معلومات قد لا تعرفها عن «التعليم البديل»

معلومات قد لا تعرفها عن «التعليم البديل»

هل هناك وسائل بديلة عن المدرسة والجامة للتعليم ؟ هذا المقال يجيبك عما يسمى بالتعليم البديل، متى نشأ، وما هي أسباب ظهوره.

التعليم هو كل ما يبقى بعدما ينسى الفرد ما تعلمه في المدرسة. – «ألبرت أينشتاين».

ظهرت في الآونة الأخيرة، في الدول العربية، ومن قبلها الدول الغربية، عدة مبادرات؛ تقدم ما يُعرف بـ «التعليم البديل»؛ وهو مصطلح ـ ربما ـ لا نعرف عنه الكثير؛ وربما يرجع ذلك إلى حداثة المفهوم، وقلة الدراسات التي بحثت في هذا المصطلح، مقارنةً بغيره من المصطلحات في مجالات مختلفة، كالسياسة والمجتمع، وغيرها.

وفي هذا التقرير نقدم لك ما تريد أن تعرفه عن مصطلح «التعليم البديل» وتاريخ نشأته، وأسباب ظهوره في الدول الغربية، وظهوره في الوطن العربي، فضلًا عن تسليط الضوء على أبرز أنواعه. ويعتمد هذا التقرير على عدة مصادر إليكترونية، إلى جانب ورقة بحثية بعنوان «مفهوم وإشكالات التعليم البديل في العالم العربي»، للباحثة المصرية «نيّرة عبد الرحمن»، منسق لجنة العلوم الاجتماعية بالمركز المصري لتقدم العلوم والتكنولوجيا والابتكار.

البداية

اختلف المفكرون ـ فيما بينهم ـ على إيجاد تعريف واحد شامل ودقيق للتعليم البديل؛ وذلك نظرًا لاتساع المفهوم وأنواعه، ولكن يمكننا تعريفه لغةً، بأنه تعليم بديل للتعليم النظامي للدولة؛ إذ إنه يختلف عن الطرق والمناهج التقليدية للتعليم والتدريس، التي تتبعها أية دولة، ولكن فيما يخص تعريفه اصطلاحًا ففي هذه الحالة نجد اختلاف الآراء، فيما يخص شمولية التعريف؛ فهناك من يرى أن التعليم البديل، لابد له أن يكون في سياق مؤسسي بحت، مثل منظمات المجتمع المدني، غير الحكومية، وبذلك يتم استقصاء أنواع أخرى، يرى آخرون أنها مُتضَمنة داخل التعريف، كالتعليم عبر الإنترنت، MOOC، والذي لا يشترط وجود أي إطار مؤسسي للقيام به أو ممارسته. وربما يمكِّننا ذكر الأنواع المختلفة للتعليم البديل في هذا التقرير، من تشكيل صورة شاملة لمختلف أشكاله، قد تقودنا إلى تعريف شامل له.

نستطيع أن نؤكد أن اختلاف المفكرين حول تعريف مصطلح «التعليم البديل»، ولكن ذلك لم يمنعهم من الاتفاق والإجماع على تاريخ ظهوره؛ إذ ارتبطت بداية ظهور التعليم البديل ـ حتى، ولو لم يكن بمسماه الحالي – ببداية ظهور التعليم النظامي، والذي تتحكم فيه الدولة بطريقة مباشرة ومركزية.

ويعتبر المفكر الفرنسي «جان جاك روسو»، هو أول من اختلف مع التعليم النظامي وانتقده، وذلك في كتابه«ايميل – Emile» الذي صدر في منتصف القرن الثامن عشر عام 1762؛ إذ يرى روسو أن التعليم يجب أن يتبع «نمو الطفل الفطري، وليس مصالح المجتمع»، وهو عكس ما يهدف إليه التعليم النظامي، الذي يسعى لخلق مواطنين فاعلين في الدولة.

«التعليم البديل» في أوروبا

تزامنت أفكار روسو في هذه الفترة مع أفكار آخرين، مثل السويسري «يوهان بستالوتزي»، والألماني «فريدريك فروبل»؛ إذ قام بستالوتزي عام 1800 بإنشاء مركز للأيتام؛ اعتمد فيه على أفكار روسو في التعليم. وتأثر ـ أيضًا ـ فروبل بأفكار روسو، حتى أنه أسس مدارس تعتمد على الطفل، ونموه الفطري، بين عامي 1809 و1827، حتى عُرف بأنه مؤسس علم«رياض الأطفال».

ويمكننا القول بأن القرن العشرين كان بداية ظهور مقالات وأبحاث جادة تناقش موضوع التعليم البديل في أوروبا، وذلك بالمزامنة مع تأسيس مدارس وحضانات، تقوم بتقديم تعليم بديل، يرتكز على الطفل نفسه، ويتفادى الآثار السلبية للتعليم النظامي؛ فقد نجد مثلًا كتاب«قرن الطفل» الذي كتبه المفكر السويدي «آلين كي» عام 1909؛ ليتحدث عن التعليم البديل. فضلًا عن تأسيس مدرسة «مونتسوري»، من قِبل الدكتورة الإيطالية «ماريا مونتسوري» عام 1907، والتي أصبحت نوعًا رائدًا من أنواع التعليم البديل حول العالم.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى نجد «رادولف شتيجر» الذي أسس أيضًا مدرسة؛ تقدم تعليمًا بديلًا عن التعليم النظامي، له فلسفة خاصة. أمَّا بعد الحرب العالمية الثانية، فنجد «لوريس مالاحوزي»، الذي أسس حضانة في «غيطاليا»؛ ترفع مبادئ «الاحترام والمسئولية» تجاه المجتمع. أمَّا في عام 1924، فنجد الإنجليزي «ألكسندر هيل»، الذي أسس مدرسته التي تعمل ديمقراطيًا بالكامل، فقد تجد المدرس والطلبة يتشاركون كل شيء ديمقراطيًا، وبالتالي يحافظ الطالب على حريته وحرية ما يدرسه.

وذلك بالإضافة إلى المدرسة التي أنشأها الفيلسوف الروسي «ليو تولستوي»؛ من أجل تعليم أطفال الفلاحين، التي أيضًا اتبعت نظامًا يعزز القدرات الإبداعية للطفل؛ إذ كان تولستوي – مثل روسو – يرى أن الطلاب (الأطفال) مخلوقات بريئة، لا ينبغي تدميرها بكبت قدراتها الإبداعية؛ مما جعله ينادي بالتعليم الحر، ويرى تولستوي أن الحرية هي «المعيار الأول والوحيد للتعلم».

الولايات المتحدة الأمريكية

كانت هناك محاولات للإصلاح التعليمي في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر عام 1837 من قِبل السياسي والإصلاحي الأمريكي «هوراس مان»، أول زعيم قوي مسئول عن التعليم؛ إذ عمل على تغيير التعليم النظامي إلى نظام واحد للكل؛ وذلك من أجل التغلب على التنوعات الثقافية المختلفة بين الطلاب وبعضهم البعض، ولكن في ظل هذا النظام كان يسعى هوراس مان إلى «مركزة» التعليم النظامي، وهو ما رفضه عدد من رجال الدين، الذين كان يرون أن التعليم ما هو، إلا الأسرة، والمجتمع، واجتهادات شخصية لكل فرد، وليس فعلًا سياسيًا تقوده الدولة، مثلما فعل هوراس مان.

ومن هنا اتفق عدد من مفكري القرن التاسع عشر مع هذا الرأي، مثل «ثورو» و«ألكوت ويبلي»، الذين جادلوا ضد جمود التعليم النظامي، ونادوا بوجود «تعليمٍ بديل» للتعليم النظامي، وهو ما حدث بإنشاء «برنسون ألكوت» عام 1838 مدرسة موازية للتعليم النظامي ترفض التلقين والحفظ، وتشجع على الحوار والروحانيات. وبنفس المنطق أنشأ «جون دووي» و«فرانسيس باركر» حركة التعليم التقدمي، والتي تطورت حتى الستينات والسبعينات؛ لتصبح حركة اجتماعية تدعو إلى التعليم الحر. إلى أن اعترفت الدولة بوجود مدارس غير نظامية، تقدم تعليمًا يركز على الجانب الإبداعي أكثر. ومع ظهور اقتصاد السوق والسياسات «النيو ـ ليبرالية» الأمريكية ظهرت هذه المدارس، كمدارس خاصة في الدولة.

«التعليم البديل» في الوطن العربي

كانت أولى محاولات الحديث عن التعليم البديل عربيًا، في مصر، ومن خلال كتيب«أصول التربية وفن التدريس»، الذي كتبه المُعلِّم «أمين مرسي قنديل» عام 1914. وقد كان هذا الكتيب دليلًا لإرشاد الطلاب في «مدرسة المدرسين العليا»؛ من أجل أن يكونوا مُدرّسين أكفاء؛ فكان يرفض الحفظ والتكرار، ويشجع على التفكير النقدي والتصوري. ويعطي الكتاب بعض النصائح، مثل طرح التساؤلات داخل غرفة التدريس، فضلًا عن تشجيع المدرسين للطلاب بمحاولة الإجابة على تساؤلات أصدقائهم بطريقة تعاونية، فضلًا عن تقديم النصح للمعلم، بعدم اعتبار الإجابة «جيدة»، إلا عندما يُبدي الطالب قدرًا كافيًا لها من التفكير، كما أن الكتاب يؤسس على أن المدرس مجرد ميسر للعملية التعليمية، وإنما الجزء الأكبر يقع على عاتق الطالب نفسه، الذي يجب أن يُطلق له العنان في التفكير. كما أنه يشجع على استخدام أدوات مرئية؛ للتعلم داخل غرفة التدريس.

ومن هنا يمكننا ملاحظة تقدمية هذا الكتيب الذي كُتب عام 1914 أي قبل ظهور مثل هذه الأفكار في الوطن العربي، مع اقتصار التعليم حينها على طبقات معينة من المجتمع دون غيرها، وذلك بحسب الباحثة «فريدة مقَّار» التي أجرت رسالة الماجستير الخاصة بها على تحليل هذا الكتيب. وبعد هذا الكتيب نجد أن ما حدث هو معاكس تمامًا لما دعا إليه قنديل؛ إذ نجد أن التعليم النظامي أحكم قبضته، وأن الدولة احتكرت العملية التعليمية بالكامل، فضلًا عن كونها تعتمد بشكل أساسي على التلقين والحفظ والتكرار، وذلك إلى يومنا هذا.

الأنواع

كما ذكرنا في البداية، فإن الأنواع ـ ربمَّا ـ تكون إحدى طرق التعريف. ويضم التعليم البديل عددًا كبيرًا من الأشكال والأنواع، كما أن هذه الأنواع غير نهائية، أي أنها مفتوحة، ويمكن إضافة وابتكار أنواع وأشكال جديدة مختلفة للتعليم النظامي، فتصبح تعليمًا بديلًا.

فمنذ ظهور مفهوم «التعليم البديل»، صاحبه ظهور أنواع مدارس غير نظامية سُميت على أسماء مبتكري مناهجها، مثل مدارس «منتسوري»، التي ترجع إلى الدكتورة الإيطالية «ماريا منتسوري»؛ والتي تعتمد مناهج تستهدف بشكل أساسي الجانب الروحي والجسدي للطفل، ومدارس «رالدورف»، التي أسسها «رادولف شتيجر»، وتهدف إلى التعليم؛ لتقفيف الأفراد؛ بهدف تحريرهم، وجعلهم قادرين على خلق السلام في المجتمع.

وتعتبر مثل هذه المدارس منتشرة بشدة؛ إذ توجد في أكثر من ستين دولة حول العالم، ولكنها قليلة جدًا في مصر والوطن العربي، بالإضافة إلى كونها باهظة الثمن.

كما أن هناك المدارس الديمقراطية والحرة والتي تعتمد على القدرة الإبداعية للطفل بشكل أساسي؛ إذ ترفع شعار أن «الحرية هي المعيار الأول والوحيد للتعلم»، بالإضافة إلى كونها تترك حرية اختيار المواد والمناهج وطرق التدريس للطالب، وتضمن إدارة العملية التعليمية بالتشاور ما بين المدرس والطالب.

وتعتبر الحلقات النقاشية أحد أشكال التعليم البديل؛ إذ يوجد عليها اختلاف من قِبل الخبراء حول كونها تعليمًا بديلًا من عدمه، لكن قد يعتبر الأغلبية أنه تعليم مُكمِّلً. وهي عبارة عن مجموعات من الأفراد، من خلفيات مختلفة، ويجتمعون لمناقشة موضوع في جلسات دورية. وقد يترجم ذلك بالفعل في صورة نادي سينما، أو نادي كتاب؛ إذ تجتمع مجموعة من الأفراد لمشاهدة ومناقشة فيلم ما، والتعليق عليه، أو لقراءة وتحليل كتابٍ ما، ومناقشة موضوعه.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين؛ إذ انتشرت شبكة الإنترنت في العالم، نجد عدة أنواع وأشكال مختلفة للتعليم البديل، مثل التعليم عن بُعد عبر شبكة الإنترنت، أو ما يعرف بـالـ MOOCs ، وهي النموذج الأكثر نجاحًا، وسهولة، والأقل تكلفة للتعليم البديل؛ إذ يقوم عدد من المتخصصين في مجالٍ ما بتسجيل مقاطع فيديو؛ تشرح جزءٍ ما، في مجاله، بطريقةٍ مختلفة، ويقوم بنشره على شبكة الإنترنت؛ حتى يستطيع أي شخص في العالم أن يشاهده؛ ليتعلم شيئًا ما. الأمر تطور حتى أصبحت جامعات كبرى حول العالم تستخدم هذا النموذج؛ لتقوم بنشر محتويات دراسية لمجالات كاملة في مقاطع فيديو مشروحة بطرق مبتكرة تستخدم ألعابًا، ورسومات بيانية، وأشكالًا هندسية؛ لتوصيل المعلومة.

وعلى الرغم من قدرة التعليم عبر شبكة الإنترنت على إمدادك بمعلومات تشمل تخصصًا ما بأكمله، إلا أن معظم الآباء، لا يثقون في أن يكون التعليم الأساسي لأبنائهم عن طريق الإنترنت، وبالتالي قد يعتبره بعض الآباء مكملًا، وليس بديلًا.

أمَّا التعليم المنزلي، فيعتبر أحد الأنواع الجدالية فيما يخص التعليم البديل؛ إذ إنه عبارة عن نظام تعليمي بديل للتعليم الرسمي يعتمد على الأب والأم في القيام بالعملية التعليمية، ويتلقى الطفل تعليمه في المنزل أو أي مكان آخر دون الذهاب إلى المدرسة، ويهدف إلى تطوير الشخصية الإنسانية، ولكن العائق الأكبر الذي يواجهه التعليم المنزلي، هو عدم اعتراف الدولة به، فضلًا عن صعوبة تفرغ الوالدين بالكامل من أجل تعليم أطفالهم، ما يُصعِّب تنفيذه في عدد كبير من دول العالم.

وفي الوطن العربي، وبعيدًا عن الدول الغربية، ظهر شكل جديد من أشكال التعليم البديل، وهو ما يُعرف باسم «التعليم التراثي» والذي يهدف إلى إعادة التواصل المفقود بين علماء الأمة وشبابها، ويعتمد على توفير بيئة ملائمة لطلاب العلم؛ تساعدهم على الدراسة بأن توفر لهم المكان الأمثل لتلقي العلم؛ فقد يكون ذلك على الطراز الإسلامي، على سبيل المثال لإحياء مركزية المسجد كأحد القيم الحاكمة للتعلُّم، مثل مبادرة «شيخ العمود» المصرية.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك