أحفاد الفراعنة والوهم: الأصل الجيني للمصريين

أحفاد الفراعنة والوهم: الأصل الجيني للمصريين

منذ شهور قليلة صدرت دراسة بريطانية عن الأصل الجيني للمصريين, وأثارت تلك الدراسة جدلا واسعا, سواء على الصعيد المصري أو الصعيد العالمي, ووجدنا تفاصيل تلك الدراسة على معظم المواقع العالمية وبعديد من اللغات.

كان ملخص الدراسة التى أثارت حنق كثير من المصريين, أن مصريين اليوم لا يرتبطون جينيا بالمصريين القدماء, وأن معظم أصول المصريين الحاليين تعود إلى القارة السمراء, بينما وحسب الدراسة التى أعتمدت على تحليل الحمض النووي لبعض المومياوات المصرية القديمة, أن المصريين القدماء يعودون إلى أصول شامية.

وبعيدا عن الوهم الذى ساعدت تلك الدراسة على نشره, بالكلام عن “العرق الصافي” وخرافة النقاء العرقي, التى أرادت أن تسلب المصريين جزئا حيويا وأساسيا من تاريخهم وحضارتهم, ببث الوهم أن مصريون اليوم عرقا يختلف عن عرق من نسميهم أعتباطا بالفراعنة.

دعونا نعود إلى أهم مصدر تاريخي متخصص فى مصر القديمة ونعتمد على ما جاء به من أخبار وتحليلات, حيث يقول المؤرخ المصري الأشهر “سليم حسن” فى موسوعته التى لا غنى عنها “مصر القديمة” وفى المجلد الأول منها, حيث يذكر لنا حسن أصول المصريين ومن أين أتوا؟ كيف تكوّن هذا التجمع البشري؟ الذي سيشكل لاحقا, واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية.

يؤكد المؤرخ الدكتور سليم حسن, على أفريقية أول من سكن وادي النيل من البشر, وأن هذه الجماعة الأولى التى سكنت الوادي الواقع بين أسوان جنوبا, والبحر المتوسط شمالا, هم أثنية أفريقية خالصة, تنتمي تلك الأثنية التى يطلق عليها تجاوزا بالحامية “نسبة إلى حام بن نوح حسب الأسطورة التوراتية” ويشير حسن بشكل واضح أن هذه الأثنية ضمت كل من, أسلاف المصريين القدماء, وسكان الشمال الأفريقي عامة وليبيا خاصة, وسكان شرق أفريقيا, الصومال على وجه الخصوص.

ولم تتوقف الحياة على ضفاف وادي النيل على تلك الأثنية الأفريقية الخالصة فقط, بل يروي لنا حسن, عن الهجرات التى أتت من أسيا إلى مصر على مراحل وعلى مدى قرون, حيث سكنت شمال الوادي والدلتا, وأمتزجت القبائل الأسيوية المهاجرة, التى نزحت إلى مصر فى نهاية عصر ما قبل الأسرات “أى قبل التوحيد بين الدلتا والصعيد” بباقي الشعب المصري, ونقلت إليه بعض العادات والأفكار الدينية.

لكن وحسب المؤرخ المصري سليم حسن, لم يكن لتلك القبائل التى آتت من شمال سوريا, الغلبة فى الحياة الأجتماعية المصرية, بل أنها ذابت وأمتزجت تماما بالسكان الأصليين للوادي, وكونوا معاً, القوّام الأساسي الذي شكل بعد قيام الوحدة بين الشمال والجنوب, الحضارة المصرية التى أبهرت العالم.
وبهذا الذى نقله إلينا سليم حسن, فى أهم موسوعة عن تاريخ مصر القديمة, يثبت لدينا ما هو بديهي, وهو أن أول من سكن مصر وعاش على ضفاف النهر وعرف الزراعة, كان أهلها من الأفارقة, الذين أستقبلوا القبائل النازحة من الشمال وأمتزجوا سويا, كما يحدث فى أغلب جغرافيات العالم التى تختلط فيها الأثنيات والأعراق والألسن.

ومصر شأنها شأن كل دوّل العالم, طرأ عليها كثير من المتغيرات على مدار تاريخها الطويل, ونزح إليها عديد من الأعراق والجنسيات, حيث يذكر لنا التاريخ, ان ملوك الدولة الحديثة, من مصر القديمة أستعانوا وبشكل أساسي بالأغريق فى الجيش كجنود مرتزقة, حتى أنه أصبح قائد الجيش أغريقي, وعندما جاء الأسكندر الأكبر إلى مصر, وجد جالية كبيرة من الأغريق تسكن شمال الدلتا منذ قرون, وهكذا أمتزج عرق جديد بالشعب المصري, وعلى طول التاريخ, شهدنا كيف أمتزجت دماء القبط والعرب والنوبيين والأمازيغ والترك والفرس والأرمن والشركس, وغيرهم من الجنسيات والعرقيات المختلفة التى سكنت مصر وجاءت إليها نتيجة ظروف مختلفة.

أعتقد بعد هذا الزخم الذى شهدته مصر على مدار تاريخ طويل وحافل بالأحداث, أنه من السذاجة بمكان أن نعتقد, أن للمصريين عرق صافي, وأصل واحد يجمع كل المصريين.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك