محمد عادل زكي - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/محمد-عادل-زكي/ مكتبة شاملة Sat, 18 Apr 2026 02:54:33 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 محمد عادل زكي - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/محمد-عادل-زكي/ 32 32 116455859 تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي https://maktaba-amma.com/%d8%aa%d8%b6%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%81-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%ac%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d9%88%d8%af-%d9%85/ Sat, 18 Apr 2026 02:52:37 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26933 ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر جرى استخدام مصطلح (وديعة) لستر العلاقة الحقيقية الَّتي تتجسَّد في القرض المحرم في التَّعاليم الكَنسية.(1) ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف (ودائع […]

The post تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر جرى استخدام مصطلح (وديعة) لستر العلاقة الحقيقية الَّتي تتجسَّد في القرض المحرم في التَّعاليم الكَنسية.(1) ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف (ودائع المصارف المأذون باستعمالها) إلى استخدام لغة مصطلحيَّة مضللة من جهة، وإلى عدم التَّحليل الحقوقي السليم لطبيعة العملية نفسها من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أن المشرع في مصر قد حسم المسألة، بعباراتٍ صائبة، حينما قرر في المادة 726 من التقنين المدني: “إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود… وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر قرضًا”. فإن المشكلة تبدأ حينما يستخدم المشرع نفسه مصطلح “الملكية”! كما في المادة 301 من قانون التجارة، حينما يقرر أن: “البنك يتملك النقود”. وحينما يقرر صراحة أيضًا في المادة 538 من التقنين المدني أن:”المقرض في عقد القرض ينقل ملكية مبلغ من النقود إلى المقترض”. وهو نص يوحي بأن النقود انتقلت ملكيتها الكاملة من المقرض إلى المقترض، وبالتَّالي صار يسيرًا ترتيب النتائج على ذلك حينما تهلك النقود، فهي تهلك على المصرف؛ لأنها المالك بموجب نص المادة! وهذا غير صحيح؛ والدليل أن النقود الَّتي يقترضها المصرف تقيَّد في ميزانيته في جانب الخصوم لا الأصول. كما أن ترخيص المشرع للمصرف بأن يدفع طلب الاسترداد بالمقاصة يؤكد على أن المصرف لم يكن مالكًا أبدًا للنقود المودعة. أضف إلى ذلك أن التزام المصرف بالرد سينعدم، بمجرد الاعتراف بملكية المصرف للنقود! وحينما نبحث عن سبب التزام المصرف، أي سبب دفع المصرف المبلغ السَّابق إيداعه، مع افتراض ملكية المصرف له، فإذا قلنا أن سبب الالتزام هو العقد، فلن يكون أمامنا سوى القول بأن مصدر الالتزام هنا سيكون الهبة والإرادة المنفردة، وهو قول يتنافى مع الواقع والمنطق الفقهيين السليمين. ونحن نرى أن التَغلْغل في عمق عملية الإيداع النقدي، المقترن بالإذن بالاستعمال، إنما يجعلنا أمام عقد قرض قائم على إيجار للنقود مع بقاء الملكية للمقرض. هذا الإيجار يتضمن بطبيعته بيع حَقي الانتفاع والاستغلال. وبيع هذين الحقين هو بمثابة بيع حصة، نصيب، في الشيء الَّذي يهلك مع كل انتفاع به واستغلال له (والنقود تهلك بتراجع قوتها الشرائية) ويمكننا أن نقارن، على هذا النَّحو، بين الرأسمالي الَّذي يبني بيتًا وفقًا لقانون حركة الرأسمال الصناعي بقصد تأجيره، وبين الرأسمالي الَّذي يستثمر النقود بإقراضها للمصرف. فالأول يحصل على ربحه ببيع حق الانتفاع والاستغلال للمستأجر. ومع الانتفاع والاستغلال عبر الزمن يأخذ البيت في التهالك حتى يصبح غير صالح لأي من الانتفاع والاستغلال، إذ في كل مرة تباع فيها المنفعة لشخص ما تأخذ قيمة البيت في التراجع. ومع كل تراجع في القِيمة، يحصل الرأسمالي، على دفعات، على رأسماله محملًا بالربح. أما الرأسمالي الثاني الَّذي أقرض المصرف، وفق قانون الحركة الرأسمال المالي فهو كذلك يحصل على دخله من وراء هذه العملية حتى تصبح نقوده، مع تراجع قوتها الشرائية عبر الزمن، غير قادرة على إنتاج الدَّخل. فلو افترضنا أنه يملك في عام 1960 مبلغ 400 جنيهًا، فسوف يظل يقرض المصرف هذا المبلغ، ويحصل على الفائدة. وفي كل مرة يراكم الفائدة ويعيد إقراض نفس مبلغ الرأسمال، حتى تصبح الـ 400 جنيه غير ذات قيمة كي يقرضها للمصرف بالأساس، ولكن هذا الرأسمالي عبر سنوات الإقراض يكون قد حصل على قيمة الـ 400 جنيه حتى تمام هلاكها في عام 2010، بتراجع قوتها الشرائيَّة وفقدها القدرة على إنتاج الربح.(2) وبالتَّالي يعد إيداع النقود مع الإذن باستعمالها قرضًا بتلك الكيفية الَّتي ترى بقاء ملك الرقبة للمقرض، وانتقال ملك المنفعة والاستغلال فحسب للمقترض.(3) وعلى هذا النحو يمكن التأسيس لعدم هلاك الوديعة على مالك الوديعة، وهلاكها على المصرف على الرغم من أنه غير مالك، وفقًا لقاعدة “تضمين الصَّانع”. وهي قاعدة أصوليَّة جرى خلقها للمصلحة(4) ويجب تطبيقها من باب أولى مع المصارف؛ لا لأن الوديعة الَّتي يستخدمها تجر عليه نفعًا فحسب، إنما لأن المصارف كذلك هي الطَّرف الأقوى والأكثر وعيًا ودراية، حتى أنه لمن الشَّائع والمألوف خروج المشرع على القواعد العامة حينما يكون المصرف هو أحد أطراف النزاع كما في قواعد الحجز، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار… إلخ. فإنَّ تتبع الجذور التَّاريخية لقاعدة تضمين الصنَّاع يكشف عن مسارٍ تشريعيّ تحوَّل من إرساء “الأمانة” كأصلٍ أخلاقي إلى فرض “الضمان” كضرورةٍ اجتماعية؛ ففي العصر النبوي وصدر الإسلام، استقرَّ الحكم على اعتبار يد الصانع “يد أمانة” قياسًا على المودع عنده، وهو تكييفٌ عكس طبيعة المجتمع القائم آنذاك ربما على الوازع الدينيّ، حيث يتحمل مالك العين تبعة الهلاك ما لم يثبت التعدَّي. غير أنَّ اتساع رقعة الدولة واختلاط البنى الاجتماعيَّة أفرز ظواهر سلوكية جديدة اتَّسمت بالإهمال أو التفريط، مما دفع العقل الفقهيّ لإعادة النظر في هذا الفراغ التشريعيّ صيانةً لحقوق النَّاس. ويبرز الإمام علي في هذا السياق بوصفه المشرِّع الأول لهذا التَّحول، حين قرر تضمين الصنَّاع انطلاقًا من مبدأ “الاستصلاح”، مرسيًا بذلك دعائم المسؤوليَّة المهنية بقولته الفاصلة: “لا يصلح الناس إلا ذاك”؛ إذ كان الهدف صون الملكية الخاصة من التآكل الماديّ تحت يد المحترفين. وقد تبلورت القاعدة تاريخيًا عبر التمييز الدقيق بين الأجير الخاص والأجير المشترك، حيث نُظر إلى الأخير باعتباره صاحب مهنة يفتح دكانه للجمهور ويجني ربحًا مطردًا من حيازة أعيانهم، وبمقتضى قاعدة “الغرم بالغنم”، أُلحق به الضمان التزامًا بتبعات النَّفع الذي يجنيه. وقد استند التأصيل الفقهي لهذه القاعدة إلى سد الذرائع، درءًا لما قد يتذرع به الصناع من هلاكٍ قهري لستر إهمالهم أو خيانتهم، فكانت القاعدة سياجًا حمائيًا يمنع الإغراء بالتبديد قبل أن تكون جزاءً على الفعل. وتعمق هذا المنحى لدى المالكية بتقرير الضمان في كل ما “يغيب عليه الصانع”، وهو ما نقل الفقه من دائرة البحث في النوايا والتقصير إلى دائرة النتائج المادية الملموسة؛ فالعين تلفت في حوزة الصانع المنفردة، مما يوجب عليه الضمان بقوة القانون. وهذا النَّسق التَّاريخيّ يتقاطع كليًا مع الوضع الرَّاهن للمصارف؛ فإذا كان الفقه قد شدد في ضمان “الخياط” و”الصبَّاغ” حمايةً لأعيان يسيرة، فإنَّ الأولوية تقتضي تضمين المصرف حمايةً للقوة الشرائية لمدخرات المجتمع، نظرًا لتحقق علة الضمان في المصرف بتركيزٍ أكبر بوصفه الطرف الأقدر على إدارة المخاطر والأولى بتحمل تبعات الصنعة الائتمانية.

حواشي

——-

(1) انظر:

Baudry-Lacantinebie, Albert Wahl, Traité théorique et pratique de droit civil: De la société, du prêt, du dépôt (Paris: Librairie du Recueil général des Lois et des Arrêtés et du journal du palais, 1898), pp.423-424.

(2) نجد عند ايرفنج فيشر (1867-1947) وصفًا قريبًا لهذه العملية بمصطلح “معدل الرسملة”، والَّذي يقصد به عدد السنوات الَّتي يتدفق خلالها مبلغ من الدخل مساو للرأسمال. انظر:

Irving Fisher, The Nature of Capital and Income (New York: The Macmillan & Co., Ltd, 1906), p.194.

(3) وليس كذلك وديعة ناقصة، كما تصور السنهوري. انظر: السنهوري، الوسيط، ، ج5، ص429.

(4) “وخصص العلماء من ذلك الصناع وضمنوهم نظرًا واجتهادًا لضرورة الناس… فلو علموا أنهم لا يضمنون ما تلف لسارعوا إلى أخذ أموال الناس. والضرورة داعية إليهم”. انظر: المعداني، كشف القناع عن تضمين الصناع، تحقيق: محمد أبو الأجفان (تونس: الدار التونسية للنشر، 1986)، ص73-78. وقال الشاطبي في الموافقات:”إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين”. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق محمد عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، ج4، ص291. وكذلك: الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: سليم الهلالي (الرياض: دار ابن عفان، 1992)، ج2، ص617. مالك بن أنس، المدونة الكبرى، رواية سحنون بن سعيد التنوخي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ج3، ص399. أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (القاهرة: دار الحديث، 2004)، ج4، ص18. السرخسي، المبسوط، (بيروت: دار المعرفة، 1986)، ج15، ص82. ابن قدامة، الكافي في فقه الإمام أحمد (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ج2، ص184.

The post تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود – محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26933
أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق https://maktaba-amma.com/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7/ Thu, 12 Feb 2026 10:41:57 +0000 https://maktaba-amma.com/?p=26916 أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي مقدمة قبل ذي بدء لقد أفرغت بعض الأفكار منذ الاطلاع على الصفحة الأولى، وعندما تابعت ما تبقى من صفحات، حينئذ؛ أتخذت سبيلاً آخر؛ بدراسة […]

The post أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق appeared first on المكتبة العامة.

]]>
أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي

مقدمة

قبل ذي بدء لقد أفرغت بعض الأفكار منذ الاطلاع على الصفحة الأولى، وعندما تابعت ما تبقى من صفحات، حينئذ؛ أتخذت سبيلاً آخر؛ بدراسة المقال بتأنٍ ودون عجل، ثم قمت برسم وبعشوائية على ورق أصم بعض الجمل، والكلمات، والمصطلحات، والتساؤلات التي أثارت انتباهي ثم المعلومات التي لم أكن على علمٍ بها بالإضافة لبعض الآراء فى نقاط معينة ثم اتخاذ القرار بالبحث عن بعض المعلومات الواردة حيث لا يجوز نقد أو إبداء الرأي في شيء نحن لا ندري عن بعض أجزائه شيئا. ثم اتخذت قراراً بإعمال الفكر وبيان الرأي العملي والنقد البناء دون تحيز وكشف الرؤية التي ربما قد تتناسب أو لا تتناسب مع واقعنا المرير وكل ذلك جاء بعد تهيئة البيئة المناسبة للقراءة والتفكير في المقام الأول. وقبل الخوض في أياً مما سبق، لقد أبهرني مقام العرض الإبداعي الأدبي والأفكار المطروحة. لكنني ومع ذلك قطعت عهداً عند دراستي لهذا المقال ألا أتحيز لرأي أو فكر أو إبداء وجهة نظر دون تأمل عميق ومن ثم عرض أرائي المسبقة لبعض النقاط المطروحة، وكل هذا إعمالاً لفكرة التحرر ذاتها، تحرير الفكر دون قيود تحجب عنه الرؤية، أي؛ سنقوم بالتطبيق العملي للفكرة ذاتها، كما أن الكتابة وحدها تُعد تحرراً.

لماذا تلك المقدمة التفصيلية؟ يرجع ذلك إلى كثرة ما انشغل الذهن وتلاحق بعمقه الأفكار، حتى أصاب العقل “Error” حيث عجز عن اختيار أياً من تلك الأفكار الملحة التي يمكن البدء بها؟ ولربما تكون فكرة “تهيئة البيئة المناسبة للقراءة والتفكير” أبعد ما تكون عن مضمون ما وودت أن أعرض  لكن فى الحقيقة هي أساس لفكرٍ صافٍ وإنتاج عمل لائق بل هي أساس عمل الباحث والمفكر والطالب حيث كثيراً ما نغفل عن مناقشة ذلك الأمر وكأنه شيئاً غير مهم أو غير ضروري، ومن وجهة نظري الخاصة؛ لولا تهيئة البيئة ما كتبت حرفاً من هذا، ربما يعتمد ذلك على تغاير سيكولوجة كل إنسان عن الآخر، ومن هنا تأتي مسألة دراسة الباحث كإنسان فى المقام الأول، قبل دراسة فكر الإنسان وقدراته العقلية والأفكار التي من شانها أن تضيف جديداً للمجتمع، فمدخل الدراسة يجب أن يكون مدخلاً  لسيكولوجية الباحث، وتهيئة ما يؤهله على التركيز والتعلم والإنتاجية؛ لينتج نبتة الإبداع المنتظرة. حتى نستطيع أن ننتقل بهدوء إلى المراحل التالية دون قفز للدور المائة بمبنى هش ضعيف التأسيس.

سأقوم بتناول هذا البحث القصير المعبر عن بعض الآراء الخاصة جهة الباحث بعد الإطلاع على مقال دكتور محمد عادل زكي “أزمة العلم الإقتصادي فى الوطن العربي” من خلال ثلاث مباحث رئيسية:

 المبحث الأول: أزمة العلم بصفة عامة؛ ما بين الحدود المفروضة

المبحث الثاني: أزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة؛ ما بين الحدود المفروضة

المبحث الثالث: أراء ومقترحات الباحث، من حيث؛ الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة، وعلم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالوطن العربي

المبحث الأول

أزمة العلم بصفة عامة؛ ما بين الحدود المفروضة

أولاً: فكرة التقدم والتخلف ما بين العلم والأخلاق والمصطلحات المغلوطة

_ يتناول جلال أمين، بكتابه “خرافة التقدم والتخلف” مصطلحات ومفاهيم مغلوطة مُصدرة إلينا من الغرب، ويتم تدريسها دون نقد واعٍ بما وراء الترويج لها. والأفكار والشعارات الغربية التي يتناولها الكتاب يمكن تناولها على نحوٍ مبسط كالتالي:

١. فكرة “التقدم والتخلف” هى فكرة مصدرة إلينا من العالم الغربي للهيمنة على العقل العربي، فيتم قياس تلك الفكرة بمقياس (التنمية الاقتصادية) بصفة عامة، ويتم قياس العالم المتقدم بصفة خاصة؛ بمقياس (التنمية الإنسانية). ويثور الشك حول كيفية هذا القياس، فيتم التنديد بستة محاور لقياس فكرة “التقدم والتخلف” وهم ميادين: (الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وعلم الأخلاق، وثورة المعلومات، والنظم الاقتصادية).

٢. هناك تناقض فى فكرة التقدم، إذ  ليس له مؤشر صعودي إلى ما لانهاية، ففكرة التقدم ما هى الا عجلة، نقطة البداية فيها هى نقطة النهاية ونقطة الانطلاق هى نقطة التوقف؛ والعكس.

٣. يحتوي التعليم العصري على بعض الأفكار والمسلمات والعقائد، والمجبر على الطلاب تعلّمها على إنها حقائق، رغم الشك فى مصدقيتها. مثل؛ الاعتقاد “بفكرة التقدم”.

٤. موقف الاقتصاديين من قضية التقدم الاقتصادي فى “البلاد الفقيرة “backward”: وهو اسمها الشائع فى (أوائل القرن ٢٠) فكانت شعار التنمية الاقتصادية لم يتشكل بعد والكتابات فيها، نادرة؛ لتعارضها مع أهداف الاستعمار ومصالحه، فالتنمية تؤدي إلى (ارتفاع مستوى الأجور، وتصنيع المواد محلياً، وإنتاج سلع بديلة للواردات). والمجتمعات المتقدمة كانت لها ذات الظروف التي تشكو منها المجتمعات الفقيرة، وهى ظروف جاءت نتيجة للركود الاقتصادي وليس سبباً له.

٥. يرى المتنورين والمفكرون الاشتراكيين قديماً؛ ارتباط الأخلاق بالتعليم ولكن مع مرور الوقت ظهر للأخلاق قانوناً خاصاً به غير مرتبط بالتعليم إطلاقاً، وهو “قانون المنفعة” او “مبدأ المنفعة” للكاتب “بنثام” فنفي تلك الفكرة من الوجود! “ويرى مفكروا التنوير فى القرن الثامن عشر، والمفكرون الاشتراكيين فى القرنين التاسع عشر والعشرون أن ارتفاع مستوى التعليم وانتشاره بين الطبقات سيزيد من الارتفاع فى مستوى الأخلاق، لكن ثبت خطأ هذا الاعتقاد؛ حيث اُكتشف أن للتطور الخُلقي قانوناً خاصاً ضعيف الصلة بتطور العلم وانتشار التعليم”. كما تدخل الغرب بإعلان رغبته فى تغيير مناهج الدين إلى مادة علمية او مُقرر يطلق عليه “الأخلاق” ليتم تدريسه لكافة العقائد. وجدير بالإشارة؛ أن هناك علاقة وثيقة ما بين [ الأخلاق، والشعور بالولاء والإنتماء ] أي أن الصفة الأخلاقية تزيد قوتها عند الإنتماء إلى شىء خاص؛ أي عند الإنتماء إلى فئة معينة او عقيدة بذاتها وبالتالي يكون أضعف للإنتماء إلى شىء عام؛ أي عند الإنتماء إلى بعض الشعارات العامة “كشعار الإنسانية” مثلاً. (١)

_ ويتناول روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)؛ مفهوم التقدم على النحو التالي:

١. المعيار الأوحد لفكرة التقدم الكلية؛ هو النمو العلمي والتقني؛ ليقيس قدرة الإنسان على الطبيعة والبشر، فالمعنى الكلي للتقدم؛ كما عبر عنه “كوندورست” بالقرن ١٨ و”أوجست كونت” بالقرن ١٩ وذلك فى “قانون الحالات الثلاثة”، وبالقرن ٢٠ مع مفاهيم التنمية والنمو معتمداً على تلك الثقافات السابقة (القرنين السابقين)؛ الثامن عشر والتاسع عشر، تجلى على إثرها ثقافة “النهضة” حيث جاءت بثلاثة فروض:

  • فرض”ديكارت“: “جعلنا أسياداً وملاكاً للطبيعة”، “الطبيعة المنتقصة المختزلة فى شكلها الميكانيكي”.

إذن؛ هى علاقة سيطرة على طبيعة مجردة من كل غاية! حيث؛ استبعد القوى المحركة لتلك الآلية، معتمداً على الرؤية المادية البصرية والملموسة فقط، أي؛ قام بالتركيز على الحركة والسكون للطبيعية ومسألة توازنها. ويمكن تقسيم تلك الميكانيكا؛ في الديناميكا؛ التي تفسر حركة أي جسم، والإستياتيكا الذي تركز على سكون تلك القوى ومسألة إتزانه،  بفرع الطبيعية والفيزياء حيث؛ تقوم بالبحث عن القوى والطاقة، وتأثيرها فى حركة وسكون الجسم (٢).

____________________

١.جلال أمين، خرافة التقدم والتخلف، دار الشروق، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.

٢. قاموس المعاني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

ب. فرض”هوبز“: “عرّف العلاقات بين البشر “بالإنسان ذئب الإنسان”؛ قيامها على التنافس  بالأسواق، صراع الغابة بين؛ الأفراد، والجماعات، علاقة؛ السيد والعبد، وحالياً بالقدرة التقنية، “توازنات الخوف”.

ج. فرض “مارلو“،  بكتابه “فاوست” أعلن وفاة الإله: “أيها الإنسان، عن طريق عقلك القوي، تصبح إلهاً، المالك والسيد لكل العناصر”. (١)

وجدير بالذكر ورداً على “مارلو” و “ديكارت” أن (الله الأحد الصمد) قد جعل الانسان خليفة فى الأرض وسيداً على الطبيعة وعلى كافة العناصر، أما التفكير الفلسفي البحت الذي يتبنى العدم فلا رثاء لهذا الفكر. والانفصال العقيدي عن الفكري لا يتبعه سوى التيه. وتأكيداً على افتراضات ديكارت ومارلو إننا بالفعل أسياداً على الطبيعة، أسياداً فانيين على طبيعة فانية! فما بالك يا مارلو بإله فاني؟!!

يشمل مفهوم “التقدم”: البحث عن “معيار موضوعي” على أساسه يتم القياس الكلي؛ لكافة القيم. كما يلزم أن يتجلى بمجتمعاً به عامل مشترك لتلك القيم والمتمثلة فى اقتصاد السوق؛  فكل القيمً تصبح سلعية، تُقاس؛ بالوحدات النقدية عندما يتم الانتقال من الجزء إلى الكل؛ أي تعميم العلاقات الاجتماعية. ومن حيث؛ التقدم والحضارة الكمية، انحصر التقدم فى (التقنية والعلم) اللازمان للنجاح (الصناعي والتجاري)، وهو المعيار الوحيد “للتقدم” بصفة عامة؛ وقابل للقياس؛ بالوحدات الكمية. وخدمت “العلوم الإنسانية” هذه النظرية للتقدم بعكس الاقتصاد السياسي فى البداية الذي كّون باالقرن ال١٨ خرافة “الإنسان الإقتصادي” أي (منتج، ومستهلك) يعمل مصلحته الفردية فتشكلت الحضارة الكمية، ويتساءل جارودي عن نتائج العولمة بناءاً على المفهوم الكمي؛ للتقدم والتنمية بالمستوى الحالي؟ (٢) ويراعي أن العلم والوسائل التقنية ليست المعيار الوحيد لتقدم أمة، فماذا نعمل بمدن تكنولوجية كاملة وعلوم بلغت الأفاق ووصلت لمنتهاها ويتراجع معها قيم أخلاقية ليست بميكانيكية أو قابلة للقياس بالوحدات النقدية؛ للأجيال الناشئة، لتمحى هويته والوعي بالغاية من وجوده، حتى يصبح كالطيور الضالة التي ليس لها وجهة ثابتة ترحل إليها!

___________________

١. روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م. ص٩٤،٩٥

٢. المصدر السابق؛ ص٩٦_٩٨

ثانياً: العلم التقني والأهداف النهائية

سنعرض بعض أفكار العلم لروجيه جارودي بكتابه “حفارو القبور”، الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها (١) على النحو التالي:

١.اعتقد كِلا من النظامين (السوفيتي والأمريكي) أن “العلم” التجريبي والرياضي والتكنولوجي أو التقني سيحل مشكلات العالم وستضمن منهجيته؛ تحقيق السعادة لقيادة الإنسانية! لكنه فشل وولد نوعاً جديداً New gender من البشر، وهو “الإنسان المبرمج”؛ عقله كعقل الكمبيوتر. حتى أُغفل عقل الإنسان الذي يطرح الأسئلة الأخيرة، والأهداف النهائية، وأسئلة؛ لماذا؟!

٢. فلا يمكن لآلة تقنية؛ كالكمبيوتر تعيين تلك الأهداف النهائية، إذ لعقله المبرمج حدود ألا وهو العلم ذاته والأسلوب الفني والتقني الذي يتم فيه على الدوام محو وإضافة وتعديل وتطوير؛ وأياً كان هذا  العقل الذي يبهرنا لأي مفكر أو باحث عبقري سابق سواء؛ لنيوتن أو لأينشتاين أو غيرهم. فأزمتنا الآن هى أزمة التساؤل حول أهدافنا، حقيقةً! أما التساؤل عن تلك الأهداف النهائية فقد انشغلت بها الأديان على مر العصور، إذ ولد مع الإنسان البحث عن إجابات حول (المستقبل، ومعنى الحياة، والموت، وما بعد الموت.. إلى آخره)، أما الشعب الأمريكي فقد استغنى عن أبعاده الربانية؛ “السمو، والبحث عن المعنى”.

٣. فالمشكلة العميقة المتعلقة بالأهداف النهائية والأخيرة هى الإيمان؛ إذ أن الأديان وحدها تتساءل وتبحث وتجيب عنها أما الغرب فقد أخفقوا فى الوصول إلى تلك الإجابات! (وبالنسبة إلى الشرق العربي فهم على علم بالفعل بالنتائج المترتبة على هذه الأهداف!). ونؤكد على إثارة ذات التساؤل “لماذا لم تتمكن العلوم والتقنيات من حل مشكلات عالمها”؟ وقد أكد “لورا جورهان” فى كتابه “الحركة والكلمة”: (“إنه لا يجب مقايضة إنسانية البشر بتقدم التقنيات!” ويتساءل معجم روبير “من المستفاد من التقدم الحديث للتقتية والعلم؟”.

_ وجدير بالإشارة؛ أن العلم بالفعل قد حل بعضاً من مشكلات العالم فى حدود فكره البشري أما ما يتخطاه إلى اللاحدود، فيكون محاولة التفكير فيه عبثاً ودوران فى دائرة مغلقة. لانه لا يصل بنا إلا لمفترفين؛ مفترق؛ العدم أو الأبدية. فالفكر وحده لا يخدم مشكلات حياتنا الوجودية بل إن الغيبيات والروحنيات كفيلة بخدمة مشكلات العالم النفسية حتى يكون لديه المقدرة على الاستمرارية أثناء حل أزمات ومشكلات العالم المادية التي لا تنتهي بسلاسة ودون تضارب ما بين العقل والايمان القلبي بالخالق!

وجدير بالذكر؛ أن كل عصر أخذ اسمه من التقنية التي تم إعتمادها فيه: فلدينا “عصر: الحجارة المنحوتة، الحجارة المصقولة، البرونز، الحديد، ماكينة البخار والكهرباء والذرة… إلى آخره”. (لكن الباحث يشق عليه اختيار اسماً لهذا العصر؛ هل هو عصر التقنية أم عصر الذكاء الاصطناعي أم عصر الجهل البشري، أم عصر التشتت، أم عصر المادية، أم عصر اللا أخلاق، أم عصر الجهل المتقدم!)، ويستمر روجيه جارودي بسرد أفكاره؛ فقد حلم ديكارت بكون ميكانيكي ضئيل ليس فيه حدود للقوة الإنسانية، تقنية عظيمة؛ لتحريك الجبال، والحركة الحرة بالفضاء، والرحيل للقمر! ماذا نفعل بكل تلك القدرات عدا أن ننميها بلا حدود وإلى اللانهاية! نتسائل دوماً بكيف وننسى أن نسأل بلماذا؟! ولما لا نعمل الذهن ونتركه ينشغل بالأهداف النهائية؟ فالبؤس العظيم لعلم المستقبل؛ هو الدوران حول طاحونة؛ “مراكز القرار؛ المتعلقة بالشركات، أو الجهات المعنية، أو إعداد الأراضي، والتخطيط، أو خدمات الدفاع الوطني”. ليخدم العلم بالشركات مسألة التسويق؛ على المدى الطويل؛ فقط، لاستغلال الأراضي!

____________________

١.روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م، ص٧٧_ ص١٠٢. بترتيب البيانات: (ص٨٩، ص٩٠، ص٧٧، ص٨٨،ص٩٣، ص٩٥، ص١٠٣، ص١٠١، ص١٠٢). 

المبحث الثاني

 أزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة؛ ما بين الحدود المفروضة

أولاً: نظرة عامة في النظرية النيوكلاسيكية

برز الفكر النيوكلاسيكي بأواخر (ق. ١٩) بواسطة؛ ستانلي جفونز، وكارل منجر، وليون فالراس ثم ألفريد مارشال، وباريتو، وفون بوم بافرك، ويتحدد أسلوب تحليلهم “بالمنفعة الحدية” أي منفعة آخر وحدة. ففي قانون القيمة تتمثل “تناقص المنفعة الحدية” في إلحاح الفرد لإشباع حاجة ما ثم يقل الإلحاح بذلك الاشباع ومعه تتناقص المنفعة من الحاجة، ومن أي وحدة إضافية تزيد عن حاجته، وتلك المنفعة ترتفع وتنخفض، بحسب الندرة؛ إن كان عدد وحدات سلعة ما قليل ترتفع المنفعة، والعكس. ومن مبادئها؛ تغذية النظام الرأسمالي العالمي مع الإبقاء على الطبقة العاملة وتدعيم وجودها، إهمال زيادة الصادرات فى مقابل الاهتمام بدراسة سلوك الأفراد وإشباع الحاجات، سواء؛ المادية، أو الغير مادية؛ متمثلة فى الخدمات؛ المسبب الرئيسي للثروة الاجتماعية بسبب ندرتها النسبية بالمقارنة بينها وبين الحاجات المادية. بالإضافة لعدم الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية بل جعلها بين أفراد وأشياء، وعلم الإقتصاد لديهم علم طبيعي؛ كأي علم طبيعي آخر، أي؛ ليس إجتماعي. (ويندهش الباحث من أن انعدام قيمة أو منفعة ما يقال عليه من وجهة نظرهم “أموالاً”بالسوق)، مثل؛ الشمس أو الماء حيث أن قيمته بالسوق: صفراً، ومنفعته الحدية: صفراً. (لكن الباحث يرى أنه لولا وجودهم ما كان هناك زراعة فى الأصل وإن كانت المنفعة غير مباشرة أو غير ملموسة !). وبالتوزيع لديهم يتحدد أجر العامل بإنتاجية آخر عامل، والفائدة بآخر وحدة مضافة من رأس المال، وتوزيع دخل المستهلك ما بين الانفاق بالحاضر والادخار لانفاقه بالمستقبل (منفعة حدية).  ومن فكرهم أن النشاط الإقتصادي بمجتمع رأسمالي  مسئولية الأفراد ليس الدولة إلا تدخلاً استثنائي، ووجود منافسة كاملة بالسوق. وتُلخص أفكارهم في الاهتمام بالمستهلك مع إهمال الاستهلاك الكلي للدولة (١).

____________________

١.سوزي عدلي ناشد، محاضرات فى الإقتصاد السياسي، دار المطبوعات الجامعية، ٢٠١٨م، الإسكندرية، ص١١٨- ١٢٣ بتصرف.

ثانياً: نقد النظرية النيوكلاسيكية

١. ليس بالضرورة أن يتصف المستهلك بالعقلانية عند شراؤه للسلعة

إن كانت المدرسة النيوكلاسيكية تعتمد على سلوك المستهلك بصفة عامة بوصفها عقلانية أو رشيدة؛ فلم تأخذ بعين الاعتبار أن من ضمن مستهلكي بعض السلع؛ كالحلوى أو الألعاب؛ أطفالاً! إذ يتم ترويج تلك السلع وتسويقها على نحو يتلاعب بمركز أعصاب المخ للمستهلك بتكرار عرض السلعة أمام ناظريه بعد تجميلها بأبهى الأشكال والألوان وتلك التآثيرات الصوتية التي تلعب على مراكز الحس للوصول إلى ضرورة شرائها أو الرغبة الملحة لامتلاكها وإن كانت من الكماليات أو لا تضيف شيئاً جديداً وقد يمحو ذلك المثال البسيط مسألة “فكرة المنفعة” إذ ليس بالضرورة أن تكون السلعة ذات منفعة؛ لأجل شرائها. كما أن طرق ومنهجية عرضها تعد سبباً فى زيادة رغبة المستهلك فيها من عدمه، ليس لأنه بحاجة إليها، بل قد تكون رغبة فى التجربة أو التغيير أو الجشع أو الاستهلاك فقط من أجل الاستهلاك رغم عدم حاجته إليها، لكن بالنسبة إلى المنتج؛ فإن التربح بالفعل أساس صناعته، وأساس تجارة التاجر حتى يصل المُنتَج إلى المستهلك سواء رغب في ذلك المنتج ضرورةً أم رفاهةً، يلزم فقط ها هنا أن يؤخذ بعين الاعتبار مسألة أنه ليس بالضرورة أن يكون المستهلك رشيداً!

٢. الدراسة الجزئية لسلوك الفرد منفرداً كان أو لسلعة أو وحدة

تعميم الشيء الجزئي على الكلي أمر مرفوض تماماً، إذ أن التغييرات في ذلك الشيء الجزئي سواء كان لمستهلك أو سلعة أو وحدة؛ يُحال مراقبته على الدوام أو قياس ذلك التغيير بدقة، تلك المتغيرات المستمرة ليست ثابتة ليتم القياس عليها الإقتصاد في مجموعه، وكيف ذلك؟! إذ أن سلوك كل فرد يختلف من شخص لآخر وحتى الاهتمامات أو الاذواق ليست ثابتة وبالتالي فإن استهلاكه لن يسير على وتيرة واحدة أو خط مستقيم حاله كحال السلعة؛ محال دوام توافر المواد الأولية بالكميات المطلوبة إذ لا يؤخذ في الاعتبار تقلبات الأحوال التي تحول دون توافرها سواء أزمات إقتصادية أو عسكرية أو سياسية.. إلى آخره. الكمال في عرض النظرية والمثالية المفرطة، واقعياً، وفي حقيقة الأمر؛ لا يوجد مثل هذا، وبطبيعة الحال نحن نحاول دراسة الواقع فى حد ذاته وتقلباته، ربما ذلك التوازن العام قد يحدث ولكن بظروف معينة وفى حالات استثنائية؛ لكن ليست القاعدة أو الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه على أية حال.

٣. الاعتماد على المستهلك والمنتج كوحدة تحليل إقتصادي بالمدرسة النيوكلاسيكية

كيف يتم جعل المستهلك والمنتج، وحدة أساسية؛ للتحليل الإقتصادي بالاعتماد على المتغيرات من زيادة وحدة أو نقصانها سواء عند الطلب؛ طلباً لمنفعة، أو عند التكلفة؛ بإضافة أو نقصان وحدة إنتاجية! الوحدة الأساسية التي يجب أن يتم القياس عليها لتحليل إقتصادي سليم هو حساب مجموع السكان بالدولة ثم بناء البنية الأساسية من مصانع منتجة لأساسيات المعيشة أولاً والمؤسسات الخدمية التي تكفل التعداد السكاني بدون تكدس ثم فيما بعد يتم النظر لكماليات الإنتاج والبذخ والإسراف المفرط وإهدار الحقوق من تلك الموارد جشعاً وظلماً! وما يعد دون ذلك مجرد إهدار للموارد بغرض التربح ليس إلا، والاستيلاء على أكبر قدر من الثروة!

المبحث الثالث

أراء ومقترحات الباحث، من حيث؛ الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة، وعلم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالوطن العربي

أولاً: الحلول العملية لأزمة العلم بصفة عامة بالحدود المفروضة

١. تغيير مسار التعليم من التلقين إلى التفكير

التلقين وحده بالمدارس والجامعات لن يحقق حل معضلة رجعية الدولة وزحفها البطيء نحو التقدم إن كانت وبحق تسير فى المسار الصحيح نحوه! لزاماً تحرير الفكر؛ بجعل المناهج الدراسية عبارة عن مراجع من أمهات الكتب الأصلية؛ مهمتها الرئيسية إطلاق العنان للطالب أو الباحث بقرائتها ثم بيان رأيه بعرض بحثه الخاص القائم على التفكير الناقد بخصوص موضوع ما أو جزء ما أثار انتباهه، وبالاطلاع على كتب فرعية آخرى بجوار أصولها؛ أي إنتاج عمل خاص في كل عام دراسي من مراحل سنوات الباحث الدراسية. إن إختيار أمهات الكتب ما بين الاطلاع على أجزاء منها ثم مناقشتها بالإضافة إلى الواجب المنزلي المتمثل في القراءة الفردية ونقد أي جزء يراه الطالب أو الباحث أو القارىء أنه يستحق النقد، ويتم ذلك خلال الترم الأول من العام الدراسي يليه اختيار البحث واتمامه حتى الترم الثاني. (يمكن أن نستعيض عن مصطلح العام الدراسي بالعام الفكري، لا الإنتاجي بل الفكري) كما يمكن أن يتم اختيار كتابين أو مرجعين لكل عام من أصول الكتب ثم إقامة الأبحاث عليها طوال العام الدراسي، وفى كل الأحوال مهمة الدراسة ستكون ما بين الاطلاع والمناقشة والنقد والبحث، أي؛ ليس حفظاً أعمى، ليكون هذا العمل أو هذا البحث الخاص شهادةً فى حد ذاته للمساهمة العلمية والفكرية داخل المؤسسة بل وخارجها، يمكن أن نغير المصطلح ها هنا ليتماشى ويتناسب وربما ليتطابق مع فكرتنا إلى “المؤسسة الفكرية” بدلاً من المؤسسة التعليمية، وذلك حتى لا  يكون طالب العلم متلقن بائس، تُمحى كافة المعلومات التي تلقاها من ذاكرته خلال سنوات دراسته مع مضي الزمن؛ ليصبح عقلاً فارغاً مثله مثل الجاهل الذي لم يتعلم قط! إن كنا حقاً نريد تطوراً، فلنبدأ بالسير فى المسار الصحيح نحو تصحيح الفكر وتغيير نظرتنا تجاه التعلم والتعليم والغرض من المعرفة بصورة عامة، ونتسائل ما الهدف من الإرتقاء بوعي الإنسان من عدمه؟! تغيير إستراتيجية التعلم بالمدارس والجامعات من شأنها أن تثري الوطن العربي بمفكرين وأصحاب رؤى بكافة المجالات العلمية والنظرية ويمكن أن يتحقق ذلك بقرار بسيط وواعٍ من صناع القرار ومن لديه اليد العليا بشأن إتخاذ تلك القرارات التي من شأنها أن تنقذ عقول الأجيال القادمة من بأس نظام التعليم العقيم المدمر للأذهان الذي لا يجدد ومع الأسف سوى جهلاً، مناهج التعلم تسير في ذات الدائرة؛ كحمارٍ يحمل أسفارا يدور حول ساقية الجهل، التخلص من القيود الفكرية وإختيار المسار الصحيح؛ بإختيار الأسلوب والمنهجية الصحيحة للتعلم من أجل الإنتاج الفكري سيمزق وبحق قيد معاناة المتعلم الجاهل!

٢. الأزمة أزمة عرض وطلب؛ للأفكار

يتم قطع العلاقة بين الطالب الأكاديمي وبين فروع علوم المعرفة الآخرى منذ اللحظة التي يفارق فيها الثانوية العامة، ليبقى على  علم، فى حقيقته قراءات، كم معلوماتي يتلاشى فور انتهاء الاختبارات، يتلاشى دون وضعه في الفعل، معلومات من الممكن أن تكون منبعاً لابتكار وتكوين أفكاراً جديدة من لحظة الخطوة التي خطا بها باب الجامعة؛ لكن العمر ينقضي، والأفكار تحتضر؛ لهؤلاء، والأجساد تتلاشى، ويأتي هدراً آخر من العقول فى طريقه إلى مقبرة انتهاء الأجل. الأزمة فى الحقيقة إنما هي أزمة عرض وطلب، ليس بالمفهوم الاقتصادي الذي نعرفه، وإنما هي أزمة عرض الأفكار وأزمة طلبها، أزمة طلب أفكار الباحثين؛ بسبب التكلفة المرتفعة والاجراءات التعسفية التي تعوق طلبها! لا أدري لماذا على الباحث أن يحمل ذاته تكلفة باهظة وأن تسلب منه بضعة سنوات من الجهد العظيم؛ لأجل أن يساهم بمساهمة علمية! فهل من العدل والمساواة تقديم كل تلك التضحيات من أجل شهادة أو لمجرد كتابة أسمه على جهده الخاص الذي هو حقاً طبيعياً له! إذ إنه هو باذل ذلك الجهد والوقت الذي أُقتص من عمره في سبيل ترك آثراً لأفكاره التي أنتجها من عصارة فكره للمجتمع العام، وللأجيال القادمة! لإشعال قنديلاً آخر بمسار المستقبل! هناك فجوة عظيمة ما بين الاثنتين؛ ما بين عرض الأفكار وطلبها فى حين أن إعادة تشكيل وهيكلة المنظومة التعليمية لن يحتاج إلى تكلفة عظيمة كما يعتقد البعض، بل قد لا يحتاج لتكلفة على الإطلاق بالنسبة للعلوم النظرية على وجه الدقة، إن كانت الأزمة أزمة تمويل! فلا تمويل! الباحث وطالب العلم لا يحتاج سوى الموافقة دون شروط تعسفية لتكملة مساره الفكري، لا لشيء سوى لطلب العلم فى حد ذاته، الأزمة هنا هى أزمة إدارة، أن تدرك الإدارة خطورة موقعها ومدى إيمانها الداخلي بأن هناك قرارات هينة من شأنها أن تغير منظومة التعليم قالبة إياه عقباً على رأس؛ بإعتدال!

٣. تحمل الباحثين عبء تكلفة أبحاثهم من أجل درجة علمية!

النقد الفكري للعلم ذاته بالمساهمات العلمية؛ أمر مطلوب من أجل التطوير وتعجيل مسار التقدم، حبذا لو كانت تكلفة تلك المساهمات؛ صفر تكلفة.  حيث أن قلة المساهمات الفكرية ترجع إلى التربح المؤسسي من خدمات التعليم والأبحاث، وبسبب ذلك تجلت أزمة إهدار العقول، أزمة رفع التكلفة على الباحث وكأن المؤسسة زاهدة فى اِسهام الباحث الفكرية! فصارت العقول الشابة الواعدة؛ يتيمة، بل وتلك التي على عتبة الركود! ركودها الفكري؛ صار عقلها صحراء مقفرة! فالباحثين اليتامى؛ يتامى توجيه وإشراف ودعم، لا أب مؤسسي لهم يتبناهم، كما تتطلب أمهات الكتب القاسية دعمهم؛ لإنجازها! فأين هؤلاء بحياة هؤلاء!! الأزمة حالياً أزمة إنقاذ الشباب، عقلاً، وفكراً، وأملاً، ليس الشباب فحسب، بل كل من لديه فكر بغض النظر عن عمره، وعنصره، وجنسيته، فإنه مساهم فكري؛ لإنتاج علم يخدم وطنا العربي ككل؛ لذا يمكن أن نُلخص بأنها أزمة إنسان، وستظل أزمة إنسان.. بسبب إنسان!

٤. الاجراءات التعسفية 

الباحث لا يحتاج سوى ورقة واحدة فقط من الجامعة بالقبول؛ لاستئناف دراسته وأبحاثه التي يعمل عليها، لا؛ للإجراءات التعسفية والعوائق التي تعطل ملكته الفكرية عن السير قدماً! تلك الإجراءات المعقدة سبباَ رئيسياً من أسباب تعطل أفكاره، وإهدراً للجهد والوقت؛ لاستئناف الموضوع الذي انشغل الذهن به، ومشاركة مساهماته الفكرية! ثم تأتي أزمة مشرفين غير متواجدين، وذل القبول جهتهم، وأزمة أموال طائلة والمعاناة من قبل المؤسسة وتعسف الإدارة فقط ليقدم الباحث عمره ووقته وجهده على طبق من ذهب؛ ليساهم بأفكاره لخدمة المجمتع!! ذلك يعد تدمير ذهني وإضاعة سنوات هباءاً ويرجع السبب التعسير على هؤلاء الباحثين! هل تلك التعسفات من شأنها أن تحافظ على الأذهان التي لديها قابلية للابتكار أو الإنتاج الفكري؟!

هناك ساحات وقاعات خارج الجامعة، إن لزم الأمر فليلقي البروفيسور بمحاضراته خارج الجامعة أو بمتنزه مفتوح أو بأي مبنى خارجي خاص تابع للجامعة، الأزمة ليست أزمة أماكن، فلو وضعت مجالس العلم فى الطرقات لذهب إليها طالب العلم أو ذلك الباحث غير مكترث! ما الأزمة إذاً؟ هل هي أزمة مشرفين؟! لماذا دائماً هناك متلقي للعلم وآخر أستاذاً في حين أن الطالب بكل بساطة يمكن أن يكون أستاذاً إن كانت مهمته تتطلب تفسير بعض المعلومات التي تلقاها على يد غيره، أو نقل الحقائق ثم يضيف رأيه مزيلاً بأنه رأيه الخاص! ربما سيتيح ذلك عملية ربط أفكار العقول ببعضها البعض وإنتاج أفكاراً علمية مبتكرة! لما لا يتم تفعيل تطوع الطالب؛ كمعلم. وتقديم شهادة خبرة من الجامعة تأكيداً على جهده وممارسته في نقل المعرفة، فكل طالب يمكن أن يكون معلماً لطالباً آخر، حينها لن يكون هناك؛ لا أزمة علم، ولا ازمة نسيانه، ولا أزمة أساتذة! هنا لا أتحدث عن مهنة الأساتذة؛ بمقابل مادي. بل بمقايضة المعرفة بمعرفة!،

على سبيل المثال: عند إلقاء المحاضرة من قبل استاذ لمجموعة من الطلبة؛ فلنتفترض ثلاثون طالباً أو باحثاً، فمهمة هؤلاء هي إلقاء ذات المحاضرة بعد يومين أو ثلاث بعد البحث وتجميع المعلومات والتدرب عليها إلى ثلاثون طالباً آخرين، وبتوثيق تلك المحاضرات عن طريق محاضرة تبث مباشرةً أو تسجيلها ثم حفظها على أحد الأجهزة وجمعها فيما بعد ربما للتقييم من قبل الطلاب التي تلقت تلك المعرفة أو بصوت مسجل فقط ثم عمل موقع إلكتروني خاص بالجامعة ورفع تلك المحاضرات التي تعد بمثابة توثيق تعليم الطالب أو الباحث لغيره حيث ستصبح شبكة نقل الأفكار والمعلومات بين طلاب العلم على نحوٍ يثير الدهشة، بل ستغير من ثقافة المجتمع إذ أن مشاركة العلم فى حد ذاته لآخر تعد دافعاً ودعماً معنوياً طبيعياً للإستمرارية والشعور بأهميته وآثره فى دائرة مجتمعه. يجد الباحث أن  ذلك الحل أقرب حل بذلك العصر الجنوني الذي نعيش فيه من تشتت وضياع! تقوم الفكرة على التقايض الخدمي للمعرفة والأفكار؛ لخدمة للمجتمع ككل من الناحية العلمية والثقافية ولإنتاج الفكر، هذا الأمر ينطبق على المشرفين، إن لم يكن هناك مشرفين كفاية للإشراف على الرسائل العلمية فليتم إذاً استقبال من يملك تلك الخبرة ولو من خارج الجامعة ليسد تلك الفجوة متطوعاً، الأمر كله يتعلق بالعلم من أجل العلم، لا بسلطة أو مال أو شهرة، الأزمة لدينا أزمة الوعي بأن هناك طالبين للعلم؛ إحداها يسعى من أجل العلم ذاته،لا مستأنس بذهب أو فضة أو سلطان؛ تحجب عنه ملكة أفكاره، وطالب علم؛ هدفه تحصيل أجر أو التربح من علمه هذا. ذلك الانقسام بين هؤلاء وهؤلاء يجب أن يكون واضحاً ومعروفاً لدي الجميع لعدم هدر تلك العقول وظلمهم بأفكار رجعية هدامة!

ثانياً: الحلول العملية لأزمة علم الإقتصاد السياسي بصفة خاصة بالحدود المفروضة

١. إنفصال دراسة علم التخصص عن العلوم الآخرى!

يتم دراسة علم التخصص بمعزل عن العلوم الآخرى طوال سنوات الدراسة لتمحى من الذاكرة أساسيات العلوم التي تم دراستها فيما سبق، ولا أدري لماذا لا يتم الآخذ فى الاعتبار بمسألة؛ القدرات! القدرة على تذكر العلم من عدمه، إذ يختلف ذلك الأمر من باحث أو طالب علم عن آخر حيث إن كل منهما منفرداً له منهجيته الخاصة؛ لإدخال المعلومات عمق عقله بعد إدراكها ثم تشفيرها بأسلوبه؛ لإعادة استرجاعها فيما بعد إذا شاء، ومنه من يهمل بعضها عمداً لعدم جدواها من وجهة نظره، ومنه من يتناسها عمداً؛ لتتسع ذاكرته لمعلومات ذات أهمية عن تلك؛ ربما معلومات يمكن تطبيقها بالواقع العملي أو موضوع علمي ما انشغل به ذهنه على وجه الخصوص. الطلاب والباحثين ليسوا بآلة تخزين معلومات بقدر ما هم عقول تحاول ساعية جاهدة نحو تحقيق نفع خاص؛ نفعاً فردياً، وعام؛ إن كان من المحتمل أن يكون ذات نفع للمجتمع بصورة أو بآخرى؛ وذلك سواء بالمحيط الأكاديمي أو خارجه. هذا من ناحية تدريس وتدريب الباحث أو الطالب على كيفية التعلم، وتخزين المعلومات، وكيغية استرجاعها، وكيفية وضع مخطط زمني للقيام بمراجعتها، ووضع أساسيات الدراسة، والمنهج؛ الذي يعد أصولاً لا فروعاً، وتوقيت المهام العلمية؛ من كتابة، واطلاع، وتنظيم، وتدريب، وتفكير، واستخدام المؤقت الزمني؛ لزيادة التركيز، وعدم إهدار الوقت، وما المنهجية المناسبة لتنظيم المهام؛ لعدم الشعور بالتيه والعشوائية، كل هذا سبباً من أسباب تدمير الباحث أو طالب العلم، إذ لا يدري من أين يبدأ؟ وكيف يبدأ؟ بل وكيف يستمر؟ فهل يوجد نظام ودليل خاص للباحث ينظم له كل هذا؟ حيث يقتطع نصف عمره فى البحث عنه حتى يتوصل في النهاية لابتكار نظامه الخاص ليكون فقط اكثر استقراراً وان يكون لديه القدرة على الاستمرارية بعصر التشتت! وهل ذلك يؤخذ بعين الاعتبار بالمؤسسات التعليمية، كلا؛ قطعاً لا يؤخذ العامل النفسي الخاص بطلاب وطالبات العلم، وكيفية توظيف قدراتهم من حيث؛ تنظيم أوقاتهم وأمورهم الحياتية وكيفية التعامل مع عبء وضغوطات الحياة، وبماذا يفكرون؟ وما هى أهدافهم التي يسعون لتحقيقها، فهل تمد المؤسسة التعليمية يد العون للباحث وطالب العلم فى ذلك؟! بل أمر التوجيه ومع الأسف مغيب بالكامل! وإذا قمت بسؤال أي باحث أو طالب علم؛ ما هي أحوالك؟ سيخبرك بكل ذلك التيه والسراب والمسار الضبابي والتجارب الحياتية البائسة التي يخوضها من أجل فقط أن يعلم بأي اتجاه يسير! ناهيك عن جهله بكيفية أن يكون باحثاً حراً  أو كيف ينشر أبحاثه الحرة ومقالاته بطرق يسيرة غير معقدة أو كتبه دون تكلفة ليس بمقدوره تحمل عبئها وكل ذلك بأقل تقدير! مسألة ازمة التعليم ليست بالمعلومات والمعرفة فحسب بل بدراسة خبايا الإنسان العميقة؛ لاقتلاع أي سبل للتخلف، فأسباب التخلف؛ داخلية بالمقام الأول قياساً بالحالة الفردية.

تحتاج المؤسسة الفكرية إلى مشرف خاص لكل طالب علم أو باحث ولن يتحقق ذلك الأمر سوى أن يكون طالب العلم والباحث معلماً ومشرفاً لمن هو أدنى منه بالمراحل الدراسية درجة، وطالباً لمن هو أعلى منه درجة؛ إعمالاً بقوله تعالى: “وفوق كل ذي علم عليم”. سورة: يوسف (الآية: 76).  لتحقيق التوازن ما بين فئة الطلاب والباحثين وفئة المعلمين، ويمكن قياس النقاط العلمية بذلك الإسهام الميداني البسيط كما يمكن تحرير العقل بتلك الفكرة عن طريق تنازل هؤلاء الطلبة وطالبات العلم الباحثين عن بعض الأمور: صك التنازل عن التعين أو إبداء أي رغبة بأي سلطة أو تدرج وظيفي أو طلباً لأجر أو التربح. فطلب العلم منزه عن أن يكون الغرض من طلبه؛ طمعاً في مال أو شهرة أو سلطان، بل هو حق طبيعي لأي إنسان؛ أن يتعلم؛ ليعلم، ليتفكر، ليساهم برغبته الحرة المنفردة عن أفكاره المبتكرة؛ لهدفاً أسمى وهو نقل المعرفة من جيل لآخر؛ لتستمر “رسالة عمران الأرض”.

مع التأكيد بأنه لا تقتصر أزمة العلم بالوطن العربي على علم الإقتصاد وحده بل العلوم الآخرى بما يندرج تحتها من قسم نظري وآخر تطبيقي. حيث أن فروع العلم المغايرة متشابكة لا يجوز لها الانفصال، وإذ تحدثنا عن علم الإقتصاد السياسي؛ كمدخل فيجب أن نبدأ أولاً: بدراسة الإنسان؛ كإنسان ليس من الناحية الجسمانية فحسب كإشباع الحاجات الضرورية من مأكل ومسكن وملبس وإدراج ذلك بمجال تخصصنا وبصورة سطحية تعوق الفهم السليم بل دراسته من الناحية العقلية ومسألة الإدراك ووسيلة ربط الأفكار بالدماغ وبالجهاز العصبي، دراسة الإنسان من الناحية الفسيولوجية والسيكولوجية أي؛ مراجعة الجسد البشري وتكوينه، وعمله، سواء من إحتياجات ضرورية كتلك التي يمكن الاستغناء عنها، وتلك التي تعتبر مكملات لوجوده وكيانه. وفهم سيكولوجيته؛ لنصل فيما بعد إلى دراسة أفكاره وكيفية التوصل إلى إنتاجه المعرفي، والأمر لا يتطلب سوى عدم فصل علم التخصص كعلم الإقتصاد السياسي عن “علم النفس الفسيولوجي” على سبيل المثال، ووضع دليل علمي ومرجع أصيل شامل كحد أدنى يمكن الرجوع إليه أثناء دراسة علم التخصص، ليُدرج بالتخصص، حتى لا يشرد الباحث أو الطالب. قد تساعده القراءة بغير مجاله على فتح أفاق للتفكر والتأمل بصورة أعمق وأوضح وأكثر ابتكاراً، وربما معرفة تساؤلات أثارت دوماً ذهنه وكانت عائقاً في تقدمه وتطوره الفكري؛ بسبب السجن بدائرة النظريات والأفكار التي تكرر ذاتها، ولا يجد منفساً بالتحرر سوى الخروج من تلك الدائرة زمناً؛ ليستعيد نشاطه العقلي وربما الحفاظ على ما تبقى من عقله من قدرة على الابتكار بدلاً من أن تمحوها الرتابة والتكرار الأنيق، إذ بعالم الانعزال قد تلوح له بالأفق أفكاراً أكثر ابداعاً عن تلك التي تُخلق وسط الضوضاء والتشتت والعشوائية!

ولا يدري الباحث لماذا دوماً يتم فصل العلوم العلمية عن النظرية، إذا تحدثنا عن الإقتصاد فصلنا عمق الإنسان ومخططاته وأفكاره وقدراته عن رؤوس أمواله، إننا نحتاج لدراسة عقل ذلك الكائن أولاً، ولا يتطلب الأمر؛ التعمق بل يكفي المباديء الأساسية التي لا تجعلنا منفصلين تماماً عن فهم انفسنا! إذ أن هناك أموراً يجب ألا تغيب عن أذهاننا وتكون دائماً محل عرض أمام عقولنا أثناء دراسة تخصص ما، ذلك يتيح الكشف عن إجابات لبعض التساؤلات التي من شأنها تكوين أفكاراً ذات أصالة، نحتاج إلى العودة خطوات؛ لنتفكر، ولنعلم أولاً بأنها أزمة الجهل بالإنسان، الجهل والتخلف لعدم معرفة الإنسان،عدم معرفة أنفسنا!

٢. حركة التاريخ أم تقدم التاريخ؟

لماذا يتم ذكر على الدوام مصطلح حركة التاريخ، التاريخ بطبيعته متحرك وليس ثابت معتمداً على تقدم الزمن في خطٍ مستقيم إلى الأمام، ليس إلى الخلف ولا إلى اليمين أو اليسار، فحركته لن تكون في أي إتجاه بل فى إتجاه واحد فقط وهو السير وراء الزمن كتابع مطيع! لذا يمكن إستبدال كلمة حركة بتقدم فهذا أدق وأصوب من وجهة نظر الباحث.

٣. تهيئة البيئة المناسبة

تعد البيئة المناسبة عامل مهم للتفكير والإنتاجية، إذ أن مجتمع الضوضاء يؤثر بالسلب على عقول الباحثين حيث أن العقل يعمل بكفاءة عند الاسترخاء وفى بيئة هادئة بعيداً عن التلوث السمعي والبصري، ويمكن تهيئة تلك البيئة بشتى الوسائل وبحسب ميول كل باحث، فيمكن تيسير بطاقات دخول للمكتبات العامة أو تركه يعمل على أبحاثه بالمنزل دون تشتيت بمحاضرات حضورها إجباري وقد لا تضيف له شيئاً جديداً، فيجب أن تكون مسألة الحضور اختيارية حسب احتياجات كل باحث، بل والسماح بحضوره للمحاضرات بأقسام الكليات الآخرى دون عوائق إن كان ذلك سيخدم بحثه. كما يمكن أن يقدم تقريراً نهاية العام عن أفضل الطرق والمنهجية المتبعة لإنجاز البحث، ومحيط البيئة التي اعتمدها من أجل الإنجاز حتى يكون دليلاً لمن يأتي من بعده؛ فيقتصر زمناً من التجربة وتيسيراً لهم. وبذلك قد ننتج دليلاً عملياً بمساهمة الباحثين أنفسهم بشأن مسألة البيئة والتنظيم وغيرها من الأمور الخاصة التي تكون بخلفية عمل الباحث ولا يجد من يلهمه أو يشدد بعضده.

٤. دار نشر عربية غير هادفة للربح؛ لنشر الأبحاث العلمية

 يلزم وجود دار نشر غير هادفة للربح من أجل نشر الأبحاث الأكاديمية التي يستعصي على باحثيها نشرها إما بسبب؛ عوائق التكلفة؛ لتكملة أبحاثهم ودراستهم بمؤسسة التعليم العالي، وإما بسبب؛ عدم القدرة على النشر أو معرفة الاجراءات. كما يمكن تيسير الأمر بأن يكون ذلك الموقع إلكتروني إن شق النشر الورقي على المؤسسة ذاتها، وبذلك يضمن الباحث نشر عمله على ألا يكون مخزناً بالأدراج فتنعدم جدواه!

٥. إنشاء موقع للباحثين مجاني مثل جامعة الشعب University of people (UoPeoole)

إنشاء موقع عربي للباحثين والمفكرين الأحرار يمكن إطلاق عليه (جامعة الشعب العربية) يقوم على تواجد المتطوعين من خبراء وأساتذة المجال فى علم الإقتصاد السياسي من كل مجال؛ ليتم توجيه الباحثين الشباب بصدد أبحاثهم الحرة، وبالإشراف عليهم واعتماد تلك الأبحاث من قبلهم وتوثيق المناقشة أون لاين، الغرض من الموقع؛ تبادل العلم والمعرفة والأبحاث العلمية، وكأنه سوق مقايضة للمعرفة والأفكار دون عوائق مادية أو إجراءات تعسفية، مجرد لقاءات وكتب وأبحاث حرة وأفكار مبتكرة جديدة ونشر الأبحاث العلمية الدقيقة التي لا تخلو من أخطاء سواء بالهيكل أو المضمون أو الأخطاء الإملائية أو النحوية وبذلك سنثري المجتمع العربي بأفكار منتجة وبمساهمات علمية جديدة.

٦. فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية

 مسألة فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية أمراً غير صائب ولن يجعل العلم كاملاً كما نظن أو تسريع عجلة تقدمه، فإطلاق حرية التفكير فى موضوع ما، وعرضه من شتى الجوانب المتاحة بحسب منهجية تفكير كل باحث؛ قد نصل من خلاله إلى إستنتاجات أقرب إلى الكمال وحل المعضلات التي تواجهنا دون قيود إستبعادية. إننا ننظر للماضي بإعتباره درساً لتوظيف حاضرنا على نحوٍ أفضل لكن لماذا ننظر إلى تسلط السلطة الكنسية وتدهور حال البلاد بالماضي حتى أصابنا ذعر إدماج الدين مجدداً! ولماذا الذعر من بعض الأحكام الإقتصادية في هذا الشأن على نحوٍ يحقق المنفعة وبحق خالصةً للمجتمع ككل وليتلمسه كل مواطن فى إقتصاد منزله الصغير، تلك الخلية الصغيرة المدموجة فى شبكتنا العنكوبتية الضخمة، لماذا نغفل عظمة الدين الإسلامي وأحكام معاملاته الراقية ونهمل مواعظ مالك الأرض، ثم نبجل مواعظ مؤجريها وضيوفها؟! لماذا لا نجرب من باب التجربة؛ للحكم على الأشياء بموضوعية، كمثال؛ عمر بن الخطاب، لماذا لا نأخذه مثالاً لتقدم دولة بدلاً من أن نأخذ مثال الحكم الكنسي كمدمر لها، وبين إنصاف وعدم إنصاف هؤلاء وهؤلاء تفاوت عظيم؛ هؤلاء؛ حكموا بالطمع والجشع، وهؤلاء؛ بالعدل والإحسان، لماذا لا نضبط ميزان توزيع الثروة إنصافاً وعدلاً وكرامة! فإذا تحدثنا عن النظريات الإقتصادية من باب أولى أن نضبط أولاً الأمور الأولية من زكاة بدلاً من أن تكون له صيغته الضريبية، والقضاء على حرب الربا والفوائد. فتطهير رؤوس الأموال من المركبات، بداية؛ يمكن بعدها النظر إلى ابتكار تلك النظرية البديلة التي تقوم على العدل لا الجشع أو الطمع المسبب الرئيسي للفقر والذل والهوان وللحالة الإقتصادية البائسة التي تنحدر يوماً تلو الآخر. ولنضرب مثالاً آخر عن العمران؛ ألم يُذكر دخول البيوت الغير مسكونة إن كانت ذات نفع للغير؟! في قوله تعالى: “ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم”. ( سورة النور: آية: 29) للآية الكريمة تفاسير عدة. لكن ما بال الناس يلقون حتفهم بالبرد من الصقيع كالقطط! وأصحاب المباني الغير مسكونة لا يدفعون ما عليهم من زكاة؛  تسكين مواطن فقط دون مأوى بشقة واحدة فقط؛ زكاة لهذا المال المتجمد! البيوت الغير مسكونة حقاً طبيعياً؛ لأولئك الملقون بالطرقات لهم ولأطفالهم! أين حقوق هؤلاء بالمسكن كمواطنين، ليس كمواطن بل فى أبسط وصف كأدمي وإنسان؟! إن تكفل كل شخص بجهده، مهندس؛ للإستشارة والإشراف، صاحب شركات الحديد؛ لتمويل عمارة واحدة على الأقل كل عام بنسبة من المعادن تلك التي يمتلكها، أو إرسالها لبعض عمال البناء كفريضة زكاة مع الإشراف عليها أثناء توظيفها، ومتطوعون بالجهد ولو لشهر واحداً فقط كل عام فى سبيل بناء مبنى مخصص لإسكان هؤلاء المساكين، التضامن دفعة أولية؛ لحماية بعضنا البعض، إعانة لحياة أقرب للإحسان وللكرامة البشرية! إن إشكالية فصل الدين عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية يتطلب بحثاً عميقاً مركزاً على مقارنات حازمة وقاطعة ببيان نقاط قوة وضعف الفصل من عدمه!

٦. فصل علم الأرقام الإقتصادي عن علم الإقتصاد السياسي بالكلية

بالنظر إلى جوانب الموضوع المطروح بالعلم من  الناحية؛ الرياضية والنظرية والتطبيق العملي لبيان مدى الفاعلية والأخطاء الواردة لتصحيحها وتعديلها، يعد تكامل متوازن لعرض الموضوع؛ وبالنظر إليه من كل الزوايا، وحتى وإن كانت المعادلات الحسابية والأرقام تُستخدم فى علم الإقتصاد، فإن نقده بالكامل وفصله بالتمام في علم الإقتصاد السياسي ليس حلاً، بل محاولة استخدام الأرقام التقريبية في بعض أجزاء ذلك العلم. وإن تم استخدام تلك الأرقام والحسابات بصورة كلية؛ فيعد ذلك بمثابة تناول الموضوع فى قسم علم الإقتصاد بصفة عامة. أما علم الإقتصاد السياسي؛ إن شاء، استفاد من علم الأرقام الإقتصادي التقريبي فقط لخدمة النظرية المطروحة وعلى نحوٍ فيه تخصيص؛ لأجزاء معينة بعينها، حيث أن الرفض الكامل؛ لن يخلق سوى أجزاء ناقصة ليس إلا، التركيز يكون على كيفية الإستفادة القصوى من العلوم المطروحة بأخذ ما يخدم الموضوع المطروح وترك ما دون ذلك، ليس النقد من أجل النقد فحسب، بل يلزم بيان الغرض من النقد ذاته ألا وهو طرح أفكار تساعد على تطوير العلم نفسه وخدمة موضوعاته البحثية.

مراجع

  • جلال أمين، خرافة التقدم والتخلف، دار الشروق، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.
  • روجيه جارودي، حفارو القبور (الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها)، دار الشروق، ترجمة؛ عزة صبحي، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٢م.
  • سوزي عدلي ناشد، محاضرات فى الإقتصاد السياسي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ٢٠١٨م.
  • محمد عادل زكي، أزمة العلم الإقتصادي في الوطن العربي، مقالات وآراء، المستقبل العربي – العدد 563، عدد صفحات المقال: سبع، (ص 126 _ 132)، https://doi.org/10.65506/26127
  • قاموس المعاني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

The post أزمة العلم والباحثين والمفكرين بالوطن العربي – بقلم: رانا يحيى رزق appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26916
الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%af%d8%a7%d8%ac%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a/ Tue, 24 Jun 2025 05:12:27 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=26857 مدخل لم يعُد الاقتصاد السياسي يُدرَّس، بل يُدفن حيًّا في قاعاتٍ جامدةٍ لا تُنجب إلا الخضوع؛ فقد تَحوّل من علمٍ للصراع إلى تقنيةٍ للطمس، ومن أداة لفهم التاريخ إلى خطابٍ […]

The post الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
مدخل

لم يعُد الاقتصاد السياسي يُدرَّس، بل يُدفن حيًّا في قاعاتٍ جامدةٍ لا تُنجب إلا الخضوع؛ فقد تَحوّل من علمٍ للصراع إلى تقنيةٍ للطمس، ومن أداة لفهم التاريخ إلى خطابٍ يُنكر وجوده. في ظلّ هيمنة نيوكلاسيكية تُقدِّس التوازن وتُجرِّد الإنسان من طبقته وتاريخه، تُحوَّل السوق إلى قانونٍ طبيعي، والعقل إلى آلةٍ لحساب المنفعة. أما في بلادنا العربيَّة، فالتَّعليم، وقد تَكلَّس في بيروقراطية تَخنق وتُلقِّن، لا يُنتج إلا عقولًا مستعمَرة، تَحفظ ولا تفكر، وتُكرّر شعائر الطَّاعة في معابد السلطة. الجامعة، التي وُلدت لتُعيد إنتاج السيطرة، لا تصنع حرية، بل تُقنِّن الانكسار وتُطبع الاستلاب. وهذا النصّ ليس شكوى ولا توصية، بل إعلان قطيعة مع وهم الحياد، وتذكير بأن لا خلاص بلا تمرُّد معرفيّ جذريّ، يعيد الاقتصَاد السّياسيّ إلى حضن الفكر، والتَّعليم إلى مجاله الطبيعيّ: التحرُّر.

(1)

وإذا كان الاقْتصَاد السِّياسيّ، كما تبلور في القرن التَّاسع عشر، تعبيرًا عن صيرورة الْفكر الأوروبيّ وقدرته على تحويل نمط الإنتَاج الرَّأسماليّ إلى “عِلم”، فإن ما يُطلق عليه اليوم اسم “الاقتصَاد النيوكلاسيكيّ” [الَّذي يعدمون به الطلبة في الجامعات]، ليس استمرارًا، ولو حتى، مموهًا لهذا المسار، إنما هو القطيعة المعرفيَّة، ابتداءً من لغة مفرَّغة من أي جدلٍ تاريخيّ، حيث تُقدَّم العلاقات الاجتماعيَّة الرَّأسماليَّة بوصفها معطيات طبيعيَّة، أبدية، محايدة. لقد وُلدت النظرية النيوكلاسيكية في خضم الأزمة النظريَّة الَّتي ضربت الاقتصَاد السِّياسي الْكلاسيكيّ بعد ماركس، لا بوصفها تطويرًا له، وإنما بوصفها طمسًا لجوهره النَّقديّ. فبدلًا من تحليل العلاقات الطبقيَّة والبُنى الاجتماعيَّة الَّتي تُنتِج وتعيد إنتاج الثروة، تنسحب النيوكلاسيكية إلى فضاء رياضيّ تجريدي، حيث الأفراد ذوو عقلانيَّة مطلقة، والسُّوق يتوازن كما لو كان قانونًا من قوانين الطَّبيعة. إن أكثر ما يميز النيوكلاسيكيَّة هو ادعاؤها الٍحياد: حياد السُّوق، حياد الدَّولة، حياد العِلم. لكنها تجهل، أو تتجاهل عمدًا، أن كل علم هو نتاج اجتماعيّ وتاريخي، وأن افتراض “الحياد” لا يعني إلا إعادة إنتاج الأيديولوجيا السَّائدة في هيئة معادلات ورموز ودوال رياضيَّة. فالعقلانيَّة الَّتي تفترضها النيوكلاسيكية ليست إلا انعكاسًا لعقل بورجوازيّ يقدّس التبادُل، ويقيس كل شيء بمقياس المنفعة الفردية. فالتحليل النيوكلاسيكي ينطلق من فرضية مركزية: أن الإنسان، بغض النظر عن أي خصوصية اجتماعيَّة وتاريخيَّة، كائن يسعى إلى تعظيم منفعته ضمن قيود مفروضة عليه. وهكذا، يتحول الاقتصَاد إلى (عِلم!) للاختيار، وتختفي الأسئلة الجوهريَّة حول مَن يملك وسائل الإنتاج، ومن يُنتج، ومن يُستغل، لصالح أسئلة تقنية حول التَّخصيص الأمثل للموارد! هذا الهروب من التَّاريخ لا يُعبّر إلا عن خضوع النَّظرية لرغبة دفينة في استبعاد الصراع، وإنكار التناقض، وتجميل واقع تُهيمن عليه الرأسماليَّة. أما مفهوم التَّوازن الَّذي تحتفي به النظرية، فهو صورة أخرى من صور هذا الإنكار. فالسُّوق، في هذا النموذج، لا يعرف الفوضى، ولا يعرف الاحتكار، ولا يعرف البطالة البنيويَّة. التَّوازن هنا ليس إلا صورة مثاليَّة لعالم لا وجود له إلا في مخيلة المنظرين، أما الواقع، فشيء آخر تمامًا: واقع اللا مساواة، واقع الرأسمال الَّذي لا يكف عن مراكمة الثروة على حساب العمل. لقد جاء مارشال وڤالراس، مؤسسا التيار النيوكلاسيكي، بلغة جديدة حاولت أن تمنح العلم الاقتصَادي صفة “العلم الطبيعيّ”. فلم يعُد الاقتصاد، وفق تصورهم، معنيًا بتحديد طبيعة القِيمَة أو أصل الربح، بل بتحليل السلوك الفردي. ومع ولادة هذا النموذج، بدأ الانزياح الكامل من الاقتصاد السِّياسيّ إلى “علم الاقتصَاد”، أو بالأحرى إلى علمٍ لا يقول شيئًا عن السياسة، ولا عن السلطة، ولا عن الطَّبقات. إن النيوكلاسيكية [التي تلقن في الجامعات بوصفها العلم الوحيد والصحيح تاريخيًّا!] هي في جوهرها محاولة لإنتاج اقتصاد بلا بشر، بلا صراع، بلا تاريخ. إنها الوجه الآخر لعقلانيّة تكنوقراطيَّة تُخفي مصالح الرأسمال وراء أقنعة المعادلات والرسوم البيانيَّة. وإذا كانت الماركسيَّة قد دعت إلى قلب الواقع لكشف التناقضات الكامنة فيه، فإن النيوكلاسيكية تُمارس نقيض ذلك: تغطي التناقضات، وتعيد إنتاج الواقع، وتُقدّمه بوصفه نهاية التَّاريخ. ومن ثم، فإن نقد النيوكلاسيكية لا يمكن أن يكون نقدًا تقنيًا أو جزئيًا، بل لا بد أن يكون نقدًا جذريًّا، حضاريًّا، يعيد الاعتبار للاقتصَاد السّياسي بوصفه علمًا للصراع، لا علمًا للوفاق الكاذب.

(2)

وفي بلادنا العربيَّة المنكوبة، حيث تلتقي مفارقةُ الفوضى التنظيميَّة مع تشدّد البيروقراطيَّة الجافة، صار التَّعليم جزءً من منظومة معقدة لإعادة إنتاج الجهل المنظَّم وتكريس الهيمنة الاجتماعيَّة والسياسيَّة. التَّعليم، الَّذي يفترض به أن يكون مِفتاحَ العقل الحر ورمزَ التحوُّل الحضاريّ، صار اليوم معملًا بيروقراطيًّا لإنتاج كائنات مفرغة من الفكر، مهيّأة للركوع التلقائيّ لكل سلطة، تُدرَّب لا على السُّؤال، بل على الصمت المُنظَّم. هذا التَّعليم الرَّسميّ لا يهدف إلا إلى تكريس الواقع الاجتماعيّ الطبقيّ، ويعمل جاهدًا من أجل ترسيخه؛ من خلال فرض ثقافة الطَّاعة الَّتي تتناقض جذريًا مع روح الفكر النقديّ. فكيف لمؤسسة تعتمد على التلقين والحفظ أن تُنتج حرية التَّفكير؟ إنّها صناعة زائفة تُعيد تدوير المعرفة الميتة وتفرض حدودًا صارمة على فضاء العقل، في حين تقدّم نفسها كصمام أمان للحضارة والتقدم. إن المدارس والجامعات (التي تعلم العلم الاقتصادي!)، والَّتي ينبغي أن تكون منابر للتحرّر الفكريّ، باتت مسارح لأداء متكرر وممسرح لآليات التلقين الَّتي تعيد إنتاج الفوارق الطبقية والهيمنة الرمزية. والمعيار، بالتَّالي، ليس الفهم ولا الإبداع، بل القدرة على تكرار النصوص المقدَّسة للسلطة كما يُتلى النَّشيد في حضرة الطغيان؛ إنها منظومة تُعيد تدوير العقل المستعمَر بأساليب لا تختلف كثيرًا عن تلك الَّتي ابتكرها المستعمِر لصناعة خَدَمه المخلصين! وفي مشهد مأساوي آخر، يتحول الْمُعلم إلى ضحية للنظام البيروقراطيّ ذاته؛ ومحرومًا من أدنى شروط العمل، يُطلب منه أن يُخرج أجيالًا من المتلقين الَّذين لا يحملون أكثر من شهادة مزخرفة بلا جوهر. فكم هو مثير للسخرية أن يُطلب من الْمُعلمين الَّذين يعانون من التهميش وقلة الإمكانيَّات، بل وقلة العلم نفسه، أن ينتجوا أجيالًا واعية، بينما هم أنفسهم أسيرون لثقافة القهر والرتابة. هذا هو التَّعليم الذي يُعيد إنتاج البطالة والتخلُّف، لأنه لا يبني سوى الوهم، ويزرع في النفوس ثقافة التردد والرضا بالقليل. إنّ التَّعليم في عالمنا الْعَربيَ المنكوب، يستند إلى فرضيَّة، مركزية، قوامها أن الأجيال القادمة مجرد أدوات للاستقرار السياسيّ، وليسوا مواطنين. تلك الفرضية تتحول إلى حقيقة مؤلمة حين نرى المناهج تُكرّس الذهنيَّة السلطوية، وتُجهّز العقول للاستسلام بدلاً من الثورة على الواقع المر. علينا إذًا أن نعيد التَّفكير الجذري في وظيفة التَّعليم وأدواته، فلا نهضة تُبنى على ركام الجهل المُقنَّن، ولا تحرّر يُولد من رحم الوصاية الفكرية. فالتَّعليم الَّذي لا يُحرّر العقل من سطوة السلطة، ولا يُشعل شرارة الشك الخلَّاق في الوعي، ليس إلا أداة لتعميم العجز وتدوير الانكسار. إنّه قيدٌ خفيّ، لا يُحسّ إلا حين يُصبح العقل عاجزًا عن السُّؤال. قيد لا سبيل لكسره سوى بإعادة تعريف التَّعليم كفعل تمرُّد على الرداءة، لا كوسيلة اندماج في نسق الخراب. فهل سنواصل إذًا السير في هذا الطريق المسدود، نُنتج المزيد من الجهل والامتثال تحت مسمَّيات براقة؟ أم أننا سنختار تحطيم القيود القديمة ونؤسس تعليمًا يكرّس الإنسان ويفتح له آفاق الحرية والخلق والإبداع؟ هذه هي معركة العقل والحضارة الَّتي لا يمكن أن نتهرب منها، لأنها محور خلاصنا أو استمرار مآسينا.

(3)

إن التَّعليم الجامعيّ، في تَجلّيه الحديث، لم يكن محْض انتقالٍ من “المَعْرفَة من أجْل المَعْرفَة” إلى “المَعْرفَة من أَجْلِ السُّوق”، بل كان دوْمًا أداةً من أدوَات السُّلْطة في صيغتها الأيديولوجيَّة؛ تُنْتجُ الوهْمَ كما تنْتج الشَّهادة، وتُخْضع العَقْل كما تخضع الجَسد. فمُنذ لحْظة انْبثاق الجامِعة كَكيان حداثيّ في أحشاء المدينة الأوروبيَّة الصَّاعدة، لم يكنْ غرضُها الأسمى تحرير العقْل، بل إعادة إِنْتاج البنْية الاجتمَاعية السَّائدة، وتَثبيت تَقسِيم العمل الاجتماعيّ، وترْسيخ الأَساطير المعَاصرة للشَّرعيَّة العلميَّة! فالجامِعة الحدِيثة ليست مؤسَّسة حياديَّة، بل هي تعبيرٌ مركَزيٌّ عن روحِ الحضَارة الرَّأْسماليَّة؛ تلْك الَّتي لا ترى في الإِنْسان إِلَّا رأْسْمالًا بشريًّا، وفي المعْرفَة إِلَّا مدْخلًا للإِنْتاج، وفي العَقل إِلا أدَاةً للْحسَاب. وإنْ كانتِ الكَنيسَةُ في العُصور الوسْطى قد حكَمت باللَّاهُوت، فإنَّ الجَامعةَ اليوْم تحْكُم بالتَّصْنيفات الأَكاديميَّة، ومعايير الجوْدَة، ومَقَاييس النَّشْر، وتمنح ما يُشبه ختم المشروعية الحديث: الاعتماد! وليس من قبيل المصادَفة أنْ تتحوَّل الجامعَاتُ في الأطْرافِ، في عالمِنا العَرَبيّ مثلًا، إلى نُسَخٍ مُشوَّهَة من مراكزِها الغربيَّة؛ حيث تُسْتورَد البرامج كما تُستورَد السّلعُ، ويُعَاد إنْتاج الجَهْل في صُورة الحداثَة، ويُلقَّن الطَّالب “المناهج” كما يُلَقَّن العَامل تَعْليمَات المَاكينة. فكما أنَّ الاقْتصادَ التَّابع لا يُنْتج إِلَّا التبعيَّة، فإنَّ الجامعة التَّابعة لا تُنتجُ إلَّا الاسْتلاب! إنَّ المطلُوب اليوم ليس إِصلاحًا إداريًّا للجامِعة، بل نقدًا جذريًّا لوظيفتها، وتفكيكًا لبنيتها، وكشفًا عن نسبها الحضاريّ. علينا أنْ نتحرَّر من وهْم أنَّ الجَامعة معنيَّةٌ بتحرير العقُول، وأنْ ندرك أنَّها، بهياكلهَا وطرُقها ومنَاهجها، جزءٌ من منظومَة السَّيطرة؛ تُنتجُ الاخْتصاصيَّ المُنضبط لا المُفكر الحُرَّ، وتدرّبُ على الطَّاعَة وتُهمّش الخَلْق، وربما سفهته وعاقبت عليه. الجامعَةُ، بهذا المعنى، ليْسَت بيت العلم، بل بيْت الطَّاعَة!

خاتمة

ليست الأزمة البيداجوجيَّة للاقتصاد السياسي إذًا عرضًا عابرًا، بل تجلٍ لبنيةٍ أعمق، حيث تتشابك المعرفة والسلطة في رقصةٍ قديمة من الهيمنة. فما يُدرَّس باسم “العلم” ليس إلا إعادة إنتاج لموقع الرأسمال، وتكريس لشرعية السُّوق كقدرٍ محتوم. وفي جامعاتٍ تُشبه مصانع صامتة، يُصاغ العقل على مقاس الطَّاعة، وتُصنَّف الشهادات كأوراق اعتماد في مزاد الامتثال. إن تحرير الاقتصاد السّياسي من أسر النيوكلاسيكية، وتحرير التَّعليم من عباءة الوصاية، ليس رفاهًا فكريًّا، بل ضرورة حضارية. فإمّا أن نعيد للعقل حقَّه في السُّؤال والصراع، وإما أن نستمرّ في تدوير العجز بأدواتٍ تبدو علميَّة، وهي في جوهرها أدوات قمع.

The post الأزمة البيداجوجية للاقتصاد السياسي – بقلم: محمد عادل زكي appeared first on المكتبة العامة.

]]>
26857