هايدجر - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/هايدجر/ مكتبة شاملة Sun, 09 Jul 2017 09:58:59 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.5 https://i0.wp.com/maktaba-amma.com/wp-content/uploads/2026/05/cropped-33.png?fit=32%2C32&ssl=1 هايدجر - المكتبة العامة https://maktaba-amma.com/tag/هايدجر/ 32 32 116455859 صيغ الوجود عند مارتن هيدجر https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/ https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/#respond Sun, 09 Jul 2017 09:58:59 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=12312 صيغ الوجود عند مارتن هيدجر – بقلم: عماد الحسناوي يعتبر كتاب الوجود والزمان عند هيدغر من بين أهم كتبه الفلسفية، حيث إهتم فيه بقضايا عدة من بينها فكرة الوجود. يرى […]

The post صيغ الوجود عند مارتن هيدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
صيغ الوجود عند مارتن هيدجر – بقلم: عماد الحسناوي

يعتبر كتاب الوجود والزمان عند هيدغر من بين أهم كتبه الفلسفية، حيث إهتم فيه بقضايا عدة من بينها فكرة الوجود. يرى هيدجر أن معظم التصورات التي جاءت قبله لم تعطي أهمية للوجود على عكس الموجود, وهذا واضح منذ أفلاطون وكانط، وهيجل وهوسرل ثم نيتشه، فأفلاطون في نظرية التذكر يرى أن النفس كانت في البداية في عالم المثل و إرتكبت خطأ وثم سجنها في الجسد, أي أن الاحتكاك بالاشياء ماهو الا مناسبة لتذكر حقيقة الأشياء الموجودة في عالم المثل. ويرفض الديكارتية كونها تركز على مفهوم مصدر الذاتية، اي أنها تقصي العلاقة الموجودة بين الإنسان والله والأرض والسماء أو ما يسميها هيدجر بفكرة الرابوع.وينتقد الكانطية التي تقول بوجود مقولات قبلية أي أن الإنسان يأتي إلى العالم مجهز بمفاهيم. ينتقد هيجل في في فكرة الروح المطلقة وعدم فصله بين ماهو معقول وماهو واقعي.وإنتقد هوسرل لانه عاد للتجربة الاصلية أو ما يسميها بالعالم العيش. وينتقد نيتشه في عدم قدرته على تجاوز الميتافيزيقا لانه في نظر هيدغر تخلص من القيم القديمة لكنه وضع مكانها قيما جديدة تتأسس على إرادة القوة. وبهذا يقول أن كل هذه التصورات تلخص الوجود في الموجود وهنا يقول هيدغر ” الخطاب الميتافيزيقي هو خطاب يقيم تطابق بين الوجود والموجود ويلغي الإختلاف الأنطولوجي الموجود بين الوجود والموجود.” وقسم الوجود الى قسمين الوجود لذاته والوجود في ذاته وهيدغر يفضل الوجود لذاته لانه مرتبط بالعيش الى جانب الكائنات الأخرى وهذا ما جعله سيتخدم مفهوم الدازيين اي الإنسان الذي يعيش في العالم مع وبجوار الكائنات الأخرى. هذا يحيلنا الى إشكال ماهي صيغ علاقة الإنسان بالعالم ؟ صيغ وجود الإنسان في العالم هي :

1- صيغة الانشغال و الاهتمام : تعني هذه الصيغة أن الإنسان ينظر إلى العالم نظرة تأسس على المنفعة، فالعالم هو موضوع لإشباع الرغبات وحاجات الإنسان, بالتالي فالنظرة المتحكمة هي النظرة البراغماتية والاذاتية (تحول العالم الى أدوات). ولهذا يقول هيدجر أن صيغة الإنشغال والإهتمام هي عائق للبلوغ الى حقيقة الوجود. بالتالي لمعرفة حقيقة العالم عليه أن يتخلص من هذه النظرة الأذاتية، وإلا سيتحول بدوره إلا أذات وهنا أستحضر قولة (لاحد المفكرين عندما ردة على صديقه المتأثر بالاشياء المادية, كان يسأله دائما عن الاشياء المادية الثمينة.وقال له المقكر: الأشياء التي تمتلكها أصبحت تملكك) وهنا يقول هيدغر “سيفقد الانسان الإحساس بالعالم من حيث هو عالمه.” ويقول هيدغر أن الصورة البراغماتية هي صورة الانسان العامي الساذج وبالتالي فهي تحول نظرة الانسان من نظرة خالصة للوجود الى نظرة في الموجود، هذا ما ثم تكريسه في ظل الحضارة الصناعية. لكن الانسان يستطيع عبر هذه الصيغة باعتباره كائن يعيش داخل المجتمع أن يغير شكل العالم ومعناه ويضفي على العالم معنى جديد، وهذا ما جعل الإنسان عند هيدجر قدرة على الوجود، اي أن وجوده لم يكتمل بعد. بالتالي عندما يعي الإنسان ذاته كإمكانية فهو يسعى أن يؤصل وجوده ويكون وجوده ضروري وليس عرضي. هذه الصيغة تقودنا الى صيغة ثانية.

2- صيغة الهم : كل فرد كيفما كان يسعى بشكل كبير أن يتميز عن الأخرين بمختلف الطرق. فهو لا يكاد يتخلص من حاجة حتى يسقط في حاجات أخرى وتربطه بقيود جديدة فهي تشكل كما وصفها د.محمد أندلسي قوة تمارس الدكتاتورية بدون الديكتاتور، وكما أسميها أنا بالسلطة الخفية. ليست عبارة عن شخص فهي لاوجود لها ولا هوية لها (غفل) هذه القوة هي التي يطلق عليها هيدجر الهم يمكن القول أنها هي نفسها الانا الاعلى عند فرويد بمعنى كل ما يلتصق في ذاكرة الانسان من مشاعر وأحلام ومعتقدات وأوهام… بهذا يكون الهم يمنع كل إنسان من أن يتخد كل قرار لنفسه فهو يجعلنا بدون مسؤولية بل أكثر من ذلك بدون جرية و إستقلالية، يجعل الفرد يختار وفق ما يناسب متطلباته. إذن كيف يمكن التخلص من سلطة الهم ؟

3- صيغة الوجود المشروع والغير مشروع: فالوجود اللامشروع هو وجود بدون حرية وكرامة وقيمة، فهو الوجود العدمي للانسان. فهو وجود الشخص الخاضع لسلطة الهم. كيف يمكن التخلص من هذه القوة ؟ في نظر هيدغر الخوف والقلق هما القادرين على تحرير الانسان من الهم. فالخوف هو خوف من شيء ما محدد ويشكل تهديد للذات الإنسانية. بينما القلق هو مفهوم مهم عند هيدجر لان تجربته مع القبظلق في علاقته بفكرة العدم، فهو يرى أن الانسان يقلق وذلك راجع لإدراكه بأنه محكوم في النهاية بالموت الذي هو العدم نفسه، والقلق ليس هو الخوف؛ فالقلق الذي عايشه مارتن هيدجر ومنحه الإلهام لبناء نظريته ومفاهيمه، والذي تميز بكونه موضوعا غير مفهوم ومبهم، لم يكن مرتبطا بالشعور بالذنب بعد إرتكاب خطيئة ما كما عند سيرن كيركيجارد، وإنما نشأ من الخوف من العدم، وكان مصدره الوجود وهنا يقول هيدغر “وما القلق إلا حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق.” وبهذا يكون الخوف هو إنفعال يدفع الإنسان الى الهروب من الواقع عبر الثرثرة والفضول والإلتباس ،ويلتجئ الانسان الى هذه الأشياء خوفا من مواجهة العدم، في حين نجد القلق هو الذي يجعل الانسان يتعرف على وجوده اللامشروع وبهذا يكون القلق عند هيدجر الألية التي تهدم ما يبنيه الهم.

4- صيغة الوجود من أجل الموت : هذه الصيغة ليست كمالية للانسان وإنما تدميرية كليا له. يقول هيدغر “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعلم أنه سيموت.” بالتالي فهو يعي أنه سيموت لوحده. بهذه الصيغة الجديدة يكون الإنسان عند هيدغر لم يكتمل بعد فوجوده مؤجل، فالموت يرغم الفرد أن يجعل منه سببا وحيدا لوجوده ، لان موته هو الإمكانية الأخيرة، وهذا ما يجعل حرية الإنسان عند هيدجر تكون سلبية لانها تضع الإنسان في حيرة وأمام إختيارين إما الحياة الكاذبة أو الموت. إذن الموت عند هيدجر هو الذي يجعل الفرد يمتلك ذاته في أعلى درجة، لان بمواجهة الموت تنكشف الحرية ليكون الإنسان ما يريد أن يكون، وكأن الموت لا يدفع بدوره الى الهروب من الحياة نحو ضلالات الهم، بل يدفعه إلى أقصى إمكانته والحرية العميقة .

The post صيغ الوجود عند مارتن هيدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%b5%d9%8a%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d9%8a%d8%af%d8%ac%d8%b1-2/feed/ 0 12312
ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d9%8a%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d9%8a%d8%a7/#respond Sat, 11 Mar 2017 17:04:58 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=8686 ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ – بقلم: عصام غصن عبود كارل ياسبرز (يَسْپَرْز) Karl Jaspers عالم نفس وفيلسوف ألماني، والممثل الأكبر للوجودية[ر] الألمانية بعد مارتين هايدغر [ر]، […]

The post ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ – بقلم: عصام غصن عبود

كارل ياسبرز (يَسْپَرْز) Karl Jaspers عالم نفس وفيلسوف ألماني، والممثل الأكبر للوجودية[ر] الألمانية بعد مارتين هايدغر [ر]، وإن كان قد رفض هذه التسمية. ولد في أولدنبورغ Oldenburg لعائلة ثرية محافظة متأثرة بالثقافة السياسية التحررية لألمانيا الشمالية، صبغت أفكاره بطابع ديمقراطي تحرري وبنفحة دينية متشددة. تُوفي فِّي بال Basel(سويسرا). حظي برعاية خاصة من ذويه بسبب مرضه منذ الطفولة بالرئتين ثم بنقص التروية. وهذا أثّر بصورة مباشرة في توجهه الفكري نحو العلوم الإنسانية، فاهتم منذ الصغر بالفلسفة، وكان يرهب اتخاذها حرفة في الحياة، فتوجه إلى دراسة علم النفس وطب الأمراض العقلية psychiatry، وحاز الدكتوراه من جامعة هايدلبرغHeidelberg عام 1908، وعيّن أستاذاً لعلم النفس سنة 1916، ثم أستاذاً للفلسفة سنة 1921 في الجامعة نفسها إلى أن أقصته الحكومة النازية عن التدريس في الجامعة بدعوى أن زوجته يهودية، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد انتهاء الحرب سنة 1945.

 

لم يكن ياسبرز يهتم بالسياسة ولا الأحوال الاجتماعية، بل كان يركز كل تفكيره في البحث العلمي في ميدان العلوم النفسية والأمراض العقلية. وتفادت أعماله النقاشات السياسية، وركزت على الجوانب الفلسفية إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى 1914، فأدرك أهمية المشكلات السياسية والتاريخية والاجتماعية في حياة الإنسان. وأحس بمرارة ذلك ولاسيما بعد أن اشتد الخلاف بينه وبين هايدغر الذي أعلن صراحة دعمه للنازية ـ ثم جاء إيقافه عن التدريس في الجامعة بسبب زوجته ـ وارتباطه بسياسيين وفلاسفة تحرريين أمثال ماكس ڤيبر[ر] Max Weber، فكتب مؤلفه السياسي «الشرط الروحي للعصر» The Spiritual Condition of the Age ت(1931)، الذي نشره في السنوات الأخيرة لجمهورية ڤايمار[ر] Weimar، ينتقد فيه الديمقراطية البرلمانية، ويعزز انتماءه الفكري لماكس ڤيبر بغرض حفظ النظام السياسي في ألمانيا. ويعلن ـ خلافاً لهايدغرـ معارضته للاشتراكية الوطنية.

 

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 وانهيار النظام الاشتراكي الوطني (النازية) استعاد ياسبرز مجده، وأدى دوراً بنّاءاً في العملية السياسية الألمانية، فبرز ـ بوصفه فيلسوفاً وأستاذاً مربياً للأجيال ـ نصيراً قوياً لقضايا التربية الديمقراطية السياسية والمبادئ الأخلاقية المدنية (1945ـ1949)، ساعده على ذلك كتاباته وبرامجه الإذاعية والتلفزيونية ـ ولاسيما كتابه «مسألة إحساس الألمان بالذنب» The Question of German Guilt ت(1946)، عن اضطهاد اليهود ـ متمثلاً التجربة من خلال عذاب زوجته. كما سعى إلى إعادة بناء العملية التعليمية في جمهورية ألمانيا الاتحادية، فنادى بإصلاح الجامعة، وركز على ضرورة نشر الثقافة المدنية الديمقراطية في جميع أنحاء ألمانيا. وفي ذلك كتب مفهومه عن «فكرة الجامعة» The Idea of University ت(1946) رداً على إبعاده عن الجامعة، وفيما يبدو مناقضاً خطاب هايدغر عن دور الجامعة في عهد الرايخ، وموقفه الداعم للنازية الذي كان سبباً للخلافات بينهما.

 

وفي الخمسينيات دعم ياسبرز سياسة حكومة المحافظين التحررية بقيادة كونراد أدِناور Konrad Adenauer ت(1949ـ1963) مؤيداً تشكيل التحالف الغربي الذي يكفل حماية الثقافة الأوربية من هيمنة الاتحاد السوڤييتي بعد رفضه للتوتاليتارية (الشمولية) المتمثلة بالاشتراكية والشيوعية. ثم مالبث أن قدم بعض المفاهيم الخاصة بأسس المواطنة والحقوق الدستورية، لكنه في نهاية المطاف تخلى عن هويته الألمانية، ورحل إلى بال ليصبح مواطناً سويسرياً.

 

التف ياسبرز حول نخبة من علماء الاجتماع والسياسة، أمثال ماكس ڤيبر وغيورغ سيمِّل[ر] Simmel وإرنست بلوخ[ر] Ernst Bloch ولوكاتش[ر] Lukacs وغيرهم. وتأثرت أفكاره بتصوراتهم القومية التحررية وتأييدهم للديمقراطية. إضافة إلى تأثره بفلسفة الكانتية المحدثة neo-kantianism و«فينومينولوجية» هوسرل[ر] ووجودية هايدغر.

 

يعدّ ياسبرز من أغزر الفلاسفة الوجوديين المعاصرين إنتاجاً وأوضحهم تفكيراً وأوسعهم اهتماماً في العلوم الإنسانية. وتربو مؤلفاته على الثلاثين، وبعضها يزيد على ألف صفحة، وأهمها: «علم النفس المرضي العام» General Psycho-pathology ت(1913) و«سيكولوجية النظرات في العالم» Psychology of World Views ت(1919)، وهو الكتاب الذي ينتقل به ياسبرز من علم النفس إلى الفلسفة، ويصفه بأنه كتاب وجودي أصيل، أسّس ياسبرز فيه أنماطاً ونماذج للمواقف النفسية والعقلية شبيهة بنماذج ڤيبر المثالية في محاولة لتحليل جوهر الحياة العقلية الإنسانية أو وجهات النظر العالمية وبناء مذهب معرفي وجودي منظّم. وكتابه الضخم «الفلسفة» Philosophy في ثلاثة مجلدات (1932)، وهو أروع ما كتب أو تحفته، تأثر فيه بفلسفة هيغل[ر] في عملية المعرفة والإدراك والوعي الإنساني في محاولة لإعادة بناء المثالية الكانتية من منظور التجربة والحرية. و«العقل والوجود» Mind and Existence ت(1935) و«فلسفة الوجود» Philosophy of Existence ت(1938) و«المنطق الفلسفي» Philosophical Logic، نشر الجزء الأول منه بعنوان «في الحقيقة» (1947)، وهو بمنزلة تقصٍّ وجودي طرح فيه ياسبرز جملة من التساؤلات حول الفكر والوجود، و«المجال الدائم للفلسفة» (1948) و«أصل وهدف التاريخ» (1949) و«كبار الفلاسفة» Great Philosophers ت(1957) و«القنبلة الذرية ومستقبل الإنسانية» Atomic Bomb and the Future of Humanity ت(1961). والفكرة المركزية التي تدور حولها هذه المؤلفات هي مشكلة الاتصال الوجودي الإنساني، وفيها أولى ياسبرز أهمية كبرى للشروط الاجتماعية والأخلاقية لسلامة الإنسانية، موضحاً دور المجتمع والدولة في توفير الشروط الملائمة للتعارف المتبادل الذي يفترض ممارسة الحرية شرطاً للحوار.

 

يقوم منهج ياسبرز الفلسفي على الوصف الفينومينولوجي (الظاهراتي)phenomenological واكتساب الخبرات وتحليلها، ثم استخلاص التعميمات الفلسفية منها لكونها مصدر المعلومات الوحيد عن الواقع. فهو يقتفي أثر أستاذه كيركغارد[ر]Kierkegaard، فيقصر وصفه على الخبرات المباشرة، وهي معطيات حسية وتجارب من نوع آخر، كالحب والقلق والأمل واليأس، ويتوجه بتفلسفه نحو كشف معانيها الأنطولوجية. فيبدأ البحث في معاني الوجود، حيث يميز بين الوجود المتعين والمتناهي (الموضوعي): أي «الآنية» Dasein ـ الذي يتحقق على شكل وجود في العالم ـ وبين الوجود الماهوي (الذاتي) أو الوجود بالقوة Existenz بوصفه وجوداً ممكناً أن يتحقق، وهذا هو معنى الوجود الرديف للحرية.

 

ويرى ياسبرز أن بإمكان الإنسان اكتشاف طبيعة ذاته، وتعرّفها، وإمكانياتها التي تكشف له وجوده، وتقوده نحو الحقيقة الأصلية التي تنبع منها أفكار الإنسان وأفعاله، وهذه الحقيقة هي الوجود الماهوي أو الذاتي، فالوجود الذاتي تجربة الحرية الكاملة التي لا يتسم بها إلا الإنسان، وهو تجربة إمكانيات لا تنتهي. أما الوجود الموضوعي المتحقق العيني أو «الآنية» فهو بعده الزمني، وهو جانبه الذي يتصف بالسمات، ويمكن تأمله نظرياً.

ويؤكد ياسبرز أن الإنسان هو الحقيقة الأساسية التي يمكن إدراكها في العالم، فهو يتصف بالحضور والحياة. وبالإنسان وحده يصبح كل ممكن واقعاً. فالإنسان عقل ووجود ذاتي، والعقل دون الوجود حقيقة فارغة لا تؤدي في النهاية إلا إلى خواء عقلي ونزعة عدمية، في حين أن الوجود الذاتي دون العقل مجرد دافع غير معقول. لهذا فإن إهمال الوجود الإنساني أوإغفاله معناه الغرق في العدم. وعليه فإن البحث الحقيقي للإنسان عن ذاته هو المصدر الحقيقي لفهم الأمراض النفسية والعقلية خاصة حين يصطدم الفرد بالمجتمع، ويخفق في تحقيق نوع من التكيف معه. وتكمن مهمة الفلسفة ـ ضمن هذا السياق ـ في مساعدة الإنسان على التوغل داخل ذاته لسبر مكنوناتها وفهمها واستيعابها بوساطة فهم اللاعقلانية التي تسود العالم المعاصر، فالتفلسف الحقيقي لا يبدأ إلا باستبعاد العقل للمسائل الكونية الكبرى، وتقديم تصور متكامل لتجربة الإنسان ومواقفه التي تتبلور في تجربة الألم والخوف والميلاد والموت. وهي مواقف حدية نهائيةGrenzsituationen لايمكن للعقل أن يفهمها أو يفسرها، فهي مواقف مفروضة على الإنسان، ولا يملك منها فكاكاً، وهي تعدّ الحدود الجوهرية للحياة الروحية للإنسان ونشاطه العملي، وخلف هذه الحدود يكمن العدم، وهكذا فإنه في معاناة الإنسان المتمثلة بالعذاب والنضال والمخاطرة والشعور بالذنب والخوف والمرض تكمن المحاور الأساسية للوجود البشري. وفي مقابل هذه المواقف النهائية تقف الحرية التي يحقق الموجود بها إمكانيات وجوده الماهوي على هيئة الآنية. فينشأ «ديالكتيك» مستمر التوتر بين الموقف النهائي وبين الحرية صفة الوجود الماهوي، وفي هذا الصراع يقوم معنى الوجود. ويسمي ياسبرز عملية التحرر من المواقف النهائية هذه بعملية إيضاح الوجودExistenzerhellung الذي يتجه إلى تحقيق الموجود، وذلك بأن يخرق نطاق المواقف النهائية، فيعلو عليها، وهذا العلو Transcendenz يعني الخروج من حال الإمكان إلى حال التحقق الفعلي، وبهذا الخروج يتحقق معنى الحرية. فيصل الإنسان بذلك إلى حريته، ويستعيد وجوده الخاص، ويصبح في مواجهة الإله المتعالي من خلال حريته الحقيقية، فليس الوجود سوى حضور في العالم وشوق إلى المتعالي، ويتحول هذا الصراع في العالم إلى صراع بين العلم والدين. ومن هذه النقطة ينتقد ياسبرز الفلسفة العلمية التي لا يمكن أن تصل إلى شيء؛ لأن التفلسف يتوجه إلى العالم بوساطة النقد، ويتوجه نحو الذات لمعرفتها بوساطة إيضاح الوجود، ويتوجه نحو الميتافيزيقا بوساطة افتراض وجود المتعالي.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

The post ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d9%8a%d8%a7/feed/ 0 8686
العالم والأشياء: قراءة لفلسفة مارتن هايدجر https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d8%a7/#respond Sun, 18 Dec 2016 10:33:18 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=5425 العالم والأشياء: قراءة لفلسفة مارتن هايدجر – كْلاوْس هيلْد ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق تقديم النص والكاتب المقال الذي قمنا بترجمته من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية هو نص لمحاضرة ألقاها […]

The post العالم والأشياء: قراءة لفلسفة مارتن هايدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
العالم والأشياء: قراءة لفلسفة مارتن هايدجر – كْلاوْس هيلْد

ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق

تقديم النص والكاتب

المقال الذي قمنا بترجمته من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية هو نص لمحاضرة ألقاها الأستاذ Klaus Held سنة 1990 في عدة منتديات ونشر في إطار مؤلف جماعي أصدره Christoph Jamme و Karsten Harries تحت عنوان : “مارتن هايدجر، الفن ـ السياسية ـ التقنية” عن دار النشر Wilhelm Fink بميونيخ سنة 1992، ص 319  ـ 333 .

تحاول هذه المحاضرة أن تقدم نظرة إجمالية عن فلسفة هايدجر. ورغم أنـها موجهة إلى جمهور واسع من المثقفين، فإنـها تتوفر على قيمـة علمية وفلسفية كبرى، خاصة وأنـها تعمل على وضع فلسفة هايدجر في سياق يبرز بوضوح أهميتها وارتباطها بقضايا العصر. ويمكن اعتبار هذا النص مدخلا مفيدا يساعد القارئ على أن يتوجه بكيفية سليمـة في قراءته لكتابات هايدجر، فهو ينطلق من تحليلات هايدجر في مؤلفه الأساسي “الكون والزمان” ويبرز العلاقات والخيوط الدقيقة التي تصل بينها والتي يصعب على القارئ العادي أن يتبينها ويمسك بـها. وفضلا عن ذلك، يعمل على إظهار الجسور العميقة والخفية التي تربط بين تحليـلات “الكون والزمان” وفلسفة هايدجر المتأخرة. ومع ذلك فإن هـذه النظرة تجتنب السقوط في عرض صوري يضحي بالمضمون الفينومينولوجي الذي يتشبث به Klaus Held بشدة.

ولد Klaus Held سنة 1936. درس الفلسفة والفيلولوجيا الكلاسيكية في جامعات ميونيخ، فرايبورج، بون وكولونيا. قدم أطروحة الدكتوراه سنة 1962 تحت إشراف Ludwig Landgrebe، أحد تلامذة هوسرل ومساعديه البارزين. يشغل منذ سند 1974 منصب أستاذ للفلسفة في جامعـة Wuppertal، وتنصب أبحاثه على عدة ميادين أهمها الفلسفة اليونانية،  الفلسفة السياسية والفينومينولوجيا. وهو من المساهمين في إصدار سلسلة الأعمال الكاملة لـهايدجر. يعمل حاليا على صياغة مشروع فينومينولوجيا للعالم السياسي تستلهم أسس التحليل الفينومينولوجي لدى كل من هوسرل وهايدجر. تقلد منصب رئيس الجمعية الألمانية للبحث   الفينومينولوجي من 1987 إلى 1994. ترجمت أبحاثه ودراساته إلى عدة لغات. ونقدم فيما يلي لائحة كتاباته المترجمة إلى اللغة الفرنسية :

* Rendez-vous chez Platon. Voyage au pays des philosophes, Paris 1996.

* Heidegger et le principe de la phénoménologie, in: Heidegger et l’idée de la phénoménologie, Den Haaf 1988. (Phaenomenologica 108).

* Husserl et les Grecs, in: E. Escoubas et M. Richir : Husserl,  Grenoble 1989.

* Le monde natale, le monde étranger, le monde un, in : S. Ijsseling: Husserl-Ausgabe und Husserl-Forschung, Den Haag 1990  (Phaenomenologica 115).

* Humanité et monde politique, in: Cahier de philosophie : Le  monde De la phénoménologie à la politique, n° 15/16, Paris 1992/93.  

* Disposition affective fondamentale et critique du temps chez Heidegger, in: R. Brisart et R. Célis: l’évidence du monde. Méthode et emprise de la phénoménologie, Bruxelles 1994.

* L’intentionnalité et remplissement de l’existence, in : D. Janicaud :

L’intentionnalité en question. Entre phénoménologie et recherches cognitives,Paris 1995.

ترجمة النص:

في السنة الماضية، تم في العالم كله إحياء الذكرى المئوية لميلاد مارتن هايدجر، الذي يعتبره الكثيرون أكبر مفكر في قرننا. ترك هايدجر أمام القارئ مجموعة ضخمة من الأعمال صدر منها، لحد الآن، خمسون كتابا.  وعليه، فإن تقديم نظرة إجمالية عن الكل في ساعة واحدة سيكون محاولة غير مفيدة ومملة. لكن ربما أمكنني أن أحاول القيام باستحضار حي لشيء من روح التفلسف الهايدجري، وذلك بأن أنطلق من مشكل يقض مضجعنا اليوم بشكل خاص،  أقصد مشكل إتلاف بيئتنا[i] بواسطة التقنية والصناعة.

في مناقشة هذا المشكل، هناك موقفان أساسيان يتعارضان جذريا. يصر الطرف الأول على أنه من حق الإنسان مبدئيا أن يغير عالمه بالكيفية التي يريد ؛ لكن عليه فقط أن يعمل، بكيفية أكثر يقظة مما هو عليه الأمر حتى الآن، على تجنب الآثار المضرة التي تنجم عن تدخله في البيئة. يبقى الإنسان، بالنسبة لهذا الموقف، هو مركز العالم الذي يستغله ومالكه. أما الرأي المعارض فيحارب بالضبط مركزية الإنسان هاته؛ إنه يدعو إلى أن يتخلى الإنسان عن الادعاء بأنه يمثل مركز العالم،  وأن يتعلم، بدل ذلك، كيف يندرج في الدورات الإيكولوجية للطبيعة  وكيف يخضع لها. ليس الإنسان هو الذي ينبغي أن يسود، بل الطبيعة. هكذا نجد أنفسنا أمام نزعة طبيعية تعارض نزعة مركزية الإنسان.

توجد البشرية اليوم، حسب هايدجر، أمام خطر له مدى عالمي: إنـها في الطريق لأن تصبح، بسبب إتلاف كل ما يتولد عن الطبيعة في العالم، بدون موطن.[ii] لهذا أصبح الآن يطيب للمرء، في دائرة النزعة الطبيعية، أن يتخذ من هايدجر مرجعا. إلا أن الأمر يتعلق هنا بسوء فهم. فنـزعة مركزية الإنسان والنزعة الطبيعية في إطار مناقشة مشكل البيئة ليستا سوى طبعة جديدة لجدل يخترق فلسفة العصر الحديث وثقافته منذ مدة طويلة.

تعود نشأة العصر الحديث إلى أشياء منها أن الإنسان، في أواخر العصر الوسيط، فقد الثقة في نظام الطبيعة كما خلقه الله، وأصبح يبحث، بسبب ذلك، عن نقطة أكيدة جديدة. وجدت الفلسفة هذه النقطة الأكيـدة في اليقين من أن الإنسان يمكن أن يشك في كل الأشياء إلا في وجود وعيه ذاته الذي يشك. بسبب الرجوع إلى داخلية الوعي، يصبح العالم، بالنسبة للإنسان، موضوعا يواجهه في البداية كشيء غريب. إلا أن الوعي يتوفر على القدرة على فهم الموضوع وتملكه. هكذا يحتل الإنسان منـزلة الذات، أي القطب المرجعي بالنسبة للعالم. من حيث المبدأ، يمكن فلسفيا تصور إمكانيتين لتخطي الهوة التي تفصل الذات عن العالم بصفته موضوعا. تتمثل الإمكانية الأولى في اعتبار العالم كحقل فاعلية أنشأتـه الذات لـها من أجل أن تثبت فيه قوتـها؛ هذا الموقف الأساسي تتخذه النزعة الذاتية، التي تعتبر نزعة مركزية الإنسان في إطار مناقشة مشكل البيـئة وليدها الأحدث. أما الإمكانية الأخرى فهي أن تعتبر الذات نفسها هي أيضا كقطعة من الطبيعة، من الموضوع؛ هذه النزعة الطبيعية تعود هـي أيضا للظهور من جديد في إطار مناقشة مشكل البيئة.

هذان الموقفان يقعان معا داخل ثنائية الذات والموضوع التي تنتمي للعصر الحديث.  لم يكن من الممكن أن يتبنى هايدجر أيا من الموقفين، وذلك بالضبط لأنه فكر فيما وراء هذه الثنائية. بذلك يبتدئ مؤلفه الأساسي “الكون والزمان” [iii] الذي نشره سنة 1927 واكتسب بفضله شهرة كبرى. إن ارتباط الوعي، الذات، بالطبيعة كموضوع ليس هو العلاقة الأصلية للإنسان بالعالم، فهذا الارتباط ليس سوى وليد متأخر لعلاقة أصلية أكثر. أين تكمن هذه العلاقة ؟ أود أن أعالج هذا السؤال في بضع خطوات انطلاقا من “الكون والزمان” إلى تفكير هايدجر في مرحلته المتأخرة. خلال ذلك سيتضح بأي معنى يمكن أن يتكلم هايدجر عن فقدان الإنسان الحديث في العالم لأي موطن، وهل يرى إمكانية لأن يسترجع العالم من جديد طابعه كموطن.

غالبا ما نستعمل مفهوم “العالم” للدلالة على كلية الأشياء. يتكون العالم من الأشياء. إذا انطلقنا من التعارض الذي يقيمه الفكر الحديث بين قطب وعينا وقطب العالم، فإننا سنكون عن الأشياء الصورة الآتية : لدي أنا في البداية اليقين بأنني أنا نفسي موجود، ذلك أنه لا يمكن أن أشك في وعيي ذاته. إلا أن بحثي عن اليقين سيفضي بي خارج مجال وعيي. فهناك مثلا يوجد مقعد. إنني في العادة متيقن منه هو أيضا، فحواسي تنقل إلي الانطبـاع بأن المقعد موجود، حيث يمكنني رؤيته ولمسه. المقعد موجود، هذا يعني: إنه حاضر[iv] كموضوع لإدراكي.

وإذا تأكد ذلك، فإنه يصبح بإمكاني إصدار أحكام عن الموضوع، كأن أقول مثلا: “المقعد قائم في الركن” أو “المقعد يهتز”. إن أحكاما كهذه نجدها في الحياة اليومية، ولكن، على مستوى أعلى، في العلم أيضا، وذلك عندما يحدد عالم النباتات مثلا نوع زهرة تم اكتشافها أخيرا. إنه يرى الزهرة كموضوع قائم أمامه، حاضر، ثم يقول: “هذه النبتة تنتمي لفصيلة السحليات”، أو يسجل هذه الملاحظة: “يبلغ طول النوع الجيد من السحليات عشرة سنتمترات”. يتعلق الأمر في المثال الأول بتصنيف الزهرة، وفي المثال الثاني بوصفها. ويظهر مبدئيا أن الإنسان في حياته اليومية لا يتعامل مع الأشياء بكيفية مخالفة. إنه يسجل كونها حاضرة ويصنفها، مثلا: “هناك يقوم مقعد”، وهو ما يعني: “تلك القطعة من الأثاث هناك تنتمي إلى صنف المقاعد”؛ أو إنه يصفها، مثلا: “المقعد يهتز”.

ولكن هل تقابلنا الأشياء حقيقة في حياتنا اليومية بـهذه الكيفية، أي كموضوعات حاضرة قابلة للتصنيف والوصف؟  هل صحيح أنه ليس هناك مبدئيا أي فرق بين عالم الحياة اليومية والعالم بصفته موضوعا للعلم، كما يجب أن نعتقد إذاانطلقنا من ثنائية الذات والموضوع؟ من هـنا يبتدئ التحليل النقدي الجيد الذي يقوم به هايدجر في “الكون والزمان”. مـا هي العلاقة التي تربطنا بالأشياء في الحياة اليومية، إذا وصفناها دون أحكام مسبقة؟

يبدو أن هذه العلاقة تتمثل عادة في أننا نستعمل الأشياء لغرض ما. إننا نستعمل المقعد مثلا للجلوس، وعندما نقول: “المقعد يهتز”، فإن ذلك ليس حكما وصفيا، بل إننا نريد أن نقول: “إن المقعد غير صالح للاستعمال”، وذلك لأن الاهتزاز يزعجنا عند الجلوس. وهكذا فنحن نفهـم المقعد في حياتنا اليومية لا كموضوع نريد أن نصدر حوله أحكامـا، كما يفعل عالم النباتات، بل إننا نفهمه انطلاقا من الاستعمال وحده. إنكم مثلا تحتاجون خلال هذه المحاضرة إلى شيء  يمكن الجلوس عليه، في سياق الاستعمال هذا يبرز المقعد في مجال رؤيتكم. إن مجال الاستعمال هو الذي يقرر ماذا يكون المقعد بالنسبة لنا، إنه يحدد كون المقعد. إن هذا الكون ليس كون حضور للتصنيف أو الوصف، بل كونا من أجل الاستعمال. هكذا يمكن أن يظهر لنا المقعد صالحا كثيرا أو قليلا للاستعمال. إنه إذا عبرنا بصور حسية، أحسن أو أسوأ “لليد”، كمـا تكون أداة يدوية جيدة كثيرا أو قليلا بالنسبة ليدنا. لـهذا يقول هايدجر: إن كون الأشياء في حياتنا اليومية ليس كون حضور، بل هو كون ـ لليد.[v]

إن ما هو العالم يتحدد انطلاقا من فهم الأشياء التي يتكون منها. فماذا يكون العالم إذن، علما بأن كون الأشياء له في البداية وفي العادة طابع الكون لليد ؟ إن سياق الاستعمال الذي يحدد كون الأشياء اليومية هو شبكة من غايات كثيرة لا يمكن الإحاطة بها ونحتاج لتحقيقها إلى أشياء جد متنوعة؛ كل شيء من هذه الأشياء محبوك في هذه الشبكة بكيفيات متعددة. كل إنسان يعيش في سياق للاستعمال، وهذا يطبع مجال ممارسته، أي أفقـه. إن أفق الموظف يختلف عن أفق الرياضي أو التلميذ أو غيرهما. ولـهذا نتحدث عن عالم الإدارة والرياضة والمدرسة،   وغيرها كثير. تختلـف الأشياء التي نحتاج إليها والغايات التي لأجلها نستعملها باختلاف العالم الذي نعيش فيه. انطلاقا من العالم كأفق لسياق الاستعمال الخاص بنـا نفهم كيف تكون الأشياء لليد بالنسبة إلينا. إن الأفق هو إذن عالمنا اليومي.

إن العالم حسب ثنائية الذات والموضوع هو كلية الموضوعات الحاضرة القابلة للتصنيف والوصف. وعلى غرار ذلك، قد يعتبر المرء أن العالم اليومي هو أيضا كلية، أي جملة الأشياء التي هي لليد من أجل الاستعمال. إلا أنه قد تبين بالضبط أن العالم اليومي ليس له طابع جملة من الأشياء، بل طابع الأفق، أي طابع سياق شامل داخله نعيش ونتوجه إلى الأشياء، وذلك لأننا نفهم كيفية استعمالـها انطلاقا من السياق. وهكذا فإن هذا السياق مألوف لدينا قبل التعرف على الشيء المفرد، إنه بالنسبة لنـا هو الأولي، أما الأشياء فتشكل ما هو ثانوي. لو كان العالم اليومي مجرد جملة من الأشياء، لكان الأمر على عكس ذلك ؛ فالجملة ليست سـوى شيء من الدرجة الثانية، شيء مشتق، لأنها تتوقف على الأجزاء التي تتكون منها.

يمكن مقارنة العالم كأفق بالضوء. بدون ضوء لا نستطيع رؤية أي موضوع، وبدون أفق الاستعمال ستبقى الأشياء اليومية بدون دلالة بالنسبـة لنا. إنه فقط في ضوء الأفق تظهر لنا الأشياء على ما هي عليه في الحياة اليومية، أي كأشياء لليد. إن العالم كأفق يمنح الضوء لظهور ما هو لليد، إنه البعد المفتوح المشرق الذي يمكن فيه للأشياء أن تظهر ذاتـها لنـا. عندما نرى شيئا ما لا ننتبه عادة للضوء الذي يمكننا من الرؤية،   بل للأشياء التي تصبح بفضله مرئية. وبالمثل، فإن انتباهنا في الحياة اليومية لا ينصب عادة على البعد الذي يسمح بالظهور، على أفق الاستعمال، بل على الأشياء لليد التي تظهر في ضوئه.

وفوق ذلك، فإن هذا الانتباه للأشياء لليد يختلف عن كيفية اهتمام العالم بموضوعات حاضرة. فعالم النباتات يجفف الزهرة حتى يتمكن دائما من مشاهدتـها من جديد، أما الإنسان اليومي فليس له أي اهتمام بمثل هذه المشاهدة. إنه يود على العكس من ذلك، أن يتم استعمال الأشياء لليـد دون مشاكل حتى لا تلفت ما أمكن نظره بشكل خاص. إننا نصبح منتبهين لما هو لليد عندما يتعثر استعماله، مثلا عندما يزعجنا. إنه فقط عندما يهتز المقعد أو يضغط الحذاء على رجلي يثير لدي انتباها خاصا. آنذاك ربما أجـد نفسي مدعوا  لأن أشاهده وأفحصه، بكيفية معبر عنها، كموضوع حاضر، وهكذا ينتهي بي الحال، إلى أحكام تصنيفية أو وصفية حول الموضوع.  إن كونه يتحول من كون- لليد إلى كون-حضور. وهذا يمكن بدوره، عندما نزاوله بكيفية نسقية، أن يصل إلى حد أن تظهر لنـا كل الأشياء بصفتها أشياء حاضرة. وعلى هذا النهج يمكن إذن أن يصبح العالم أيضا بصفته كلا،  أي بصفته جميع الموضوعات الحاضرة، محط انتباهنا. ولكن بذلك يظهر لنا هو ذاته كما لو كان موضوعا مفرطا في الكبر، أي بصفته الموضوع الذي يضم داخله كل الموضوعات.

نظرا لأن الإنسان يستطيع على هذا النحو أن يموضع العالم، فقد أمكن للفلسفة الحديثة أن تجعل من العالم موضوعا يقابل الوعي البشري. إلا أن هذه الموضعة تشترط العلاقة الأولية للإنسان بالعالم. هذه العلاقـة الأولية ليست علاقة بما في الكلمة من معنى. إذا فهمنا “العلاقة” كارتباط بموضوع، بل إنها تكمن في أننا نكون عند فهمنا للأشياء في ألفة قبل-موضوعية[vi]   مع الأفق وفي أننا بـهذا المعنى نقيم في البعد المشرق للظهور الذي هو العالم. لذلك ينعت هايدجر في “الكون والزمان” العلاقة الأصلية للإنسان بالعالم ك “كون-في-العالم”.

إن موضعة العالم في الفلسفة الحديثة هي اغتراب عن الألفة الأصلية مع البعد القبل -موضوعي للكون-في-العالم، فما هو الجذر العميق لـهذا الاغتراب ؟ لكي يكون العالم كموضوع أمرا ممكنا، يجب أن نتجاهل بأن العالم هو في الأصل ليس موضوعا، بل بعد قبل-موضوعي للظهور. لكن هذا التجاهل ليس أمرا مستعصيا علينا، وذلك نظرا لأن العالم كبعد للظهور لا يثير اهتمامنا في الحياة اليومية. إنه لا يخطر ببالنـا عادة أن نـهتم ببعد الظهور، لأننا نكون مشغولين بما فيه الكفاية بتدبير أمرنا في الوضعيات التي تواجهنا في حياتنا باستمرار.

كل وضعية تتيح لنا إمكانيات كثيرة للتصرف وتضعنا بكيفية لامناص منها أمام مهمة اختيار إمكانيات ما في ضمنها. عندما نختار إمكانيات ما ونحققها، فإن هذا لا يعني أننا سنكون منذ ذلك الحين قد تحررنا من ضرورة الاختيار بين إمكانيات، ذلك أن كل تحقيق لإمكانيات يجلب وضعيات مع إمكانيات جديدة، وهكذا فإننا لا نخلد للسكينة، لأن حياتنا هي دائما وفي كل مكان مشدودة إلى إمكانيات. إن كوننا نحن البشر ليس أبدا كونا متحققا جاهزا، بل هو باستمرار كون-ممكن.[vii] بعد أن ميزنا سابقا بين كيفيتين لكون الأشياء، الكون-لليد، والكون-الحضور، نجد أنفسنا الآن أمام كيفية للكون خاصة بوجودنا البشري.. إن كيفية الكون الخاصة بوجودنا هي الكون الممكن. يتعلق الأمر في كل تحليلات “الكون والزمان” بكيفيات للكون، ولـهذا السبب يرد أيضا مفهوم “الكون” في العنوان.

في الوضعيات وإمكانياتـها نعيش بكيفية مشخصة الكون-الممكن الذي يميز وجودنا. كل وضعية للحياة اليومية تطلعنا على سياق الاستعمال، أي الأفق الذي نفهم الأشياء انطلاقا منه. وهكذا يكون العالم بالنسبة لنا ماثلا في كل وضعية. يقدم لنا العالم في الوضعيات المختلفة إمكانيات لتصرفنا. إن الوضعيات هي منفذنا إلى العالم، ولكنها تحجبه عنا أيضا، وذلك لأنها تشدنا إلى الإمكانيات التي يكون علينا في كل مرة أن نتعامل معها. إن وجودنا يكون بسبب تعدد الوضعيات متشتتا في إمكانيات كثيرة، وبسبب هذا التشتت ينقصنا التركيز والسكينة اللازمين لكي نلاحظ أن وجودنا ليس مجرد حشد لإمكانيات منفصلة عن بعضها البعض وأن هذه الإمكانيات مترابطة داخليا فيما بينها، لأنـها ليست سوى أشكال متنوعة للكون-الممكن الواحد عموما الذي يحدث حسبه وجودنا.

لو تأتى لنا أن نستجمع أنفسنا وأن نفهم وجودنا وننجزه ككل بصفته كونا-ممكنا متكاملا، لانفتح لنا بذلك أفق كوننا-الممكن هو أيضا ككل. هذا الأفق هو العالم. صحيح أن العالم مألوف لدينا في الكون-في-العالم بكيفية قبل-موضوعية، ولكن، مع ذلك يبقى في الحياة اليومية خفيا عنا أن وجودنا منفتح لبعد الظهور “العالم”، لأننا لا نستجمع أنفسنا حول وحدة كوننا-الممكن وكليته. ولكن هل يمكننا إطلاقا أن نستجمع أنفسنا بهذا المعنى ؟ هل يمكن أن نعيش تجربة تجعلنا نرى أن وجودنا هو في كليته كون-ممكن ؟

إن ذلك ممكن بالفعل، لأن وجودنا في كليته، مهدد من قبل إمكانية العدم. فضمن الإمكانيات التي هي أمامنا، هناك دائما إمكانية قصوى أيضا : الموت ؛ وهي إمكانية قصوى،   لأنـها تهدد بأن تجعل كل الإمكانيات  الأخرى غير ممكنة، وبـهذه الكيفية تجعلنا تستشعر أن وجودنا في كليته هو كون-ممكن. إن الخطر الدائم الذي يـمثله الموت قـد يمكن أن ينبهنا  إلى أن نستجمع  أنفسنا من التشتت في الوضعيات الكثيرة لحياتنا،  إلا أننا نتهرب من أن نواجه تعرضنا للموت[viii] بسكينة وثبات، ولـهذا فإننا نسقط في الوضعيات،  أي نستسلم لـها كما يستسلم مدمـن على المخدرات أو الكحول للجرعة أو الزجاجة التالية التي يحتاج إليها فـي هذه اللحظة بالذات.

في القلق نستشعر أن وجودنا مهدد من قبل الإمكانية القصوى للموت. والقلق هو حالة وجدانية، خلالها نجد أنفسنا، بكيفية قبل-موضوعية، أمام كوننا-في-العالم ككل. إن العالم اليومي الذي نشعر فيه بالألفة يصبح دفعة واحدة موحشا بالنسبة لنا. وهكذا ينتابنا الشعور بأن الأرض تميل تحت أقدامنا وأن العالم ينفلت منا. هذه الحالة الوجدانية تطبع خفية وجودنا في كل حين، إلا أننا لا نريد في العادة أن نتركها تصعد إلى السطح. يجب علينا أن نبدي الجرأة على أن نعرض أنفسنا للرجة التي يحدثها القلق، حتى نستجمع وجودنا من السقوط.[ix]  وعندما نعزم على ذلك، نفتح أنفسنا، بكيفية معبر عنها، للعالم في كليته، دون أن نموضعه. إن العزم[x] مفهوما على هذا النحو يحررنا لأن نكون منفتحين للعالم.

لا يمكن أن ينوب عني في موتي اي أحد، فهنا أكون أنا هو أنا ذاتي، بحيثلا يمكن أن يعوضني أحد. كل ما هو غريب يسقط عني لكي يبرز ما هو خاص بي، ما هو أصيل في ولا يمكن استبداله، وحين لا أهرب مما هو خاص بي، أي بما هو أصيل في، من كوني أنا ذاتي،  يصبح وجودي “أصيلا”.[xi] مع العزم، أي مع الجرأة على القلق تتحقق “أصالتي”.  إن ما يعوق الإنسان في حياته اليومية عن أن ينفتح، بكيفية معبر عنها، للعالم كبعد قبل-موضوعي للظهور هو انعدام الأصالة، الزيف[xii] أو السقوط.

إن المفاهيم التي وجدنا أنفسنا أخيرا أمامها أثارت إلى اليوم لدى دراسي فكر هايدجر أخطر أشكال سوء الفهم. إننا نبلغ أصالة الوجود بفضل العزم، أي الاستعداد لأن نتحمل بكيفية واعية القلق إزاء موتنا، وهذا قد يحمل على الاعتقاد بأن هايدجر يدعو الإنسان إلى مواجهة عبث الموت  بـأن يعض على النواجذ  وبأن يتحمله ببطولة.   لهذا فهم “الكون والزمان” لمدة عقود كنزعة وجودية بطولية، فالإنسان الذي يركز اهتمامه بكيفية بطولية على مهمة وحيدة هي أن يتحمل تعرضه للموت، سيكون غير مبـال بالشؤون التي يحرص عليها الناس في حياتـهم اليومية. إن الحياة اليومية ترتبط بالعالم لأنـها محبوكة في وضعيات . يظهر أن هذا الارتباط بالعالم يفقد كل أهمية بالنسبة للعزم البطولي. وعليه يظهر أن العزم هو، بعكس ادعاء هايدجر، لا يفتح الوجود على العالم، بل يفصله عنه.

غير أن هذا التأويل يتجاهل ماذا يعني الموت بالنسبة للوجود الذي اختار العزم، إنه يحثه على أن يستجمع ذاته ككون-ممكن. مع هذا الاستجماع لا تفقد إمكانيات الوجود اليومي المرتبطة بوضعيات معينة أهميتها، بل، على العكس من ذلك، تكتسب دلالة مضاعفة، لأنها تفهم الآن، بكيفية معبر عنها، انطلاقا من الكل. بفضل العزم يشع على كل وضعية يومية ضوء جديد، إنه ضوء بعد الظهور: “العالم”.

إن الفهم الخاطئ “للكون والزمان” كتعبير عن وجودية بطولية أدى في الآونة الأخيرة إلى ظهور تأويل يعارض ذلك الفهم معارضة قصوى. وهكذا يدعو البعض إلى تقليص الاهتمام بنظرية العزم والوجود الأصيل، التي يزعم أنـها متناقضة، وإلى الاقتصار على تحليل الكون-في-العـالم اليومي. ويظهر أن هذا التحليل يتوفر على مزية كبرى تتجلى في أنه يصـف بالضبط علاقة الإنسان اليوم بالعالم، فقد صار العالم في القرن العشرين بمثابة سياق استعمال واحد، ولم تبق الأشياء تهم الإنسان إلا إذا كانت تؤدي وظيفة في تحقيق رفاهيته.

يظهر هايدجر، حسب هذا الاتجاه في التأويل، كمفكر يبارك فلسفيا هذه الوظيفة ؛ فهو يبين أن الفهم الوظيفي يناسب كون الأشياء على أتم وجه، ذلك أن كونها هو في الأصل ليس أكثر من كون-لليد. وعليه فإن اعتبار العالم مجرد مخزون لموضوعات قابلة للاستعمال لن يكون تعبيرا عن سوء استعمال للأشياء ولا عن تطور تاريخي سلبي،  بل هو ليس سوى نتيجة تلزم عن أن الكل يستمد معناه في الأصل انطلاقا من الاستعمال. بـهذه الرؤية لم يكن هايدجر، فضلا عن ذلك، في طريق مغاير لفلاسفة النزعة البراجماتية في الولايات المتحدة،  الذين سبق أن تبينوا، في وقت مبكر،  بأن دلالة الأشياء لا يمكن فهمها إلا براجماتيا، أي انطلاقا من الكيفية التي نستعملها بـها. وهكذا فعندما يتم تخليص هايدجر من عبء الوجودية البطولية للأصالة، ينكشف كما لو كان وظيفيا أو براجماتيا متأخرا.

إلا أن هذه الكيفية لقراءة “الكون والزمان” هي أيضا مجانبة للصواب، فهايدجر لم يزعم أبدا  أن للأشياء كيفية واحدة فقط للكون،  هي كونـه-لليد في السياق  الوظيفي للاستعمال، وأن العالم ليس شيئا آخر سوى هذا السياق الوظيفي. إن العالم والأشياء لا تبدو بـهذه الكيفية إلا بالنسبة للوجود الزائف للحياة اليومية، أما إذا بزغ بفضل العزم على الأصالة، انفتاح جديد للعالم، فإن كون العالم والأشياء سيظهر بذلك على نحو جديد تماما. وهكذا فإن نظرية الأصالة لا غنى عنها من أجل فهم سليـم “للكون والزمان”.

ترجع هذه الأخطاء في الفهم إلى أشياء منها أن هايدجر لم يقدم بعد في هذا المؤلف، على نحو إيجابي، كيفية ظهور العالم والأشياء بالنسبة للوجود الأصيل. وهو لم يتمكن من ذلك،   إلا عندما وجه اهتمامه، خلال مسار تطوره بعد ” الكون  والزمان” وفي إطار محاولة جديدة، للسؤال : كيف تحولت علاقة الإنسان بالعالم في العصور المختلفة لتاريخنا.  إن الفهم اليومي للعالم الذي يظهر فيه هذا الأخير كسياق لما هو لليد قد تضخم في وقتنا باتخاذه شكل تعامل وظيفي مع البيئة. وإذا أردنا أن نحدد بكيفية إيجابية كيف يفهم العالم بالنسبة للوجود الأصيل،  فإننا نضع بذلك على عاتقنا مهمة البحث عن مخرج تاريخي من الوظيفية.  إننا نعتبر العلاقة الوظيفية بالعالم وكأنـها زيف عصر بأكمله،  أي الزمن الذي نعيش فيه. وبذلك يصير العزم تـهييئا لزمن يتحقق فيه عصر للأصالة.

تنشأ عن ذلك ثلاثة أسئلة : أولا : أين يكمن زيف عصرنا إذا لاحظناه عن كثب؟ ماذا يعني بالنسبة للعالم والأشياء أن تصبح مجرد “مواد” للاستعمال الوظيفي ؟ ثانيا : أين يتجلى تخطي هذه العلاقة بالعالم في إطار أصالة جديدة ؟ ثالثا : إذا كان زمن مستقبل لعصر للأصالة مأمولا وممكنـا، فكيف سيظهر العالم وكيف ستظهر الأشياء إيجابيا في مثل هذا الزمن.

سأبتدئ بالسؤال الأول : على أي نحو تظهر الأشياء عندما نفهم العالم فهما وظيفيا؟   لقد سبق أن قلت إن الكون-لليد يصبح الكيفية الوحيدة لكل ما يصادفنا في العالم. وهذا يعني : إننا لا نعترف في كون الأشياء بما يمكن أن يتخلص من استعمالنا وأن يترك لها أي نوع من الاستقلال إزاء قبضتنا المدبرة الموجهة. وهذا يصدق سواء على الأشياء التـي ننتجها نحن أنفسنا أو تلك التي تنمو في الطبيعة. تنتمي إلى هذا الصنف الأخير مثلا الأشجار التي لم تبق تعتبر في التعامل الوظيفي مـع العالم إلا كموضوعات لتحقيق غاية استعمالية ما،  مثلا عندما تساهـم كغابة في راحة المتنزهين، أو عندما تهيئ لنا كنبات زينة في الحديقة متعة جمالية، أو عندما تستغل كخشب لصناعة الأثاث.

على أن جمال شجرة أو متانة قطعة أثاث من الخشب يرتبطان بأن مثل هذه الأشياء تشمل “فائضا” يجعاها “أكثر” من مجرد شيء يوجد وظيفيـا تحت تصرفنا. هذا “الفائض” هو أن الشيء، الشجرة أو الخشب مثلا، مستقر في ذاته[xiii]، هذا الاستقرار في الذات هو أمر خاص ليس في متناول التعامل الوظيفي مع الأشياء.  أكيد أن شجرة تصبح في متناولنا عندما تظهـر على مسرح العالم، أي في ضوء بعد الظهور. ولكن هذا لا يعني أنـها بظهورها تسلم لنا ذاتها على نحو تام.  ينتمي إلى ظهور الشجرة أنـها خلال هذا الظهور تنطوي على ذاتـها بكيفية غامضة. وبفضل ذلك فإنـها تستقر في ذاتـها وتمتلك استقلالا وثباتا داخليا يسحب كونها من مجال نفوذنا الوظيفي. ولهذا السبب سيعز دائما لدرجة ما على شخص مرهف الحس أن يطيح بشجرة قديمة.

كل ذلك يصدق أيضا على الأشياء التي ننتجها، إنـها في الحقيقة لا تثير ابتهاجنا إلا عندما لا يستنفذ الاستعمال كونها بشكل تام. يتجلى ذلك مثلا في الهيبة[xiv] التي تمنعنا من تقويض منزل قديم. إن هذه الهيبة إزاء قيام الشيء في ذاته تختفي عندما تصبح كل الأشياء التي نصنعها منتوجات موجهة  “للاستهلاك الفوري”. إن الفرق بين الاستعمال والاستهلاك  يتقلص دائما أكثر فأكثر في المجتمع الحالي الذي يتم فيه بسرعة التخلص من الأشياء المستعملة ورميها.[xv]  إن المحافظة الحنونة على الأشياء خلال الاستعمال تتحول إلى استهلاك محض يتلفها ويجعلها تتحول عاجلا أو آجلا إلى قمامـة.  عندما يتم التصرف في الأشياء دون مشاكل يتلاشى ما لا يمكن إمساكه فيها وما بفضله تستقر في ذاتها،  أي يضيع انطواؤها على ذاتـها الذي بفضله تنسحب من قبضتنا. هذا الانسحاب في كون الأشياء يوقظ هيبة تتلاشى في التعامل الوظيفي مع الأشياء.

يتجلى ذلك بكيفية مشخصة في أننا خلال هذا التعامل لا نتوقف عند الأشياء. هذه الظاهرة سبق أن لاحظناها في الاستعمال اليومي لليد. إننا لا ننتبه إلى الأشياء التي هي لليد ما دامت جيدة في الاستعمال، وهذا يعني أن اهتمامنا بـها يبقى عابرا ولا يدوم. إن الشيء لا يشد الانتباه إليه إلا عندما يقع خلل في استعماله. هذه العلاقة بما هو لليد تمتد اليوم لتشمل كل ما يصادفنا عموما في العالم.   الكل يظهر في ضوء وظيفة ما، ولكن هذا الظهـور لا يكمن في أن يظهر يتمتع هو ذاته وفي ذاته بكيان قار، بل في أنه يغيب في الاستعمال. إن استعمال الأشياء يعني أن لا نتيح لـها أية فرصة لكي تلفت نظرنا بصفتها أشياء قائمة ومستقلة بذاتـها يجد فيا التأمل المتروي سندا له. إن ما يلفت الانتباه خلال التعامل الوظيفي هو ما يجب إصلاحه أو تعويضه، ولكن معنى هذه الإجراءات يتمثل بالضبط في أن تجعـل الأشياء من جديد غير مثيرة للانتباه، أي أن تعيد إنتاج غيابـها خلال الاستعمال.

إن الانسحاب الذي يسم كون الأشياء يجعلها تقيم في ثباتها الداخلي وبذلك تقاوم غيابها التام في الاستعمال. هذا الانسحاب كان دائما أمرا ممتنعا عن الإدراك والظهور، ولكنه ظل مع ذلك  يمارس تأثيرا من خـلال شيء من الهيبة ينتاب الإنسان تجاه الأشياء، ولم يسقط في طي النسيان على نحو تام إلا في إطار التعامل الوظيفي مع الأشياء. إن ما يغيب في الحقيقة مع غياب كل الأشياء في الاستعمال الوظيفي الشامل  هو الانسحاب ذاته. إن امتناعه عن الظهور يتزايد ويصير خفاء كليا. في امتناعه عن الظهور، ينزع الانسحاب منذ البدء إلى أن ينسحب إلى هذا الخفاء. إن انسحاب الانسحاب بذاته يبلغ حده الأقصى في التعامل الوظيفي مع الأشياء، بحيث إن الناس فقدوا أيضا أية فكرة عن أن هناك شيئا مثل الانسحاب. ولهذا فإن من يتكلم عن الانسحاب يكون عرضة لأن يتهم بأنه يرى أشباحا.

إن الأشياء هي منفذنا إلى العالم. بسبب الخفاء الجذري للانسحاب خلال التعامل الوظيفي مع الأشياء، تفقد هذه الأخيرة ثباتها الداخلي الذي يمكن أن نتوقف عنده، وبذلك يفقد العالم أيضا ثباته الذي بفضله يمنح لوجودنا سندا. هكذا يصبح الأساس الراسخ للعالم هاوية[xvi]نشعر إزاءها بانقباض. إن الفزع من ذلك يبعث فينا القلق، إلا أنه قلق لا نستطيع أن نتبين مصدره، لأن جذره الحقيقي، الذي هو غياب الانسحاب في خفاء تام، يبقى، بسبب هذا الخفاء بالضبط، مجهولا لدينا.

هذا القلق الذي يمتنع عن التفسير ويفوق الوصف أصبحت تتناقله الألسن في قرننا، وكثيرا ما تم التعبير عنه في الإنتاجات الأدبية لعصرنا. إنه القلق على فقدان ذلك الموطن الذي يرتبط بكون الإنسان عموما، أي العـالم كبعد للظهور منتم للكون –في- العالم. إلا أننا لا نفهم عادة علامات الضيق الذي وقعنا فيه بسبب هذا الفقدان للموطن بـهذا المعنى، لأن مما يميز العلاقة الوظيفية بالعالم أنها تؤول هذه العلامات أساسا كاختلالات. وهكذا فإننا نعتبر مثلا أعراض إتلاف البيئة فقط  كأعطاب علينا إصلاحها وتجنبها في المستقبل عن طريق تحسين تنبؤاتنا. وهذا يعني أنـها تظهر لنا كاختلالات وظيفية ليست موجودة إلا لكي تتم إزالتها. وبذلك لا يتم مبدئيا الخروج من أفق الفهم الوظيفي للعالم.

إن فقدان الموطن يحدث على نحو غير ملحوظ لدرجة أن صيحات الإنذار، التي تصدر عن أناس ينتابهم هلع شديد ، تبدو أمام العموم كنـزوات هستيرية. فكيف يمكن، في ظل هذه الظروف، أن يصبح الضيق الناشئ عـن الفقدان الجديد للموطن أمرا ملحوظا أولا، ومن ثم باعثـا على البحث عن مخرج من العلاقة الوظيفية بالأشياء ؟  بـهذا نصل إلى السؤال الثاني الذي طرحته قبل قليل : أين يتمثل التخلص من زيف هذه العلاقة في إطار أصالة جديدة.

إننا نبلغ الأصالة بفضل العزم، أي الجرأة على القلق. في القلق نستشعر كيف ينفلت منا الكون ـ في ـ العالم إلى العدم. هذا الانفلات يسحب من وجودنا كل سند. إن العدم يجعلنا بـهذه الكيفية في حالة القلق لأننا لا نستطيع الإمساك به كما نمسك بموضوع. إنه مثل تيار غير مرئي في دوامة يجذب كل ما يظهر على سطح الماء نحو الهاوية. وكذلك فإن العدم  يسحب منا الأشياء،  وخلال ذلك يبقى كساحب، غير مرئي، خفيا. وهـذا ليس شيئا آخر سوى الانسحاب الذي يسحب ذاته إلى الخفـاء.  إن العدم الذي يهز كل كوننا-في-العالم ليس سوى اسم آخر للانسحاب الذي يسحب ذاته. كما أن إبداء الجرأة على القلق إزاء العدم لا يعني شيئا آخر غير الاستعداد لتقبل الانسحاب.

سبق أن رأينا أن تحمل القلق في إطار العزم يفتح وجودنا للعالم، والآن يتضح اين يتمثل إيجابيا هذا الفتح. إنه يجعلنا قادرين على أن نعير انتباهنا للأشياء بحيث نتوقف عندها. هذا الانتباه هو الهيبة إزاء استقرار الأشياء في ذاتـها، الذي يحميها من أن تختفي في الاستعمال الوظيفي. هـذه الـهيبة تصير ممكنة بفضل الاستعداد لتقبل الانسحاب، هذا الاستعداد يتطابق مع الجرأة على القلق. هكذا تتأكد الصلة بين العزم والانفتـاح للعالم، تلك الصلة التي ينكرها اتجاه تأويل “الكون والزمان” كوجودية بطولية.

ولكن ما الذي يخول لنا الحق في أن نطابق بين الانسحاب الذي يضمن للأشياء صلابة استقرارها في ذاتـها والعدم الذي يسلب من وجودنا خلال القلق كل سند ثابت؟ كيف يمكن لتيار العدم هذا الذي يجعـل العالم والأشياء تنفلت منا على نحو رهيب أن يكون، كانسحاب، هو بالضبط ما يحمي الأشياء من الاندثار في العلاقة الوظيفية بالعالم ويجعلها تظهر بصفتها مستقرة في ذاتـها؟  ألا يتعلق الأمر هنا بتناقض؟

إن هذا الوضع ليس غريبا هنا بالدرجة التي يمكن أن يبدو بـها للوهلة الأولى. لنتصور وداع زائر عزيز بالمحطة يستمر في التلويح لنا بيده من القطار المتحرك إلى أن يصير منسحبا عن نظراتنا. في هذا الانسحاب ذاته المرتبط بالوداع، في غيابه بعيدا عنا، يمكن أن يتجلى لنا هذا الشخص بكيفية أكثر وضوحا وثباتا مما كان عليه الأمر وهو يقربنا. وإنه غالبا ما يحـدث أن إنسانا لا يكتسب بالنسبة لنا في صورته الداخلية والخارجية طابعا راسخا إلا عندما يصبح ميتا، أي عندما ينسحب نـهائيا من قربنا. لقد عبر الإغـريق، خلال الزمن الكلاسيكي لأثينا، بكيفية واضحة عن هـذه العلاقة المتعارضة الاتجاه بين الانسحاب والظهور في شواهد قبـورهم التي لا تضاهى. إن العدم في الظهور، الانسحاب الذي يثير فينـا القلق ويهزنا في كل تجارب الوداع والفقدان، لا يكتفي بأن يسلبنا ما كان قريبا منـا، بل إنه يمكن أيضا أن يمنحنا شيئا ما : إنه يجعل ذلك المنسحب منا يظهر بكيفية زائدة. هذه الزيادة في الظهور هي أيضا منبع الجميل في الفن الرفيع.

بـهذا يمكن أن ننتقل إلى الإجابة عن السؤال الثالث : كيف سيظهر العالم والأشياء في زمن مقبل يحل فيه عصر للأصالة ؟ كيف ستقدم ذاتها عندما ستظهر بكيفية زائدة بفضل استعداد جديد لتقبل الانسحاب ؟ أود أن ابتدئ بظهور العالم لأنتقل بعد ذلك إلى الأشياء.

العالم هو البعد المفتوح المشرق الذي يسمح بالظهور. إذا قارنا الانفتاح المشرق لهذا البعد بالضوء، فإن العدم سيكون هو الظلمة المغلقة التي تعتم وجودنا وتجعله موحشا خلال القلق. قد يمكن أن يعتبر المرء بأن الانسحاب، تيار العدم، يجب أن يمتص ضوء العالم، كما يبتلع ثقب أسود في الكون[xvii] كل ضوء. إلا أننا نصطدم هنا بـهذا الأمر العجيب المرتبط بالوجود البشري. إنه يكمن ككون ـ في ـ العالم في بزوغ ضوء بعد الظهور : “العالم”. مع ولادة كل إنسان يحدث ذلك الأمر المثير للدهشة الذي يتمثل في أن الظلمة المنغلقة للانسحاب تفسح الطريق للبعد المفتوح المشرق الذي نسميه العالم.  يتراجع الانسحاب إلى الخلف من أجـل أن يبزغ العالم. هذا مظهر آخر لخفاء الانسحاب. إن الانسحاب يسحب ذاته، يخفي ذاته في الظلمة الخاصة به لكي يسمح بظهـور الأشياء، أي ببزوغهـا في الإشراق المفتوح للعالم.

هذه الوضعية هي قبل كل فلسفة مألوفة لدينا بكيفية تامة في نمو النباتات، وفوق ذلك في بروز كل حي في العالم، إنـها انبثاق الحي من الأرض. إن الأرض هي ذلك المنغلق الذي يفسح من مأمنه المظلم الطريق لظهور الحي ونموه ، بحيث يستطيع أن يتجه نحو الأعلى، أي إلى داخل الفضاء المفتوح لمجال الضوء الذي نسميه السماء.

في علاقة السماء والأرض نعيش بكيفية مشخصة تجربة فسح الطريق لبعد الظهور : العالم انطلاقا من الانسحاب. لا ينبغي فهم هاتين الجهتين[xviii] كموضوعين كبيرين، بل باعتبارهما البعدين الأصليين المتقابلين للظهور. إن المجال، البعد، الذي يتكون بفضل هذا التقابل ليس شيئا آخر غير العالم. إن العالم كتفاعل بين السماء والأرض يتضمن هو ذاته في ذاته العلاقة المتعارضة بين الانسحاب الذي يصون  وفسح الطريق  لبعد الانفتاح انطلاقا من الانسحاب.

في الوجود اليومي الزائف يبقى خفيا عنا أن العالم كتفاعل للسماء والأرض هو ظهور تلك العلاقة،  إن ذلك لا ينكشف لنا إلا عندما نحمل، في إطار الأصالة، تعرضنا للموت على عاتقنا ونصبح بفضل الجرأة على القلق مستعدين لتقبل الانسحاب.  إن العالم لا ينكشف كتقابل للسماء والأرض إلا بالنسبة للناس المعرضين للموت، الذين يفهمون ذاتـهم، بكيفية معبر عنها، كمعرضين للموت، والذين يكونون بذلك قادرين على أن يتوقفوا  في الاستعمال الوظيفي العادي للأشياء،  وأن يقيموا عندها مستجمعين لأنفسهم،  أي، إلا بالنسبة للناس المعرضين للموت بهذا المعنى الكامل للكلمة. ولهذا فإن ما يميز الإغريق القدامى الذين كانوا يسمون الناس بالمعرضين للموت أنهم فهموا كل شيء انطلاقا من تفاعل السماء والأرض.

بذلك يكون قد تبين بأنه لا ينتمي للتجربة الأصلية للعالم السماء والأرض فقط، بل كذلك الناس كمعرضين للموت الذين يحدث تفاعل السماء والأرض بالنسبة لـهم. عندما يأخذ المعرضون للموت تعرضهم للموت مأخذ الجد، يعلمون أن كونـهم -في-العالم هو أمر عجيـب. إن الانسحاب لا ينتمي لدائرة نفوذنا، لأنه هو الذي يسحب ذاته. لـهذا فإن المعرضين للموت يفهمون أعجوبة فسح الطريق لبعد الانفتاح العالم انطلاقا من الانسحاب كهدية، أي كهبة تلقائية [xix] ليست قابلة للحساب أو الإنتاج بواسطة شيء ما.

تتميز الـهبة الحقة بأن مانح المنحة يعطي في إنكار للذات، إنه لا يريد هو ذاته أن يظهر، بل أن يغيب، وذلك حتى يمكن أن يتقبل الممنوح الـهبة دون حرج. كلما صدرت الـهبة عن تلقائية أكبر، أي كلما كانت أقل قابلية للحساب بكيفية ما، كلما ازداد تواري المانح وراء الـهبة. إن الـهبة الأكثر تلقائية هي فسح الطريق للعالم كبعد للظهور انطلاقا من الانسحاب. لذلك يمكن، في أحسن الأحوال، فقط أن نخمن من هو مانح الـهبة.

ومن جهة أخرى فإن هذا التخمين يجب أن يسمى مانح الـهبة، ذلك أنه ينتمي للـهبة جواب مناسب عليها هو الشكر. لهذا تحدثت الثقافات المختلفة للبشرية عن الله أو الآلـهة.  ولكن كل تسميات الله سـواء أكانت “زوس” أو “يهوى” أو “الأب” أو أي شيء آخر لا تنـادي، بوصفها تخمينات خاطرة، سوى شيء زائل تاريخيا. ورغم ذلك يمكن أن نقول: تنتمي الكائنات التي ينعتها المعرضون للموت بأنـها إلـهية، وباختصار الإلـهيون، هي أيضا للعالم، لأنـها هي من يتلقى شكر المعرضين للموت، وهكذا ينتمي للعالم أربعة: الإلـهيون والمعرضون للموت، السماء والأرض. هايدجر يسمي ذلك في كتاباته المتأخرة الرباعي. إذا تأتى لنا أن نعيش تجربة أصيلة للعالم، معارضة لاتجاه التعامل الوظيفي مع الأشياء، فإنه سيظهر كرباعي.

لا يمكن الفصل بين الأشياء والعالم كما تم بيان ذلك عدة مرات، لهذا يبقى الآن السؤال مطروحا: كيف ترتبط الـهيبة إزاء الانسحاب في الأشياء مع تجربة الرباعي. إن الأشياء حتى عندما تؤخذ كأشياء لليد  من أجل الاستعمال،  فإنـها لا تكون موضوعات منعزلة، بل إنها تبدو في سياق الاستعمال وتستمد معناها وكونها من هذا السياق وحده. وبموازاة ذلك، فإن الأشياء، في تجربتها الأصيلة المرتبطة بالهيبة، إزاء الانسحاب، يجب أن تستمد معناها وكونـها من الرباعي.

يمكن بيان ذلك بكيفية مشخصة. مثال هايدجر ذاته هو الجسر. يصادفنا الجسر في الحياة اليومية كشيء لليد، وذلك يعني أننا نستعملـه دون أن نفكر خلال ذلك كثيرا، وأنه عندما تختل حركة المرور يتم إصلاحه بأسرع ما يمكن. إلا أن نظرة إلى الـهاوية التي تكمن تحت الجسر قـد يمكن أن تثير فينا رعبا شديد الأثر وأن تجعلنا نتوقف لحظة خلال حركة استعمال الجسر. في الخطر أمام الهاوية يفصح العدم، الذي يطبع تعرضنا للموت، عن ذاته.  إن الهاوية تجعل الجسر يظهر كشيء تلتقي فيه الأرض والسماء. فالجسر مشدود فوق الهاوية لأنه يستند في طرفيه إلى الأرض الصلبة، وهكذا يكون كله محمولا من قبل الأرض، وهو بدوره يحملهـا، لأن حمل الأرض يتواصل فيه. إن الأرض الحاضرة في حمل الجسر تحمينا من الهاوية. نظرا لأن الجسر يحلق فوق الـهاوية، فإنه يعلو ويرتفع إلى انفتاح السماء. إنه يثبتنا في السماء كما لو كنا راقصين على الحبل، وهكذا يجلب السماء إلى الأرض.

إلا أن ذلك لا يصدق إلا بالنسبة لأولئك المعرضين للموت الذين يتحملون أن يكون وجودهم رقصا على الحبل فوق الهاوية، أي الذين لا يهربون من كونهم عرضة للموت. في المخاطرة التي صارت بناء، والتي تتمثل في أن كل جسر هو اجتياز للهاوية، يصادف أولئك المعرضون للموت تعرضهم هم أنفسهم للموت. إنهم يفهمون حياتهم المعرضة للموت كـهبة، ولهذا وضع الناس في الماضي على الجسور أشكالا تمثل قديسين أو ملائكة يذكرون للإلـهيين – لفظ Engel: الملاك يعني Bote: الرسول-بحضورهم. ليس الجسر فقط، بل كل الأشياء الموجهة للاستعمال يمكن أن تظهر، عندما نستكين ونفهمها في الأصالة ونحن مستجمعون لأنفسنا، كمحل يتجمع فيه الرباعي. إن اللفظ الألماني القديم الذي يدل على التجمـع هو، فوق ذلك، Thing، إذن Ding: الشيء.

ولكن أليست هذه الكيفية لتجربة الأشياء مجرد حماس شعري ؟ وألا يصدق ذلك على الأمل كله في مستقبل يحل فيه عصر للأصالة ؟ كلمـا تقدم عصرنا أكثر، كلما ذكرنا عالمنا،  بشكل أقل، بالرباعي، ولن يلبث أن يظهر لنا العالم كمجرد ترسانة من “الموارد” القابلة للتدبير والتوجيه المحكمين من أجل إعداد منتوجات قابلة للاستعمال. ومع ذلك، فإن هايدجر يحمل الأمل المؤسس في انكشـاف تاريخي  لمخرج من هذه الوضعية، يتأسس هذا الأمل بالضبط على أن الانسحاب ذاته يسحب ذاته اليوم إلى خفاء كامل. فمن جهة، يبدو لغزا كيف يمكن أن نصبح مستعدين لتقبل انسحاب لا يمكن حتى أن نخمنه، لأنه هو ذاته يسحب ذاته جذريا. ولكن من جهة أخرى، إن هذا السحب للذات ليس سوى التصعيد الأقصى للانسحاب. وهنا تكمن حسب هايدجر فرصتنا: قد يمكن بالضبط أن نفهم لأول مرة في تقليدنا التاريخي بأن العالم والأشياء تعطانا انطلاقا من الانسحاب الذي يسحب ذاته. إلا أن حدوث ذلك ليس رهينا على أي حال بقدرتنا، ذلك أن ما يميز الانسحاب بالضبط هو أننا لا نتحكم فيه، لأنه يسحب ذاته. إننا تابعون للكيفية التي يفسح بـها الطريق لبعد الظهور. ولكن يمكننا من خلال التأمل الفلسفي أن نستعد لفهم أن الانسحاب، ببلوغه حدا أقصى، يجعل الإنسان من جديد مستعدا لقبول كونه معرضا للموت وبذلك منفتحا للرباعي.

يختلف هذا التأمل والاستعداد الفلسفيان اختلافا أساسيا عن التصميم المنبثق من الذات والقاضي بأن نعمل بكيفية أفضل من الآن فصاعدا على تجنب الأضرار الناجمة عن تدخلنا في البيئة، فهذا ليس سوى تصحيح ذاتي للاستغلال الوظيفي للبيئة. لقد قابلت في البداية هذا الموقف الذي يدافع عن مركزية الإنسان بالنزعة الطبيعية الإيكولوجية. إلا أن هذه النزعة ليسـت هي أيضا طريق هايدجر، ذلك أن الحث على أن نخضع تماما لدورات الطبيعة يتجاهل منزلة الإنسان في العالم. ينتمي للعالم كرباعي المعرضون للموت. فلا يوجد الرباعي إلا بالنسبة للإنسان الذي يفتح ذاته له في وجوده الأصيل. إن العالم يحتاج لظهوره إلى الإنسان. ومن يريد أن يجعل من الإنسان مجرد عجلة صغيرة في النظام الكلي الإيكولوجي للطبيعة يدني جدا في من منـزلة الإنسان. إنه لا يقوم  إلا بقلب النـزعة الوظيفية الذاتيـة على الرأس جاعلا منها نزعة وظيفية موضوعية للطبيعة. حقا يكمن في كلمـة السر “الطبيعة” تخمين يشير إلى ما وراء الوظيفية ذات الاتجاه الإيكولوجي. الطبيعة “Natur” هي الترجمة اللاتينية للفظ اليوناني “physis“، وعن الـ physis  يقول هيراقليط، أحد أوائل عظماء تاريخ الفلسفة، بأنـها تنـزع إلى أن تختفي. في إنصاته لـهذه الكلمة سمع هايدجر تخمينا مبكرا للانسحاب ؛ وعلى الـهيبة إزاء الانسحاب يتوقف كل شيء.

 

  هوامش الترجمة:

لا أظنني محتاجا إلى الحديث عن الصعوبات التي واجهتني عند ترجمة هذا النص. لقد كنت مضطرا في غالب الأحيان إلى أن أنحت بنفسي مقابلات عربية للمصطلحات والتعابير الألمانية. لاشك أن كثيرا من المصطلحات والتعابير المستعلمة في الترجمة غير قادرة على أداء المضمون الأصلي بما يكفي من الدقة، ولهذا وضعنا هوامش تحاول أن تقرب القارئ العربي ما أمكن من هذا المضمون، وآمل أن يرجع إليها القارئ خلال دراسة النص وأن يقرأها بعناية. وغير خاف عني أن الترجمة التي أقدمها تعاني من قلق في العبارة، وهو يرجع إلى أنني كنت موزعا بين مطلب تقديم مضامين النص الألماني بأمانة ومطلب احترام الإمكانيات التعبيرية للغة العربية، وقد صعب علي في كثير من الأحيان أن أوفق بين المطلبين. وأخيرا فإن بعض المصطلحات والتعابير المستعملة ثقيلة على اللسان العربي، إلا أن عذري أنني لم أجد، لحد الآن، ما هو أفضل منها لأداء المعنى.

1 ـ Umwelt : تترجم عندما ترد في سياق إيكولوجي بلفظ “البيئة”، أما في الدراسات الفينومينولوجية فتعني “العالم المحيط”. وقد فضلنا ترجمتها في النص كله بلفظ “البيئة”، إلا أنه ينبغي أن يستحضر القارئ باستمرار أن البيئة هي العالم المحيط، إذ بذلك فقط تتضح العلاقة بين مشكـل البيئة وبين سياق النص الذي يطرح مشكل العالم.

2 ـ Heimat : وطن، بلد، جزء من بلد أو محل يحس معه الإنسان بألفة لأنه ولد ونشأ فيه أو أقام فيه مدة طويلة، ويتعلق به تعلقا له غالبا طابع عاطفي. ترجمناها ترجمة تقريبية باستعمال لفظ “الموطن”.

Heimatlosigkeit : تعني عادة حالة من شرد من وطنه، من هو بدون وطن أو جنسية ؛ وفي سياق هذا النص حالة من لا موطن له. يرى هايدجر أن الإنسان الحالي يتجه، بسبب إخضاعه لكـل ما هو كائن وتحويله لكل ما هو معطى في الطبيعة إلى مجال للسيطرة العلمية ـ التقنية، إلى أن يصبح بدون موطن أصلي.

3 ـ فضلنا ترجمة Existenz / existence بلفظ “وجود”، واستعملنا لترجمة Sein / être لفظ “كون” كمصدر لفعل “كان”. ويبدو وأنه أكثر ملاءمة، لأننا يمكن أن نسمع فيـه معنيين أساسيين : فالفعل كان يدل على الحال (مثلا : “كنتم خير أمة أخرجت للناس”) وفي نفس الوقت على الوجـود (مثلا : “ما شاء الله كان”).

4 ـ là-devant / Vorhanden : نعت يستعمل عادة للدلالة على ما هو كائن، موجود، متوفر؛ ويستعمله هايدحر لوصف الكائن أو الشيء من حيث هو قائم أمامنا، حاضر ؛ وقد استعملنا في الترجمة اللفظ الأخير.

L’étant là-devant / Das Vor handene : الشيء أو الكائن القائم أمامنا، الحاضر ؛ ما هو حاضر.

L’être-là-devant / Das Vorhandensein : كيفية الكون الخاصة بما هو قائم أمامنا، بما هو حاضر. استعملنا لترجمتها : كون الشيء حاضرا، أو الكون ـ الحضور.

5 ـ  en utilisation, à utiliser / Zuhanden: نعت يستعمل لوصف ما هو لليد، في متناول اليد، من أجل الاستعمال. ويستعمله هايدجر لوصف الأشياء أو الكائنات من حيث إنـها تفهم في سياق الاستعمال، أي من حيث إنـها تؤخذ لا كموضوع للإدراك والنظر، بل كوسيلة لتحقيق أغراض عملية مرتبطة بالحياة اليومية.

L’utilisable / Das Zuhandene ما هو لليد، الكائن أو الشيء الذي هو لليد، أي المعطى في سياق للاستعمال.

L’utilisabilité / Das Zuhandensein : الكون ـ لليد، كيفية كون الأشياء المعطاة في سياق الاستعمال.

ليس التمييز بين ما هو حاضر وما هو لليد تمييزا بين صنفين من الكائنات، بل هو تمييز أنطولوجي بين كيفيتين لكون الأشياء. يعتبر الشيء حاضرا عندما نتعامل معه كموضوع قائم أمامنا، معطى لنظرتنا الحسية أو العقلية، أي كموضوع نوجه نحوه اهتمامنا ونعمل على تحديد خصائصه. أما الشيء لليد فهو الشيء كما يتم التعامل معه في إطار سياق استعمالي، أي باعتباره وسيلة لبلوغ غرض ما. عندما نتعامل مع الشيء كشيء لليد، فإن اهتمامنا لا ينصب على الشيء، إنه لا يكون حاضرا أمامنا بما في الكلمة من معنى، بل بالعكس، إنه لكي يؤدي وظيفته بكيفية مرضية يجب أن لا يثير انتباهنا، بل أن يحيلنا إلى كائن آخر في سياق الاستعمال، وهكذا. في كتاب “الكون والزمان” يعمـل هايدجر على بيان أن الأنطولوجيا التقليدية كلها تقوم على تصور يطابق بين الكون والكون ـ الحضور، أي يعتبر أن الكون الحضور هو الكيفية الوحيدة للكون، ويحاول هايدجر في نفس الكـتاب أن يكشف عن جذور هذا التصور في بنية وجود الإنسان. والأنطولوجيا التقليدية تقع بذلك في خطأ أساسي، إذ أنـها من جهة تتجاهل أن الأشياء لا تعطانا في الأصل كأشياء حاضرة، بل كأشياء لليد، ومن جهة أخرى تعمل على تطبيق هذا المفهوم للكون حتى في فهم كون العـالم (فتعتبره كلية الأشياء الحاضرة أو طبيعة ممتدة مثلا) وكون الإنسان (فتعتبره جوهرا مفكرا مثلا).

6 ـ  vorgegenstand lich : قبل ـ موضوعي. إن علاقة الإنسان بالعالم ليست، حسب هايدجر، علاقة ذات متقوقعة ومنطوية بموضوع خارج عنها وقائم أمامها تقرر بين الفينة والأخرى أن تتعامل معه. إن الإنسان، حسب هايدجر، هو دائما وبكيفية مسبقة كائن ـ في ـ العالم، أي إنـه في علاقة ألفة مع العالم، وهذه العلاقة لا تنشأ بقرار منه، بل هي محدد أساسي لوجوده ؛ علاقة الألفة هاته هي التي تسمح لنا بأن نتوجه عادة في العالم دون وقبل أن نتخذه كموضوع.

7 ـ l’être possible / Das Moglichsein  : الكون ـ الممكن، هو كيفية الكون الخاصة بالإنسان.

[1]  ـ mortel / sterblich : فان، معرض للموت.

Mortalité / sterblichkeit : فناء، تعرض للموت. فضلنا استعمال “معرض للموت: و “تعرض للموت”، وذلك لإبراز “الموت” الذي له دلالة أساسية في تحليلات هايدجر.

9 ـ dévalement / verfallen : السقوط. لا ينبغي فهمه بالمعنى الديني أو الأخلاقي. السقوط هو حسب هايدجر شكل لكون الإنسان في العالم، إنه يعني الاستسلام للوضعيات الجزئية والإمكانيات القريبة، إنه نسيان الذات والهروب إلى ضجيج الحياة اليومية والغرق في مهامها المتلاحقة التي تقود كل منها إلى الأخرى، بحيث ينشأ عن ذلك تشتت وجود الإنسان وعجـزه عن استجماع ذاته وإدراك وجوده ككون ممكن واحد.

10 ـ réso/ entschlossenhcit : العزم.

11 ـ propre / eigentlich : أصيل.

Propriété / eingentlichkcit : أصالة.

12 ـ impropre / uneigentlich : زائف.

Impropriété / uneigentlichkcit   : زيف.

لا يفهم هايدجر الأصالة والزيف بالمعنى الأخلاقي، بل بالمعنى الأنطولوجي، تتحقق الأصالة عندما ينجز الإنسان وجوده بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي بكيفية صريحة، أي عندما تنبثق مشاريعه واختياراته منه هو ذاته، مما يخصه، مما هو أصيل فيه، وعندما يفهم وجوده ككون ـ  ممكن واحد ونـهائي. أما عندما يستسلم الإنسان للوضعيات الجزئية ويتشتت وجوده فيها ويقع ضحية لما تـمليه عليه  الأشياء أو يقوم بما يقوم به “الناس”، فإنه لا ينجز وجوده بالمعنى الحقيقـي للكلمة، أي إن وجوده يكون زائفا.

13 ـ in sich : في ذاته سيرد هذا التعبير عدة مرات في النص. ولا ينبغي خلطه بالمعنى الكانطي للشيء “في ذاته”: an sich. إن كون الشيء قائما في ذاته أو مستقرا في ذاته يعني أنه قائم أو مستقر داخل ذاته، أي أن للشيء كيانا أو قواما يجعله غير قابل لأن يختزل ويذوب تماما في وظيفته الاستعمالية. وهذا لا يمنع من أنه يمكن فهم استقرار الشيء في ذاته أو قيامه في ذاته في إطار تجربة أصيلة كما سيتم بيان ذلك فيما بعد.

14 ـ die schen : حالة وجدانية تعبر عن خشية مشوبة بالاحترام أو التوقير والخجل. يبدو أن لفظ “الهيبة” هو أقرب للتعبير عن هذه الحالة.

15 ـ consommation / verbranch : الاستهلاك. استهلك الشيء بمعنى أنفذه وأفناه. لإدراك الظاهرة التي يقف عندها  الكاتب بكيفية مشخصة يكفي أن نفارق بين مناديل الجيب المصنوعة من الثوب والتي نحرص على المحافظة عليها خـلال الاستعمال وبين تلك المصنوعة من الورق والموجهة للاستعمال مرة واحدة، أي للاستهلاك. وهناك في حياتنا اليومية أمثلة عديدة تؤكـد نفس الظاهرة.

16 ـ grund : أساس.  Abgrund : هاوية.

17 ـ يرد لفظ “الكون” هنا بمعنى universum / univers

18 ـ ليست الأرض والسماء جهتين بالمعنى المكاني، بل بمعنى أنـهما البعدان المتقابلان للظهور أو الكيفيتان اللتان يحدث بـهما العالم كنزاع بين الانغلاق والانفتاح ؛ إنـهما حدثان، فالأرض تعبر عن حدوث الانغلاق والسماء عن حدوث الانفتاح.

[1][1] ـ Jrei: تعني عادة حر. فضلنا ترجمتها هنا بلفظ “تلقائي” لأنه أكثر اقترابا من المعنى المقصود. فالـهبة تلقائية، بمعنى أنه لا يمكن إنتاجها أو إحداثها حسب شروط معينة، ولا يمكن حسابـها والتنبؤ بـها، وبمعنى أنـها لا تتم لتحقيق غاية ترجى من ورائها.

 المصدر: مجلة فكر ونقد

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 

The post العالم والأشياء: قراءة لفلسفة مارتن هايدجر appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%87%d8%a7/feed/ 0 5425
الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/ https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/#respond Tue, 20 Sep 2016 16:25:23 +0000 http://maktaba-amma.com/?p=814 الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) خصص هيدجر هذا الحوار الطويل للمجلة الألمانية “دير شبيغل Der Spiegel” في شهر شتنبر 1966، قام به صحافيين لهذه المجلة رودولف […]

The post الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية)

خصص هيدجر هذا الحوار الطويل للمجلة الألمانية “دير شبيغل Der Spiegel” في شهر شتنبر 1966، قام به صحافيين لهذه المجلة رودولف أوغشتاين Rudolf Augstein و جيورج فولف Georg Wolff. لكن هيدجر أمر ألا ينشر الحوار إلا بعد وفاته. وبالفعل احترمت المجلة رغبته ونشرته أسبوعا تقريبا بعد وفاته، يوم 31 ماي 1976، في عددها الثالث والعشرين (ص 193 إلى ص 219)، وبهذا يعتبر آخر حوار منشور له. طُرح على هيدجر 87 سؤالا، خصص 47 منها لتهم ماضيه النازي، حيث دافع عن نفسه من هذه التهم بتقديم الدلائل والحجج. وبما أن هذا الموضوع لا يهمنا بالخصوص، على الرغم من أنه أسال مدادا كثيرا لمدة طويلة نسبيا، فقد ارتكز اهتمامنا على الأسئلة الأخرى، لأهميتها الفكرية والفلسفية، ولأنها تقربنا أكثر من طريقة تفكير هيدجر المتأخر.

 شبيغل: يعتبر مفهوم الديمقراطية مفهوما جامعا، يمكن جمع معاني مختلفة تحت لوائه. والسؤال هو ما إذا كان بالإمكان تغيير هذا الشكل السياسي. فقد عبرتم عن موقفكم بعد 1945 فيما يخص أهداف السياسة الغربية، تحدثتم في إطاره عن الديمقراطية وعن المنظور المسيحي للسياسة وكذا عن دولة الحق والقانون. وقد سميتم كل هذه المحاولات “أنصاف حلول Halbheiten”.

هيدجر: بداية أود أن تقولون لي في أي مكان تحدثت فيه عن الديمقراطية وباقي ما قلتموه. وبهذا أرى فيما قلتم ” أنصاف حلول Halbheiten”، لأنني لا أرى أي اهتمام لهذه السياسة بالعالم التقني، وسبب هذا في نظري هو التمثل الذي يعتقد بأن التقنية تحت سيطرة الإنسان، لكنني أعتقد بأن هذا الأمر غير ممكن. ذلك أن التقنية في جوهرها، لا تترك الإنسان يتحكم فيها.

 شبيغل: ما هي الإتجاهات السياسية التي قد تكون مواتية للوقت الحاضر؟

هيدجر: لا أرى أي اتجاه مما يوجد حاليا قد يكون هكذا. لكن السؤال المطروح حاسم. بدء، من الضروري توضيح ما تقصدونه بمواتي للوقت الحاضر، وماذا يعني هنا الوقت. أكثر من هذا التسائل هل ما إذا كانت المواتات مقياس “الحقيقة الداخلية” للسلوك الإنساني، أَوَلاَ يُعتبر المقياس هنا هو التفكير والشعر.

 شبيغل: من الواضح بأن الإنسان لم يكف أبدا عن تطوير أدواته في كل العصور. ألا يعتبر الأمر متشائما عندما نقول: لا يمكننا أبدا فهم الآلة الكبيرة للتقنية المعاصرة؟

هيدجر: لا، ليس هذا تشائما. يعتبر التشائم والتفائل في ميدان محاولة التأمل الحالي، مواقف لا توصل بعيدا. وبالخصوص كون التقنية الحالية ليست “أداة” ولم تعد لها أية علاقة بالأدوات/الآلات.

 شبيغل: لماذا قد تتحكم فينا التقنية بقوة؟

هيدجر: لا أقول بأنها ستتحكم فينا. أقول بأننا لم نجد بعد طريقا يطابق جوهر التقنية.

 شبيغل: قد يعارضكم المرء بطريقة ساذجة: ماذا على المرء التحكم فيه هنا؟ إن كل شيئ يشتغل. يبني المرء بكثرة معامل الكهرباء. يُنتج المرء بوفرة. يُعتنى بالناس الذين يعيشون في الجزء الأكثر تقنية للعالم بطريقة جيدة. نعيش في الرفاهية. ماذا ينقصنا هنا في الحقيقة؟

هيدجر: كل شيئ يشتغل. والعجيب في الأمر أن كل شيئ يشتغل وبأن الإشتغال يدفع أكثر وأكثر للمزيد من الإشتغال وبأن التقنية تُقلع الإنسان أكثر فأكثر من جذوره الأرضية. لا أعرف ما إذا كنتم خائفون، فأنا خائف على كل حال، عندما رأيت صورا من القمر إلى الأرض. لم نعد في حاجة لقنبلة نووية، ذلك أن قلع جذور الإنسان قد حلت. لم تعد هناك إلا علاقات تقنية محضة. لم تعد الأرض التي يعيش عليها الإنسان أرضا. ناقشت في الآونة الأخيرة مع روني شار René Char في البروفانس Provence، فهو كما تعلمون شاعر ومقاوم. يبني المرء في البروفانس حاليا قواعد للصواريخ وتتصحر المنطقة بطريقة لا يمكن تصورها. فقد قال لي هذا الشاعر، والذي لا يعتبر بالكاد عاطفيا ورومانسيا، بأن قلع جذور الإنسان الذي يحدث أمام عينيه هنالك هو النهاية، إذا لم يصل التفكير والشعر إلى السلطة بطرق سلمية.

 شبيغل: لابد أن نقول بأننا الآن هنا ولن نضطر للذهاب إلى مكان آخر في وقتنا الحاضر: لكن من يقول لنا بأن الإنسان هو الذي يقرر أن يبقى على هذه الأرض؟ قد نتصور بأن الإنسان لا يمكنه أن يقرر. لكن قد يكون من الممكن وصول الإنسان انطلاقا من الأرض إلى كواكب أخرى. بالتأكيد لن يكون هذا ممكنا في المستقبل القريب، لكن أهناك مكان مكتوب عليه بأن مكان هذا الإنسان هو على هذه الأرض إلى الأبد؟

هيدجر: أعرف انطلاقا من تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، بما أنني موجه على كل حال، بأن كل ما هو موجود وعظيم ظهر فقط لأنه كان للإنسان موطنا Heimat ومتجذرا في إرث ما. يعتبر أدب اليوم مثلا هداما إلى حدود بعيدة.

 شبيغل: تضايقنا هنا كلمة الهدم، وبالخصوص لأنكم أعطيتم لكلمة النيهيليزم في فلسفتكم معنى شامل. ولهذا السبب فإننا تفاجئنا لسماع كلمة العدم في علاقته بالأدب، الذي ترون بأنه جزء من هذا العدم.

هيدجر: ما قوله هو أن الأدب الذي قصدته ليس عدميا بالمعنى الذي أعطيته للكلمة.

 شبيغل: من الواضح أنكم ترون، وقد عبرتم عن هذا بوضوح، حركة عالمية قد تقود الدولة التقنية أو أنها تقودها بالفعل منذ مدة؟

هيدجر: نعم.

 شبيغل: جيد. من طبيعة الحال يطرح سؤال ما إذا كان بإمكان الإنسان الفرد التأثير في نسيج هذه الحتميات وما إذا كانت الفلسفة قادرة على ذلك، أو هما معا، بقيادة الفلسفة للأفراد أو لمجموعة من الأفراد للقيام بعمليات معينة؟

هيدجر: إذا كا بالإمكان أن أجيب باقتضاب، ولربما بعمق، بعد تأمل طويل، فإنني أقول بأنه لا يمكن للفلسفة التأثير المباشر في تَغَيرَات حالة العالم الحالي. ولا ينطبق هذا على الفلسفة وحدها، بل يشمل كل ما له معان وسعي إنسانيين. إن إلاه ما هو الذي باستطاعته إنقاذنا. ليس لنا إلا إمكانية التفكير والشعر لتهييئ ظهور الله أو اختفائه في سقوطنا: ذلك أننا سنهلك في غياب الله.

 شبيغل: هل هناك علاقة بين تفكيركم ومجيئ هذا الإله؟ هل هناك في نظركم أية علاقة سببية بينهما؟ أتعتقدون بأنه بالإمكان حث الله في التفكير؟

هيدجر: لا يمكننا هذا، ما قد نستطيعه على الأكثر هو إيقاظ الإستعداد للإنتظار.

 شبيغل: أيمكننا أن نساعد؟

هيدجر: إن إستعداد الإستعداد هو أول مساعدة. لا يمكن للعالم أن يوجد كما هو بواسطة الإنسان ولا يمكن أن يوجد بدونه. ولهذا الأمر في اعتقادي علاقة بحاجة الإنسان إلى ما سميته بـ “الكينونة”، وهي كلمة ورثناها منذ زمن طويل ولها معان كثيرة، ويعرف هذا الإنسان حاليا التباسا ما، لكي يتمظهر له العالم ويحافظ عليه ويشكله. أرى جوهر التقنية فيما سميته “الرف Ge-Stell”، وهو تعبير غالبا ما سخر المر منه ولربما يكون أخرقا. تعني ممارسة “الرف” بأن الإنسان مُرصَد، مُضنَى ومُتحدَّى من طرف قوة، تتمظهر في جوهر التقنية، وهي قوة لا يسيطر الإنسان عليها. ويعني هذا بأن الفكر لا يطالب بأكثر من هذا. لقد وصلت الفلسفة إلى نهايتها.

 شبيغل: اعتقد المرء في الأزمنة السابقة دائما، والآن كذلك، بأن للفلسفة تأثير كبير بطريقة غير مباشرة، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا إلا قليلا، وساعدت في ظهور اتجاهات جديدة. عندما يستحضر المرء أسماء فلاسفة كبار ككنط وهيجل ونيتشه، دون ذكر ماركس، فإننا نلاحظ بأن تأثير الفلسفة كان عظيما، حتى وإن لم يكن ذلك مباشرا. أتعتقدون بأن تأثير الفلسفة قد انتهى الآن؟ وعندما تقولون بأن الفلسفة القديمة قد ماتت، إنها لم تعد توجد، فهل يعني هذا بأن تأثير الفلسفة، إذا كان يوجد، لم يعد له وجود اليوم؟

 هيدجر: إن تأثيرالفلسفة عن طريق تفكير مغاير ممكن، لكنه لن يكون مباشرا، تماما كما غير التفكير السببي العالم.

 شبيغل: المعذرة، لا نريد التفلسف، لسنا أهلا بذلك، لكن نلمس هنا نقطة تماس بين الفلسفة والسياسة، لذا اسمحوا لنا أن نجركم في مثل هذا الحوار إلى هذا الميدان. قلتم بأن الفلسفة والأفراد لا يمكنهم عمل شيئ آخر، باستثناء …

هيدجر: … إن هذا هو تهييئ الإستعداد للبقاء منفتحين على وصول أو غياب الله. وتجربة هذا الغياب ليست لاشيئ، لكنها تحرر الإنسان مما سميته في “الكينونة والزمن” السقوط في الوجود. ومن أجل التهيئ لهذا الإستعداد، من اللازم تأمل ما يوجد اليوم.

 شبيغل: من أجل تحقيق هذا، من اللازم أن تكون هناك بالفعل دفعة خارجية من الله أو من أي شيئ آخر. يعني أن الفكر لم يعد اليوم يستطيع التأثير انطلاقا من ذاته واعتمادا عليها. وقد كان هذا في اعتقادنا موجودا في القديم، طبقا لاعتقاد المعاصرين.

هيدجر: بالفعل، لكن ليس بطريقة مباشرة.

 شبيغل: ذكرنا فيما سبق كنط وهيجل وماركس كأكبر المحركين. لكن هناك دفعات أتت من لايبنتز فيما يخص تطور الفيزياء الحديثة، وبالتالي تطور العالم المعاصر بصفة عامة. لكن قلتم فيما سبق بأنكم لا تعتقدون في مثل هذه الدفعات في الوقت الحاضر.

هيدجر: في المعنى الفلسفي لا. فقد تكلفت العلوم اليوم بدور الفلسفة. لنشرح بما فيه الكفاية “تأثير” الفكر، من اللازم أن نشرح باستمرار ما يعنيه التأثير والإشتغال. فعندما نشرح بما فيه الكفاية المبدأ في الأساس، نحتاج إلى تمييز عميق بين المناسبة، الدفع، التشجيع، المساعدة، الإعاقة، الإستخدام. تذوب الفلسفة في تخصصات علمية مختلفة: السيكولوجيا، المنطق والعلوم السياسية.

 شبيغل: ومن أخذ مكان الفلسفة الآن؟

هيدجر: السيبرنتيقا.

 شبيغل: أو المتقي الذي يكون مهيئا للإنفتاح؟

هيدجر: ليست هذه فلسفة.

 شبيغل: وماذا تكون؟

هيدجر: أسمي هذا التفكير الآخر.

 شبيغل: أتسمونه تفكيرا آخر؟ هل لكم الشرح أكثر؟

هيدجر: أتعنون الجملة التي أنهيت بها محاضرتي: “إشكالية التقنية”، حيث قلت: “إن التساؤل هو تقوى التفكير”؟

 شبيغل: لقد وجدنا في محاضراتكم حول نيتشه جملة أضائتنا. تقولون: “بما أن أعلى ربط ممكن يوجد في التفكير الفلسفي، فإن كبار المفكرين يفكرون في نفس الشيئ. لكن هذا الشيئ جوهري وغني، بحيث لا يمكن لمفكر بمفرده استنفاذه، بل كل واحد يربط الآخر بقوة”. وهذا البناء الفلسفي بالضبط هو الذي يظهر لكم بأنه وصل نهايته.

هيدجر: بالفعل، لقد انتهى، لكنه ليس لاشيئا بالنسبة لنا. على العكس من ذلك، فإنه يصبح مُحَيَّنا من جديد في النقاش. فقد كان عملي كله في محاضراتي وتماريني في الثلاثين سنة الماضية، بالأساس تأويلا للفلسفة الغربية. إن الرجوع إلى تاريخ أسس التفكير، والتفكير في الإشكاليات التي لم يفكر فيها المرء منذ الإغريق، لا يعني التحرر من الإرث الفكري. لكن أقول: إن طريقة تفكير الميتافيزيقا التي ورثنا، والتي وصلت إلى نهايتها مع نيتشه، لا تقدم أية إمكانية للتفكير في خصائص العصر التقني الذي بدأ.

 شبيغل: تحدثتم في مقابلة مع راهب بودي قبل سنتين تقريبا عن “طريقة تفكير جديدة كليا”، وقلتم بأن هذه الطريقة الجديدة في التفكير: “لا ينفذ لها إلا قلة قليلة من الناس”. أكنتم تودون التعبير عن كون قلة قليلة من الناس هي التي بإمكانها امتلاك المنظور، الذي يعتبر في نظركم ممكنا وضروريا؟

هيدجر: “الإمتلاك” في معناه الأصلي القديم، بحيث يمكنهم إلى حد ما التعبير عنه.

 شبيغل: نعم، لكن الإنتقال للتحقيق، بقي كذلك في مقابلتهم مع هذا البوذي، غير واضح.

هيدجر: لا يمكنني أن أوضح. لا أعرف كيف يمكن لهذا التفكير “التأثير”. قد يكون من الممكن أن يقود طريق تفكير ما حاليا إلى الصمت، للمحافظة على هذا التفكير لكي لا يُجْلَد في سنة. قد يحتاج هذا الفكر لثلاثة مأة سنة لكي “يُؤثر”.

 شبيغل: نفهم جيدا. لكن بما أننا لن نعيش ثلاثة مأة سنة، لكننا نعيش الآن وهنا، فلا يُسمح لنا بالصمت. نحن كسياسيون وأنصاف سياسيين ومواطنين وصحافيين إلخ مضطرون لاتخاذ قرارات. لابد أن نجد حلا لمحاولة تغيير النظام السياسي حيث نعيش ونحاول اقتحام الباب الضيق المؤدي إلى إصلاح ممكن، ولما لا المؤدي إلى ثورة. ننتظر مساعدة الفلاسفة، حتى وإن كانت من طبيعة الحال مساعدة غير مباشرة. لكن نسمع هنا: لا أستطيع مساعدتكم.

هيدجر: ولا أستطيع ذلك.

 شبيغل: قد يحبط هذا الغير الفليلسوف.

هيدجر: لا أستطيع هذا، لأن الإشكاليات صعبة كثيرا، ولأن مهمة المفكر ليست هي الدخول في نقاش عمومي، وإلقاء خطب وتوزيع ممتنعات أخلاقية. قد أخاطر بالجملة الآتية: يطابق سر السلطة العليا العالمية لجوهر التقنية الغير المفكر فيه الظرفية/الوقتية والضامرة للفكر، الذي يحاول التفكير في الغير المفكر فيه هذا.

 شبيغل: ألا تنتمون لأولائك الذين إذا ما استُمع لهم يوجهون لطريق ما؟

هيدجر: لا، لا أعرف أي طريق لتغيير مباشر للوضع العالمي الحالي، حتى وإن افترض المرء بأن مثل هذا الأمر ممكن إنسانيا. لكن يظهر لي بأن محاولة التفكير قد تُمكن من إيقاظ الإستعداد الذي سبقت الإشارة إليه وتوضيحه وتثبيته.

 شبيغل: جواب واضح، لكن أيسمح للمفكر أن يقول: انتظروا فقط، في ثلاثة مأة سنة سيخطر ببالنا شيئ قد نعمله لتغيير العالم؟

هيدجر: لا يتعلق الأمر بالإنتظار فقط، إلى أن يهتدي المرء إلى شيئ ما في ثلاثة مأة سنة، بل يتعلق الأمر بالتفكير في الوقت اللاحق دون اللجوء إلى متطلبات نبوية في الخصائص الأساسية للعصر الحالي. إن التفكير ليس هو التراخي، لكن الفعل الحاصل في التناقض مع مهارات العالم. يظهر لي بأن التمييز بين النظرية والتطبيق، الناتج عن الميتافيزيقا وتصور نقل بين الإثنين يقضي على تصور ما أفهمه أنا شخصيا تفكيرا. قد أحيل هنا إلى محاضراتي المعنونة بـ: “ماذا يعني التفكير”، المنشورة عام 1954. وقد يكون هذا مؤشرا على وقتنا الحاضر، لأن هذا الكتاب هو أقل كتاب لي قرأ.

 شبيغل: لنعد إلى بداية حديثنا. ألا يمكن اعتبار النازية من جهة كتحقيق “للقاء الكوني” وفي نفس الوقت كأخطر وآخر وأقوى، وفي نفس الوقت أضعف، لقاء “للتقنية التي تحدد الكون” والإنسان المعاصر؟ يظهر بأنكم تحملون في شخصيتكم تناقضا، بحيث أنه لا يمكن شرح الكثير من إنتاجاتكم إلا بفهم سبب التصاقكم الشديد بأشياء مختلفة في أجزاء مختلفة لوجودكم، والتي لا تتعلق بالجوهر الفلسفي، خاصة وأنكم تعرفون كفيلسوف بأن هذه الأشياء ليس لها أي موضوع فلسفي كمفهوم “الموطن/الوطن Heimat” مثلا أو مفهوم “التجذر Verwurzelung” وما شابهها. كيف يمكن للتقنية الكونية والموطن التطابق؟

هيدجر: لن أقول هذا. يظهر لي بأنكم تأخذون التقنية بطريقة مطلقة إذن. لا أرى وضع الإنسان في عالم التقنية الكونية كوضع كارثي معقد لا مفر منه، بل أرى بأن مسؤولية الفكر تكمن في ضرورة مساعدته في حدوده، ليصل الإنسان إلى علاقة كافية بجوهر التقنية. ذهبت النازية في الواقع في هذا الإتجاه، لكن كان هؤلاء الناس جاهلين كثيرا في التفكير، للوصول إلى علاقة واضحة بما يقع اليوم وما هو على الطريق منذ ثلاثة قرون.

 شبيغل: هل للأمريكيين هذه العلاقة الواضحة؟

هيدجر: لا، ليست لهم هذه العلاقة كذلك، إنهم لايزالون واقعين في مصيدة تفكير براغماتي يعملون ويتلاعبون بما هو تقني، وحتى وإن كان هذا الفكر يقدم Vorschub، فإنه في نفس الوقت يقطع الطريق لتأمل خاصية التقنية الحديثة. لكن تنشط في أمريكا محاولات من هنا وهناك للتحرر من التفكير البراغماتي-الوضعي. ومن منا يستطيع الحسم في افتراض استيقاظ “فكر” أصيل وقديم في يوم من الأيام في روسيا أو الصين، قد يساعد البشر بتمكينهم من ربط علاقة حرة بالعالم التقني.

 شبيغل: حتى وإن لم يكن للكل مثل هذه العلاقة ولا يكون باستطاعة الفيلسوف تقديمها لهم …

هيدجر: لا أدري إلى أين سأصل بمحاولات تفكيري وقرار قبوله في المستقبل وتحويله بطريقة مثمرة ليسا بيدي. حاولت عام 1957 في محاضرة حفل ذكرى جامعة فرايبورغ تحت عنوان: “مبدأ/قانون الهوية” أن أوضح بخطوات فكرية قليلة إلى أي حد تستطيع طريقة تفكير تتأسس عليها خاصية التقنية الحديثة، الإنفتاح على إمكانية استجلاب إنسان العصر العالمي التقني لطموح/مطلب، لا يكتفي فيه بالإستماع، لكن حيث يكون ملكا لذاته. لتفكيري علاقة وطيدة بشعر هولدرلين Hölderlin. لا أعتبر هولدرلين كأي شاعر آخر، يَدْرُسُ مؤرخوا الأدب مؤلفاته كما يدرسون مؤلفات آخرين. إن هولدرلين بالنسبة لي هو الشاعر الذي يوجه إلى المستقبل، الذي ينتظر الله، والذي لا يحق أن يبقى موضوع دراسة في ميدان التصورات الأدبية التاريخية وحسب.

 شبيغل: فيما يخص هولدرلين، نستسمحكم في القراءة من جديد: قلتم في محاضراتكم حول “نيتشه”، بأن: “السجال المغاير المعروف الديونيسوسي والأبولوني، للشغف المقدس والعرض الرصين هو أسلوب قانوني مضمر لتحديد التاريخ الألماني، ومن اللازم أن نكون في يوم من الأيام مستعدون ومهيؤون لتشكيله. ولا يعتبر هذا التناقض معادلة ، يمكننا بمساعدتها وصف “الثقافة” فقط. فقد حط هولدرلين ونيتشه بهذا التناقض مسؤولية الألمان محط تسائل للعثور على جوهرها تاريخيا. أسنفهم هذه العلامة؟ هناك شيئ أكيد: سيثأر التاريخ منا، إذا لم نفهمها”. لا نعرف في أية سنة كتبتم هذا. نعتقد بأنكم كتبتموه عام 1935.

 هيدجر: أغلب الضن أن هذا الإستشهاد ينتمي لمحاضرة نيتشه: “إرادة القوة كفن” لعام 1936/37. وقد يكون قد قيل في السنوات اللاحقة على هذا التاريخ.

 شبيغل: نعم. هل بودكم شرح هذا أكثر؟ يقودنا هذا بالفعل من طريق عام إلى تحديد دقيق للألمان.

 هيدجر: قد يمكنني التعبير على ما جاء في الإشهاد كالتالي: إن اقتناعي هو أن تهييئ الرجوع لا يكون ممكنا إلا من نفس المكان الذي قام فيه العالم التقني الحديث، ولا يمكن أن يحدث هذا بتولي التزين البودي أو أي تصور شرقي آخر للعالم. يحتاج المرء لإعادة التفكير لمساعدة الإرث الأوروبي واستعادته من جديد. لا يمكن للتفكير أن يتحول إلا بالتفكير، الذي يكون له نفس الأصل ونفس التحديد.

 شبيغل: تعتقدون بأنه في المكان حيث قام العالم التقني …

هيدجر: … الإلغاء في المعنى الهيغيلي، ليس القضاء عليه، بل إلغائه، لكن ليس من طرف الإنسان وحده.

 شبيغل: تُنيطون بالألمانيين مسؤولية خاصة إذن؟

هيدجر: نعم. وفي هذا المعنى في حوار مع هولدرلين.

 شبيغل: أتعتقدون بأن للألمان كفاءة خاصة لهذا الإنعطاف؟

هيدجر: أفكر في القرابة الداخلية الخاصة للغة الألمانية باللغة اليونانية. ويؤكد لي هذا الأمر الفرنسيون دائما اليوم. عندما يبدؤون في التفكير، فإنهم يتحدثون الألمانية، يؤكدون بأنهم لا ينجحون في ذلك بلغتهم.

 شبيغل: أتقولون بهذا بأن لكم الدول الرومانية، على الأقل عند الفرنسيين، تأثيرا قويا؟

هيدجر: لأنهم يرون بأنهم لا يتقدمون بكل عقلانيتهم الكبيرة في عالم اليوم، عندما يتعلق الأمر بفهم هذا الأخير في أصله الجوهري. وبما أن المرء لا يستطيع ترجمة الأشعار، فإنه لا يستطيع ترجمة الفكر كذلك. ما هو ممكن هو إعادة كتابته. يتغير كل شيئ عندما يترجم المرء حرفيا.

 شبيغل: فكرة مستاءة.

هيدجر: قد يكون جيدا إذا أخذ المرء هذا الإستياء محل الجد ويتفكر نتائج التغيرات التي عرفها التفكير اليوناني عن طريق الترجمة إلى الرومانية-اللاتينية، وهو حدث يمنعنا إلى اليوم من التفكير الكافي في الكلمات الأساسية للفكر اليوناني.

 شبيغل: السيد الأستاذ. لابد أن ننطلق دائما من  التفائل الكامن في إمكانية إبلاغ شيئ ما، وكذا ترجمته، فإذا توقف تفائل إمكانية إبلاغ مضامين الفكر على الرغم من الحدود اللغوية، فإن الإقليمية ستُهدِّد.

هيدجر: أتنعتون الفكر اليوناني بالمقارنة مع طريقة تمثل في العالم الروماني بـ “إقليمي”؟ يمكن ترجمة الرسائل التجارية في كل لغات العالم. يمكن ترجمة العلوم، يعني بالنسبة لنا اليوم العلوم الطبيعية بما في ذلك الرياضيات الفيزيائية كعلم أساسي، إلى جميع لغات العالم. بكلمة دقيقة: لا يترجم المرء، بل يتحدث نفس اللغة الرياضية. ونلمس هنا حقلا شاسعا وصعبا.

 شبيغل: قد ينتمي الآتي إلى نفس الموضوع: نعيش اليوم، دون مبالغة، أزمة النظام الديمقراطي النيابي. نعيش هذا منذ وقت طويل. نعيشه بالخصوص في ألمانيا، وليس فيها فقط. توجد كذلك في الدول الكلاسيكية للديقراطية في أنجلترا وأمريكا. ولم تعد تعتبر في فرنسا أزمة حتى. والسؤال الآن هو: ألا يمكن أن تأتي من المفكرين، حتى وإن كان الأمر في شكل منتوج ثانوي، مؤشرات إما لتغيير هذا النظام بنظام جديد وكيف يجب أن يكون هذا الأخير؛ وإما أن هذا النظام قابل للإصلاح، وكيف يجب أن يكون هذا الأخير. وإلا ستبقى الأمور كما هي عليه، بحيث أن الإنسان الغير المتعلم فلسفيا -في العادة هو ذاك الذي يتقلد زمام الأمور (على الرغم من أنه لا يقررها هو بنفسه)- يصل إلى قرارات خاطئة، بل إلى تحالفات مروعة. إذن، أليس من الضروري على الفيلسوف أن يكون مستعدا للتفكير في الطريقة التي يجب بها على الحاكمين قيادة المحكومين في هذا العالم التقني، الذي يتجاوز سلطتهم؟ ألا ينتظر المرء بحق من الفيلسوف مؤشرات على تصوره لإمكانية الحياة، أَوَلاَ يُضيع الفيلسوف جزء، ولو كان صغيرا، من وظيفته ورسالته إذا لم يقل شيئا في هذا الموضوع.

هيدجر: أرى بأن المفكر الواحد لا يستطيع فهم العالم في كليته، بطريقة يكون بالإمكان فيها إعطاء تعليمات تطبيقية وبالخصوص بالنظر إلى مهمة إيجاد قاعدة للتفكير ذاته من جديد. إن التفكير، عندما يأخذ نفسه محل الجد وبالنظر إلى التراث الضخم، قد يُحمل ما لا طاقة له به، عندما يُطلب منه إعطاء تعليمات. بأية سلطة يمكنه ذلك؟ لا يوجد في ميدان التفكير أية تأكيدات سلطوية. إن المقياس/الشرط الوحيد للتفكير يأتي من الشيئ المُفكر فيه ذاته. ويعتبر هذا الأخير بالنسبة للآخرين مشبوه فيه/ملتَبَس. ولشرح هذا الوضع، يكون من اللازم شرح العلاقة بين الفلسفة والعلوم، التي تعتبر نجاحاتها التقنية العملية تفكيرا لا حاجة إليه في المعنى الفلسفي لليوم. إن أصعب وضع، وضع الفكر نفسه فيه بالنظر إلى رسالته تطابق استلاب العلوم اتجاه الفكر في وضعها القوي، وهو فكر أخفق في الإجابة العملية على إشكاليات تصور العالم.

 شبيغل: السيد الأستاذ. لا توجد في ميدان الفكر إدلاءات. إذن لا يفاجئ المرء بأنه من الصعب على الفن الحديث الإدلاء بشهادات سلطوية. وعلى الرغم من ذلك تسمون هذا الفن بالفن “الهدام”. يفهم الفن الحديث نفسه كفن تجريبي. وتعتبر أعماله محاولات …

هيدجر: أترك نفسي أتعلم.

 شبيغل: … محاولات من وضع عزلة الإنسان والفنانة، ومن بين مأة محاولة يُصيب المرة مرة مرة الهدف.

هيدجر: هذه هي إذن أكبر إشكالية: أي موقع للفن؟ أي مكان يحتله؟

 شبيغل: حسنا، لكنكم تطالبون من الفن بما لم تعودوا تطالبون به الفكر.

هيدجر: لا أطالب الفن بأي شيئ. أقول فقط بأن الإشكالية تكمن في موقع الفن.

 شبيغل: أإذا لم يكن الفن يعرف موقعه، هل يمكن اعتباره بهذا هداما؟

هيدجر: جيد، شطبوا على هذا الأمر. لكن أريد التأكيد بأنني لا أرى الطريق الذي يقود له الفن الحديث، على الأقل يبقى غامضا أين يرى الفن خصوصيته أو على الأقل أين يبحث عنها.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

The post الحوار الأخير مع الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (مترجم للعربية) appeared first on المكتبة العامة.

]]>
https://maktaba-amma.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%a7/feed/ 0 814