صعود الشعبوية: لماذا الغرب في أزمة ؟
Public library ,
أبحاث ودراسات ,
16 January, 2017,
صعود الشعبوية: لم الغرب في أزمة – فريد زكريا / ترجمة: إبراهيم محسن
قد يتفق محبو ومنتقدو “ترامب” على شيء واحد وهو أنه مختلف، يصفه “نيوتغنغريتش” –وهو من أبرزداعميه الجمهوريين الأساسيين– بأنه: “حالة فريدة واستثنائية.” , وبالطبع فإن “ترامب” متميز بنجوميتهومرونته مع الحقائق ، ولكن في المقابل ،لايسري هذا التميز هذا إلى جوانب أخرى من شخصية ترمب ، فهو جزء من صعود“شعبوي” يجتاح العالم الغربي، يُلاحظ هذا الصعود بعدة بلدان رغم اختلافأوضاعها،من سويسرا الثرية إلى اليونان المثقلة بالأزمات. عامة، تبقى الشعبوية حركة معارضة،رغم أنهااليوم تزداد قوة، ففي بلاد كهنغاريا تُعد هي الأيدولوجيا المهيمنة. لقداستطاعت الشعبوية الحصول علىاهتمام العامة في كل مكان تقريبا.
ما هي الشعبوية؟ يتباين تعريف الشعبوية أشياء لدى بين المجموعات البشرية ، وقد يكون الجامع المشترك بين هذه التعريفات أن الشعبوية – في كل المجتمعاتالبشرية – تتشارك بالشك والعداء للنخب،والسياسة السائدة والمؤسسات القائمة. ترىالشعبوية أنها تتكلم باسم الناس “العامة ” المنسيين متخيلة نفسهاأنها صوت الوطنيةالحقيقية. على سبيل المثال ؛ يقول “ترامب” بعدد أبريل 2016 من مجلة “ذاوولستريت “: ” يكمن الترياق الوحيد لإنهاء عقود من الحكم المدمر لمجموعة قليلة من النخب يتحقق فيضخ دم جديد من الرغبةالشعبية. ففي كل موضوع مهم يؤثر على هذه الدولة، الشعب على صواب والنخبالحاكمة على خطأ.” .. يذكرنا هذا بكلام “نوبرتهوفر“، الذي اختار شعار “النمسا أولاً“ لحملتةالإنتخابة اليمينية في عام 2016، قال لمنافسه مرشح الخضر آليكسندر بيلين –الذيكان بروفيسورا سابقا -: ” تملك المجتمع النخبة ؛ وأنا معي الشعب“.1
جاءت الشعبوية تاريخيا بأشكال يمينية ويسارية، وكلا الشكلين ينشطان اليوم، من “بيرني ساندرز” لـ“ترامب” ومن “سيرزا” –الحزباليساري الحاكم في اليونان– لحزب الجبهة الوطنية في فرنسا. إنالشعبوية اليسارية اليوم ليست بالمختلفة ولا المحيرة. لقد كان فيالدول الغربية قوى يسارية متعصبة تنتقدسياسات الأحزاب اليسارية السائدة كون الأخيرة تميل للأسواق وتستوعب الشركات الكبيرة،وفي أعقابالحرب الباردة تحركت الأحزاب اليسارية الوسطية بشكل أكبر باتجاه الوسط – مثال ذلك بيل كلينتون فيالولايات المتحدةوتوني بلير في بريطانيا– وبهذا أصبح هناك فجوة يمكن ملؤها بالشعبويين. لقد بقيت هذهالفجوة فارغة حتى الأزمة المالية في العام2007-2008. لقد كان الكساد العالمي سبباً في خسارة ملاكالبيوت في أمريكا تريليونات من الثروة وأدت إلى ارتفاع معدلات البطالةفي دول كاليونان وإسبانيا لأعلىمن 20 % وثبات هذه النسبة إلى الأن، تلى هذا عودة اليسار الشعبوي ليست مستغربةعلىخلفية أكبرأزمة اقتصادية منذ “الكساد الكبير“.
إن الأجندة اليسارية الجديدة لا تختلف كثيرا عن تلك القديمة، ولو كان هناك اختلاف فهو أن أحزاب اليسارالشعبوية اليوم أقرب إلىالوسط عما كانت عليه قبل30 عاما في عدد من الدول الأوروبية. فعلى سبيلالمثال: حزب “سيرزا” في اليونان ليس اشتراكيا كما كانعليه الحزب الإشتراكي الرئيس في اليونان“باسوك” في الـ 1970 و1980، حيث وُضعت بعض الإصلاحات السوقية المغايرة للأحزاب اليسارية الآقدم .
يسري هذا على حزب “بديموس” النسخة الإسبانية من “سيرزا” الذي فاز بالسلطة – بعد أن حصل فقطعلى 20% من الأصوات فيأحدث انتخابات البلاد– ، ومن المحتمل أن يجد الحزب وضعية مشابه ل“سيرزا“.
بالمقابل، تمر الأحزاب اليمينية الشعبوية بمرحلة تقدم جديدة في دولة تلو الأخرى في أرجاء أوروبا. حزبالجبهة الوطنية الفرنسي مؤهلللفوز بالجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، وفي النمسا اقترب “حزبالحرية” جداً من الفوز في الانتخابات الرئاسية هذا العام، الأمر الذيما زال ممكناً بعد ما ألغيت الانتخاباتوأجلت لشهر ديسمبر 1. لم تستسلم كل الدول لهذا التقدم، فإسبانيا، بتاريخها القريب الذي عانتفيه مندكتاتورية اليمين، أظهرت شهية ضعيفة لمثل هذه الأحزاب. بالمقابل تمتلك ألمانيا اليوم، الدولة التي يلاحقهاتاريخ من التطرفأكثر من أي دولة أخرى، حزبا شعبويا يمينيا يزداد قوة ويسمى “الخيار لألمانيا“.وبالتأكيد لاتعدم ألمانيا “ترامبها “.
يرى بعض الأمريكيين أن “ترامب” ظاهرة فردية لا يمثل أجندة طويلة الأمد، إلا أن الأدلة المتراكمةتشيء بغير ذلك. استخدم العالمالسياسي “جاستن جيست” البرنامج الانتخابي للحزب البريطاني الوطنياليميني، وسأل الأمريكيين البيض عما إذا كانوا سيدعمون حزباسيقوم بإيقاف الهجرة الجماعية، توفيرالوظائف الأمريكية للأمريكيين، المحافظة على التراث المسيحي لأمريكا وإيقاف التهديدالإسلامي“، أجاب65% بأنهم سيدعمون مثل هذه التوجهات، الأمر الذي جعل جيست يستنتج أن “الترامبية” ستستمر بعد“ترامب“.
لماذا الغرب، ولماذا الآن؟
حتى نفهم البحث مصدر الشعبوية الجديدة، يجب على الشخص أن يتبع نصيحة “شارلوك هولمز2” في أنينتبه للكلب الذي لا يعوي،فالشعبوية غير موجودة بشكل كبير في آسيا، حتى في الاقتصاديات المتطورةكاليابان وكوريا الجنوبية، وهي أيضا تتقهقر في أمريكااللاتينية، حيث قادت الشعبوية اليسارية، في كل منالأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا، دولها للسقوط خلال العقد الماضي. في ورقة بحثيةمهمة من كلية كيندي للحكمفي جامعة هارفرد، توصل “رونالد انغليهرت” و “بيبا نورس” إلى أنه ومنذ عام 1960، استطاعتالأحزابالشعبوية اليمينية مضاعفة حصتها في الأصوات، فيما تضاعفت حصة الأحزاب الشعبوية اليساريةإلى خمس مرات في الدولالأوروبية. وفي العقد الثاني من هذا القرن، ارتفع معدل حصة اليمين الشعبويمن المقاعد إلى 13.7% بالمقابل ارتفعت حصة اليسارالشعبوي إلى 11.55 %.
إن أكثر النتائج الصادمة لهذه الورقة هو ضعف دور الاقتصاد كمحرك للسياسة. ما زالت الطريقة التي يفكرفيها بالسياسة اليوم تتشكلمن خلال التقسيم الأولي للقرن العشرين اليميني–اليساري، فاليسار يرتبط دائماًبزيادة الإنفاق الحكومي، دولة الرفاهية وقيود أكبر علىالشركات. بالمقابل تريد أحزاب اليمين حدّ الحكومة،شبكات أمان أقل وسياسات السوق الحر. لقد كان نمط التصويت السائد يدعم هذاالتقسيم الأيديولوجي،فكانت الطبقة العاملة تفضل اليسار فيما تفضل الطبقة المتوسطة والعليا اليمين، كان مستوى الدخلالمؤشرالأفضل للخيارات السياسية للناس. أشار “انغليهرت“و “نورس” على أن هذا النمط يشهد تراجعاً من عدةعقود. فقد كتبا: ” معالعام 1980، تراجع التصويت الطبقي إلى أدنى مستوياته في بريطانيا وفرنسا والسويدوغرب ألمانيا … في الولايات المتحدة، قدوصل إلى مستويات دنية مع حلول 1990 تاركاً لا مجال لنزولأكبر.” تعد الحالة الاقتصادية للأمريكي مؤشر ضعيف عن ميولهالتصويتية، فتوجهاته في القضاياالاجتماعية –على سبيل المثال الزواج من ذات الجنس– مؤشر أدق على إن كان سيدعم الجمهوريينأوالديمقراطيين. لقد حلل “انغليهرت” و “نورس” أيضاً البرامج الانتخابية للأحزاب وتوصلا إلى أنه ومنذ عام1980 أصبحت الجوانبالاقتصادية أقل أهمية، فيما ازدادت أهمية القضايا الغير اقتصادية كتلك المتعلقةبالجنس والعرق والبيئة.
ما الذي قد يفسر هذا التغيير ولماذا يحدث بشكل حصري في الدول الغربية؟ إن أمريكا الشمالية وأوروبا فيهاالكثير من الدول التيتختلف في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكنهم جميعاً يشتركون فيتحدي واحد وهو الركود الاقتصادي. ومع اختلافالسياسات التي اتخذتها هذه الدول، تشهد جميع الدولالغربية هبوطاً في النمو منذ السبعينات. لقد كانت هنالك بعض الانتعاش إلا أنهذا التحول المدني حقيقيحتى في الولايات المتحدة. ما الذي قد يسبب مثل هذا الانحدار؟ في كتابه الجديد: ازدهار وسقوط الأمم،يقول“ريشر شارما” أن الأنماط العامة لمثل هذا الركود يفسرها سبب عام، يحدد الكاتب سبب واحد يتفوق علىكل الأسباب الأخرى:الديموغرافيا. تعاني الدول الغربية من الولايات المتحدة لبولندا، ومن السويد لليونان،تعاني من تدني معدلات الخصوبة، تختلف الحدةولكن في كل مكان هنالك أسر أصغر، أيدي عاملة أقلومعدلات التقاعد ترتفع كل عام، إن لهذا تأثير أساسي وسلبي على النموالاقتصادي.
إن هذا النمو البطيء مقترن أيضاً بالتحديات المرتبطة بالاقتصاد العالمي الجديد، لقد أصبحت العولمة اليومنافذة وقوية، وإن أسواقالغرب (بشكل عام) هي الأكثر انفتاحا للعالم. أصبح من السهل تصنيع السلع فيالاقتصادات ذات الدخول المتدنية وتصديرها للدولالصناعية المتقدمة. ومع أن زيادة التجارة العالمية لهادور إيجابي على الاقتصاديات ككل، إلا أنها تؤدي لبلاء بعض القطاعات ولأعدادضخمة من البطالة أوتدني التوظيف في العمالة التي لا تملك المهارات أو تملك القليل منها.
إن النمط الآخر الموجود في العالم الغربي هو الثورة المعلوماتية، إن هذا ليس مكان للتناظر فيما أن كانتالتكنولوجيا الحديثة تزيد منالإنتاجية، يكفي القول إنها تزيد من آثار العولمة، وفي حالات عدة تتجاوز ماتفعله التجارة في إلغاء بعض المهن. خذ على سبيل المثالالتكنولوجيا الجديدة والباهرة التي تصنعها شركاتكأوبر وجوجل التي تجعل من السيارات بلا سائق أمراً ممكناً، مهما كانت الآثار الإيجابيةلمثل هذا الاتجاهالسائد، فليس من الممكن أن يكون إيجابيا لثلاثة ملايين سائق شاحنات أمريكي (إن المهنة الأكثر امتهانا منقبل الذكورالأمريكيين هي قيادة السيارات والحافلات والشاحنات، حسب “ديريك ثومسون” من صحيفة“الأتلانتيك“).
إن التحدي الأخير هو التحدي المالي. فجميع الدول الغربية تقريبا تواجه أعباء مالية ضخمة، إن صافي نسبةالدين للناتج الإجماليالمحلي في عام 2015 للاتحاد الأوربي 67%، أما في الولايات المتحدة فهي 81%.لا تؤدي هذه الأرقام للتعطيل لكنها تفرض محدداتعلى قدرة الحكومات على العمل. إن الديون يجب أنتسد ولكن مع ازدياد المصاريف على كبار السن من خلال رواتب التقاعد والقطاعالصحي، تزداد أعباءالديون. وإن كان الطريق الأكثر أماناً لنمو أكبر هو الاستثمار – الإنفاق على البنية التحتية والتعليموالعلوموالتكنولوجيا– فهذا الطريق أصعب مع وجود نمو كبير في الأعباء المالية لشعوب مسنة.
هذه العقبات – الديموغرافية والعولمة والتكنولوجيا والميزانية– تعني أن هنالك خيارات محدودة لصناعالقرار. إن الحلول المعقولة لهذهلمشاكل الاقتصاديات المتقدمة تكون من خلال مجموعة متتالية من الجهودالموجهة التي ستستطيع بالنهاية تطوير تلك الاقتصاديات:استثمار أكثر، إعادة تأهيل الأيدي العاملة،وإصلاحات في النظام الصحي. لكن هذه التدرجية تصيب المصوتين بخيبة أمل حيث أنهميحتاجون لحلولسريعة وقائد جريء يستطيع تحقيق هذه المطالب. في الولايات المتحدة وفي غيرها هنالك ازدياد في دعممثل هؤلاءالقادة، الذين يستطيعون الاستغناء عن ضوابط وموازين الديموقراطية الليبرالية.
من الاقتصاد إلى الثقافة
سببت المؤثرات الموجودة على العمل في الاقتصاد العالمي جزئيا بتقارب السياسات الاقتصادية حول العالمفي العقود الأخيرة، فيالستينات، كان هناك فرق شاسع ما بين اليسار واليمين، فكان اليسار يعمل لتأميم كافةالصناعات، أما اليمين فكان يسعى لإخراجالحكومة من الاقتصاد. فحينما جاء “فرانسوا ميتيران” في بداياتالثمانينات في فرنسا، وضع العديد من السياسات التي كان قابلة لأنتحدد بأنها اشتراكية، بالمقابل فقد أراد“رونالد ريغان” و “مارغريت تاتشر” أن يقللوا من الضرائب وأن يخصصوا الصناعاتوالخدماتالحكومية وأن يحرروا القطاع الخاص بشكل جذري.
أفقدت نهاية الحرب البارد مصداقية الاشتراكية بكافة أشكالها، مما جعل الأحزاب اليسارية تتحرك في كلمكان باتجاه الوسط، وكانالأكثر نجاحاً في ذلك “كلينتون” في الولايات المتحدة و “بلير” في المملكةالمتحدة. ومع أن سياسيي اليمين ما زالوا يسعون لتحريرالاقتصاد، إلا أنه شيء نظري بشكل كبير. فيالسلطة، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، تكيف المحافظون مع الاقتصادالمختلط، كما فعلالليبراليون في الأسواق. لقد كانت الفروق ما بين “بلير” و “كاميرون” موجودة إلا أنه وبالنظر للتاريخ تعدهامشية. فيالأثناء، تتضمن خطط “ترامب” الاقتصادية زيادة الإنفاق على البنية التحتية، زيادات جمركيةومستحقات جديدة للأمهات العاملات، لقداستخدم “ترامب” الكلام الخطابي الاعتيادي عن تخفيضالضرائب والضوابط، ولكن ما وعد به –دع عنك ما سيستطيع فعله– كان أقلاختلافا عن خطط “هيلاريكلينتون” عما قد يتوقعه الشخص. بالحقيقة فقد تباهى بأن برنامجه للبنية التحتية هو ضعف برنامج“هيلاري“.
ساهم هذا التقارب في السياسات الاقتصادية في خلق وضع يكون الاختلاف الحقيقي اليوم بين اليسار واليميناختلاف ثقافي، بالرغممما يسمعه الشخص أحيانا، فإن معظم التحليلات للمصوتين الذين صوتوا لـ“بريكست“، “ترامب” أو المرشحين الشعبويين عبر أوروباوجدت أن العوامل الاقتصادية (وازدياد عدمالمساواة وتأثيرات التجارة) ليست هي المحركات الأساسية لدعم مرشح ما، ولكنها القيمالثقافية. بدأ هذاالتغيير، كما لاحظ “انغليهرت” و“نورس“، في السبعينات حينما بدأ الشباب في تبني سياسات ما بعد الماديةوالتي كانتتدور حول حرية التعبير وقضايا الجندر والعرق والبيئة. لقد تحدوا السلطات واستطاعوا تأسيسمؤسسات وأعراف، لقد كانوا ناجحينفي تقديم أفكار جديدة وإعادة صياغة السياسة والمجتمع، ولكنهم أيضاًخلقوا ردة فعل، فالجيل القديم، خصوصاً الرجال، قد تأثروا بماقد رأوه تعدي على مبادئ وحضارةترعرعوا وكبروا عليها. قد كان هؤلاء الناس يصوتون لأحزاب ومرشحين ظنوا أنهم يستطيعون صدقوىالتغيير الثقافي والاجتماعي.
أدى هذا في أوروبا لنشوء أحزاب جديد، فيما أدى في الولايات المتحدة لأن يصوت الجمهوريون على أساسالقضايا الثقافية لاالاقتصادية، لقد استمر الحزب الجمهوري بصعوبة كاندماج ما بين المحافظينالاقتصاديين والثقافيين والصقور في السياسة الخارجية،ولكن بعد ذلك تحرك الديموقراطيين تحت إدارةكلينتون أكثر إلى الوسط بإضافة عدد من الخبراء والطبقة العاملة إلى الحزب. بالمقابل،إن الطبقة العاملةمن البيض وجدت نفسها غريبة بين الديموقراطيين المتنوعين، وأحسوا براحة أكبر للجمهوريين الذينوعدوهم أنيعبروا عن رأيهم في مواضيع: السلاح والدين والمثلية. في الفترة الرئاسية الأولى لأوباما،ظهرت حركة يمينية جديدة تسمى “حزبالشاي” والتي يبدو بأنها ردة فعل لمحاولات الإنقاذ الحكوميةلنتائج الأزمة الاقتصادية ولكن استنتجت “ثيدا سكوكبول” و “فينساويليمسون” في دراسة شاملة، قابلتا فيهامئات التابعين لهذه الحركة، بأن دوافعهم لم تكن اقتصادية بل ثقافية، إن العداء لأوباما قدأظهر أن العرقأيضا لعب دوراً في ردة الفعل الثقافية تلك.
بقي تركيز المؤسسة المحافظة في واشنطن على الاقتصاد لأعوام تلت ذلك، خصوصاً أن السبب هو أن أكبرالداعمين الماليين لهايميلون لليبرالية. ولكن خلف الكواليس كان هنالك فجوة ما بينها وبين قاعدة الحزب،ونجاح “ترامب” جاء ليظهر هذه الفجوة. عبقرية“ترامب” السياسية كانت بإدراكه أن العديد من المصوتينالجمهوريين لم تحركهم خطابات الحزب الاعتيادية عن التجارة الحرة وتقليلالضرائب وتحرير الأسواق أوإصلاح الرواتب، بل سيستجيبون بشكل جيد لخطاب مختلف قائم على مخاوفهم الثقافية والعاطفة الوطنية.
الأمة في مقابل الهجرة
لعله ومن غير المفاجىء أن أول المواضيع التي استغلها “ترامب” وأهمها كان موضوع الهجرة، إن شعوبيياليمين منقسمين على عدةمواضيع اجتماعية كحقوق المثليين، ويعلمون أن التيار ضدهم، قليل منالمحافظين يدعون لإعادة تجريم المثلية ولكن فيما يتعلقبموضوع الهجرة فالشعبويين متحدين فيما بينهمضد معارضيهم النخبويين.
هنالك حقيقة خلف ذلك الخطاب وهي أننا نعيش فعلاً في زمن الهجرة الجماعية. لقد تغير العالم على إثرعولمة البضائع والخدماتوالمعلومات وكل ذلك قد كان له حصته من الألم والمعارضة، إلا أننا نشهد اليومعولمة للبشر وردة الفعل العامة على هذا أقوىوأعمق وأكثر عاطفية. لقد تفهمت الشعوب الغربية تدفقالبضائع والأفكار والفنون والأطعمة الأجنبية، ولكن رغبتهم في قبول وتفهمتدفق الأجانب أقل بكثيرويُلاحظ اليوم العديد من هؤلاء.
في معظم التاريخ البشري، عاشت وعملت وتنقلت الناس في مسافة لا تتجاوز عدة أميال عن مكان ولادتهم،بينما في العقود الأخيرة،عاشت المجتمعات الغربية حالة من التدفق الكبير لأناس من أماكن مختلفة وثقافاتغريبة. في عام 2015، كان هنالك حوالي 250مليون مهاجر عالمي و65 مليون نازحين قصراً في العالم،كان لأوروبا الحصة الأكبر في ذلك بـ 76 مليون مهاجر علما بأنها القارة الأكثرتخوفاً من ذلك أيضا. هذاالتخوف هو مؤشر أفضل على اتجاه المصوتين قضايا مثل عدم المساواة والنمو البطيء. وكمثالمضادهنالك اليابان وهي دولة تعاني منذ 25 عام من النمو البطيء وتشيخ حتى أسرع من غيرها، لكنها لا تملكالكثير من المهاجرينوكنتيجة جزئي جعلتها لا تصاب بحمى الشعبوية.
إن مستويات التخوف المجتمعي ليست مربوطة ربطاً مباشر بأعداد المهاجرين في بل أو حتى كثافةالمهاجرين في مناطق معينة، حيثأن استطلاعات الرأي تظهر نتائج مفاجئة. ففي فرنسا نسبيا هناك اهتمامأقل بالرابط ما بين الإرهاب والمهاجرين مقارنةً مع الأوربيينالآخرين، وفي ألمانيا تراجعت نسب وجهةالنظر السلبية عن المسلمين خلال العقد الماضي. لكن يبدو بالفعل أن هناك علاقة ما بينالتخوف الشعبيومستوى الهجرة، الأمر الذي يُظهر أن العامل الرئيسي في هذا الخليط هو السياسة: حيث شهدت الدول التيفشلتفيها السياسة السائدة في أن تهتم وتكترث لطلبات المواطنين صعودا للشعبوية بحافز من السياسيينالذين ينشرون الخوف ويبطنونالتحام. بينما الدول التي أدارت الهجرة وعملية الدمج بشكل جيد مع وجودقيادة متفاعلة، واثقة وعملية لم تشهد صعودا في التعصبالشعبوي. كندا شكلت قدوة في هذا المجال، مععدد كبير من المهاجرين وعدد جيد من اللاجئين مع ذلك قليل من الاعتراض.
في الكثير من الأحيان، شوه الشعبويون أو حتى ابتدعوا ابتداع الحقائق من أجل تأكيد قضيتهم. ففي الولاياتالمتحدة على سبيلالمثال، صافي الهجرة من المكسيك في صفرا منذ عدة سنوات، وبذلك فإن مشكلة الهجرةالغير شرعية في تناقص لا تزايد. وبالمثل،استخدم دعاة “بريكست” الكثير من الإحصائيات الغير صحيحةوالتضليلية حتى يخيفوا العامة. ولكن من الخطأ أيضا إنكار على أنهاببساطة كذبة الدهمائيون (مقابل أنهامجرد استغلت من قبلهم). فأعداد المهاجرين الذين يدخلون أوروبا مرتفعة تاريخيا، وفي الولاياتالمتحدة،ارتفع عدد الأمريكيين الذين ولدوا في الخارج من أقل من 5% في عام 1970 إلى 14% الآن، وما زالتمشكلة الهجرة الغيرشرعية في الولايات المتحدة حقيقية مع أنها أخذت تتقلص في الفترة الأخيرة. تعطلتفي عدة الدول الأنظمة الموضوعة لإدارة الهجرةوإدماجهم، ومع ذلك رفضت الحكومات إصلاحها بالغالبأما بسبب المصالح الاقتصادية التي ستستفيد من وجود عمالة رخيصة أولخوف المسؤولين من أن يظهرواغير مهتمين أو كارهين للأجانب.
الهجرة هي الجبهة الأخيرة للعولمة، وهي الأكثر تدخلاً وإزعاجاً، لأنه وبسببها لا يتعامل الناس فقط معأشياء وأمور تجريدية بل يأتونوجها لوجه مع بشر آخرين يبدون ويُسمعون ويحس بأنهم مختلفين، ويولدهذا الأمر الخوف والعنصرية والكره للأجانب، ولكن ليستجميع ردود الفعل ضارة. يجب معرفة أن وتيرةالتغيير قد تمشي بسرعة أكبر من أن يستطيع المجتمع هضمها. إن الأفكار التمزيقيةوالتدمير الخلاق يحتفىبهما بشكل كبير حتى أصبح من السهل نسيان أنهما يبدوان بشكل مختلف للناس التي جري تمزيقمجتمعاتها.
على الشعوب الغربية أن تركز بشكل مباشر على مخاطر التغيير الثقافي السريع، الأمر الذي قد يحتاج وضعحدود لمعدلات الهجرةوتحديد للناس الذين سيسمح لهم بالدخول. ويجب أن تشمل جهودا وموارد أكبرمسخرة لدمجهم واستيعابهم، بالإضافة لشبكات حمايةأفضل. معظم الدول الغربية بحاجة لبرامج إعادة تأهيلأقوى للعمال النازحين بحجم قانون الشأن الحكومي “GI bill”: متاح بسهولة للكلوتشارك فيه الحكومةوالقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية. ويجب أن تسخر أيضا جهود أكبر لإجلاء حقائق الهجرة حتىيتعامل العامةمع حقائق لا مخاوف. ولكن بالنهاية لا غنى عن القيادة مستنيرة، التي بدل من أن تنقاد خلفغرائز الناس السيئة، تجذب أفضل ما فيهم.
بالنهاية سنتعدى هذه الجبهة كذلك، إن أكثر الانقسامات أهمية في موضوع اللاجئين هي جيلية، فالشباب همالأقل تخوفاً من الأجانبفي أي مجموعة من المجتمع، فهم يفهمون أن عبر العيش في بلد متنوع وديناميكيإثراء لهم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. حيث يجبالعيش في عالم منفتح ومترابط أمر مفروغ منه بالنسبةلهم، فهو المستقبل الذي يسعون له. إن التحدي الذي يواجه الغرب هو أنيتأكدوا بأن الطريق لهذا المستقبللا تملؤه العقبات التي قد تؤدي إلى كوارث.
هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة
Tags: الغرب, المكتبة العامة, ترامب, شعبوية