برتراند راسل - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/برتراند-راسل/ مكتبة شاملة Sat, 20 Jan 2018 13:09:05 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 برتراند راسل - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/برتراند-راسل/ 32 32 116455859 قراءة في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية” لـ “دفيد هيوم” https://maktaba-amma.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9/#respond Tue, 30 May 2017 17:23:30 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=11220 قراءة في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية” لـ “دفيد هيوم” – عماد الحسناوي طمح هيوم ومنذ البداية إلى تأسيس علم للإنسان وهذا الطموح دعاه إلى البحث في الطبيعة البشرية وكانت نقطة […]

The post قراءة في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية” لـ “دفيد هيوم” appeared first on المكتبة العامة.

]]>
قراءة في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية” لـ “دفيد هيوم” – عماد الحسناوي

طمح هيوم ومنذ البداية إلى تأسيس علم للإنسان وهذا الطموح دعاه إلى البحث في الطبيعة البشرية وكانت نقطة البداية في هذا البحث هي البحث في نطاق قدرات الإنسان الذهنية والحدود التي لا يتعداها. وهيوم فيلسوف حسي مغال كما يصفه بدوي في موسوعته وهو يرى أن إدراكات الذهن جميعها إلى صنفين أو نوعين يتميزان باختلاف درجة القوّة والحيوية. فالتي من نوع أقل قوّة وأقل حيوية تسمى أفكارا أما الأخرى فهي انطباعات “والانطباعات هي وحدها الأصلية أما الأفكار فما هي سوى نسخ من انطباعاتنا”.

من أهم الاشكالات التي أثارها وبحثها هيوم وانتشرت بين الباحثين باسمه مبحث العلّية أو السببية فقد أنكر هيوم أن تكون هناك علاقة ضرورية بين السبب والمسبب أو بين الحدث والنتيجة. وهذا الموقف شبيه بموقف الغزالي أو المتكلمين الأشاعرة الذين ينفون السببية بمعنى أن تكون النتيجة متضمنة بالضرورة في السبب. وإن تشابهت الآراء إلا أن المنطلقات مختلفة تماما فالغزالي أنكر السببية من أجل التوحيد والاحتفاظ بقدرة التسبيب والفعل للخالق وحده. والقول بأن الأشياء تمتلك في ذاتها قدرة على الإحداث يتعارض برأيه مع عقيدة أن الله هو الخالق وحده. أما إنكار هيوم للسببية فهو نتيجة لنظريته في المعرفة باعتبارها نتاجا للتجربة الحسية. والتجربة الحسية لا تشهد إلا بوجود تكرار بين الأحداث والنتائج وأن هذا التكرار هو ما جعلنا نتوهم أن هناك علاقة ضرورية بين الحدثين.

يقول برتراند راسل في كتابه حكمة الغرب من أجل شرح موقف هيوم “يختلف هيوم مع العقلانيين فهم يرون أن الرابطة بين العلّة والمعلول سمة كامنة في طبيعة الأشياء مثال ذلك ما رأيناه عند سبينوزا من اعتقاده بأنه من الممكن ، إذا ما تأملنا الأشياء بقدر كاف من الرحابة والاتساع أن نثبت بطريقة استنباطية أن كل الظواهر ينبغي أن تكون على ما هي عليه ، وإن كان من المعترف به عادة أن الله وحده هو القادر على رؤية الأشياء من هذا المنظور. أما في نظرية هيوم فإن هذه الروابط السببية لا يمكن معرفتها..”.

The post قراءة في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية” لـ “دفيد هيوم” appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 11220
الدوافع الأربعة الأساسية المحركة لسلوك البشر – برتراند راسل https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%84%d8%b3%d9%84/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%84%d8%b3%d9%84/#respond Tue, 24 Jan 2017 11:37:58 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=6964  ”لا يوجد في العالم ما هو أكثر إثارة من لحظة اكتشاف مفاجئ أو لحظة ابتكار، العديد من الناس قادرون على تجربة مثل هذه اللحظات أكثر مما نظن أحيانا“. يعد برتراند […]

The post الدوافع الأربعة الأساسية المحركة لسلوك البشر – برتراند راسل appeared first on المكتبة العامة.

]]>
 ”لا يوجد في العالم ما هو أكثر إثارة من لحظة اكتشاف مفاجئ أو لحظة ابتكار، العديد من الناس قادرون على تجربة مثل هذه اللحظات أكثر مما نظن أحيانا“.

يعد برتراند راسل (18 مايو 1872_ 2 فبراير 1970) من أكثر العقول البشرية اللامعة المشرقة. إنه المبشر للحكمة الخالدة في كل المجالات. له مؤلفات عدة في الرياضيات والفلسفة والمنطق والهندسة والتاريخ والعلوم الإنسانية. في عام 1950 تم منحه جائزة نوبل للآداب نظير كتاباته المتنوعة والجليلة والتي دافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر.

في الحادي عشر من ديسمبر من ذلك العام، اعتلى راسل المنصة في الثامنة والسبعين من عمره لتلقّي الجائزة الكبرى، وليلقي خطابا هو من أحسن الرسائل الي تم إلقاؤها في الفكر الإنساني على الإطلاق.

يستهل بذكر الدافع الرئيسي المحرك للسلوك البشري فيقول راسل: “جل النشاط البشري مدفوع بالرغبة. هناك نظرية زائفة كلّيا يطرحها بعض الأخلاقيين المخلصين مفادها أن من الممكن مقاومة الرغبات عن طريق تنمية الإحساس بالواجب والمبادئ الأخلاقية، وأنا أقول أن هذه مغالطة. ليس لأنه لم يتصرف أحد قط من منطلق إحساسه بالواجب، بل لأنه لم يكن للواجب عليه أي سلطة سوى أنه “رغب” بأن يكون كذلك. إذا أردت أن تعرف كيف سيتصرف البشر، يجب أن تنظر ليس فقط إلى ظروفهم المادية، بل إلى منظومة رغباتهم برمتها، إلى جانب قواهم النسبية.

[….]

  ” يختلف الانسان عن الحيوانات الأخرى من ناحية مهمة جدا، وهي أن الانسان لديه رغبات-  لنقل أنها غير محدودة – ولا يمكن إشباعها بالكامل، إنها تبقيه قلقا حتى لو تواجد في الجنة. إن الأفعى العاصرة على سبيل المثال تخلد إلى النوم عندما يتوفر لها الغذاء الكافي ولا تستيقظ حتى تكون بحاجة إليه مرة أخرى، بينما البشر في أغلب الأحيان ليسوا كذلك! “

  يحدد راسل أربعا من تلك الرغبات اللامحدودة وهي حب التملك، التنافس، حب الظهور وحب السلطة، ويفصلها بالترتيب:

 ” حب التملك؛ وهي الرغبة في أن يمتلك الإنسان أكثر ما يمكن من المتاع أو طلب الحق في التملك. هذه الرغبة كما أفترض أصلها نابع من الخوف، إلى جانب الحاجة إلى الضروريات. ذات مرة، قمت برعاية فتاتين من إستونيا. هربتا من الموت بأعجوبة بسبب المجاعة. عاشت الفتاتان مع عائلتي، وبالطبع كان هناك الكثير ليأكلانه. إلا انهما كانتا تقضيان وقت فراغهما بزيارة مزارع الجيران وسرقة محصولهم من البطاطس. روك فيلر والذي عانى في طفولته من فقر مدقع، قضى حياته في كِبره بطريقة مشابهة!!  “

” بغض النظر عن كثرة ما تمتلك، ستكون متطلعا دائما لامتلاك المزيد. الاكتفاء هو حلم سيستعصي عليك دائما “.

تكلم عن هذا الدافع الاساسي بوضوح هنري ميلر 1938 في تأملاته الرائعة عن المال وكيف أنه قد يتحول إلى هوس بشري. وهذا ما اصطلح عليه علماء النفس المتأخرون بعد عقود عدة تحت مسمى (الحلقة المفرغة للسعادة). بالنسبة لراسل يتلاشى هذا المحرك الأساسي (حب التملك) بدافع أقوى منه، ألا وهو ميلنا للمنافسة:

“سيصبح العالم هذا أكثر سعادة لو أن الرغبة في التملك كانت أقوى من المنافسة، لكن الواقع أن كثيرا من الناس سيواجهون الافتقار بسرور لو أنهم استطاعوا بالمقابل تأمين دمار شامل لمنافسيهم؛ ما يفسر المستوى الحالي من الضرائب.“

هذا التنافس كما يزعم راسل مدفوع بالنرجسية البشرية، وفي إحساس عميق منه بما يحدث اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظ:

“إن حب الظهور دافع ذو قوة هائلة. أي أحد تعامل مع الأطفال كثيرا سيلاحظ أنهم دائما ما يمارسون تصرفات غريبة ليقولوا “انظر إليّ”.

 “انظر إليّ ” هي واحدة من أكثر الرغبات الجوهرية للقلب البشري، والتي تأخذ أشكالا لا حصر لها، ابتداء من تعمد التهريج إلى السعي وراء الشهرة بعد الموت.“

” من الممكن المبالغة في تأثير حب الظهور على جميع مراحل حياة الإنسان. من الطفل ذي السنوات الثلاث وحتى الزعيم الذي يرتجف العالم لغضبه”

  لكن الباعث الأقوى من هذه الأربع كما يزعم راسل هو حب القوة: “قد يكون حب القوة والرغبة في السيطرة قريبا أو مشابها لحب الظهور، لكنهما ليسا الشيء نفسه على الإطلاق. ما يحتاجه حب الظهور ليتحقق هو المجد.  ويمكن تحقيق المجد من دون قوة. يفضّل كثير من الناس المجد على القوة، إلا أن هؤلاء الناس هم في الغالب أقل تأثيرا على مسرح الأحداث من أولئك اللذين يفضلون القوة على المجد. إن القوة مثل الغرور؛ لا يمكن إشباعها. قليل من النفوذ التام لا يرضيها بالكامل. ولأنها رذيلة الرجال النشطاء، فان الفاعلية المسببة لحب السلطة تتعدى بكثير تأثير تداولها. إنها بالفعل أقوى الدوافع في حياة الرجال المهمين.”

حب السلطة يزداد بممارستها. وينطبق هذا على القوى البسيطة كما ينطبق على قوى الملوك.”

ويضيف قائلا: “في أي نظام استبدادي، يتحول أصحاب السلطة بازدياد إلى طغاة بفضل الشعور بالمتعة التي تمنحهم إياها ممارسة السلطة؛ ولأن السلطة على البشر تجعلهم يفعلون مالا يرغبون بفعله، يصبح الرجل المولع بحب القوة أكثر عرضة لإلحاق الألم بالناس من أن يسمح بالمتعة.”

لكن راسل- وهو المفكر ذو الحساسية الاستثنائية للفروق الدقيقة والازدواجية التي حُبكت منها الحياة- يحذر من اعتبار حب القوة دافعا سلبيا كلّيا.  ويشير إلى أنه من ذلك الدافع للسيطرة على المجهول، تزهر تلك المحبوبات، كالسعي نحو المعرفة والتقدم العلمي. يستعرض بعض هذه المظاهر المثمرة فيقول:” سيكون خطأ فادحا أن ندين كلّيًا حب السلطة كدافع.

“عندما يقودك هذا الدافع لأفعال خيّرة أو أفعال ضارة، فإن هذا يعتمد على الوضع الاجتماعي وعلى مؤهلاتك. فلو كانت مؤهلاتك نظرية أو تقنية، فإنك ستساهم في المعرفة أو التقنية. بناء على هذا ستكون أفعالك نافعة. أما لو كنت سياسيا فلربما كنت مدفوعا بحبك للسلطة، غير أن هذا الدافع سيتمخض عادة عن رغبة في تحقيق بعض الشؤون- أنت ولبعض الأسباب- تفضلها على الوضع الراهن. “

يتحول راسل بعدها إلى مجموعة ثانوية من الدوافع البشرية، ويبدأ بفكرة حب الإثارة:

” يُظهر البشر تفوقهم على سائر الحيوانات بقدرتهم على الملل. غير أنّي اعتقدت أحيانا- عن طريق ملاحظتي لبعض الثدييات في حدائق الحيوان – أنها قد تبدي ربما مقدمات لهذا الشعور بالضجر. إلا إنه بالتجربة؛ يتضح أن الهرب من الملل يعتبر واحدا من أقوى الرغبات عند جميع البشر تقريبا.”

ويزعم راسل أن هذا الهوس بحب الإثارة قد تعاظم بسبب الطبيعة الخاملة للحياة المعاصرة، والتي مزقت الرابطة الطبيعية بين العقل والبدن. ويقول: ” إن تركيبة عقولنا تتناسب مع حياة شديدة العمل البدني. اعتدت في صغري أن أقضي وقت فراغي بالمشي، كنت أقطع ما يقارب الخمس وعشرين ميلا كل يوم، وفي المساء لم أكن بحاجة لما يبعدني عن الملل، كانت بهجتي بالجلوس تغنيني بشدة. لكن لا يمكن لهذه الحياة الحديثة أن تسير وفق هذه المبادئ الجسمية النشطة. جزء كبير من الأعمال هي أعمال ساكنة، ومعظم الأعمال المكتبية تمرّن عضلات قليلة ومحدودة. عندما اجتمعت الحشود في ساحة الطرف الأغر مبتهجين بقرار الحكومة بالحرب، لم يكونوا ليفعلوا ذلك لو أنهم مشوا خمسا وعشرين ميلا في ذلك اليوم. إنه وقبل كل شيء حب الإثارة الذي يجعل من الحشود تصفق لاندلاع الحرب، إنه بالضبط نفس الحماس أثناء متابعة كرة القدم. إلا إن هذا العلاج للعدوانية غير قابل للتطبيق، وإن أراد البشر البقاء على قيد الحياة، فلابد من تأمين منافذ بريئة لتلك الطاقة الجسدية المُعطّلة التي تنتج هذا الحماس. لم أسمع يوما بحرب سبقها رقصٌ في الصالات.”

 “صارت الحياة المتحضّرة وديعة جدا، وإن كان لها أن تستقر، فلابد من توفير متنّفس غير ضار لتلك الدوافع التي كان أسلافنا يروّضونها بالصيد. أعتقد أنه يجب أن تحتوي كل مدينة كبرى على شلالات اصطناعية يستطيع الناس النزول إليها عبر قوارب صغيرة، ويجب أن تحتوي أيضا على أحواض سباحة مليئة بأسماك القرش الميكانيكية. وأي شخص يؤيد حربا احترازية، فيجب إدانته بأن يبقى مع هذه الوحوش الاصطناعية لمدة ساعتين في اليوم. وأكثر جدية من ذلك، يجب إضافة عنصر الألم لنوفر متنفسا هادفا لحب الإثارة هذا، لا يوجد في العالم ما هو أكثر إثارة من لحظة اكتشاف مفاجئ أو لحظة ابتكار، العديد من الناس قادرون على تجربة مثل هذه اللحظات أكثر مما نظن أحيانا. “

خطاب جائزة نوبل العظيم لبرتنارد راسل: عن الدوافع الأربع الأساسية المُحرّكة لسلوك البشر. ماريا بوبوفا، ترجمة: لولوة الشدوخي

المصدر: موقع حكمة

The post الدوافع الأربعة الأساسية المحركة لسلوك البشر – برتراند راسل appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%84%d8%b3%d9%84/feed/ 0 6964
تعرّف على أهم 5 كتب تتناول تاريخ الفلسفة https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-5-%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9/ https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-5-%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9/#respond Tue, 25 Oct 2016 09:23:19 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=3119 تعرّف على أهم 5 كتب تتناول تاريخ الفلسفة حين يكون الحديث عن أفضل كتاب أو مجموعة كتب، فإن الأمر يكون ذاتيا إلى حد كبير، فليس هناك إجماع على أفضلية كتاب […]

The post تعرّف على أهم 5 كتب تتناول تاريخ الفلسفة appeared first on المكتبة العامة.

]]>
تعرّف على أهم 5 كتب تتناول تاريخ الفلسفة

حين يكون الحديث عن أفضل كتاب أو مجموعة كتب، فإن الأمر يكون ذاتيا إلى حد كبير، فليس هناك إجماع على أفضلية كتاب أو مجموعة كتب بخصوص فرع معرفي معين، لكن في نفس الوقت فإن بعض الكتب تفرض نفسها على الجميع، سواء لموسوعيتها في التناول، أو لسهولة العرض، خاصة عندما يتعلق الأمر بفرع معرفي كالفلسفة. إليكم قائمة نراها الأفضل، لكننا لا نقطع بذلك بالطبع.

1- تاريخ الفلسفة الغربية – برتراند راسل

3

لقد أصبح كتاب تاريخ الفلسفة الغربية لمؤلفه الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل من كلاسيكيات الأعمال الفلسفية، ونظرا لأهميته القصوى تمت ترجمته إلى معظم لغات العالم. يقدم راسل في هذا الكتاب الذي يقع في ثلاثة أجزاء، نظرة عامة عن تاريخ الفلسفة الغربية ابتداء من الفلاسفة ما قبل السقراطيين وصولاً إلى بداية القرن العشرين.

2- قصة الفلسفة اليونانية – زكي نجيب محمود

00000

ربما لا أبالغ إذا قلت إن دكتور زكي نجيب محمود يجعل الفلسفة متاحة للجميع، بقدرته الخارقة على عرض موضوعات شديدة التعقيد بمنتهى السهولة واليسر، وهذا واضح في كل كتاباته تقريبا، وفي هذا الكتاب استطاع أن يعرض لمرحلة الفلسفة اليونانية بشكل أكثر من رائع، الأمر الذي يشعرك أنك تقرأ كتاباً أدبياً عن تاريخ الفلسفة اليونانية.

3- قصة الفلسفة الحديثة – زكي نجيب محمود

00000

المذاهب الفلسفية الكبرى التي تحار العقول في الإلمام بها، وبالتالي يصعب على الكثيرين عرضها أو الكتابة عنها، يعرضها دكتور زكي نجيب محمود في هذا الكتاب بكل سهولة ويسر، كأنه يعرف بوابابات المذاهب الفلسفية، فيدخل مباشرة إلى حيث يريد، ممسكاً بيد قارئه، يرشده إلى أساسيات وفرعيات كل مذهب، فلا يمكن أن تتجول معه في مذهب فلسفي أو مدرسة فكرية دون أن تخرج ملما بكل تفاصيلها.

4-  تاريخ الفلسفة الحديثة – وليم كلي رايت

000

تكمن أهمية هذا الكتاب في  طريقة المؤلف في معالجة الموضوع؛ فهو يضع في ذهنه أنه يكتب للطالب كما يقول في تصديره للكتاب : ”الهدف الأول من هذا الكتاب أن يكون مدخلا لتاريخ الفلسفة الغربية الحديثة لطلبة الجامعة” لكنه ليس كتابا تخصصيا لطلاب الجامعة فحسب، بل هو مكتوب أيضا لعامة الأفراد الذين  لم يلتحقوا بالجامعة” كما يقول المؤلف في نفس التصدير. ومن هنا جاء أسلوب الكتاب سهلا، وعرض المؤلف شيقا، وربطه بين المراحل التي سارت فيها الفلسفة الحديثة بالغ الوضوح. ولعل هذا هو السبب في ذيوع الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية حتى أصبح من الكتب الكلاسيكية التي تدرس في جامعاتها بانتظام، ولقد بلغ شيوعه في هذه الجامعات حدا جعله يطبع أكثر من عشرين مرة على مدى عشرين عاما.

5- فلسفة العلم في القرن العشرين – يمنى طريف الخولي

00000

العلم؛ ظاهرة إنسانية قديمة قِدم الإنسان، نشأت مع ظهوره فاخترع رموز العد الرياضية قبل أن يضع الأبجدية المكتوبة، فطالما كانت الغاية تطويع البيئة؛ بالسحر تارة، وبالتقنية التي يصيغها له العلم تارة أخرى، تلك الظاهرة المستمرة التي كانت حصيلة مجهودات بشرية متراكمة لم تتوقف أبدًا؛ فقد وضعت حضارات الشرق القديم أصوله، وصاغ الإغريق أسسه النظرية، ثم اعتنى العرب بترجمته ودرسه وتطبيقه في عصورهم الذهبية فلم يَضِع في ظلمات العصور الأوروبية الوسطى، فكانت ثوراته الكبرى في عصور العقلانية والتنوير، وهنا تظهر الفلسفة في المشهد من جديد، فالعلم أصبح يشكل الواقع والعقول؛ وبالتالي يحتاج لدراسة خاصة تضبط منطقه وتتبع تطور أساليبه العلمية والمنهجية، كما تضطلع بعبء دراسة إطاره التاريخي والحضاري لنخرج بنظرية فلسفية خاصة بالمعرفة، وعلوم جديدة تتبع تاريخ العلم وترسم منطقه ومنهجيته. وهذا ما قامت به الدكتورة يمنى طريف الخولي في هذا الكتاب على أكمل وجه، ربما لا نعدو الصواب إذا اعتبرنا هذا الكتاب من أمهات الكتب الحديثة حول فلسفة العلم في القرن العشرين.

إذا كان لديكم أسماء لكتب أخرى يمكن إضافتها إلى قائمة الكتب اتركوا في التعليقات

 

The post تعرّف على أهم 5 كتب تتناول تاريخ الفلسفة appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d9%87%d9%85-5-%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9/feed/ 0 3119
مقال يبحث موضوع “الخير والشر” – للفيلسوف برتراند راسل https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81/ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81/#respond Wed, 21 Sep 2016 10:52:36 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=874 مقال يبحث موضوع “الخير والشر” – للفيلسوف برتراند راسل من كتاب التصوف والمنطق ومقالات أخرى  ترجمة: فاطمة الشملان يؤكد التصوف على أن الشر خديعة، ويتبنى نفس النظرة فيما يخص الخير […]

The post مقال يبحث موضوع “الخير والشر” – للفيلسوف برتراند راسل appeared first on المكتبة العامة.

]]>
مقال يبحث موضوع “الخير والشر” – للفيلسوف برتراند راسل

من كتاب التصوف والمنطق ومقالات أخرى

 ترجمة: فاطمة الشملان


يؤكد التصوف على أن الشر خديعة، ويتبنى نفس النظرة فيما يخص الخير أحيانا، إلا أنه يظل يتمسك بأن الواقع في مجمله خير. يُمكن أن يُرى كلا الطرحين عند هيراقليطس:” الصالح والطالح واحد،” ويقول ثانية ” كل شيء عدل وخير وحق عند الله، لكن يمسك الإنسان ببعض الأمور خطئا وببعضها صوابا.” لدى سبينوزا موقف مزدوج مشابه لهذا إلا أنه يستخدم كلمة ” الكمال” حين يريد التحدث عما يتجاوز الخير الإنساني المجرد. يقول ” أعني بالواقع والكمال الشيء نفسه.” لكن نجد في موضع آخر التعريف الآتي:” سأعني بالخير ما نحن موقنون من منفعته لنا.” ولذا ينتمي الكمال للواقع كجزء من طبيعته، بينما الطيبة نسبية تعتمد علينا وعلى حاجاتنا وتختفي في التدقيق الحيادي. أعتقد بأن شيئا كهذا التفريق حتمي من أجل فهم المنظور الأخلاقي للتصوف: هناك نوع دنيوي سفلي من الخير والشر يقسم عالم الظواهر إلى ما يبدو بأنه أجزاء متضاربة؛ لكن يوجد أيضا نوع علوي، نوع من الخير الباطني الذي ينتمي للواقع ولا يعارضه الشر المقترن به أيا كان نوعه.

من الصعب تبني دفاع منطقي لهذا الموقف دون الإدراك بأن الخير والشر شخصانيان، بأن الخير هو مجرد شعور نملكه تجاه الأمر، والشر مجرد شعور من نوع آخر نملكه تجاه الأمر أيضا. من الضروري أن نملك القدرة على التفريق بين الخير والشر، أو على الأقل الأفضل والأسوأ في حياتنا العملية، حيث يجب علينا أن نُمارس الخيار بين فعلين ممكنين، وأن نُفضل هذا على ذاك. لكن هذا التفريق، مثل أي شيء يخص الفعل، ينتمي إلى ما يعتبره التصوف عالم الوهم، ولو كان لمجرد ارتباطه بالزمن في الأساس. في حياتنا التأملية، حيث لا داعي للفعل، من الممكن أن يكون المرء حياديا وأن يتجاوز الازدواجية الأخلاقية التي يطالب بها الفعل،شريطة أن نبقى محايدين فحسب.عندها يمكننا أن نرضي بالقول بأن خير وشر الأفعال أوهام. لكن إذا نرى أن العالم يستحق الحب والتقديس، كما يتوجب علينا إذا كنا نمتلك نظرة صوفية، إذا نرى:

“الأرض

وكل ما يسقط عليه النظر…

متدثر بنور سماوي”*

سيمكننا القول بأن هناك خير أعلى لذلك الفعل، وأن هذا الخير الأعلى ينتمي للعالم بأسره كما هو في الواقع. بهذه الطريقة فإن السلوك المزدوج والتذبذب الظاهر للتصوف مفهوم ومبرر.

إن احتمالية وجود هذه البهجة والمحبة الكونية في كل ما هو كائن، لشيء فائق الأهمية للسلوك والسعادة في الحياة، كما أنها تمنح قيمة نفيسة للحس المتصوف بعيدا عن أي من العقائد التي يمكن أن تُبنى عليه. لكن إذا كنا لن ننقاد خلف المعتقدات المغلوطة، فإنه من الضروري استيعاب ما يتجلى عن الحس المتصوف. إنه يُظهر احتمالية الطبيعة البشرية- احتمالية حياة أنبل، أسعد وأكثر حرية من أي من السبل الأخرى التي يمكن تحقيقها، لكنه لا يقول أي شيء عن غير الإنساني، أو عن طبيعة الكون في العموم. إن الخير والشر، وحتى الخير العلوي الذي يجده التصوف في كل مكان، انعكاسات لمشاعرنا على أشياء أخرى، وليست جزءا من مادة الأشياء كماهي ذاتها. ولذا فإن تفكرا حياديا، متحررا من كل انشغالاته بالذات، لن يحكم على الأشياء بالخير والشر، بالرغم من أنه يمكنه بسهولة بالغة أن يقترن مع ذلك الإحساس الكوني بالحب الذي يقود المتصوف للقول بأن كل العالم خيّر.

إن فلسفة النشوء، من خلال صيغة الارتقاء، مرتبطة مع ثنائية الأسوأ والأفضل، ولذلك فإنها لا تحجب صيغة التدقيق الذي ينبذ الخير والشر ككل عن ناظرها فقط، بل أيضا التصوف المؤمن بوجود الخير في جميع الأشياء. وبهذه الطريقة يصبح الفارق بين الخير والشر في هذه الفلسفة تعسفيا شأنه شأن الزمن، وتقدم للفكر تبرم الفعل وانتقائيته. يبدو أن الخير والشر، مثل الزمن، ليسا عامين ولا أساسيين في عالم الفكر، بل عنصران متأخران ومتخصصان ضمن التراتبية الفكرية.

بالرغم، وكما رأينا، يمكن تفسير التصوف كموافقة على المنظور بأن الخير والشر ليسا من الأساسيات الفكرية، فإنه علينا الإقرار بأننا لم نعد على اتفاق شفهي مع أغلب الفلاسفة العظماء ومعلمي الدين من الماضي. بيد أني أعتقد مع هذا، بأن انتزاع الاعتبارات الأخلاقية من الفلسفة ضروري علميا-بالرغم من أن ما أقوله سيبدو متضاربا- وتقدما أخلاقيا.

الأمل في إرضاء أكثر رغباتنا إنسانية- الأمل في تبيان أن العالم يملك هذه أو تلك الخصلة الأخلاقية المرغوبة-ليست كما أرى، فلسفة علمية يمكنها عمل أي شيء وأيا كان لتُرضي. إن الفرق بين عالم جيد وسيء هو فرق في خصائص معينة لأشياء معينة توجد في تلك العوالم: إنه ليس بفارق تجريدي حين يأتي ضمن مضمار الفلسفة. الحب والكره على سبيل المثال، متضادان أخلاقيان، لكن هما للفلسفة سلوكان قريبي الترادف تجاه المواد. إن البنية والصيغة العامة لهذين السلوكين الذين يشكلان ظاهرة ذهنية هما معضلة فلسفية، لكن الفرق بين الحب والكره ليس اختلافا في البنية أو الصيغة، ولذا ينتميان لعلم النفس المتخصص عوضا عن الفلسفة. وبهذا يجب أن تبقى الاهتمامات الأخلاقية التي ألهمت الفلاسفة في الخلفية: يمكن لنوع من الاهتمام الأخلاقي أن يلهم دراسة كاملة، إلا أنه لا يجب أن يتطفل في التفاصيل أو أن يُتوقع منه أن يكون ضمن النتائج الخاصة المُسعى إليها.

إذا كان يبدو هذا المنظور منذ الوهلة الأولى محبطا، يمكننا أن نذكر أنفسنا بأن تغيرا مشابها قد بات حتميا في كل العلوم الأخرى. لا يتطلب من الفيزيائي والكيميائي اثبات الأهمية الأخلاقية لأيوناته وذراته؛ لا يُتوقع من عالم الأحياء اثبات جدوى النباتات والحيوانات التي شرحها. لم تكن تلك هي الحالة في العصور قبل العلم. دُرِس علم الفلك على سبيل المثال لأن الرجال آمنوا بالتنجيم: كان يُعتقد بأن لحركة الكواكب تأثيرا بالغ الأهمية على حياة البشر. من المرجح بأنه حين تآكل هذا الاعتقاد وبدأت دراسة علم الفلك الفاترة، قرر العديد ممن كانوا يرون التنجيم فتّان بشكل مذهل بأن علم الفلك لا يستحق الدراسة لفائدته الضئيلة للإنسان. الفيزياء، في كتاب أفلاطون تيمايوس على سبيل المثال، مليئة بالاعتبارات الأخلاقية: اظهار بأن الأرض تستحق التقدير هو جزء حاسم من غايتها. على النقيض، فإن الفيزيائي المعاصر، بالرغم بأنه ليس لديه أدني رغبة في انكار أن الأرض محط تقدير، غير مهتم كفيزيائي بسجيتها الأخلاقية: إنه مهتم فقط باكتشاف الحقائق، وليس باعتبار إذا ما كانت تلك الحقائق جيدة أم سيئة. إن السلوك العلمي لعلم النفس أكثر حداثة وصعوبة من ذلك للعلوم الفيزيائية: من الطبيعي النظر إلى الطبيعة البشرية من منطلق الجيد والسيء، ولذا كل ما هو مهم في الممارسة، مهم نظريا أيضا. خلال القرن الماضي فقط بدأ نمو علم النفس المحايد أخلاقيا، وهنا أيضا، كان الحياد الأخلاقي ضروريا للنجاح العلمي.

حتى هذه اللحظة الآنية، نادرا ما تم السعي وراء الحياد الأخلاقي أو بالكاد تم تحقيقه في الفلسفة. تذكر الرجال أمنياتهم وحكموا على الفلسفات من خلال علاقتها بتلك الأمنيات. لقد كانت الفلسفة ملاذا للاعتقاد المنقاد عبر علوم معينة والذي يقضي بأن اعتبارات الخير والشر يجب أن توفر مفتاحا يُفهم العالم من خلاله. ولكن حتى من خلال هذا الملاذ الأخير، إذا ما خرجت الفلسفة من كونها سلسلة من الأحلام المُرضية، فإنه على هذا الاعتقاد أن يُساق قدما. من المسلم أن السعادة لا تتحقق لأولئك الذين يسعون لها مباشرة؛ ويبدو أن الأمر حق بالنسبة للصالح أيضا. نظريا وتحت أي ظرف، أولئك الذين ينسون الخير والشر ويسعون فقط لمعرفة الحقائق من المرجح أنهم سينالون الصالح أكثر من أولئك الذين ينظرون للعالم عبر الوسط المموَه لرغباتهم الخاصة.

لذا نعود مجددا لتضادنا البادي، إن الفلسفة التي لا تفرض على العالم مفاهيمها عن الخير والشر لن تنال فقط الحقيقة، بل موقفا أخلاقيا أعلى من ذلك الذي، مثل النشوئية وأغلب الأنظمة التقليدية، يمجد الكون دوما ويسعى ليجد فيه تجسدا لمثاليات حالية. في الدين، وفي كل منظور عميق للعالم ولمصير الإنسان، هناك عنصر من الخضوع، إدراك للمحدودية القوة الإنسانية التي يفتقرها العالم الحديث نوعا ما مع نجاحه المادي السريع وبإيمانه المتعجرف باحتمالات التقدم اللامحدودة. “من يحب نفسه يهلكها؛”** وهناك مخافة الخطر من الثقة الزائدة في حب الحياة، بأن تخسر الحياة الكثير مما يمنحها قيمة عليا. ما يرسخه الدين من خضوع في العمل هو ذات الكنه لما يعلمه العلم من حيث الفكرة؛ والحياد الأخلاقي الذي تحققت به الانتصارات هو نتيجة لذلك الخضوع.

إن الخير الذي يهمنا هو ذلك الخير الذي بمقدورنا أن نخلقه- الخير في حياتنا وفي سلوكنا تجاه العالم. الإصرار على الإيمان بخير خارجي هو نوع من الجزم الذاتي والذي بينما لا يمكنه القبض على الخير الخارجي الذي يرغبه، يمكنه وبشكل خطير أن يقوض الخير الداخلي الكامن في قدراتنا، ويدمر التبجيل تجاه الحقيقة واللذان يمثلان ما هو قيّم للتواضع وماهو مثمر للسجية العلمية.

لا يمكن للبشر بالطبع السمو ككل بالطبيعة البشرية لأنه أمر شخصاني، حتى لو كان يجب فقط علينا أن نجعل جل تفكيرنا الحرص الذي يوجه اهتمامنا.تأتي الفلسفة العلمية قريبة من الموضوعية أكثر من أي سعي إنساني، وتمنحنا بذلك أكثر علاقة ثابتة وحميمية مع العالم الخارجي يمكن تحقيقها. للذهن البدائي، كل شيء إما صديق أو عدو؛ لكن أظهرت التجربة بأن الصداقة والعداوة ليستا مفاهيم من خلالها يُفهم العالم. لذا يُمكن للفلسفة العلمية أن تُقدم، بالرغم أنها لا تزال في وضعية الوليد، صيغة أعلى للفكر من أي معتقد قبل العلمي أو خيالي، وكأي توجه للسمو الذاتي، يأتي بفوز وفير في زيادة النطاقات والتوسع والشمولية. بالرغم من اجتذاب النشوئية لحقائق علمية معينة، إلا أنها تفشل في أن تكون فلسفة علمية حقيقة بسبب عبوديتها للزمن، وانشغالاتها الأخلاقية، واهتمامها الرئيسي بمؤرقاتنا الدنيوية ومصيرنا. ستكون الفلسفة العلمية أكثر تواضعا، تدرجا، تعبا، مقدمة بهرجة أقل لسراب خارجي كي تسطح الآمال المضللة، لكنها أكثر فتورا تجاه القدر، وأكثر قدرة لتقّبل العالم دون الفرض الطاغي لمطالبنا الإنسانية المؤقتة عليه.


*William Wordsworth “Intimations of Immortality.”

**إنجيل يوحنا 12:25

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

The post مقال يبحث موضوع “الخير والشر” – للفيلسوف برتراند راسل appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%88%d8%b6%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81/feed/ 0 874
معلومات قد لا تعرفها عن الفيلسوف برتراند راسل؟ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%af-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%af-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7/#respond Tue, 20 Sep 2016 09:45:36 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=767 معلومات قد لا تعرفها عن الفيلسوف برتراند راسل؟ يعد برتراند راسل واحداً من أهم الفلاسفة المعاصرين، وله إسهامات عديدة في الكثير من المجالات، وهو أحد أبرز المؤثرين بقوة على الحركة العلمية والفكرية. […]

The post معلومات قد لا تعرفها عن الفيلسوف برتراند راسل؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
معلومات قد لا تعرفها عن الفيلسوف برتراند راسل؟

يعد برتراند راسل واحداً من أهم الفلاسفة المعاصرين، وله إسهامات عديدة في الكثير من المجالات، وهو أحد أبرز المؤثرين بقوة على الحركة العلمية والفكرية.

من هو برتراند راسل؟

حياته:

برتراند راسل وهو طفل

برتراند راسل طفلاً

برتراند آرثر راسل (Bertrand Arthur Russell) هو فيلسوف وعالم منطق ورياضيات بالإضافة لكونه مؤرخاً وكاتباً وناشطاً سياسياً وحائزاً على جائزة نوبل. ولد راسل عام 1872 في المملكة المتحدة لعائلة ارستقراطية كانت إحدى أهم العائلات المؤثرة في التاريخ الحديث للملكة المتحدة، وبعمر الرابعة كان قد فقد كلا والديه لينتقل لرعاية جديه من ناحية أبيه، حيث كان جده رئيس وزراء المملكة المتحدة سابقاً.

لم يتلقى راسل تربية دينية فعلية على الرغم من الجو الديني المحيط به، وأظهر اهتماماً كبيراً بالرياضيات والفكر الديني. وفقاً لسيرته الذاتية التي كتبها فنفسه، فقد استنتج عدم وجود إرادة حرة أو حياة بعد الموت في عمر الخامسة عشرة؛ ليهجر بعدها حجة ”المسبب الأول“ كحجة لتأكيد وجود إله ويصبح ملحداً بعمر الثامنة عشرة. درس راسل في جامعة كامبردج العريقة حيث تخرج منها بشهادة في الرياضيات عام 1893 وأخرى بالفلسفة عام 1895.

على الصعيد الشخصي فقد تزوج راسل أربع مرات في حياته، وتخلل معظم زيجاته برود استمر لسنوات وعلاقات خارجية متعددة مع نساء أخريات. زيجته الأولى استمرت من عام 1894 حتى عام 1921، لكنها في الواقع انتهت فعلياً منذ عام 1901. حيث صرح لزوجته أنه لا يحبها، بعد أن خطر له ذلك وهو يركب دراجته الهوائية في أحد الأيام وفقاً لسيرته الذاتية.

حياته المهنية والنشاط السياسي:

برتراند آرثر راسل

برتراند آرثر راسل

خلال مسيرته المهنية نشر راسل العديد من المقالات في الفلسفة والمنطق والرياضيات، كما أصدر العديد من الكتب المهمة مثل كتاب Principia Mathematica (مبادئ الرياضيات) عام 1910 و The Problems of Philosophy (مشاكل الفلسفة) عام 1912 و A History of Western Philosophy (تاريخ الفلسفة الغربية) عام 1945. ويعتبر من علماء الرياضيات المهمين بمساهماته في نظرية المجموعات ونظرية الأنواع و”مفارقة راسل“.

طوال فترة حياته كان راسل ناشطاً سياسياً بارزاً، حيث كان يميل للاشتراكية (وإن كان يرفض تسمية نفسه اشتراكياً) كما أنه كان عدواً شديداً للحرب ومؤيداً للسلام. مواقفه المعارضة للحرب العالمية الأولى أودت به للسجن وأدت لفصله من جامعة كامبردج (التي كان يعمل بها كمحاضر)، وأدت لتغريمه في العديد من المرات.

عارض راسل الحرب العالمية الثانية بداية إلا انه غير رأيه لاحقاً عام 1940، حيث وجد أن تمدد هتلر في أنحاء أوروبا تهديد دائم للديموقراطية وفي هذه الحالة المتطرفة جداً فالحرب هي الخيار الأقل شراً. في العام نفسه تم إلغاء تعيين راسل كمحاضر في جامعة نيويورك نظراً لأنه ”غير مناسب أخلاقياً“ لهذه المهنة اعتماداً على موقفه من الأخلاقيات الجنسية، الذي ظهر في كتابه Marriage and Morality (الزواج والأخلاق) الصادر عام 1929.

خلال حياته لطالما أيد راسل حقوق المثليين وكان ناشطاً ضد قانون تجريم المثليين الذكور الذي كان مفروضاً سابقاً، واستمر في نشاطه السياسي والاجتماعي حتى آخر سنوات حياته ووفاته.

إبريق راسل

ابريق راسل

إبريق راسل

ابريق راسل أو ابريق الشاي السماوي، هو حجة منطقية استخدمها راسل لتبيان أن مسؤولية الاثبات تقع على المدعي، خصوصاً في الأديان والميتافيزيقيا. الحجة تفترض الادعاء بوجود ابريق شاي يدور حول الشمس في مكان ما بين الأرض والمريخ، هذا الإبريق صغير جداً بحيث تتعذر رؤيته بالعين أو بالتلسكوبات حتى. يقول راسل أن طرح هذا الادعاء سيجعل الجميع يطالبون بدليل وجوده، لكن بنفس الوقت فلا يوجد أي دليل على عدم وجوده ولا يمكن اثبات ذلك. من المثال يناقش راسل بأن الإثبات يجب أن يكون من مقدم الادعاء لأن العديد من الأشياء لا يمكن إثبات عكسها أصلاً لكن ذلك لا يجعلها مقبولة بمجرد عدم إمكانية دحضها.

مفارقة راسل

مفارقة راسل هي تناقض موجود في نظرية المجموعات التقليدية (التي عدلها لاحقاً للتخلص من التناقض)، ويتضمن التناقض افتراض وجود مجموعة ما تحوي جميع المجموعات الغير متضمنة لنفسها (أي المجموعات التي لا تكون مكوناً من مكونات نفسها)، في هذه الحالة لتكون هذه المجموعة متضمنة في نفسها يجب ألا تكون متضمنة في نفسها أصلاً.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

The post معلومات قد لا تعرفها عن الفيلسوف برتراند راسل؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%af-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7/feed/ 0 767
النموذج المثالي للتربية عند برتراند راسل – د.محمد عبدالنور https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%af-%d8%b1/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%af-%d8%b1/#respond Mon, 19 Sep 2016 14:01:33 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=733 نسعى في هذا العرض المفصّل لفصل “غاية التربية” الوارد في كتاب برتراند راسل “عن التربية”  الواقع بين الصفحة (83) والصفحة (61) والصادر عن دار منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت بترجمة […]

The post النموذج المثالي للتربية عند برتراند راسل – د.محمد عبدالنور appeared first on المكتبة العامة.

]]>
نسعى في هذا العرض المفصّل لفصل “غاية التربية” الوارد في كتاب برتراند راسل “عن التربية”  الواقع بين الصفحة (83) والصفحة (61) والصادر عن دار منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت بترجمة سمير عَبدَة، والصادر لأول مرة بلغته الأصلية سنة 1926بلندن، وذلك لما وجدنا في آرائه من وجاهة قد تعين مجالنا التربوي على استصدار “عهد تربوي جديد” ولما يُتيحه من استيعاب شمولي لتاريخ التربية في كلياتها الرئيسية المتعلقة بالأهداف الكبرى، أو الخطوط العامة التي عليها يتم العمل على إعداد أجيال تتناسب عقليا ونفسيا مع طبيعة المرحلة الحضارية للأمم، وذلك انطلاقا من رؤية تحقيقية متّصلة تقف على النماذج السابقة وذروة تطورها وفقا لما بلغته التجارب التربوية كونيا، وفيما يلي جدول مواد هذا العرض:
  • سؤال التربية، السؤال لماذا نربي؟ قبل السؤال، كيف نربي؟

  • مقارنة التربية: بين الصينيين واليونان.

  • النموذج الياباني في التربية: التضحية بالكثير من أجل شيء واحد.

  • نموذج التربية في انكلترا: تكوين أرستقراطية الموظفين فلسفةً للتربية.

  • الإدماج التربوي في أمريكا: حرية نفسية مقابل تدجين عقلي وحسي.

  • مكانة الأبناء في الفعل التربوي: وسيلة أم غاية؟

  • الحيوية، الشجاعة، الإحساس، الذكاء: خطة راسُل لتربية مثالية.

  • في أن الحيوية أمان من الحسد المفسد.

  • كيف يمكن تحقيق شجاعة لا تقوم على ظلم الآخرين؟

  • الإحساس الفكري سبيلا وحيدة لإحقاق العدل والسلام في العالم.

  • الذكاء بين الرغبات الضيقة والصالح العام.

  • تربية النساء على الشجاعة والحب أصل التغيير الحقيقي.

  • على سبيل الختم.

1- سؤال التربية، السؤال لماذا نربي؟ قبل السؤال، كيف نربي؟

قبل البحث في كيفية تكوين شخص ما لابد قبل ذلك من التفكير في “نوع الشخص” المراد تنشئته، وتكوين رأي واضح عن الغاية من التربية، وذلك حتى نتمكن من تحقيق المبدأ الذي بدونه لا يمكن الوصول إلى تربية حقيقية، بقول آخر إن الأساس الذي عليه تبنى التربية الحقة هو الجواب عن السؤال لماذا نربي؟ قبل التفكير في الجواب عن السؤال كيف نربي؟

إن حُمق المربي يتجلى في عدم وصوله إلى النتائج التي كان يسعى إليها، وقدرة المربي تقاس تحقيقه للنتائج التي كان يرمي إليها في تربيته، وذلك دون النظر إلى صواب الهدف من عدمه، لكن المعيار هنا هو الفاعلية (بلغة بن نبي: صحة الفكرة لا تحدد فاعليتها، قد تكون الفكرة صحيحة لكنها غير فاعلة كما قد تكون الفكرة خاطئة وفاعلة).

2- مقارنة التربية: بين الصينيين واليونان.

كما كان يُجبر صبية أثينا على حفظ إلياذة هوميروس كاملة عن ظهر قلب، أُجبِر صبية الصين على حفظ مأثورات كونفوشيوس بنفس العناية والدقة، وكما كان الأثينيون يُعلّمون نوعا من الاحترام الظاهري للآلهة، بحيث لا يضع ذلك الاحترام حاجزا أمام التفكير الحر، كان الصينيون أيضا يتعلمون طقوسا تتعلق بتقديس الأجداد دون أن يجبروا على الاعتقاد بما كان منطويا في تلك الطقوس. لقد كان ينتظر من الإنسان الصيني المكوّن تربويا إظهار تشكك سهل ولبق في تلك الطقوس، فلا يقدّم أحكاما ونتائج قاطعة، بحيث تصلح الآراء أن تكون موضوعا للنقاش على مائدة الطعام، لا موضوع مخاصمة بين الرجال.

وعلى المنوال ذاته كان أكبر فلاسفة اليونان أفلاطون، فقد وصف بأنه: (أثيني مهذب رفيع، يبدو في بيت العبادة كأنه في بيته)، تماما كما كان حكماء الصين. إذ وباستثناء غوتيه (الشاعر الألماني 1749-1832) لم يكن ذلك دأب حكماء الحضارة المسيحية؛ والمحصلة هي أن الصينيين واليونانيين يتشاركون “الرغبة في الاستمتاع بالحياة”، ومصدر الاستمتاع هنا هو الجمع بين احترام التقاليد والتشكك المهذب، ويعتبر راسل ذلك تعبيرا عن إحساس فائق بالجمال.

لكن بالمقابل اختلف الصينيون عن اليونانيين النشطين في كونهم كسالى، لكنه كسل جعل من انهيار الحضارة الصينية غير ممكن إلا من الخارج، بينما تسبب نشاط اليونانيين في تدمير حضارتهم بأيديهم بواسطة الفنون والعلوم والاقتتال الداخلي بما لم يسبقهم إليه أحد، وقد وجدوا في السياسة والوطنية مصرفا لطاقاتهم، فضلا عن العزل الذي كان يتعرض له السياسيون إلى الريف والتلال لكتابة القاصائد، لكن ليست وحدها التربية مصدرا لذلك الاختلاف، ذلك أن الكونفوشيوسية في اليابان لم تعرف ذلك المثقف الكسول الذي كان عليه في الصين إلا ما ندر.

لقد انتجت التربية الصينية الاستقرار والفنون بينما فشلت في إنتاج التقدم والعلم، وتلك هي النتيجة المتوقعة من تربية قائمة على الشك في الأسلاف والمعتقدات، أما التربية القائمة على الاعتقاد (عدم الشك) فهي لن تنتج استقرارا، بل ستؤول حضارةٌ قائمةٌ على الاعتقاد إلى مآلين لا ثالث لهما: إما التقدم وإما الدمار. والعلم ذاته لابد أن يتحول إلى معتقد إذا أراد تحقيق التقدّم، فهو بعد مهاجمته عقائد الدين يتحول هو ذاته إلى تأسيس عقائده.

نضيف هنا، بأنه لابد من المعتقد سواء أكان دينيا أم علميا، وذلك لحاجة الأمم إلى طاقة تحافظ بها على نفسها، في دنيا مليئة بالتنافس والصراعات، ولايفيد هنا غير الاعتقاد سبيلا للحفاظ على الإنية الحضارية بالطريقة الفاعلة، خاصة في ظل عصر قرّبت وسائل الاتصال فيه بين أجزائها فصار “قرية كونية” لا يفيد فيها غير الاعتقاد الحاسم.

والمعتقد العلمي يحصر العلم في طبقة دون الأخرى، تماما كما كان في الصين حيث كانت نسبة المتعلمين ضئيلة، أما الحضارة اليونانية فقد قامت على الاستعباد حيث لا يصل العلم إلى جميع الطبقات، لذلك كان ضروريا على الصينيين مراجعة ذلك الأساس التربوي كما لم يكن النموذج اليوناني ليصمد إلى أبعد من القرن الثامن عشر حيث كان لابد من تعميم العلم.

3- النموذج الياباني في التربية: التضحية بالكثير من أجل شيء واحد.

التربية اليابانية مثال نموذجي للنزعة المسيطرة على أغلب الدول الكبرى، والتي تجعل من “عظمة الوطن” أسمى هدف للتربية، حيث الغاية تكمن في تخريج مواطنين مخلصين للدولة عن طريق ترويضهم عاطفيا حتى يهبوا كل معارفهم في خدمتها، وقد نجح اليابانيون نجاحا باهرا جعل من راسل يعترف بأنه لا يستطيع إيفاءهم الثناء الذي يستحقونه.

بوصول الأسطول الأمريكي (كومادور بري) إلى اليابان انكشف اليابانيون ووقعوا في ظرف أصبح من الصعب عليهم فيه حماية أنفسهم، الأمر الذي جعلهم ينهجون نمطا قاسيا جدا في التربية إلى درجة أنه يمكن اعتباره – أي النمط التربوي- جريمة لولا أن الخطر الداهم كان يفرض عليهم ذلك، ذلك أنهم واجهوا الغزو الحربي الأمريكي بفعل تربوي موجه لأبنائهم يحمل منطقا عسكريا في الصرامة.

أولا حرّموا الشك في مقدسات الشنتو، ديانة اليابانيين، حتى على الأساتذة الجامعيين، وبلغ تحكم رجال الدين عندهم مبلغا تجاوزوا به عصور الظلام في أوروبا، التحكم الذي انعكس على الأخلاق: الوطنية، احترام الآباء، عبادة المَلِك إلى درجة كاد ينعدم فيها كل تقدّم. فضلا عن أن الخطر الأعظم الذي يتهدد نظاما كهذا لم يكن إلا الثورة في سبيل تحقيق التقدّم.

هكذا كان عيب التربية في اليابان (نقيضا لنظيره الصيني القائم على الشك والكسل)، فقد كان المطلوب من الياباني ، حسب راسُل، الإسراف في العقائد والحماس لأجلها، فأسلوب التربية كان يرمي إلى غرس عقيدة “تحصيل المعرفة” ولو كانت صعبة، وحتى لو شاب تلك المعرفة شيء من الخطأ وعدم اليقين فإنه يمكن إصلاحها بشيء من الجهد، فضلا أن الحذر مطلوب جدا في المواطن التي يكون فيها الخطأ العلمي البسيط يجر إلى كارثة؛ لكن ورغم كل هذه النسبية التي تحوم بالمعرفة فقد كان لابد من أن تكون أساسا للمعتقد عند الإنسان الياباني، فهي تجعل العقل في حالة مستمرة من القلق والتوتر لما تتطلبه من “درجة عالية من الثقافة الفكرية”، ورغم كل ذلك يحكم راسُل بأن تحقيقها ليس مستحيلا لكونها في النهاية تعبير عن “المزاج العلمي”.

وعلى منوال الخطأ الياباني جاءت التربية اليسوعية (نسبة إلى جمعية يسوع التي أسسها الإسباني أغناتيوس ليولا) التي جعلت التربية في خدمة المؤسسة، وهي في المثال اليسوعي المؤسسة الكنسية الكاثوليكية، حينها لا يكون هدف التربية هو صالح التلاميذ لكن صالح المؤسسة، وبصرف النظر عن النظرة الدينية التي تزعم إنقاذ الأرواح من عذاب جهنم فإن الشاهد في المسألة هو مدى تحقيق اليسوعيين للنتائج التي كانوا يسعون إليها، (ومن رغم أن فولتير من خريجي التربية اليسوعية، إلا أنه انقلب عليها وأدار حربا فكرية على اليسوعيين)، ويحكم راسل بأن نتائج التربية اليسوعية لا تتحقق إلا في الآماد البعيدة.

المحصلة هي اضطرار النموذجين الياباني واليسوعي إلى التضحية بالكثير من الملكات من أجل تكوين الفرد الذي يسعون إلى تحقيقه، فكان من النتائج غير المرغوبة القضاء على الخيال المبدع في المجال الفني، تسطيح الفكر، انحلال الأخلاق (وهذا ما قد يبدو مناقضا للتوجهات الدينية لليسوعيين خاصة، لكن التعامل الفج مع الناشئة قد يؤدي إلى انحلالهم أخلاقيا رغم أن التربية تربية دينية بالأساس)، هكذا ومن أجل التخلص من شرور اليسوعيين في فرنسا كان لابد من الثورة، فقد كان خطؤهم الأكبر في التربية هو أن أهدافهم التربوية البعيدة أفقدتهم عاطفة الحب في التربية.

4- نموذج التربية في انكلترا: تكوين أرستقراطية الموظفين فلسفةً للتربية.

رغم المعارضة القوية لرجال الدين على انتخابه مفتشا للمعارف، إلا أن الدكتور ماثيو أرنولد (1822-1888) (هو الإبن البكر لتوماس أرنولد المستشرق صاحب كتاب “الدعوة إلى الإسلام” الذي عمل في جامعتي عليكرة ولاهور بالهند حيث كان أستاذا لفيلسوف الإسلام الحديث محمد إقبال) الذي استطاع أن يؤسس لسياسة تربوية تركت آثارها بشكل جلي على الإنسان الانكليزي، يقرر راسل أن عيبها كان الأرستقراطية التي سعت لإعداد الرجال للوظائف السامية داخل انكلترا وعموم المستعمرات البريطانية. لقد اقتضى بقاء الارستقراطية ونفوذها في بريطانيا إلى فضائل كان لابد من غرسها في نفوس الناشئة هي كما يلي:

  • البدن الصحيح والنشاط الدؤوب.

  • رسوخ معتقدات معينة في النفس.

  • الاحتفاظ بمعايير استقامة عالية.

  • الوعي بأهمية الرسالة المنوطة به.

ولتحقيق ذلك كان لابد وبالمقابل من: 1- التضحية بالقدرات النقدية للعقل والعزوف عن الشك، 2- التضحية بمشاعر العطف والرحمة وإحلال الصلابة مكانها، 3- التضحية بالخيال من أجل العزم والحزم، ولقد كان لهذا أن يحوز نتائج إيجابية لولا أن الشعوب في هذا الزمن لم تعد تطيع الحكام مهما أوتوا من الحكمة، لذلك كانت القسوة البديل الوحيد عن الحكمة، وإن كانت القسوة هي الأخرى ستؤدي حتما إلى الثورة؛ المحصلة أن الدكتور أرنولد أراد التضحية بالذكاء في سبيل “الفضيلة”.

يوجه راسل النقد لهذا النمط بالقول أن الحياة الحديثة تحتاج إلى نوع آخر من الرجال يكونون: 1- أكثر عطفا، 2- أفضل مرونة، 3- أقل اعتقادا في التسلط، 4- أكثر إيمانا بالمعرفة الفنية. في النهاية يجب أن: “يكون رجل المستقبل خادما لمواطنين أحرارا لا حاكما محسنا إلى رعايا معجبين”، وربما أمكن التخلص من تلك التقاليد الأرستقراطية بالتدرج، أو ربما كانت معاهد التربية العريقة في انكلترا أعجز من أن تتكيف مع العصر.

5- الإدماج التربوي في أمريكا: حرية نفسية مقابل تدجين عقلي وحسي.

لقد نجحت المدارس الأمريكية في مهمة لم تسبق إليها على المستوى العالمي، وكانت تلك المهمة: “تحويل مجموعة من البشر متباينة إلى أمة متجانسة”، (ذلك ما يعبر عنه النفساني الأمريكي ومؤسس المدرسة السلوكية جون واطسون عندما قال: أعطني إثني عشر طفلا أصحاء سليمي التكوين وهيء لي الظروف المناسبة وسأضمن لكم تدريب أي منهم على أي اختصاص بغض النظر عن مواهبه وميوله وعرق أجداده)، وما ساعدهم على ذلك كان موقع أمريكا الخاص في العالم بحيث لا يستلزم أن يكون لهم مثلا أعلى يحتذى بما أنهم هم أنفسهم مثل أعلى لغيرهم.

لقد تمتعت أمريكا بميزتين هما: 1- المستوى الاقتصادي العالي، 2- الأمان والقوة وكذا البعد عن خطر الحرب. (بعكس اليابان) وأخرى ثالثة هي خلو نسبي من الأعراف والتقاليد الموروثة المعطِّلة عن تحقيق الهدف المنشود، إضافة إلى ذلك فإن المهاجر إلى أمريكا يجد فيها ميزتان رائعتان هما: 1- شيوع المشاعر الديمقراطية، 2- الرقي الفني والصناعي.

لكن إذا كان المهاجرون أنفسهم يحتفظون بعادات وطنية مزدوجة من قبيل مناصرتهم لبلدانهم الأصلية إذا ما دخلت في صراع عسكري، فإن ذريتهم تفتقد آليا لكل ولاء لبلدان آبائهم الأصلية، لذلك فإنهم ينصهرون بشكل تام ضمن المنظومة التربوية كما أسس لها واطسون، وما يوطد هذا المنزع فإن المحاسن الموجودة في أمريكا تجعلها في غنى عن الاضطرار للمقارنة بينها وبين الدول الأخرى (ولعل ذلك ما يؤسس لانغلاق الفرد الأمريكي على ثقافته باعتبارها الأرقى ولا حاجة له للثقافات الأخرى…).

إلا أن الحقيقة تكشف أن “المستوى الفكري” في غرب أوروبا و”المستوى الفني” في شرقها أفضل من أمريكا، فضلا عن الأوروبيين أقل إيمانا بالخرافات من الأمريكيين، وعموما فإن الفرد الأمريكي أكثر قابلية للتدجين من الفرد الأوروبي، ذلك ما يدعو المنهج التربوي الأمريكي لاحتقار تلك المجالات التي يبدو فيها ضعفه مقارنة بالآخرين؛ هذا وإن كان نجاح المعلم الأمريكي يقاس بمدى تعلقه بأطفاله أكثر من دولته أو كنيسته، لكن ومن رغم ذلك لا تختلف التربية الأمريكية من حيث المنهج عن التربية عند اليابانيين واليسوعيين ذلك أنها جميعا تعتبر الطفل وسيلة لتحقيق غاية المؤسسة سياسية كانت أو دينية.

6- مكانة الأبناء في الفعل التربوي: وسيلة أم غاية؟

إن اعتبار الإنسان وسيلة لا غاية في الفعل التربوي بحجة أن الإنسان إذا كان غاية في حد ذاته فإنه سيموت والغاية يجب أن لا تموت أمر لا يرد، إلا أن راسُل يتحفظ على ذلك بالقول أن الإنسان إذا ما اعتُبر وسيلة فإن تلك الوسيلة قد تكون خيرة أو شريرة، وأن الآثار البعيدة لأعمال الإنسان تبقى غير معروفة ومن ثم فهي تسقط من حساب الناس عامة، فهم ينظرون في الأثر المباشر دون الأثر البعيد، ذلك أن الأثر القريب لفعل الإنسان قد يكون سيئا بينما يكون أثره الأبعد حسنا (نأخذ مثال أفعال السيد الخَضِر مع النبي موسى عليه السلام: قتل الطفل، خرق السفينة كأعمال سيئة يراد منها خيرا بعيدا)

إلا أن القاعدة العامة هي أن جماعة النساء والرجال الأخيار سينتج عنهم خيرا أفضل من جماعة جهلاء أشرار، إلا أن الفارق هنا يكمن في الإحساس الفطري الكامن لدى الناشئة من الأطفال، ذلك أنهم يدركون بغريزتهم الفرق بين من يسعى لإنمائهم من أجل صالحهم الأفضل وبين من يربيهم ليكونوا مجرد أدوات في خطة مخفية لديه.

فلا يمكن للخلق ولا للذكاء أن ينموا نموا طيبا إذا كانا مرفقين بتعليم يفتقد إلى الحب، فالحب عند الطفل غاية في حد ذاته، ومن ثم فهو لا يفكر في استحقاقه لهذا الحب أم لا فضلا عن يعي بأن هذا الحب سيكون له نفع فعلي في النهاية، إلا أنه شعر حقيقة أنه محتاج إلى الحب، هكذا فإن كل الآباء يشعرون بواجب منح الحب لأبنائهم كما يحبون لأنفسهم الحصول على ما يحبون، إذ في النهاية لا تتدخل في المسألة أية قاعدة من قواعد العدل المجردة.

وبالتبع فالمفترض أن يُستأمن على التربية ووضع برامجها هم أولئك الذين تلقوا الشحنة الكافية من الحب من آبائهم، إلا أن الواقع حسب راسُل يثبت العكس، ذلك أن الذين يسيطرون على التعليم في جميع الأقطار المتحضرة – باستثناء الصين والدنمارك – هم أولئك الذين ينقصهم الشعور البديهي بالحب الوالدي، لكن وفي كل الأحوال لا يكفي الحب وحده لإدراك السمو الحقيقي في الإنسان، ذلك أن الوالدين المحبين قد يعلمان أبناءهما كراهية أعداء البلد مثلا، أو حتى اللذين أحبوا الناس جميعا يمكن أن يكون لديهم تصور خاطئ عن الحياة الطيبة كيف يمكن أن تكون.

7- الحيوية، الشجاعة، الإحساس، الذكاء: خطة راسُل لتربية مثالية.

أي طريق للتربية يمكن أن يقارب الكمال المطلوب؟ لا بد بداية من تمييز الصفات المطلوب وجودها في بضعٍ من الناس والصفات المطلوبة في جميعهم، فالصفات التي تنتج رجلا ساميا وراقيا في مجال ما قد لا يستحب تعميمها على الجميع، فالتمييز ضروري بين ما هو مطلوب في مهنة أو حرفة ما مثل هواية الشعر التي تتطلب من الشاعرالذي يحكي عن نفسه:

فيراقب من الفجر إلى المساء      انعكاس أشعة الشمس على البحيرة.

فهذا النزوع التأملي غير مطلوب من الجميع ولا يمكن تصور أن يقوم الجميع بذلك، فالمطلوب أيضا من فريق من الناس الانغماس في أعمالهم حتى يقوموا بها على أتم وجه مصداقا للبيت الموالي للسابق:

النحل الأصفر يتغلغل في العليق المزهر       بلا مبالاة أو نظر لماهية الأشياء.

فما هي إذن الميزات المطلوبة والتي يُستحب وجودها في الناس إجمالا؟ يرفض راسُل في البداية التمييز بين الذكر والأنثى ويعتبر الفرق بينهما تماما كالفرق بين المزارع والطحان، ويقدر أربع صفات يرى أنها يمكن أن تأخذنا إلى طريق السمو بالإنسان وهي: 1- الحيوية، 2- الشجاعة، 3- الحساسية، 4- الذكاء. والمؤكد أنها ليست قائمة مثالية إلا أنها قابلة للتعميم فهي شاملة لنواحي البدن والعاطفة والعقل.

8- في أن الحيوية أمان من الحسد المفسد.

1- الحيوية: هي صفة بدنية أكثر من عقلية، ويفترض أن تكون حيث تكون الصحة التامة، تبلغ ذروتها قبل بلوغ سن الدراسة وتتضاءل بالتدريج مع التقدّم في السن إلى أن تنعدم في مرحلة ما، والحيوية رديف لسعادة الإنسان واستمتاعه بالحياة بغض النظر عن كل الظروف، وهي تجعل الإنسان أكثر عناية بما حوله.

الحيوية تدفع الإنسان للإنشغال عن النفس بما يحقق التوازن العقلي، فمعلوم أن الإنسان ميال إلى العناية بنفسه غير مبال بالآخرين، أقرب إلى الأنانية والعزوف عما يتجاوز جلده، وهو نزوع مضر به يؤدي إلى الملل واليأس، وعلى أسوأ تقدير إلى الهم والانقباض، كل ذلك يمنع الإنسان عن أن يكون نافعا، ذلك أن الحيوية تنمي الاهتمام بالعالم الخارجي والمقدرة على العمل الشاق.

فضلا عن ذلك الحيوية أمان من الحسد، مجلبة للبهجة، والحسد من أكبر مصادر شقاء الإنسان، ولما كان حظ نيوتن مثلا ضئيلا في الحيوية، ذلك الذي أدخله في جدال مع ليبنتز أدى إلى تدمير الرياضيات في انكلترا لأكثر من قرن، الأمر الذي كان يمكن تجنبه لوكان نيوتن حيويا قوي البدن قادرا على الاستمتاع بالحياة.

9- كيف يمكن تحقيق شجاعة لا تقوم على ظلم الآخرين؟

2- الشجاعة: معقد هو مفهوم الشجاعة، فهو ليس التجرد من الخوف بشكل كامل وإنما هو القدرة على ضبط الخوف، ذلك أن عدم الخوف مطلقا أمر غير طبيعي تماما كما هو الخوف غير المعقول الذي قد يصل إلى درجة مَرَضِية والناتج غالبا عن توهم الاضطهاد أو القلق المُربِك، أما الخوف في صورته المعقولة فناتج عن شعور مبهم يمكن التعبير عنه بشكل أصوب بـ”القلق”.

وأغلب الخوف الذي يتملك الإنسان مصدره الإيحاء، كالخوف من الظلام الذي يرجع كله إلى الإيحاء، ومصدر الإيحاء عند الأطفال هم الكبار، وهم يأخذون هذا الخوف حتى عندما يشعر الكبار أنهم أظهروا ذلك الخوف (ومنه الخوف من الله أو السلطان فهو غالبا خوف خفي لكن الصغار يدركونه بغرائزهم)، ومصدر الخوف عند الأطفال هو غالبا ما يكون الأمهات أو الحاضنات، ومن ثم كان من أسباب جاذبية النساء للرجال هو أن خوف النساء يمنحهم مظهر الحُماة غير الآبهين لتعرضهم للأخطار، لذلك كان من الضروري تدريب الأطفال على “استعادة الشجاعة” التي تسببت الأمهات في ذهابها خلال فترة الحضانة، والخوف إذن مصدره الرئيس استخضاع الرجال للنساء بواسطة تحقير الآباء للأمهات. (والمقصود تحديدا هو الخوف الوهمي وأقله الخوف من الفئران والعناكب، وهو أمر جامع لكل النساء كما يبدو من غير استثناء حتى تلك اللواتي يمتلكن شجاعة النضال مثلا من أجل الحقوق أو المسترجلات الهوليوديات مثلا أو من هن على نمطهن)، فما هو العلاج الأبقى للخوف؟

لقد كان محك الشجاعة عند الأرستقراطيات متمثلا في السلوك الغاشم الظاهر في: عدم الفرار من الزحف، الخبرة بألعاب الرجولة، الحفاظ على رباطة الجأش في المُلمّات، وفي العرف الارستقراطي للشجاعة أن الخطأ وعدم الصواب ليس مدعاة للخوف، بل هو تجنب تام وفي كل الظروف لاصفرار الوجه والارتجاف أو أية علامة خوف يسهل لحاظها، ويقدّر راسُل أن ذلك من الأهمية العظمى عند الأمم إذا ما عمّ جميع الطبقات والذكور والإناث، إلا إذا ما انقلبت الشجاعة رديفا للقمع فإنها مجلبة مطلقة للشر.

إن الإنتصار الظاهري على الخوف يترك الخوف يعمل في السر، ذلك الذي ينتج عنه انفعالات سيئة غامضة لا يدرك الناس أن مصدرها الرعب، تماما كذلك الضابط البريطاني الذي أمر بإطلاق النار على طلبة صينيين في ظهورهم دون إنذار، حيث كان الرعب مصدرا لأمر الضابط وفي ذلك لا فرق بينه وبين الفرار من المعركة، تلك هي الحقيقة التي لا يدركها العرف الارستقراطي فيعتبرها من علامات العزم والروح المطلوبين.

إن الخوف والغضب عاطفتان متماثلتان في العرف السيكولوجي والفيزيولوجي، ذلك أن الرجل الذي يغضب لا يمكن أن يمتلك ضربا عاليا من الشجاعة، والقسوة الدائمة إنما هي وليدة الجبن، وعلى هذا الأساس الذي تم التوصل إليه في تعريف الشجاعة يمكن تربية النساء والرجال حتى يعيشوا بلا خوف، إذا وجدوا من يرشدهم، ذلك الذي لم يستطعه إلا عدد قليل من الأبطال والقديسين.

للحصول على شجاعة تقوم على القمع كان لابد من الجمع بين أشياء عدة، قد يكون العنصر الأول (وهو الحيوية) مساعدا عليها لكن ليس ضروريا، فضلا عن أن المران والتدرب على المواقف الخطيرة أمر مستحب أيضا لاكتساب هكذا شجاعة مطلوبة، ويمكن عدّ بعض أهم مقضياتها:

1-  إحترام الذات: يعيش بعض الناس بوحي من أنفسهم، وآخرون ليسوا إلا انعكاسا لإحساسات الآخرين بما لا يمكن أبدا أن يحصّلوا به الشجاعة الحقيقية، ذلك أنهم لا يستغنون عن إعجاب غيرهم بهم ولا يفارقهم الخوف من فقدانه، وكان هذا الإحساس عين ما يسمى بـ”التواضع”، فهو يعني هنا كبت احترام الذات واللهفة لنوال رضى الآخرين، كان مفهوم التواضع يعني التصاغر وسيلةً لرضى الناس، ومن ثم مجلبة للرياء وفساد الطباع، فالمطلوب إذن ليس إلغاء تراتب الآمر والمأمور، ولكن المطلوب السعي لأن تكون أهدافنا نابعة منا ولا مفروضة علينا من غيرنا، ولا أن نفرض على الآخرين أهدافنا.

2- نظرة غير شخصية للحياة: إن الرجل الذي تتركز آماله ومخاوفه حول نفسه لا يمكن أن ينظر إلى الموت باطمئنان، فالموت يهدم لذاته وعواطفه كلها، بالمقابل فإن القديس الذي يحرم على نفسه ملذات الدنيوية، وحجة القديس في ذلك أن تحمل الألم يحمل على السمو وتحقيق النبل، إلا أن ذلك يخلف لديه شعورا خفيا بالحسد يجعل من فرض ما يؤمن به على الآخرين أمرا شرعيا، هذا الذي ينعكس بشكل مباشر على القيم التي تنقلب فيصبح الحسن سيئا والسيء حسنا.

كذلك يقودنا الحب وعلى الأخص الحب الوالدي النابع من الفطرة البشرية التي تقود إلى ما وراء النفس (ميتاسيكولوجي) والنظرة غير الشخصية، هذا الحب الوالدي الذي يمكن أن يمتد ليعم محبة البشر جميعا (إذا ما غرسه الأبوان بشكل مطلق في نفس الأولاد)، وحب الجنس البشري يتجلى أيضا في المعرفة، على غرار ما فعله غاليلي الذي امتدت تضحيته بنفسه بعد مماته وعمت البشر جميعا، وكذلك الأمر ينطبق على الفن؛ والخلاصة هي أن الرجل الذي تتسع دائرة اهتماماته ويفارق مصلحته الشخصية لا يصعب عليه أن يفارق الموت مثلما يصعب على الإنسان البائس الخائر الإرادة الذي يشعر بنفسه صغيرة جدا في نهاية الأمر ليس لاحتقار نفسه وإنما لتقديرها بأكثر من حجمها.

والغريب أن هذا الشعور القائم على حياة الأنانية الشخصية والذي ينتهي بالإنسان إلى الخوف من الموت نابع من الغريزة الحرة والذكاء المتقد، بينما المطلوب أن يجتمع ذاك إلى هذا، ويقصد راسُل بذلك اجتماع الحرية والذكاء بالحب غير المقيد للناس بحيث ينتج شمول في النظر يفارق نوعان من الناس: المنغمس في شهواته، والزاهد عن الدنيا، اللذان سيبدو موتهما أمرا تافها، ويتصور راسُل أن هكذا شجاعة تقوم على الفطرة هي المطلوبة والتي تشكل عنصرا من عناصر الخُلُق الكامل، وليس تلك القائمة على قمع الآخرين وظلمهم.

10- الإحساس الفكري سبيلا وحيدة لإحقاق العدل والسلام في العالم.

3- الإحساس:

إن السلوك المندفع الذي يعتبر في أغلب الأحيان شجاعة يكون أسهل من النباهة في إدراك الأخطاء التي ينطوي عليها ذلك الاندفاع، وتلك النباهة إنما تكمن في الإحساس العاطفي الذي يحصل عندما تغزو الإنسان منبهات كثيرة، لكن الاستجابة الكلية لتلك المنبهات ليس أمرا محمودا بإطلاق، ذلك أن الإحساس العاطفي وحتى يكون إيجابيا لا يجب أن يكون إلا عندما تقتضي الحاجة، والمعيار في ذلك هو ضرورة تأثر المرء بما يحيط به إن سرورا أو مَساءةً، فكيف ذلك؟

إن رغبة الإنسان في أن يظن به الناس خيرا تبقى دافعا يتسلط على الإنسان مدى حياته، ويعتبرها راسل دافع عظيم القيمة لتحقيق السلوك المستظرف، وهو ينشأ عادة بعد الخمس شهور الأولى من الميلاد وينمو نموا سريعا جدا، فالخطوة الأولى للطفل هي الانتقال من الإحساس الحسي المجرد بالمسرات إلى الإحساس العاطفي بها، ذلك الذي يصدر عن الاستحسان الاجتماعي، وسيكون هذا الاستحسان أنفع لو كان الناس أكثر حكمة فيه، إلا أن البطولة للأسف ينالها هؤلاء الأكثر تقتيلا للناس بسبب من أعجاب الناس بهم، لذلك لم يكن الإحساس وحده كافيا لتحقيق الحياة الطيبة.

وثانية المراحل في تطور الأحاسيس عند الإنسان  هي استشعار العطف، أوله بكاء الطفل الصغير عندما يبكي أخوه الأكبر، وسيتوسع العطف عندما لا يكون المصاب موضع محبة، وغايتها استشعار العطف على الأباعد عند حدوث مصيبة وإن لم تكن مشهودة، وإن التوسع في العطف على المظلومين قد لا يتجاوز التفاعل مع رواية راقية، كما قد يتسع العطف إلى الحد الذي تثيره إحصائيات مجردة، وتلك قدرة نادرة ومهمة.

فإذا كان كل الناس يتأثرون بمعاينة آلام المرضى في المستشفيات، إلا أن تأثرهم بإحصائيات مرضى السرطان لا يكون إلا بشكل عابر، وكذلك يفعل الناس مع مصاب قريبهم خلال الحرب مثلا، بينما لا يرف لهم جفن عندما يسمعون عند مقتل مليون شخص في ذات الحرب مثلا، وأخيرا إن الرجل الممتلئ عطفا ووُدًّا للناس قد يكسب عيشه من التحريض على الحرب أو من تعذيب الأطفال! وذلك راجع إلى أن العطف لا يثيره باعث فكري محض.

لقد منحنا العلم مقدرة كبيرة على التأثير في حياة الشعوب البعيدة إلا أنه لم يزد من عطفنا عليها، فهذا الرجل البريطاني الذي يستثمر ماله في الصين، لا يهمه إن كانت الضرائب التي يدفعها توجه لقصف المدنيين ولا أن أرباحه تأتيه من كدح أطفال مرغمين على الأعمال الخطيرة، إنه لا يبالي لأنه لم ير هؤلاء الأطفال أبدا، وأن الباعث الفكري لا يحرك فيه ساكنا (خذ مثال رجال الدولة وأصحاب القرار كيف يتصرفون عند زياراتهم الميدانية بقرارات مباشرة وآنية أمام بعض المآسي الاجتماعية رغم أنهم كانوا يعرفون عنها سواء من الإعلام أو من التقارير التي ترفع إليهم)، وذلك السبب الرئيس في قسوة الاستثمار الصناعي وأن ظلم الشعوب المغلوبة على أمرها أمر مستساغ، لذلك فإن تربية تنتج حساسية فكرية من شأنها أن تعمل على تعميم العدل والسلام في العالم.

11- الذكاء بين الرغبات الضيقة والصالح العام.

4-  الذكاء: لا شك أن كلمة الذكاء تدل على قابلية تحصيل المعرفة أكثر من قابلية التصرف في المعرفة المحصلة من قبل، وأن قابلية تحصيل المعرفة لا تحصل إلا بالتمرين المستمر عليها، أي أن التعليم يجب أن يهدف إلى تدريب الناس على كيفية اكتساب المعارف لا القيام بإعطائهم المعارف ذاتها، لكن الشائع هو أن التعليم يحصل بطرق لا تربي الذكاء، وذلك من خلال تركيز المربين على تلقين “العقائد الصحيحة” للتلاميذ ومن ثم إهمال تنمية الذكاء لديهم، فلا يمكن للحياة الحديثة أن تقوم ولا أن تتطور لولا الذكاء، لذلك اعتبر  راسل أن تنمية الذكاء من أعظم أهداف التربية، فما هو الذكاء الذي يقصده راسُل هنا؟

من المبادئ الغريزية التي يولد بها الإنسان هو حب الاستطلاع، ذلك الذي نجده حتى عند الحيوانات، فالقطط التي تجد نفسها في مكان جديد إذ تأخذ في تشمم كل ركن وكل قطعة من الأثاث، وكذلك الأطفال حين يفتح لهم درج أو ركن اعتادوا على رؤيته مغلقا فإنهم يهتمون به مستغرقين، إلا أن الاستكشاف قد يتحول إلى تجسس يتجلى في محاولة “النظر من خلف الستائر” بعد أن يخيم الظلام، أو قد يكون انتشارا للغيبة، التي لا تعبر عن حب للمعرفة بقدر ما يكون هدفها الأذى، إذ لا نجد أحدا يغتاب الناس بذكر محاسنهم، لذلك كان معظم الغيبة باطلا.

فالغالب أن الإنسان يفقد الدهشة وحب الاستطلاع بتقدمه في السن، مما يورثه التشاؤم فلا يرى الحياة إلا سائرة إلى المجهول المخيف وأن الحياة في الصبا كانت أجمل مما هي عليه الآن، إلا أن الحقيقة لم تكن تغيرا في الحياة الخارجية بل إن الفساد أصاب الحياة الداخلية للإنسان عندما فقد روح الاستكشاف، فصار كل شيئ عنده رتيبا لا يستحق التفاؤل، إذ عندما يموت حب الاطلاع نستطيع أن نقرر أن الذكاء الفعال قد مات أيضا.

وإذا كان علو رتبة التعليم شرطا في زيادة مقدار الذكاء إلا أن المعيار الأوكد في تلك الزيادة هو أن شغف الاكتشاف يزداد كلما تجرد من المنافع الشخصية – مثل التفكير في كيفية الحصول على وجبة الطعام- واتصل بالقضايا العامة، لكن ليس من الواقعي أن نتصور أنه يمكن التجرد من الأهواء آناء الاستطلاع، لكن الأصوب أن يكون ذلك الهوى غير واضح ولا مباشر عند المستطلِع ذاته، وأن اكتشاف الهوى المصاحب للاستطلاع في نظر الآخرين يكون عسيرا.

في مرحلة تالية كان لابد للاستطلاع ولكي يكون مثمرا من “أسلوب فني” يقوم بتنضيد طرق تحصيلنا للمعرفة يتمثل في: 1- تطوير عادات ملاحظة الظواهر، 2- التحلي بالصبر والجد في طلب المعرفة، ويحصل نمو تلك العادات متى وجدت رغبة وتربية عقلية مناسبة لها؛ إلا أن ما قد يعوق نمو الذكاء (الذي هو الأسلوب الفني لتحصيل المعرفة) هو الأهواء الشديدة المرتبطة بالإنسان، ذلك أن العادة والشهوة يحولان دون تقبل الحقائق الجديدة التي يدفع إليها الذكاء، ومن ثم فنحن في حاجة إلى فضائل فكرية أخرى من قبيل “انفتاح الذهن”، ذلك أن أصعب الأمور هو أن نتخلى عن تصورات (غالبا ما تتحول إلى معتقدات) كنا نؤمن بها سنوات عديدة، والأدهى أن نرى في ذلك ما يتناقض مع احترام الذات!  هكذا فانفتاح الأذهان من أجلّ الصفات التي ينبغي طلبها ووجودها في التربية المعاصرة.

هكذا يكون الذكاء بمثابة صنوٍ للشجاعة، فالحياة العقلية الحرة قد تورث الإنسان المتاعب وتحرمه من الدفء، ذلك أنه وبمجرد ميلاد المرء إلى هذا العالم يجد أمامه حشدا من النظم العقلية المتشكلة في إطار مذاهب سياسية وفكرية ودينية مستعدة لتهب له الأمن نظير استرقاقها له، وهذا يجر راسُل إلى مسألة تقوم على شيء من الصعوبة وهي: إلى أي حد يمكن أن تتحرر فيه الحياة الطيبة من حياة القطيع وتكون فيه ممكنة؟

12- تربية النساء على الشجاعة والحب أصل التغيير الحقيقي.

جُبِل الإنسان على حب الوفاق مع الجماعة، وعلى ذلك ينبغي أن يغلب على الرجل العادي دائما ما يطلق عليه جزافا “غريزة القطيع”، والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على بعض مسرات الحياة بغير التعاون الذي يضمنه الوفاق، إلا أنه من المهم أن يحتفظ الإنسان بدائرة صغيرة لا ينفذ إليها الإحساس القطيعي، وهي دائرة تخصصه هو.

فلئن كان خيرا للرجل العادي أن يتبع آراء الثقات، فإنه يستحسن أن يوجد استقلال بالرأي حيثما وجدت المقدرة الخاصة، لكن لا ينبغي أن يجعل الرجل من نفسه “قنفذا” يباعد بينه وبين الناس، ذلك أن معظم نشاط الإنسان تعاوني، والتعاون يجب أن يكون على أساس غرائزي، ومع ذلك من المهم جدا أن نكتسب الشجاعة التي تحملنا على الجهر بآرائنا المخالفة للجماعة عندما نعتقد أنها آراء مهمة، فالشخص الهياب يفضّل أن يظل يائسا على أن يخرج على المألوف في شيء.

إن كراهية الناس لـ”الرواد العقليين” تعود إلى الفزع الذي يلقونه في قلوبهم، ذلك الذي لن يحصل في مجتمع نشأ فيه القوم على الشجاعة، وإن انضمام الناس إلى الجماعات المنغلقة والاستبدادية سببه الخوف، والواقع أن المجتمع الذي يتألف من نساء ورجال نشأوا على الحيوية والشجاعة والاحساس والذكاء لهو أرفع ما يمكن أن تستطيع التربية أن تحدثه، إذ يقل فيه التعساء من الفقراء والمرضى وغير المشبعين جنسيا، بل إن الشيخوخة قد يتم إرجاؤها.

لو رُبي جيل من النساء بغير مخاوف جنسية غير معقولة فإنهن سرعان ما ينقذن الرجال من التعاسة الجنسية، فلقد ساد الظن بأن الوسيلة الوحيدة لحمل النساء على الفضيلة هي الخوف والجبن الحسي والعقلي على سواء، كما أن فقدان النساء للحب يدفعهن لبث الوحشية والرياء في أزواجهن ويشوهن فطرة أبنائهن، وأن تغيير الدنيا يمكن أن يحصل في جيل واحد لولا أن ربيت النساء على الشجاعة، وذلك بأن ينجبن جيلا من الأطفال لا أثر للخوف فيهم ولم تفسد فطرتهم، وسيكونون ذوي استقامة وصراحة، وكرم وود، إن التربية هي مفتاح الدنيا الجديدة.

13- على سبيل الختم:

لو تأمنا الفكرتين الأخيرتين المتعلقتين بالريادة الفكرية والشجاعة الجنسية، لاكتشفنا ربما دلالة قولة راسل الأخيرة: “إن التربية هي مفتاح الدنيا الجديدة”، طبعا هو لا يعني أية تربية، بل التربية التي قدّم لأسسها في هذا النص، وعندما يقول بأنها مفتاح للدنيا الجديدة فإنه يقصد بها أنها صارت ركنا رئيسا في الحياة الحديثة.

فالريادة الفكرية تقوم على شجاعة معنوية تعنى بإعادة تشكيل عالم أفكار الناس (في المجال العام: رجالا ونساء) لتخليصهم من أمراض الأذهان، والجبن هنا هو التهيّب المعنوي الذي يخشى الرجل على صيته ومكانته إذا ما تجاوز حدوده المرسومة، ومن ثم فجوهر الشجاعة الرجالية عند راسل يقوم على الشدّة الذهنية والنفسية، أما الشجاعة المطلوبة من النساء أن تكون شجاعة حسية لتخليص الناس (في المجال الخاص: أزواجا وأولادا) من أمراض القلوب، إذ جبن المرأة يقوم على التهيّب الجنسي –بوصف المرأة كلها مجلبة للإيحاء الجنسي في وجودها الجسدي- الذي يجعلها تتقوقع على تصور جنسي بحت عن نفسها فلا تستطيع مجاوزته، وهنا تحديدا تقوم النظرة الراسلية على ثورة بمعنى الكلمة في المجال التربوي عندما يدعو الرجل إلى الخروج من قوقعة تصور المكانة والسمعة الذي يضطره إلى القبوع فيهما، وكذا دعوته المرأة للخروج من قوقعة تصورها الجنسي والجسدي عن نفسها الذي يضطرها إلى القبوع فيهما.

ولم تكتمل ثورة راسل التربوية إلا عندما أوكل إلى الرجال والنساء مهمتين مختلفين “في عالم التربية تخصيصا”، إذ وبعد قوله بعدم تمييزه بينهما نجده يفاصل صراحة بين الأدوار التربوية للجنسين، الأول ذكري يخص في المجال العام والثاني أنثوي يخص المجال الخاص، وليس الأمر تفاضلا بقدر ما هو تكامل كما تقدّم القول، ذلك أن صلاح المجال العام لا يكون إلا بصلاح المجال الخاص والعكس أيضا، وهذه المفاصَلة تأتي انسجاما مع طبيعة كل جنس، أو كما يقرّر ضمنيا صاحب الذهن الرياضي المتوقّد الذي يصدر كلامه عن وعي كامل بعالم الضرورات المطلقة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

The post النموذج المثالي للتربية عند برتراند راسل – د.محمد عبدالنور appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%af-%d8%b1/feed/ 0 733