هل اعتنق غوته الإسلام، أثر الإسلام على غوته – بقلم: حمزة عبداللطيف المقدم

عندما ينتابني شعور بالجوع المعرفي، أجدني أنحازُ للميراث الألماني ودراسة عقلية هذا البلد المدهش وأيقوناته. يوهان فولفغانغ فون غوته – شاعر ألمانيا العظيم – أحد أيقونات الثقافة والأبداع في أوروبا والعالم ككل.

تدهشني عقلية غوته في تناولها لقضية الشر التي لطالما شغلت الناس والفكر. رافقت غوته حادثة منذُ صغره متعلقة بإشكالية الشر فقد حدث زلزال عام 1755م في لشبونة، وكان أثره عميقاً على نفسه وخلّف إحساساً بالتضارب بين طبيعة الله الرحيمة أو على حد تعبيره “حنان الخالق الأبوي” وبين “القوة المدمرة للطبيعة جمعاء” وكانت النتيجة أنه فقد التصور المسيحي للإله وابتعد عن فكرة إضفاء الماهية على الشكل الإلهي وأصبح يبحث عنه في الأفعال، فتحول بشكل فعلي إلى أن يكون من أتباع الفيلسوف الهولندي “باروخ سبينوزا” وتمسك بفكرتين أساسيتين هما: الجبرية ووحدة الوجود.

لكن ظلت مشكلة الشر بالنسبة إليه إشكالية ليس لها حل ولم يقتنع بفكرة سبينوزا عن الشر باعتباره حالات ذهنية نسبية ذاتية ليس لها أي وجود فعلي. فقرر البحث في عامة الأديان والأيديولوجيات قائلاً أن “أعظم سعادة للإنسان المفكر تكمن في بحثه عما هو قابل للبحث، وفي خشوعه وإجلاله لما يستعصي على البحث”.

كان لـ “هيردر”, الفيلسوف الألماني, تأثيرا بالغا على فكر جوته فهو أول من أرشده للاطلاع على الشعر العربي والقرآن الكريم. وهكذا وجد غوته الحل لإشكالية الشر في الدين الإسلامي وفي فكرة العقيدة الإسلامية الأساسية عن التسليم المطلق لمشيئة الله وحكمته.

يقول غوته, بعد وفاة راعيه وصديقه الدوق كارل أغسطس: “إنها مشيئة الله التي اختارها بحكمته، بينما نحن البشر الهالكين لا نملك سوى التحلي بالصبر”. ويصرح في حالة أخرى: “إن حياتنا وأعمارنا رهن بمشيئة الله”. وفي حلة ثالثة: “إن الله أعظم منا وأحكم، لذلك فهو يقدر لنا ما يشاء”. وقال: “لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول هنا أيضاً أن ألوذ بالإسلام”!

وعندما انتشر وباء الكوليرا كتب يرد على طلب النصيحة من صديقه: “ليس بوسع امرئ أن يقدم النصح لأمرئ آخر في هذا الشأن، فليتخذ كل إنسان القرار الذي يراه مناسب، إننا جميعا نحيا في الإسلام مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا”.

دراساته الإسلامية والقرآنية ظهرت بقوة في رسائله الشخصية التي دعته إلى القول أن القرآن “مُحكم ومثير للدهشة, وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقا”. وأعلن أنه “سيحتفل في خشوع بليلة نزول القرآن”. ودراساته للسيرة, وتأثره بشخصية سيدنا محمد كمصلح ومشرع قبل أي شيء آخر، ظهرت في مسرحياته وأشعاره في صورة قصيدة مدح للنبي “نشيد محمد”, التي صوره فيها كنهر يتدفق بقوة ليصب في محيط الألوهية. كما ظهرت في مسرحية “تراجيديا محمد” واقتباسات متعددة من القرآن الكريم في شعره لدرجة أنه نقل الصور والتعبيرات البيانية كما هي.

توحدت كل هذه الأفكار في مفهوم “وحدة الوجود” عند شعراء فارس المسلمين وعلى رأسهم “حافظ الشيرازي” وكان ثمرة التوحد هذه ديوان غوته “الديوان الغربي الشرقي” كتمثيل واضح للمزيج الصوفي الغربي السبينوزي والشرقي الإسلامي في عبارة: “كتاب أوله في المشرق وأخره في المغرب”.

فهل اعتنق غوته الدين الإسلامي؟!

شغل هذا السؤال بال الكثيرين، وربما يرجع هذا لشغف غوته بالدين الإسلامي والقرآن والشخصية المحمدية ودراسته للشريعة الإسلامية وتعمقه فيها. ومما قالته أستاذة الأدب الألماني كاترينا مومزن: “إن علاقة غوته بالإسلام ونبيه ظاهرة مدعاة للدهشة في حياته، فكل الشواهد تدل على أنه في أعماقه شديد الاهتمام بالإسلام، وأنه كان يحفظ عشرات من آيات القرآن”. وفي سؤال لها حول ما إذا كان غوته قد أسلم، قالت: “إن إعجاب غوته بالإسلام لا يعني بالضرورة أنه اعتنقه وترى أن غوته كان يكن تعاطفاً للإسلام ولكنها تنفي أن يكون قد تحول إليه”.

مصادر مستوحاة:

• غوته والعالم العربي ” كاترينا مومزن ”
• دراسات كاترينا مومزن عن غوته والإسلام
• مقال علي رضا “قراءة تفكيكية”

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك