صدمة الاغتصاب.. لماذا لا تصرخ الأنثى أو تدافع عن نفسها؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

عندما تثق بك ريما -وليكن هذا اسمها- تحكي لك عن أزمة تعرضت لها وعجزت عن تجاوزها وإخراجها من عقلها، ألا وهي تعرضها للاغتصاب بصغرها من أحد المقربين.

بفترة معينة، شكا لي صديق عن كون تصرفات ريما صارت غريبة، أخبرته أن لريما الحق في التصرف كما تريد سواء بدا لنا ذلك غريبا أو عاديا. فقال وكأنه يبادر بإطلاعي على سر : “أنت لا تعرف يا حمودة مشكلة ريما؟”. أجبته : “بلى أعرف”. سألني محاولا إخفاء دهشته : “هل أخبرتك بتعرضها..”، وعندما أدرك أنني على علم بالتفاصيل، أبدى انزعاجا وسخطا من ريما.

ضايقه كون ريما (ربما) تخبر الجميع بمشكلتها، لكن ما يُضايق فعلا هو هذا التصور النمطي الذي كشفه، ولا يتعلق الأمر برؤيته الشخصية، إنما بعكسه لثقافة -ثقافتنا- السطحية، فقد قال لي : “هل تخبر الجميع بقصتها على أساس أن لا عذرية لها! ما يعني لا حرج في ممارسة الجنس؟!”.

صديقي ذكاءه يأتي خلف الدجاجة، اللوم لا يقع على هذا الأهبل بقدر ما يقع على الثقافة الشعبية التي يرددها. والكارثة عندما تجدها مدعومة دراميا وإعلاميا، ذلك التصور عن كون المُعرّضة للاغتصاب، تنزلق لإطار المتمرسة جنسيا والباحثة عن تكرار حتميتها القدرية!

لم تكن ريما تبحث سوى عن ملجأ، عندما تثق في شخص من الجنس الآخر، فكأنها -بإفصاحها- تتحرى منه على أنها لن تتعرض للاعتداء، وبنفس الوقت تتقبل أن الرجل يمكن أن يكون صديقا وحبيبا -والأكثر من ذلك متعاطفا ومتقبلا لها- وليس فقط معتديا!

من جهة أخرى وكأنها تحاول التخلص من ذنب بجلب هذا الذنب للمساءلة (أو حتى افتراضا لجلب الاهتمام).. هذا ما يأخذنا لعلاقة الأنثى المعرضة للاعتداء بالإحساس بالذنب.

يأتي الذنب من جانبين أساسيين : الجانب الأول، هو المعطى النمطي الذي يتهم الأنثى بنسبة مشاركتها في الاعتداء، بأقل تقدير تسهيله (لو كانت ملابسها محترمة.. لو لم تكشف للمعتدي تساهلها إلخ.. لما حدث ما حدث).

الجانب الثاني، هو عدم دفاعها عن نفسها! وهذا يؤلم ويؤرق المعتدى عليها هي نفسها عندما تطرح السؤال على نفسها : لماذا لم أقم بشيء يحول دون الواقعة؟!

لفهم هذه النقطة، يجب فهم أن الكائن على وجه الكوكب -وهي بديهة علمية وسلوكية- محكوم عند التعرض للخطر بعملية “أهرب أو أهجم”. يهرب إذا كان الخطر كبيرا، ويهجم إذا كان من الممكن القضاء على مصدر الخطر، لكن هناك حالة من الخطر التي لا ينفع فيها لا هروب ولا الهجوم، فماذا يفعل الكائن؟ يتجمد! يتصلب في مكانه ولا يبدي أي حركة بما في ذلك أي صوت!

صدمة الجمود الغريزية في الكائنات الحية، هي التي تجعل المعتدى عليها مدهوشة عند الاعتداء/الخطر. ليس فقط لأن أي حركة دفاعية أو صراخ قد يجلب عليها الضرب أو الخنق، بل إنها تجد نفسها في صدمة تسؤلات : هل أنا فعلا أتعرض لل.. ماذا يحدث.. كحالة انفصال عن جسدها أو كحلم/كابوس غير قابل للتصديق!

هذه بالتأكيد ليست حالة محكومة على المعنية، فهي مثل صدمة الغرق، تسبح بهدوء فجأة ينتفض البحر وتشعر بتيار الأمواج يتحكم بك! غريزيا يبدأ الشخص بتأثير الصدمة في المقاومة للخروج (وهو الخطأ الكارثي المسبب للغرق). المعرفة بالحالة هنا هي ما يخلصنا، في حالة البحر تكون وجوب الاسترخاء (البحر لا يفكر حتى يأخذك، استرخاءك سيمهد خروجك ولا يبدد جهدك)؛ في حالة الاعتداء تكون إدراكا بعدم الوقوع تحت الصدمة، وردع الجاني، وهو ما يمثل صدمة معكوسة على الجاني عندما لا يجد ضحية!

شلل الاغتصاب ومحاولة الركض في الماء، فعلين طبيعيين وليس عمليين مع الخطر. وكما يقول التقليد الإسباني : بالعقل يسقط أضخم ثور (إشارة لمصارع الثيران واعتماده المعرفة وليس الغريزة في موقف الخطر).

بالنسبة لجانب مساهمة المعنية في جلب الاعتداء عليها، من منطلق معين ومحدود يبدو أن الوضع يتضمن نسبة من الحقيقة، لكنه ليس كذلك. فبناء على دراسات تأتي بنمط تحليل السرقة، ترى بعض التحليلات الإجرامية، أن الضحية الغافلة أو المستهترة تكون مساهمة في عملية السرقة -خصوصا بالأوساط الغير معززة أمنيا- عندما تترك الباب مفتوحا.. أو نافذة السيارة.. أو ترك الهاتف بعيدا عن المتناول في مكان عام إلخ، بمعنى تعريض حاجياتك للسرقة.

لكن المشكلة، أن هذا تحليل صحيح وواقعي لكن في البيئة الخاطئة! جوهر العيب ليس في استهتار الضحية بل في البيئة التي تنجب اللصوص! نفس الأمر بالنسبة لموضوعنا هنا، ليس العيب في لباس الأنثى أو تصرفاتها، جوهر العيب في انتهاك حدود جسدها : يجب استئصال (عقلية) الانتهاك والتطاول على حرمة المرأة، وليس ترويضها. نحن نقوم بالعكس في مقاربة المسألة، نلقي باللوم على النباتات والتربة هي السامة.

هناك من يعيشون معنا على هذا الكوكب ويبررون الاغتصاب كرد طبيعي على من لا تخضع لمنظومة أخلاق معينة، “جلبت الأمر على نفسها” كمن يصاب بالزكام لأنه نسي ارتداء معطفه! وهي حالة من خلقنة الاغتصاب (جعله تصرفا أخلاقيا ومدعوما اجتماعيا أو حتى مستحبا)، وهذه ليست تصورات بقدر ما هي فيروسات دماغية.
منذ قضية ستوبنفيل بولاية أوهايو الأمريكية (شهر غشت الماضي)، تم تجاوز الرؤى النمطية في مقاربة الاعتداء الجنسي. فالقضية تمحورت حول إقدام رجل على تبادل إطلاق النار مع قاض عند خروجه من المحكمة، عند التحقيق مع الرجل (ذو سوابق جنائية)، انكشف أنه والد لشاب أحدث ضجة قبل 5 سنوات بنشره فيديو بتويتر، مثّل دليلا لاتهامه بالاعتداء الجنسي على طالبة ثانوية.

هذه القضية سلطت الضوء على كون الاغتصاب، لا يجب النظر له كحدث معزول، إنما كجزء من التاريخ المعرفي والثقافي والسياسي للشخص. بتعبير أوضح الاغتصاب رؤية وممارسة تأتي عن قناعة يتبناها الشخص -بمساهمة التلقين والتربية والنماذج الاجتماعية- وليس مجرد تصرف متهور أو نزوة!

هناك أيضا التساهل القانوني وتعامي الأعراف، حيث الاغتصاب تحت ستار الزواج غير معترف به، والاتهام ينقلب على الضحية إذا كانت تربطها قرابة أو علاقة ودية/عاطفية بالمعتدي (على أساس أنه كان يعلق لافتة بأنه مغتصِب!).

وددت لو أختم بالتعبير المنسوب لفرويد “ما من رجل حللته إلا وهو يفكر في الاغتصاب”؛ لكن قد يكون فيه ظلم للرجل -بمعناه الواسع- وظلم أيضا لريما التي لم تفقد إيمانها بجوانب أخرى في الرجل.

غير أنه حتى الجنتلمان قد يكون مجرد ذئب صبور، كما تقول الممثلة الأمريكية لانا تيرنر، ومع ذلك لطالما تمنت لانا تيرنر أن تجد الرجل الذي تلد منه 7 أبناء! فانتهى بها الأمر بالزواج من 7 رجال.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك