، وذلك التطلع هي براءة الأطفال، فالطفولة في السماء هي أن تكون راشدًا، والرشد في السماء هو أن تكون طفلاً مجددًا.

[…]

كما أن العالم يحد من انتشار الطاقة ويجعلها صغيرة ومتمركزه في المنتصف حيث كل مايفكر به المرء ويحركه هو من فقط أجل الخلاص. الاحساس بقدوم الربيع هو ما يجعلك تمتلأ بالأحاسيس مجددًا، وفي الوقت نفسه يبدأ بقية العالم بالانحسار، وذلك عند فك ارتباط من ارتباطات الحياة مؤقتًا كالأسرة مثلاً أو العمل أو الأشياء التي فرضناها على أنفسنا.”

aliceinwonderland_zwerger1

لكن ربما كانت هناك سمة واحدة محسوسة من الصراع الأبدي وهي الطريقة التي تتغير فيها خبراتنا المشوة من الوقت وذلك عن طريق إستدعاء مكان الاندفاع والسيطرة الذي يتقاطع مع الوصول إلى الوجود، هنالك مقولة تدعى كافكا وهي أن ’’ الواقع لا يعني بالضرورة الوصول بشكل أفضل، وإنما الوصول المباشر إلى لحظات المرء الخاصة‘‘ وتعتبر أكرمان أن قوة الصراع الأبدي تكمن من خلال منظور الوقت:

 

“في الصراع الأبدي شعور المرء بالوقت يبدأ بالتلاشي مع مروره.

[…]

نحن نريد إظهار القوة في الحياة والشعور بقوتها الحقيقة واجتياحها، وأننا نريد أيضًا أن ننهل من المصدر، وفي اللحظات النادرة من الصراع، يجب علينا ترك عواطفنا جانبًا للشعور بالذات، وتقليص وتجاهل الألم، والجلوس بهدوء في الوقت الحاضر ومشاهدة عجائب الدنيا … وعندما يحدث ذلك، تصبح لدينا خبرة وزيادة في الشعور والامتنان، ولا شيء يلزمنا سواءً كان فكرًا أو قولاً.

[…]

عندما يدخل المرء في عالم الصراع الأبدي، يبدأ ماضي المرء و مستقبله بالتلاشيء، فما يهمهم هو اللحظة الحاضرة فقط، والاحتياجات والتوقعات والمخاوف، والخطايا الحقيقة أو الوهمية، العالم في أعماق الصراع هو جديد، استيعاب كامل، والكمال والحكمة  مطالب فريدة من نوعها، بحيث أنها تكون قادرة على التدخل بشكل مؤقت من خارج الحياة الطبيعية، لمحو جميع الذكريات والحنين ، لتكون على قيد الحياة بقوة دون الحاجة إلى الوعي الذاتي يمكنك فعلها بالعودة للبراءة ولو لفترة قصيرة.

وختامًا، وفي ما تبقى من مضمون الصراع الأبدي كما وعدت أكرمان بأنها ستكشف عن أنواع الخبرات التي تمنحنا الدخول إلى هذا العالم المقدس والحالة المزاجية وكذلك الحالات الذهنية، وتوجهات النفس التي تجعلنا أكثر قدرة على التقبل والحاجة للتجربة كمثل صورة ليلية للأرض من الفضاء الخارجي لتبين لنا ما نحن عليه وما قد توصلنا اليه من تقدم ورفعة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

The post الغاية من التطور والوجود: الصراع الأبدي – ماريا بوبوفا appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d8%af/feed/ 0 4820
الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/#respond Tue, 20 Sep 2016 16:25:23 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=814 الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) خصص هيدجر هذا الحوار الطويل للمجلة الألمانية “دير شبيغل Der Spiegel” في شهر شتنبر 1966، قام به صحافيين لهذه المجلة رودولف […]

The post الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية)

خصص هيدجر هذا الحوار الطويل للمجلة الألمانية “دير شبيغل Der Spiegel” في شهر شتنبر 1966، قام به صحافيين لهذه المجلة رودولف أوغشتاين Rudolf Augstein و جيورج فولف Georg Wolff. لكن هيدجر أمر ألا ينشر الحوار إلا بعد وفاته. وبالفعل احترمت المجلة رغبته ونشرته أسبوعا تقريبا بعد وفاته، يوم 31 ماي 1976، في عددها الثالث والعشرين (ص 193 إلى ص 219)، وبهذا يعتبر آخر حوار منشور له. طُرح على هيدجر 87 سؤالا، خصص 47 منها لتهم ماضيه النازي، حيث دافع عن نفسه من هذه التهم بتقديم الدلائل والحجج. وبما أن هذا الموضوع لا يهمنا بالخصوص، على الرغم من أنه أسال مدادا كثيرا لمدة طويلة نسبيا، فقد ارتكز اهتمامنا على الأسئلة الأخرى، لأهميتها الفكرية والفلسفية، ولأنها تقربنا أكثر من طريقة تفكير هيدجر المتأخر.

 شبيغل: يعتبر مفهوم الديمقراطية مفهوما جامعا، يمكن جمع معاني مختلفة تحت لوائه. والسؤال هو ما إذا كان بالإمكان تغيير هذا الشكل السياسي. فقد عبرتم عن موقفكم بعد 1945 فيما يخص أهداف السياسة الغربية، تحدثتم في إطاره عن الديمقراطية وعن المنظور المسيحي للسياسة وكذا عن دولة الحق والقانون. وقد سميتم كل هذه المحاولات “أنصاف حلول Halbheiten”.

هيدجر: بداية أود أن تقولون لي في أي مكان تحدثت فيه عن الديمقراطية وباقي ما قلتموه. وبهذا أرى فيما قلتم ” أنصاف حلول Halbheiten”، لأنني لا أرى أي اهتمام لهذه السياسة بالعالم التقني، وسبب هذا في نظري هو التمثل الذي يعتقد بأن التقنية تحت سيطرة الإنسان، لكنني أعتقد بأن هذا الأمر غير ممكن. ذلك أن التقنية في جوهرها، لا تترك الإنسان يتحكم فيها.

 شبيغل: ما هي الإتجاهات السياسية التي قد تكون مواتية للوقت الحاضر؟

هيدجر: لا أرى أي اتجاه مما يوجد حاليا قد يكون هكذا. لكن السؤال المطروح حاسم. بدء، من الضروري توضيح ما تقصدونه بمواتي للوقت الحاضر، وماذا يعني هنا الوقت. أكثر من هذا التسائل هل ما إذا كانت المواتات مقياس “الحقيقة الداخلية” للسلوك الإنساني، أَوَلاَ يُعتبر المقياس هنا هو التفكير والشعر.

 شبيغل: من الواضح بأن الإنسان لم يكف أبدا عن تطوير أدواته في كل العصور. ألا يعتبر الأمر متشائما عندما نقول: لا يمكننا أبدا فهم الآلة الكبيرة للتقنية المعاصرة؟

هيدجر: لا، ليس هذا تشائما. يعتبر التشائم والتفائل في ميدان محاولة التأمل الحالي، مواقف لا توصل بعيدا. وبالخصوص كون التقنية الحالية ليست “أداة” ولم تعد لها أية علاقة بالأدوات/الآلات.

 شبيغل: لماذا قد تتحكم فينا التقنية بقوة؟

هيدجر: لا أقول بأنها ستتحكم فينا. أقول بأننا لم نجد بعد طريقا يطابق جوهر التقنية.

 شبيغل: قد يعارضكم المرء بطريقة ساذجة: ماذا على المرء التحكم فيه هنا؟ إن كل شيئ يشتغل. يبني المرء بكثرة معامل الكهرباء. يُنتج المرء بوفرة. يُعتنى بالناس الذين يعيشون في الجزء الأكثر تقنية للعالم بطريقة جيدة. نعيش في الرفاهية. ماذا ينقصنا هنا في الحقيقة؟

هيدجر: كل شيئ يشتغل. والعجيب في الأمر أن كل شيئ يشتغل وبأن الإشتغال يدفع أكثر وأكثر للمزيد من الإشتغال وبأن التقنية تُقلع الإنسان أكثر فأكثر من جذوره الأرضية. لا أعرف ما إذا كنتم خائفون، فأنا خائف على كل حال، عندما رأيت صورا من القمر إلى الأرض. لم نعد في حاجة لقنبلة نووية، ذلك أن قلع جذور الإنسان قد حلت. لم تعد هناك إلا علاقات تقنية محضة. لم تعد الأرض التي يعيش عليها الإنسان أرضا. ناقشت في الآونة الأخيرة مع روني شار René Char في البروفانس Provence، فهو كما تعلمون شاعر ومقاوم. يبني المرء في البروفانس حاليا قواعد للصواريخ وتتصحر المنطقة بطريقة لا يمكن تصورها. فقد قال لي هذا الشاعر، والذي لا يعتبر بالكاد عاطفيا ورومانسيا، بأن قلع جذور الإنسان الذي يحدث أمام عينيه هنالك هو النهاية، إذا لم يصل التفكير والشعر إلى السلطة بطرق سلمية.

 شبيغل: لابد أن نقول بأننا الآن هنا ولن نضطر للذهاب إلى مكان آخر في وقتنا الحاضر: لكن من يقول لنا بأن الإنسان هو الذي يقرر أن يبقى على هذه الأرض؟ قد نتصور بأن الإنسان لا يمكنه أن يقرر. لكن قد يكون من الممكن وصول الإنسان انطلاقا من الأرض إلى كواكب أخرى. بالتأكيد لن يكون هذا ممكنا في المستقبل القريب، لكن أهناك مكان مكتوب عليه بأن مكان هذا الإنسان هو على هذه الأرض إلى الأبد؟

هيدجر: أعرف انطلاقا من تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، بما أنني موجه على كل حال، بأن كل ما هو موجود وعظيم ظهر فقط لأنه كان للإنسان موطنا Heimat ومتجذرا في إرث ما. يعتبر أدب اليوم مثلا هداما إلى حدود بعيدة.

 شبيغل: تضايقنا هنا كلمة الهدم، وبالخصوص لأنكم أعطيتم لكلمة النيهيليزم في فلسفتكم معنى شامل. ولهذا السبب فإننا تفاجئنا لسماع كلمة العدم في علاقته بالأدب، الذي ترون بأنه جزء من هذا العدم.

هيدجر: ما قوله هو أن الأدب الذي قصدته ليس عدميا بالمعنى الذي أعطيته للكلمة.

 شبيغل: من الواضح أنكم ترون، وقد عبرتم عن هذا بوضوح، حركة عالمية قد تقود الدولة التقنية أو أنها تقودها بالفعل منذ مدة؟

هيدجر: نعم.

 شبيغل: جيد. من طبيعة الحال يطرح سؤال ما إذا كان بإمكان الإنسان الفرد التأثير في نسيج هذه الحتميات وما إذا كانت الفلسفة قادرة على ذلك، أو هما معا، بقيادة الفلسفة للأفراد أو لمجموعة من الأفراد للقيام بعمليات معينة؟

هيدجر: إذا كا بالإمكان أن أجيب باقتضاب، ولربما بعمق، بعد تأمل طويل، فإنني أقول بأنه لا يمكن للفلسفة التأثير المباشر في تَغَيرَات حالة العالم الحالي. ولا ينطبق هذا على الفلسفة وحدها، بل يشمل كل ما له معان وسعي إنسانيين. إن إلاه ما هو الذي باستطاعته إنقاذنا. ليس لنا إلا إمكانية التفكير والشعر لتهييئ ظهور الله أو اختفائه في سقوطنا: ذلك أننا سنهلك في غياب الله.

 شبيغل: هل هناك علاقة بين تفكيركم ومجيئ هذا الإله؟ هل هناك في نظركم أية علاقة سببية بينهما؟ أتعتقدون بأنه بالإمكان حث الله في التفكير؟

هيدجر: لا يمكننا هذا، ما قد نستطيعه على الأكثر هو إيقاظ الإستعداد للإنتظار.

 شبيغل: أيمكننا أن نساعد؟

هيدجر: إن إستعداد الإستعداد هو أول مساعدة. لا يمكن للعالم أن يوجد كما هو بواسطة الإنسان ولا يمكن أن يوجد بدونه. ولهذا الأمر في اعتقادي علاقة بحاجة الإنسان إلى ما سميته بـ “الكينونة”، وهي كلمة ورثناها منذ زمن طويل ولها معان كثيرة، ويعرف هذا الإنسان حاليا التباسا ما، لكي يتمظهر له العالم ويحافظ عليه ويشكله. أرى جوهر التقنية فيما سميته “الرف Ge-Stell”، وهو تعبير غالبا ما سخر المر منه ولربما يكون أخرقا. تعني ممارسة “الرف” بأن الإنسان مُرصَد، مُضنَى ومُتحدَّى من طرف قوة، تتمظهر في جوهر التقنية، وهي قوة لا يسيطر الإنسان عليها. ويعني هذا بأن الفكر لا يطالب بأكثر من هذا. لقد وصلت الفلسفة إلى نهايتها.

 شبيغل: اعتقد المرء في الأزمنة السابقة دائما، والآن كذلك، بأن للفلسفة تأثير كبير بطريقة غير مباشرة، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا إلا قليلا، وساعدت في ظهور اتجاهات جديدة. عندما يستحضر المرء أسماء فلاسفة كبار ككنط وهيجل ونيتشه، دون ذكر ماركس، فإننا نلاحظ بأن تأثير الفلسفة كان عظيما، حتى وإن لم يكن ذلك مباشرا. أتعتقدون بأن تأثير الفلسفة قد انتهى الآن؟ وعندما تقولون بأن الفلسفة القديمة قد ماتت، إنها لم تعد توجد، فهل يعني هذا بأن تأثير الفلسفة، إذا كان يوجد، لم يعد له وجود اليوم؟

 هيدجر: إن تأثيرالفلسفة عن طريق تفكير مغاير ممكن، لكنه لن يكون مباشرا، تماما كما غير التفكير السببي العالم.

 شبيغل: المعذرة، لا نريد التفلسف، لسنا أهلا بذلك، لكن نلمس هنا نقطة تماس بين الفلسفة والسياسة، لذا اسمحوا لنا أن نجركم في مثل هذا الحوار إلى هذا الميدان. قلتم بأن الفلسفة والأفراد لا يمكنهم عمل شيئ آخر، باستثناء …

هيدجر: … إن هذا هو تهييئ الإستعداد للبقاء منفتحين على وصول أو غياب الله. وتجربة هذا الغياب ليست لاشيئ، لكنها تحرر الإنسان مما سميته في “الكينونة والزمن” السقوط في الوجود. ومن أجل التهيئ لهذا الإستعداد، من اللازم تأمل ما يوجد اليوم.

 شبيغل: من أجل تحقيق هذا، من اللازم أن تكون هناك بالفعل دفعة خارجية من الله أو من أي شيئ آخر. يعني أن الفكر لم يعد اليوم يستطيع التأثير انطلاقا من ذاته واعتمادا عليها. وقد كان هذا في اعتقادنا موجودا في القديم، طبقا لاعتقاد المعاصرين.

هيدجر: بالفعل، لكن ليس بطريقة مباشرة.

 شبيغل: ذكرنا فيما سبق كنط وهيجل وماركس كأكبر المحركين. لكن هناك دفعات أتت من لايبنتز فيما يخص تطور الفيزياء الحديثة، وبالتالي تطور العالم المعاصر بصفة عامة. لكن قلتم فيما سبق بأنكم لا تعتقدون في مثل هذه الدفعات في الوقت الحاضر.

هيدجر: في المعنى الفلسفي لا. فقد تكلفت العلوم اليوم بدور الفلسفة. لنشرح بما فيه الكفاية “تأثير” الفكر، من اللازم أن نشرح باستمرار ما يعنيه التأثير والإشتغال. فعندما نشرح بما فيه الكفاية المبدأ في الأساس، نحتاج إلى تمييز عميق بين المناسبة، الدفع، التشجيع، المساعدة، الإعاقة، الإستخدام. تذوب الفلسفة في تخصصات علمية مختلفة: السيكولوجيا، المنطق والعلوم السياسية.

 شبيغل: ومن أخذ مكان الفلسفة الآن؟

هيدجر: السيبرنتيقا.

 شبيغل: أو المتقي الذي يكون مهيئا للإنفتاح؟

هيدجر: ليست هذه فلسفة.

 شبيغل: وماذا تكون؟

هيدجر: أسمي هذا التفكير الآخر.

 شبيغل: أتسمونه تفكيرا آخر؟ هل لكم الشرح أكثر؟

هيدجر: أتعنون الجملة التي أنهيت بها محاضرتي: “إشكالية التقنية”، حيث قلت: “إن التساؤل هو تقوى التفكير”؟

 شبيغل: لقد وجدنا في محاضراتكم حول نيتشه جملة أضائتنا. تقولون: “بما أن أعلى ربط ممكن يوجد في التفكير الفلسفي، فإن كبار المفكرين يفكرون في نفس الشيئ. لكن هذا الشيئ جوهري وغني، بحيث لا يمكن لمفكر بمفرده استنفاذه، بل كل واحد يربط الآخر بقوة”. وهذا البناء الفلسفي بالضبط هو الذي يظهر لكم بأنه وصل نهايته.

هيدجر: بالفعل، لقد انتهى، لكنه ليس لاشيئا بالنسبة لنا. على العكس من ذلك، فإنه يصبح مُحَيَّنا من جديد في النقاش. فقد كان عملي كله في محاضراتي وتماريني في الثلاثين سنة الماضية، بالأساس تأويلا للفلسفة الغربية. إن الرجوع إلى تاريخ أسس التفكير، والتفكير في الإشكاليات التي لم يفكر فيها المرء منذ الإغريق، لا يعني التحرر من الإرث الفكري. لكن أقول: إن طريقة تفكير الميتافيزيقا التي ورثنا، والتي وصلت إلى نهايتها مع نيتشه، لا تقدم أية إمكانية للتفكير في خصائص العصر التقني الذي بدأ.

 شبيغل: تحدثتم في مقابلة مع راهب بودي قبل سنتين تقريبا عن “طريقة تفكير جديدة كليا”، وقلتم بأن هذه الطريقة الجديدة في التفكير: “لا ينفذ لها إلا قلة قليلة من الناس”. أكنتم تودون التعبير عن كون قلة قليلة من الناس هي التي بإمكانها امتلاك المنظور، الذي يعتبر في نظركم ممكنا وضروريا؟

هيدجر: “الإمتلاك” في معناه الأصلي القديم، بحيث يمكنهم إلى حد ما التعبير عنه.

 شبيغل: نعم، لكن الإنتقال للتحقيق، بقي كذلك في مقابلتهم مع هذا البوذي، غير واضح.

هيدجر: لا يمكنني أن أوضح. لا أعرف كيف يمكن لهذا التفكير “التأثير”. قد يكون من الممكن أن يقود طريق تفكير ما حاليا إلى الصمت، للمحافظة على هذا التفكير لكي لا يُجْلَد في سنة. قد يحتاج هذا الفكر لثلاثة مأة سنة لكي “يُؤثر”.

 شبيغل: نفهم جيدا. لكن بما أننا لن نعيش ثلاثة مأة سنة، لكننا نعيش الآن وهنا، فلا يُسمح لنا بالصمت. نحن كسياسيون وأنصاف سياسيين ومواطنين وصحافيين إلخ مضطرون لاتخاذ قرارات. لابد أن نجد حلا لمحاولة تغيير النظام السياسي حيث نعيش ونحاول اقتحام الباب الضيق المؤدي إلى إصلاح ممكن، ولما لا المؤدي إلى ثورة. ننتظر مساعدة الفلاسفة، حتى وإن كانت من طبيعة الحال مساعدة غير مباشرة. لكن نسمع هنا: لا أستطيع مساعدتكم.

هيدجر: ولا أستطيع ذلك.

 شبيغل: قد يحبط هذا الغير الفليلسوف.

هيدجر: لا أستطيع هذا، لأن الإشكاليات صعبة كثيرا، ولأن مهمة المفكر ليست هي الدخول في نقاش عمومي، وإلقاء خطب وتوزيع ممتنعات أخلاقية. قد أخاطر بالجملة الآتية: يطابق سر السلطة العليا العالمية لجوهر التقنية الغير المفكر فيه الظرفية/الوقتية والضامرة للفكر، الذي يحاول التفكير في الغير المفكر فيه هذا.

 شبيغل: ألا تنتمون لأولائك الذين إذا ما استُمع لهم يوجهون لطريق ما؟

هيدجر: لا، لا أعرف أي طريق لتغيير مباشر للوضع العالمي الحالي، حتى وإن افترض المرء بأن مثل هذا الأمر ممكن إنسانيا. لكن يظهر لي بأن محاولة التفكير قد تُمكن من إيقاظ الإستعداد الذي سبقت الإشارة إليه وتوضيحه وتثبيته.

 شبيغل: جواب واضح، لكن أيسمح للمفكر أن يقول: انتظروا فقط، في ثلاثة مأة سنة سيخطر ببالنا شيئ قد نعمله لتغيير العالم؟

هيدجر: لا يتعلق الأمر بالإنتظار فقط، إلى أن يهتدي المرء إلى شيئ ما في ثلاثة مأة سنة، بل يتعلق الأمر بالتفكير في الوقت اللاحق دون اللجوء إلى متطلبات نبوية في الخصائص الأساسية للعصر الحالي. إن التفكير ليس هو التراخي، لكن الفعل الحاصل في التناقض مع مهارات العالم. يظهر لي بأن التمييز بين النظرية والتطبيق، الناتج عن الميتافيزيقا وتصور نقل بين الإثنين يقضي على تصور ما أفهمه أنا شخصيا تفكيرا. قد أحيل هنا إلى محاضراتي المعنونة بـ: “ماذا يعني التفكير”، المنشورة عام 1954. وقد يكون هذا مؤشرا على وقتنا الحاضر، لأن هذا الكتاب هو أقل كتاب لي قرأ.

 شبيغل: لنعد إلى بداية حديثنا. ألا يمكن اعتبار النازية من جهة كتحقيق “للقاء الكوني” وفي نفس الوقت كأخطر وآخر وأقوى، وفي نفس الوقت أضعف، لقاء “للتقنية التي تحدد الكون” والإنسان المعاصر؟ يظهر بأنكم تحملون في شخصيتكم تناقضا، بحيث أنه لا يمكن شرح الكثير من إنتاجاتكم إلا بفهم سبب التصاقكم الشديد بأشياء مختلفة في أجزاء مختلفة لوجودكم، والتي لا تتعلق بالجوهر الفلسفي، خاصة وأنكم تعرفون كفيلسوف بأن هذه الأشياء ليس لها أي موضوع فلسفي كمفهوم “الموطن/الوطن Heimat” مثلا أو مفهوم “التجذر Verwurzelung” وما شابهها. كيف يمكن للتقنية الكونية والموطن التطابق؟

هيدجر: لن أقول هذا. يظهر لي بأنكم تأخذون التقنية بطريقة مطلقة إذن. لا أرى وضع الإنسان في عالم التقنية الكونية كوضع كارثي معقد لا مفر منه، بل أرى بأن مسؤولية الفكر تكمن في ضرورة مساعدته في حدوده، ليصل الإنسان إلى علاقة كافية بجوهر التقنية. ذهبت النازية في الواقع في هذا الإتجاه، لكن كان هؤلاء الناس جاهلين كثيرا في التفكير، للوصول إلى علاقة واضحة بما يقع اليوم وما هو على الطريق منذ ثلاثة قرون.

 شبيغل: هل للأمريكيين هذه العلاقة الواضحة؟

هيدجر: لا، ليست لهم هذه العلاقة كذلك، إنهم لايزالون واقعين في مصيدة تفكير براغماتي يعملون ويتلاعبون بما هو تقني، وحتى وإن كان هذا الفكر يقدم Vorschub، فإنه في نفس الوقت يقطع الطريق لتأمل خاصية التقنية الحديثة. لكن تنشط في أمريكا محاولات من هنا وهناك للتحرر من التفكير البراغماتي-الوضعي. ومن منا يستطيع الحسم في افتراض استيقاظ “فكر” أصيل وقديم في يوم من الأيام في روسيا أو الصين، قد يساعد البشر بتمكينهم من ربط علاقة حرة بالعالم التقني.

 شبيغل: حتى وإن لم يكن للكل مثل هذه العلاقة ولا يكون باستطاعة الفيلسوف تقديمها لهم …

هيدجر: لا أدري إلى أين سأصل بمحاولات تفكيري وقرار قبوله في المستقبل وتحويله بطريقة مثمرة ليسا بيدي. حاولت عام 1957 في محاضرة حفل ذكرى جامعة فرايبورغ تحت عنوان: “مبدأ/قانون الهوية” أن أوضح بخطوات فكرية قليلة إلى أي حد تستطيع طريقة تفكير تتأسس عليها خاصية التقنية الحديثة، الإنفتاح على إمكانية استجلاب إنسان العصر العالمي التقني لطموح/مطلب، لا يكتفي فيه بالإستماع، لكن حيث يكون ملكا لذاته. لتفكيري علاقة وطيدة بشعر هولدرلين Hölderlin. لا أعتبر هولدرلين كأي شاعر آخر، يَدْرُسُ مؤرخوا الأدب مؤلفاته كما يدرسون مؤلفات آخرين. إن هولدرلين بالنسبة لي هو الشاعر الذي يوجه إلى المستقبل، الذي ينتظر الله، والذي لا يحق أن يبقى موضوع دراسة في ميدان التصورات الأدبية التاريخية وحسب.

 شبيغل: فيما يخص هولدرلين، نستسمحكم في القراءة من جديد: قلتم في محاضراتكم حول “نيتشه”، بأن: “السجال المغاير المعروف الديونيسوسي والأبولوني، للشغف المقدس والعرض الرصين هو أسلوب قانوني مضمر لتحديد التاريخ الألماني، ومن اللازم أن نكون في يوم من الأيام مستعدون ومهيؤون لتشكيله. ولا يعتبر هذا التناقض معادلة ، يمكننا بمساعدتها وصف “الثقافة” فقط. فقد حط هولدرلين ونيتشه بهذا التناقض مسؤولية الألمان محط تسائل للعثور على جوهرها تاريخيا. أسنفهم هذه العلامة؟ هناك شيئ أكيد: سيثأر التاريخ منا، إذا لم نفهمها”. لا نعرف في أية سنة كتبتم هذا. نعتقد بأنكم كتبتموه عام 1935.

 هيدجر: أغلب الضن أن هذا الإستشهاد ينتمي لمحاضرة نيتشه: “إرادة القوة كفن” لعام 1936/37. وقد يكون قد قيل في السنوات اللاحقة على هذا التاريخ.

 شبيغل: نعم. هل بودكم شرح هذا أكثر؟ يقودنا هذا بالفعل من طريق عام إلى تحديد دقيق للألمان.

 هيدجر: قد يمكنني التعبير على ما جاء في الإشهاد كالتالي: إن اقتناعي هو أن تهييئ الرجوع لا يكون ممكنا إلا من نفس المكان الذي قام فيه العالم التقني الحديث، ولا يمكن أن يحدث هذا بتولي التزين البودي أو أي تصور شرقي آخر للعالم. يحتاج المرء لإعادة التفكير لمساعدة الإرث الأوروبي واستعادته من جديد. لا يمكن للتفكير أن يتحول إلا بالتفكير، الذي يكون له نفس الأصل ونفس التحديد.

 شبيغل: تعتقدون بأنه في المكان حيث قام العالم التقني …

هيدجر: … الإلغاء في المعنى الهيغيلي، ليس القضاء عليه، بل إلغائه، لكن ليس من طرف الإنسان وحده.

 شبيغل: تُنيطون بالألمانيين مسؤولية خاصة إذن؟

هيدجر: نعم. وفي هذا المعنى في حوار مع هولدرلين.

 شبيغل: أتعتقدون بأن للألمان كفاءة خاصة لهذا الإنعطاف؟

هيدجر: أفكر في القرابة الداخلية الخاصة للغة الألمانية باللغة اليونانية. ويؤكد لي هذا الأمر الفرنسيون دائما اليوم. عندما يبدؤون في التفكير، فإنهم يتحدثون الألمانية، يؤكدون بأنهم لا ينجحون في ذلك بلغتهم.

 شبيغل: أتقولون بهذا بأن لكم الدول الرومانية، على الأقل عند الفرنسيين، تأثيرا قويا؟

هيدجر: لأنهم يرون بأنهم لا يتقدمون بكل عقلانيتهم الكبيرة في عالم اليوم، عندما يتعلق الأمر بفهم هذا الأخير في أصله الجوهري. وبما أن المرء لا يستطيع ترجمة الأشعار، فإنه لا يستطيع ترجمة الفكر كذلك. ما هو ممكن هو إعادة كتابته. يتغير كل شيئ عندما يترجم المرء حرفيا.

 شبيغل: فكرة مستاءة.

هيدجر: قد يكون جيدا إذا أخذ المرء هذا الإستياء محل الجد ويتفكر نتائج التغيرات التي عرفها التفكير اليوناني عن طريق الترجمة إلى الرومانية-اللاتينية، وهو حدث يمنعنا إلى اليوم من التفكير الكافي في الكلمات الأساسية للفكر اليوناني.

 شبيغل: السيد الأستاذ. لابد أن ننطلق دائما من  التفائل الكامن في إمكانية إبلاغ شيئ ما، وكذا ترجمته، فإذا توقف تفائل إمكانية إبلاغ مضامين الفكر على الرغم من الحدود اللغوية، فإن الإقليمية ستُهدِّد.

هيدجر: أتنعتون الفكر اليوناني بالمقارنة مع طريقة تمثل في العالم الروماني بـ “إقليمي”؟ يمكن ترجمة الرسائل التجارية في كل لغات العالم. يمكن ترجمة العلوم، يعني بالنسبة لنا اليوم العلوم الطبيعية بما في ذلك الرياضيات الفيزيائية كعلم أساسي، إلى جميع لغات العالم. بكلمة دقيقة: لا يترجم المرء، بل يتحدث نفس اللغة الرياضية. ونلمس هنا حقلا شاسعا وصعبا.

 شبيغل: قد ينتمي الآتي إلى نفس الموضوع: نعيش اليوم، دون مبالغة، أزمة النظام الديمقراطي النيابي. نعيش هذا منذ وقت طويل. نعيشه بالخصوص في ألمانيا، وليس فيها فقط. توجد كذلك في الدول الكلاسيكية للديقراطية في أنجلترا وأمريكا. ولم تعد تعتبر في فرنسا أزمة حتى. والسؤال الآن هو: ألا يمكن أن تأتي من المفكرين، حتى وإن كان الأمر في شكل منتوج ثانوي، مؤشرات إما لتغيير هذا النظام بنظام جديد وكيف يجب أن يكون هذا الأخير؛ وإما أن هذا النظام قابل للإصلاح، وكيف يجب أن يكون هذا الأخير. وإلا ستبقى الأمور كما هي عليه، بحيث أن الإنسان الغير المتعلم فلسفيا -في العادة هو ذاك الذي يتقلد زمام الأمور (على الرغم من أنه لا يقررها هو بنفسه)- يصل إلى قرارات خاطئة، بل إلى تحالفات مروعة. إذن، أليس من الضروري على الفيلسوف أن يكون مستعدا للتفكير في الطريقة التي يجب بها على الحاكمين قيادة المحكومين في هذا العالم التقني، الذي يتجاوز سلطتهم؟ ألا ينتظر المرء بحق من الفيلسوف مؤشرات على تصوره لإمكانية الحياة، أَوَلاَ يُضيع الفيلسوف جزء، ولو كان صغيرا، من وظيفته ورسالته إذا لم يقل شيئا في هذا الموضوع.

هيدجر: أرى بأن المفكر الواحد لا يستطيع فهم العالم في كليته، بطريقة يكون بالإمكان فيها إعطاء تعليمات تطبيقية وبالخصوص بالنظر إلى مهمة إيجاد قاعدة للتفكير ذاته من جديد. إن التفكير، عندما يأخذ نفسه محل الجد وبالنظر إلى التراث الضخم، قد يُحمل ما لا طاقة له به، عندما يُطلب منه إعطاء تعليمات. بأية سلطة يمكنه ذلك؟ لا يوجد في ميدان التفكير أية تأكيدات سلطوية. إن المقياس/الشرط الوحيد للتفكير يأتي من الشيئ المُفكر فيه ذاته. ويعتبر هذا الأخير بالنسبة للآخرين مشبوه فيه/ملتَبَس. ولشرح هذا الوضع، يكون من اللازم شرح العلاقة بين الفلسفة والعلوم، التي تعتبر نجاحاتها التقنية العملية تفكيرا لا حاجة إليه في المعنى الفلسفي لليوم. إن أصعب وضع، وضع الفكر نفسه فيه بالنظر إلى رسالته تطابق استلاب العلوم اتجاه الفكر في وضعها القوي، وهو فكر أخفق في الإجابة العملية على إشكاليات تصور العالم.

 شبيغل: السيد الأستاذ. لا توجد في ميدان الفكر إدلاءات. إذن لا يفاجئ المرء بأنه من الصعب على الفن الحديث الإدلاء بشهادات سلطوية. وعلى الرغم من ذلك تسمون هذا الفن بالفن “الهدام”. يفهم الفن الحديث نفسه كفن تجريبي. وتعتبر أعماله محاولات …

هيدجر: أترك نفسي أتعلم.

 شبيغل: … محاولات من وضع عزلة الإنسان والفنانة، ومن بين مأة محاولة يُصيب المرة مرة مرة الهدف.

هيدجر: هذه هي إذن أكبر إشكالية: أي موقع للفن؟ أي مكان يحتله؟

 شبيغل: حسنا، لكنكم تطالبون من الفن بما لم تعودوا تطالبون به الفكر.

هيدجر: لا أطالب الفن بأي شيئ. أقول فقط بأن الإشكالية تكمن في موقع الفن.

 شبيغل: أإذا لم يكن الفن يعرف موقعه، هل يمكن اعتباره بهذا هداما؟

هيدجر: جيد، شطبوا على هذا الأمر. لكن أريد التأكيد بأنني لا أرى الطريق الذي يقود له الفن الحديث، على الأقل يبقى غامضا أين يرى الفن خصوصيته أو على الأقل أين يبحث عنها.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

The post الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/feed/ 0 814