مع أبي زيد في مفهوم النص – بقلم:حسين جبار

في كل حضارة هناك سمة بارزة يمكن أن تشكل صفة محورية فيها، و على هذا الأساس ((ليس من قبيل التبسيط أن نصف الحضارة العربية الاسلامية بأنها حضارة “نص”)) و حتى لا يتبادر إلى الأذهان أن المراد هنا هو اختزال عناصر الثقافة الأخرى و جعلها كلها مجرد مستقبلات سلبية لسلطة “النص” فإن ((الذي أنشأ الحضارة، و أقام الثقافة جدل الإنسان مع الواقع من جهة، و حواره مع النص من جهة أخرى)) فالنص هنا -إن صح التعبير- ليس اللاعب الوحيد على الساحة، بل إن فاعليته تظهر من خلال عناصر تلك الثقافة نفسها. و من البديهي القول أن ((للقرآن في حضارتنا دور ثقافي لا يمكن تجاهله في تشكيل ملامح هذه الحضارة و في تحديد طبيعة علومها))
و بما أننا نتكلم عن حضارة محورها النص ((فلا شك أن “التأويل” -و هو الوجه الآخر للنص- يمثل آلية هامة من آليات الثقافة و الحضارة في انتاج المعرفة)) و ((إن النص حين يكون محورا لحضارة أو ثقافة لا بد أن تتعدد تفسيراته و تأويلاته)) و هكذا فقد أصبح “النص” في حضارتنا ميدانا واسعا لمختلف القراءات و التأويلات، و التي تصل في اختلافها إلى حد التناقض. ((و إذا كانت قوى التغيير و الإصلاح في نضالها ضد الفساد الاجتماعي و الفكري تحاول بدورها أن تستند إلى التراث فإنها أيضا تستند إليه بنفس الطريقة، طريقة “التوجيه الأيديولوجي”)) و لذلك ((فإن الدراسة الأدبية -و محورها مفهوم “النص”- هي الكفيلة بتحقيق “وعي علمي” نتجاوز به موقف “التوجيه الإيديولوجي” السائد في ثقافتنا و فكرنا)).

الوعى العلمى بالنص
هذه هي المنطلقات التي يؤسس عليها الدكتور المرحوم نصر حامد أبو زيد مشروعه في محاولة صياغة “وعي علمي” بالـ”النص” و ذلك في كتابه”مفهوم النص.”و لنحاول هنا الوقوف على أبرز النقاط التي تناولها الكتاب. و لا شك أن هذا الأمر يتطلب عدة مقالات لا مقالا واحدا.
انطلاقا من كون الواقع يشكل الإطار العام بتحدياته و حدوده لكل محاولة في فهم و تأويل النصوص؛ يذهب أبو زيد إلي أن تحديات الواقع التي تواجهنا اليوم ليست هي ذاتها التي واجهت علماء الأمس، و لذا يقول-و هو مصيب جزئيا في قوله برأيي- أنه((لم تعد قضيتنا اليوم حماية تراثنا من الضياع و ثقافتنا من التشتت […] أصبح موقفنا اليوم الدفاع عن وجودنا ذاته بعد أن أفلح العدو أو كاد في اختراق الصفوف في محاولة نهائية لإعادة تشكيل وعينا)) و إذا كانت النظرة الأصولية الجامدة التي تنادي بتطبيق الشريعة و بأسلمة الحياة ليست خيارا مطروحا أمام الباحث عن حل حقيقي و الناقد لما يراه قفزا على الواقع. فإن التجديد في أساسه يقوم على التراث و الحال أن التراث هو ((مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناءً على متطلباته […] ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة و الحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين، و في موقف تاريخي محدد، و عند جماعة خاصة تضع رؤيتها، و تكوّن تصوراتها للعالم)) و بلا شك فإن المدقق في هذا الكلام يجده مواجها و مضادا تماما للنظرة الأصولية التي ترى العقائد حقائق ثابتة لا يجوز الخروج عنها، لأن الخروج عنها هو خروج عن الدين المتمثل في هذه العقائد و إذا كان هذا هو حال التراث، فإن التجديد ((إذا لم يستند إلى فهم “علمي” للأصول الموضوعية التي قام التراث على أساسها كفيل بأن يؤدي الى أشد عناصر التراث تخلفا إلى جانب أنه يساند -دون وعي- أشد القوى سيطرة و هيمنة و رجعية في الواقع الراهن)).

،،تحذير أبو زيد،،
إن الذي يحذر منه أبو زيد في هذا النص هو القراءة التجديدية التي لا تتعامل مع التراث بحيادية، بل تستدعي منه جانبا معينا، يمثل في الحقيقة توجهها الإيديولوجي و المذهبي. و هذا النوع من التجديد في رأي أبو زيد لا يقل خطورة عن “التقليد”.
و لكن إنتاج هذا الوعي “العلمي” ليس بالأمر الهين لأنه ((يستلزم من الباحث كثيرا من الجرأة و الشجاعة في طرح الأسئلة، و يستلزم منه جرأة أشد و شجاعة أعظم في البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة)) و أيضا ((على الباحث أن يكون على وعي دائما بأن تراثنا الطويل مليء –بحكم هذا الطول و الامتداد التاريخي- بكثير من الإجابات الجاهزة، التي يحتاج تجنبها إلى طاقة هائلة ]…[ و إذا كان من المستحيل علميا و انسانيا أن يتجنب الباحث كل ما هو مطروح من اجابات في التراث أو في الثقافة، فإن عليه أن يختار من بينها أشدها صدقا و اقترابا من الحقيقة)) و لكن هنا، و اتساقا مع ابو زيد و النظرة الحداثية؛ فإن مراد أبو زيد من مفهومي “الصدق” و “الحقيقة” هو ما يعتبره الباحث المتحلي بالحياد بعد قراءته النقدية المتفحصة للتراث “صدقا” و “حقيقة” و ليس “الصدق” و “الحقيقة” بمعانيهما المطلقة. حيث أنه –و مرة اخرى تماشيا مع النظرة الحداثية- لكل عصر صدقه و حقيقته، اللذان تحددهما العوامل الثقافية و الاجتماعية و التاريخية غيرها في كل عصر. ((من هنا يكون البحث عن “حقيقة” التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا لا بحثا عن حقائق مطلقة))
يذهب أبو زيد في سياق تأكيده مرة أخرى على سلطة النص و مكانته في ثقافتنا إلى أنه ((يمكن أن يفسر كل جوانب التراث على أساس أن كل جانب يمكن أن يكون نمطا خاصا من أنماط “تأويل” النص أو تفسيره))

ما هي أهداف أبو زيد في دراسته هذه؟
إنه يعلنها في هدفين:
الأول:-
إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية و النقدية.
و في هذا الهدف كما هو ظاهر مزاحمة للسلطة الدينية التي لا تنظر بعين الأمان لكل دراسة للنص تأتي من خارج أسوارها. بل إن أبو زيد يذهب إلى أبعد من هذا فيقرر ((إن دراسة “النص” من حيث كونه نصا لغويا، أي من حيث بنائه و تركيبه و دلالته و علاقته بالنصوص الأخرى في ثقافة معينة، دراسة لا انتماء لها إلا لمجال “الدراسات الأدبية” في الوعي المعاصر)) و لا حاجة للإشارة هنا أن المقصود هو النص القرآني و الثقافة العربية.
الثاني:-
((محاولة تحديد مفهوم “موضوعي” للإسلام)). و ميزة هذه المفهوم المراد تحديده أنه ((يتجاوز الطروح الأيديولوجية من القوى الاجتماعية و السياسية المختلفة في الواقع العربي الاسلامي)) و من هنا يطرح أبو زيد هذا السؤال: ما هو الإسلام؟
و برأي أبو زيد أن هذا السؤال ((يكتسب مشروعيته من تلك الفوضى الفكرية التي تسيطر على المفاهيم الدينية نتيجة لاختلاف الرؤى و التوجهات في الواقع الثقافي المعاصر من جهة، و نتيجة لتعدد الاجتهادات و التأويلات في التراث من جهة أخرى)). ان اعادة التساؤل حول مفهوم الاسلام -بنظر ابو زيد- لا يهم المسلمين فقط بل (( هو بمثابة التساؤل عن “هويتنا” الحضارية في التاريخ، سواء كنا مسلمين أم كنا مسيحيين ما دمنا نعيش واقع هذه الثقافة العربية الاسلامية بمكوناتها التاريخية)) و التعارض الذي يقيمه البعض بين العروبة و الاسلام هو تعارض زائف ((فعلى هؤلاء -ان استطاعوا- أن ينكرو عروبة النصوص الدينية، و عليهم -ان استطاعوا- أن يتجاهلوا الحقائق التاريخية لعروبة حامل الرسالة و متلقيها الأول، و لعروبة المخاطبين بالوحي)) و لا نحتاج للتذكير هنا -مرة أخرى- أن الخطاب الديني الرسمي لا ينكر هذه المسلمات، و لكنه يعتبر العرب حاملين للرسالة الإسلامية و المؤتمنين على تبليغها، فهم في هذا الفهم أشبه بالوعاء الناقل المنفصل عما ينقله!
المصدر: كتاب مفهوم النص- دراسة في علوم القرآن
تأليف د.نصر حامد أبو زيد
طبعة 2014 المركز الثقافي العربي
تاريخ النشر الأصلي: ١٩٩٠

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك