كيف أقام عمر بن الخطاب مبدأ “من أين لك هذا”؟

كيف أقام عمر بن الخطاب مبدأ “من أين لك هذا”؟ – بقلم: سامح عبد الله

وَقَفَ الخَلِيفَةُ يَخْطُبُ فِي النَّاسِ فَوَقَفَ أَحَدَهُمْ يَقُولُ لَهُ لِأَسْمَعَ لَكَ وَلَا طَاعَةً حَتَّى تُخْبِرُنَا مِنْ أَيْنَ أُتِيَتْ الثِّيَابُ الزَّائِدُ الَّتِي غَطَّتْ سَاقَكَ !

(مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا)

السَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ..

مضطر عند سرد ثمة رواية تتحدث عن عمر بن الخطاب أن أشير إلي أنني لا أكتب سيرة عمر ولا أعيد سرد رواية عن عمر ولست أعني كثيراً بمصدر الرواية ودرجة إسنادها وكل ما أفعله هو أن أتأكد أنها تتفق وسياسية الفاروق عمر دون أن أجهد نفسي وإياكم بسندها تاركاً للعقل والمنطق القيام بهذه المهمة.

تقول الرواية أن كمية من الأقمشة أتي إلي المدينة لتوزيعها بالتساوي علي الناس وكان أمير المؤمنين عمر هو المكلف بتلك المهمة بطبيعة الأمور..
وحدث أن عمر كان يخطب في الناس ربما كان يوم جمعة أو غيرها وأثناء خطابه هذا وقف رجل من الذين يستمعون وقال له..
” لأسمع لك ولا طاعة حتي تخبرنا من أين أتيت بالثباب التى غطت ساقك ”
تخيل معي المشهد..
أمير المؤمنين.. هذا الرجل القوي الذي كان الناس يخشونه حتي في حياة الرسول ومن بعده خليفته أبو بكر يخاطبه رجل من الرعية هكذا وبهذه القوة..!!
الأمر بطبيعته محيراً.
فهناك حقيقة مؤكدة تقول أن عمر طوال حياته ومنذ الجاهلية وقبل إسلامه كان قوي الشخصية يهابه الجميع حتي أن عدداً كبيراً من الصحابة كانوا قد أبدوا إعتراضاً صريحاً علي خلافته لأبي بكر لغلظته كما كانوا يحسبون.

عمر الآن رئيس الدولة التى علي وشك أن تصبح إمبراطورية عظمي بعد أخبار الإنتصارات التى تأتي من العراق والشام.

هذا الأمير الذي ورث عرشي كسري وهرقل يقف رجل من آحاد الناس يسأله وسط جمع من الناس
من أين لك هذا ؟!
من أين لك هذا يا أمير المؤمنين..
هل إمتلك ضيعة..؟!
هل امتلك قصرا..؟!
هل إمتلك بيتا فسيحا..؟!
لا.. بل إمتلك قطعة من القماش غطي بها ساقه..!!

كان أمير المؤمنين طويل القامة مقارنة بجمع الناس وكانت قطعة ثوب واحدة لاتكفي غطاء ساقه كلها
لكن أمير المؤمنين لم يستثن نفسه مع هذا الظرف الخارج عن إرادته ولم بجد له مبرراً لكي يأخذ لنفسه قطعتين من القماش !
كان أمراً مقبولاً بعض الشيء أن يعطي أمير المؤمنين هذا الحق لنفسه وقد يكون مبرراً بل قل هناك أسباباً عديدة تبرره، لكن الرجل لم يفعل وجعل إبنه عبد الله يجيب علي السؤال الذي ألقاه عليه أحد من رعيته..
من أين لك هذا ؟

لم ينهره عمر.. ولم يقبض عليه حراسه..
بل أجابه وهو مقتنع بأن السؤال حق وأن من ألقاه عليه كان علي حق وأن سياسة الدولة تجعله حق وأن الشفافية التى يتحدثون عنها كانت قد ولدت هناك عندما أوقف رجل من آحاد الناس أمير المؤمنين وهو يتحدث حتي يجيبه علي سؤال ويقول له في جسارة لاسمع لك ولا طاعة حتي تجيب.
وهنا يجيب الخليفة.. ” أعطاه لي إبني عبد الله حتي لا تكون ساقي عارية ”
المواطن يسأل في صورة إستجواب..
والرئيس يجيب بموجب الدستور الذي ألزم به نفسه عند بداية فترة رئاسته..!!
لقد ألزم نفسه بالحفاظ علي المال العام وألا يستأثر منه بشيء لنفسه أو أسرته.
هناك يكمن سر دولة عمر وتميزها عن غيرها..
وهنا يكمن سر خلود عمر في ذاكرة التاريخ
وهنا يكمن سر التلازم بين عمر وعصره وبين قيم العدالة.
الرجل لم يخش عمر رغم قوته لأنه تعلم من دولته ألا يخاف من الحق وأن الحاكم بشر يسأل ويستجوب ويعارض.. وكل هذا بلا بطش أو إضطهاد أو قيد.

حينما تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم كهذه تصح الدولة وتسير نحو الحضارة الحقة وتكون أسس نجاحها واستمرارها قد إجتمعت كلها..!
وحين يكون المواطن العادي بهذه القوة فإن مقولة “الشعب مصدر السلطات” التى توصلت إليها دساتير العالم المتحضر بعد أربعة عشر قرنا من الزمان تكون قد تحققت..!

الأمر ليس مجرد نقل رواية أو إعادة سردها و ليس مجرد التغني بخلق وزهد رجل..
الأمر يتعدي إلي ما أبعد من ذلك كثيراً..
الأمر يتعلق بأسس دولة ونظام حكم يقوم علي الشفافية والحفاظ علي المال العام والمساواة بين الناس جميعا
لا فارق بين فقير وأمير.

الحضارة الغربية إلتقطت هذا الموقف وتعلمت منه وأقامت أسس حكمها علي مثل هذه المساواة..
نتحدث كثيراً وباعجاب شديد عن هذا الرئيس الذي يحاسبه شعبه وعن هذا الرئيس الذي يكشف عن راتبه وعن هذا الرئيس الذي لا يستطيع أن يتجاوز في نفقانه القدر المسموح به من البرلمان المنتخب ونتحدث كثيرا عن الرئيس الذي يقدم كشف حساب للشعب عن مدة حكمه.. وهو إعجاب حق.. !!
لكننا ننسي في غمرة إعجابنا أن رجلا فقيرا صعد المنبر بثياب يغطي ساقه فسأله مواطن من أين لك هذا الثياب ويجيبه إنه نصيب إبني من القماش أعطاه إياي حتي لا تنكشف ساقي..
كان هذا الرجل الفقير هو الذي دخلت ست إمبراطوريات تحت حكمه دون أن يمتلك قصراً ودون أن يضع فوق رأسه تاجاً ودون أن يتخذ لنفسه عرشاً..!!
كان فقط يعلم أن هناك شيء تستقيم به الحياة وتقوي به الأمم ألا وهو العدل وقد كان هذا الإدراك كافياً جداً جداً.. !!
وللحديث بقية.

ــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك