هل هناك فوائد للتوقف عن التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء؟

قلصت الكاتبة مادلين دوور من نشاطاتها الاجتماعية مع أصدقائها لترى إن كان ذلك سيجعلها أكثر إنتاجية، وكانت النتائج مفاجئة‫ بالنسبة لها. ‬

يمكن أن يكون الطريق إلى النجاح سهلاً للغاية‫.‬ فقد توصلت من تجربتي الشخصية من خلال مقابلة فنانين وكتاب ناجحين وأصحاب أعمال مبدعين إلى جواب عن سؤالي حول كيفية تمكنهم من أن يكونوا منتجين إلى هذا الحد، وهو‫:‬ “‬لا حياة اجتماعية لدينا‫”. ‬‬

الوقت كالسيف!‬‬

من خلال عملي الحر الذي أقوم به من المنزل، وفي الوقت الذي يخرج فيه زملائي في السكن، أرى أن النشاط في الحياة الاجتماعية أمرا ضروريا للإنسان. ومع ذلك، فإنه عندما يطلع علي الفجر أكتشف كم من الوقت أضعت وأنا أتواصل مع الآخرين، وأن الموضوع خرج عن حده.‬

وحسب تقديراتي، فإنني أضيع 22 ساعة أو أكثر في المتوسط أسبوعيا على النشاطات الاجتماعية، ولكي أرى تأثير ذلك على قدرتي الإنتاجية في العمل، وعلى صحتي العامة، قررت أن أجرب إلغاء حياتي الاجتماعية تماماً لفترة.

كنت أعلم أنني في بعض الأحيان أملأ جدولي ليس فقط كي لا يفوتني شيء، بل لوجود رغبة داخلية لدي في تأجيل عملي أو صرف تركيزي عنه. ‬

‬قلصت نشاطاتي الاجتماعية مع الأصدقاء لمدة شهر كامل، مثل الخروج للاستمتاع بالمشروبات، ولقاءات تناول القهوة ووجبات العشاء، والحفلات، وكافة الأحداث غير المرتبطة ‫بالعمل‬، لأرى إن كان هذا سيجعلني أكثر إنتاجاً، أو يساعدني في التركيز وتحقيق أهدافي المهنية‫.‬

كان عليَّ في اليوم الأول من ذلك الاختبار أن أواجه اضطرابي العميق فيما يتعلق بخوفي من أن أفوّت شيئاً‫.‬ هذا الاضطراب هو نتيجة ‫تعدد الخيارات أمامي،‬ بمعنى أنه عندما يكون لدي عدة خيارات مُغرية لقضاء ليلة السبت، فكيف لي أن أعرف أيهم الخيار الصحيح، لذا أجربها جميعها.‬

شخص يجلس منفردا للتأملمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionلحظات الكسل قد تكون ضرورية للإبداع، ويرتبط إطلاق العنان للأ‫فكار ‬بإيجاد حلول خلّاقة للمشاكل‫‬

لكن مع مرور الأيام، بدأ هذا الاضطراب لدي يتلاشي، وأصبحت أكثر استرخاءً، لأنه ببساطة ليس لدي سوى خيار واحد الآن، وهو البقاء في المنزل ليلة السبت، وعندما حددت نفسي بذلك أصبحت أكثر رضا عن قراري‫.‬

كنت ألوم نفسي سابقاً إذا مكثت في المنزل خلال عطلة الأسبوع، أو غادرت السهرة مع الأصدقاء مبكرا، أما خلال تجربتي هذه، شعرت برضا أكثر خلال أداء العمل، والقراءة، ومشاهدة التلفاز، بدلاً من الانشغال بأشياء أخرى‫.‬

ومنحني ذلك الجدول الخالي من المرح الذي ألزمت به نفسي القدرة على “‬العمل العميق‫”‬ ‫(وهو شيء عرّفه أستاذ علوم الحاسب، كال نيوبورت، بالقدرة على التركيز دونما تشتت بمهمة عمل أخرى بشكل متواصل)‬، فلم أعد أتشتت بالتفكير فيما سوف أقوم به، أو كيف يمرح الآخرون، وأصبحت لدي القدرة على تنفيذ عدة أعمال مكثّفة خلال الأسبوع في أوقات كانت عادةً مخصصة للنشاطات الاجتماعية.

احتواء الملل

إضافة إلى إيجاد وقت أكبر للعمل، فقد لاحظت كذلك تغيراً في صحتي، ونمط حياتي بشكل عام، إذ أصبحت أطهو أكثر في البيت، وأمارس التمرينات اليومية، وأذهب للنوم مبكرا، وكذلك أقرأ أكثر، واستمتع بلحظات الراحة والفراغ خلال ساعات النهار‫.‬

إن عدم وجود حياة اجتماعية لدي منحني، إضافة إلى الطهي والتمرينات، وقتاً أكثر مما أتصور، وكذلك أصبحت أقدر أهمية عدم وجود شيء يلزمني القيام به، وهو شيء ارتبط عادة بالوحدة والملل‫.‬

بدأت أقدّر فكرة عدم القيام بشيء والاستمتاع بلحظات العزلة، وأصبحت أذهب للمشي في طرقات طويلة ومتعرجة، وأجلس في مقاهي دون أي وسائل تكنولوجيا، ووجدت نفسي أشرد بشكل متكرر لأنني لم أعد أحاول جاهدة أن أملأ كل لحظة في حياتي‫.‬

وتعد لحظات خمول كهذه أساسية للإبداع، إذ يرتبط إطلاق العنان للأ‫فكار ‬بإيجاد حلول خلّاقة للمشاكل‫، فعندما تسمح لأفكارك بالتدفق فإن دماغك يدخل إلى الذكريات والعواطف ومقاطع عشوائية في خزينة معرفتك، حسبما تقول آمي فرايز، مؤلفة كتاب “أحلام اليقظة في العمل: أيقظ قدراتك الإبداعية‫”‬، وهي كاتبة ومحررة في مجلة ‫‬سيكولوجي توداي”‬ المختصة بعلم النفس‫.‬

مجموعة كبيرة من الناس في مناسبة اجتماعيةمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionالخوف من أن نفوّت مناسبة أو حفلا يمكن أن يقودنا إلى ملئ جدولنا فقط بغية أن نشعر بأننا مشغولون

وجدت نفسي خلال هذه التجربة أستنبط أفكاراً جديدة بشكل متكرر، أو أفكر في تغييرات لمشاريع قائمة. وقد يكون عدم القيام بشيء محفزاً للطاقة تماماً مثل قضاء وقت مع الناس خارج المنزل، وهي حالة ضرورية في الحقيقة من أجل إعادة شحن الطاقات، حسبما يقول بيدرو دياز، المدير التنفيذي لمعهد ‫”‬الصحة النفسية في العمل‫”‬ في سيدني‫.‬

وهنالك دراسة تدعم وجهة نظره أجريت عام 2016 على 48 شخصاً تم خلالها قياس حالتهم العقلية، ومزاجهم، ومدى تعبهم وتوترهم على مدى 12 يوماً.

وخلصت الدراسة إلى أن الانطلاق الاجتماعي زاد في مستوى المزاج والطاقة، لكن هذا السلوك أدى كذلك إلى نسب أعلى من الإرهاق بعد ثلاث ساعات‫ فقط.‬

وقد أثارت ملاحظةُ ذلك الأمر مسألة مهمة أيضا، إذ ربما ليست كمية التواصل مع الناس أو العمل هي التي تقود للإرهاق، بل السبب هو عدم أخذ استراحات من أي من تلك النشاطات‫.

ويقول دياز: “نحن لا نهتم بشكل كاف بضرورة وجودنا وحدنا، بل إن أغلب الناس لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا لإراحة عقلهم وجهازهم العصبي”.

وفي مجتمع يعتقد أن الانشغال الدائم هو مبعث فخر، من الصعب معرفة ما إذا كانت قلة أو انعدام الحياة الاجتماعية هي نتيجة حتمية لنمط عملنا، أو أنها طريقة لتسليط الضوء على أهميتنا أمام الآخرين‫.‬

وتقول سيلفيا بيليتزا، المؤلفة المشاركة في دراسة ذات صلة أجريت في كلية هارفارد للأعمال:‬ “‬عندما تُظهر أنك مشغول، فأنت تقول للآخرين إن لديك أهمية كبيرة، ليس لأن ملابسك باهظة الثمن، بل لأنك مرغوب كثيراً، وعليك طلب كبير”.‬

وتنتقد هذه الدراسة فكرة الانشغال الدائم، ونمط الحياة المعاصر الذي بات رمزاً يُحتذى به‫، والذي يُبذل فيه مجهود كبير، بدلا من التوجه نحو الترفيه والمتعة.

سلبيات عدم وجود أصدقاء

التأثير الإيجابي للعزلة، مثل وضوح الأفكار بصورة أكبر، وتجديد الطاقة، قد يكون مقلقاً إذا بقيت معزولة في فقاعتي الخاصة في المنزل لوقت طويل‫.‬

مجموعة من الناس يجلسون في مقهى في الشارعمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionما يرهقنا ليس الوقت الذي نقضيه في العمل، أو في التواصل مع الآخرين، بل عدم وجود أوقات استراحة كافية في الحالتين

فالتواصل الاجتماعي في بيئة عمل مكتبية يعتبر من أهم العناصر في حياة العمل، واتضح أن الموظفين الذين يعملون مع أعزّ أصدقائهم ينغمسون في العمل سبع مرات أكثر من غيرهم، كما أن زملاء العمل يخلقون شعوراً بوحدة الهدف، ويشكلون شبكة دعم اجتماعي تقود إلى تبادل النصح المهني، وسرعة الترقي‫.‬

إن النشاط الاجتماعي خارج أوقات العمل ضروري بالطبع لبناء علاقات عمل‫ جيدة، ورغم أن شهراً كاملاً خاليا من العلاقات الاجتماعية لم يؤثر سلباً على زبائني، إلا أنني لو بقيت على هذا الحال، كان يمكن أن يقلل ذلك من قدرتي على استقطاب زبائن جدد. ‬

العمل واللهو

ربما من الأفضل لنا، ‬بدلا من إيجاد توازن واضح بين العمل والحياة الخاصة‫، أن نحاول إدخال حياتنا الاجتماعية إلى في حياة العمل‫،‬ فقد رأيت أن السر في النجاح المهني ربما لا يكمن في إلغاء الحياة الاجتماعية، بل في دمج الاثنين معاً‫.‬

وقد توصلت إلين غالينسكي، وهي مؤسسة مشاركة في “‬معهد العائلات والعمل‫”، إلى أن الأشخاص الذين لديهم غايتان،‫‬ وهم الذين يولون نفس القدر من الأهمية لمسارين في حياتهم أو أكثر، هم الأكثر سعادةً‫.

وتقول: “نجد أن الأشخاص ‘ثنائيي الغاية’ يتمتعون بحياة صحية، ويبلون بلاء حسناً في عملهم ومنزلهم. فإن كان لديك طريق واحد في الحياة، وحدث خلل ما فيه، سيكون ذلك مدمراً. أما إذا كان لديك أكثر من شيء بذات الأهمية، سواء كان نشاطا إبداعياً، أو رياضياً، أو مجتمعياً، أو وجود دائرة أصدقاء حولك، فسوف تكون في وضع أفضل عموماً”.

وخلال تجربتي، لم أملأ وقت فراغي الذي استطعت إيجاده بأعمال أكثر، لكنني أصبحت ‘ثنائية الغاية’‫.‬ فقد استطعت توفير أوقات أكثر تركيزاً في العمل، ولم أكن أستطع فعل ذلك سابقاً‬، بل وأصبحت أكثر انجذاباً لنشاطات كنت قد أهملتها، مثل ممارسة التمارين الرياضية، وعزف البيانو، والتأمل‫.‬

لقد تعلمت أن أقتطع مساحةً من حياتي لدفع مساحة أخرى إلى الأمام، وتعلمت أن التواصل مع الناس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعملنا، ويساعدنا في التعامل مع منعطفات الحياة السلبية والإيجابية‫.‬

وبعد التجربة، أعدت تعريف النجاح بالنسبة لي، وهو باختصار‫:‬ لا يتعلق الأمر بالعمل فقط، أو بالتسلية فقط، ولا حتى بإيجاد توازن بينهما، ولكن بتحقيق مزيج من النشاطات المختلفة يومياً، وأخذ فترات استراحة قصيرة ومتكررة أثناء كل ما نقوم به‫.‬

المصدر: بي بي سي

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك