نيتشه قارئا لكانط .. تعرّف على النقد الذي يوجهه نيتشه لكانط – عماد الحسناوي
إذا كان نيتشه يعتمد في نقده لكل التصورات الميتافيزيقيا على المنهج الجينالوجي، باعتباره منهج يمتلك العديد من الأليات القادرة على تدمير أي تصور ميتافيزيقي. وقوة هذا المنهج ستظهر ضد ما يسميهم نيتشه ب” عمال الفلسفة”. وأهم هؤلاء العمال الفيلسوف الألماني إمانويل كانط ما هو النقد الذي يوجهه نيتشه لكانط؟
إن النقد الذي يوجهه نيتشه لكانط ليس بنقد محدود يكتفي بنقد المعرفة أو الأخلاق فقط، وإنما نقد يتجاوز حدوده لينتقد مشروع كانط بكامله.
يرى نيتشه في كانط أول فيلسوف جاء بفكرة النقد، أي نقد التصورات الميتافيزيقيا التي تدعي معرفة الشيء في ذاته⚫، الذي يقول عنه كانط عالم يستحيل معرفته، لأن العقل لا يستطيع أن يتجاوز عالم الظواهر الحسية، وهنا نيتشه يقول في كتابه العلم المرح” مع كانط صرنا نشك كألمان في القيمة القطعية للمعارف العلمية، كما صرنا نشك، فضلا عن ذلك في كل ما تسهل معرفته سببا وصار حتى الممكن معرفته ذاته يبدو لنا بما هو كذلك ذا قيمة أقل”.
وإذا كان العقل الكانطي محدود فإن النقد الذي ينتج عنه محدود، لأنه يتخلى عن وظيفته النقدية عندما يتعلق الأمر بالمسائل الأخلاقية والدينية.
وبهذا فالعقل النظري عندما يصل إلى هذا الحد، أي عندما يصل إلى الأمور المتعلقة بحاجتنا الدينية والأخلاقية، يتخلى عن حقه في التحليل والنقد، ويفسح المجال أمام عقل أخر وهو العقل العملي الذي لا يتطلع إلى النقد، بل يسعى إلى طمأنة النفس، لأن عالم النومين غير قابل للبرهنة، وغير قابل للإعتراض عليه ما دام يقع خارج الفهم. وهذا يعني بالنسبة لنيتشه، أن كانط لم يعتمد على النقد لصالح العلم، ولكن، أولا وقبل كل شيء، لصالح الدين والأخلاق. وأن كانط يسترجع في نقد العقل العملي المطلقات التي كنا نعتقد أن العقل الخالص هدمها، وأخيرا جعل العالم الأخلاقي ممتنعا عن النقد يرجع إلى إحساس كانط بقابليته للعطب أمام أي محاولة نقدية جدية.
وعلى هذا الأساس فإن نيتشه لا يعتبر النقد الكانطي نقدا حقيقا على الإطلاق؛ إذ: “لم يحدث كما يقول دولوز أن رأينا من قبل نقدا كليا أكثر تسامحا أو نقدا أكثر احترما، ولم يحدث أن رأينا من قبل نقدا للعقل بواسطة العقل، أي جعل العقل المحكمة والمتهم في الوقت ذاته، أو تشكيله كقاض وطرف، حاكم ومحكوم، بل لم يحدث أن رأينا من قبل عقلا عاجزا عن البرهان”.
وكما يرفض نيتشه النقد الكانطي، فإنه يرفض كذلك أخلاقه الميتافيزيقية الكونية، التي تقول ما يكون مقبولا أخلاقيا، هو ما يكون مقبولا للجميع. وهذا في نظر نيتشه زيف وخطأ، لأنه لا يمكن أن توجد أخلاق مطلقة، إلا إذا كان البشر من طبيعة واحدة، وهذا شيء غير صحيح. وينتقد كذلك العمل الأخلاقي، لأنه المسؤول عن الانقلاب الخطير في القيم الأخلاقية، عن طريق تحويله للقيمة الأساسية للعمل من النتائج إلى الأسباب، هنا يقول نيتشه “خلال أطول مرحلة في التاريخ الإنساني، أي مرحلة ما قبل التاريخ، وكانت قيمة – أو عدم قيمة- عمل تأتي من نتائج هذا العمل….وكانت تلك هي الفضيلة، فضيلة النجاح أو الفشل التي تجعل الناس يحكمون على عمل ما بالجودة أو الرداءة…ولكن دفعة واحدة، بدت تباشير سيطرة خرافة جديدة وقاتلة، سيطرة تأويل ضيق تشرق في الأفق: أن أصل العمل نسب إلى النية التي كان ينبثق عنها، واتفق على أن قيمة العمل تكمن في قيمة النية، وهكذا صارت النية تشمل سبب العمل وما قبل تاريخه”.
بالتالي فالأخلاق الكانطية هي أخلاق الإنسان الحديث الذي يدعي معرفة الخير والشر في ذاتهما، ويرفض أوامره كقوانين شاملة. إنها أخلاق القطيع لأنها تعمل باسم العقل والعلم والفضيلة، وعلى ضمان هيمنة وانتصار غريزة القطيع على غيرها من الغرائز. لكن ما يجب معرفته، هو أن هذا النقد الذي يوجهه نيتشه لا يعني أنه يتخلى عنها وإنما يدعو إلى أخلاق طبيعية تقوم بفضح وإدانة للأخلاق المعادية للحياة. وهذا ما جعل نيتشه يضع محل العقل الكانطي إرادة قوة، لأنها تعود بنا إلى التجربة الماقبل-سقراط حيث لا يخضع الفيلسوف إلى القيم السائدة بل يحطمها ويضع مكانها قيما جديدة يقول زرادشت:”إن من يكون مبدعا في الخير والشر، ويجب أن يكون في البدء مدمرا، يمزق القيم تمزيقا” .



