الماسونية (Freemasonry) هي حركة أخوية عالمية ظهرت في شكلها التنظيمي الحديث في أوائل القرن الثامن عشر، ويُعد عام 1717 محطة مركزية في تاريخها مع تأسيس “الهيئة الكبرى للماسونيين الأحرار” (Grand Lodge) في لندن. تعرّف الماسونية نفسها بوصفها “منظومة أخوية فلسفية أخلاقية رمزية”، وتزعم أنها تهدف إلى الارتقاء بالفكر والأخلاق وخدمة الإنسانية، مستندة إلى الرموز المستمدة من مهنة البناء.
الجذور التاريخية:
تتعدد الفرضيات الأكاديمية حول أصل الماسونية، وأبرزها:
-
الفرضية البنّائية: ترجع أصولها إلى النقابات الحرفية للبنّائين في العصور الوسطى، خاصة في بريطانيا واسكتلندا. هذه النقابات كانت تتمتع بتنظيم دقيق وأسرار مهنية وشعائر رمزية.
-
انظر: Stevenson, D. The Origins of Freemasonry: Scotland’s Century, 1590–1710. Cambridge University Press, 1988.
-
-
الفرضية الفلسفية-الرمزية: ترى أن الماسونية تطورت من جمعيات فكرية رمزية (مثل الروزكروشيين Rosicrucians) تجمع بين الفلسفة والعلوم الباطنية.
-
انظر: Yates, Frances A. The Rosicrucian Enlightenment. Routledge, 1972.
-
البنية التنظيمية:
-
الماسونية منظمة في “محافل” (Lodges) محلية تنضوي تحت “هيئات كبرى” (Grand Lodges).
-
هناك درجات ماسونية أساسية تُكتسب تدريجيًا:
-
المتدرّب (Entered Apprentice)
-
الزميل (Fellow Craft)
-
الأستاذ (Master Mason)
-
العقائد والممارسات:
-
الماسونية ليست دينًا، لكنها تشترط على أعضائها الإيمان بكائن أسمى يُشار إليه بـ”المهندس الأعظم للكون” (Great Architect of the Universe).
-
الطقوس الماسونية رمزية وتعتمد على أدوات البناء كرموز للفضائل الإنسانية (مثل الفرجار والمسطرة).
-
لا تناقش المحافل الماسونية الدين أو السياسة داخليًا.
الانتقادات والجدل:
-
واجهت الماسونية عبر تاريخها رفضًا شديدًا من الكنيسة الكاثوليكية، التي حرّمت الانتماء إليها منذ عام 1738 بمرسوم البابا كليمنت الثاني عشر In Eminenti Apostolatus Specula.
-
في العالم الإسلامي، أدانتها جهات دينية مثل الأزهر (بيان 1978)، وربطها بعض الخطابات السياسية والإعلامية بالصهيونية أو نظريات المؤامرة، ولكن دون أدلة علمية موثقة تربط التنظيم بشكل رسمي بتلك الادعاءات.
-
للمزيد حول هذا الجدل: Hamill, J. & Gilbert, R.A. (eds.), Freemasonry: A Celebration of the Craft. JG Press, 1992.
-
الدراسات الأكاديمية حول الماسونية:
الدراسات العلمية عن الماسونية أصبحت أكثر حيادية وموضوعية في العقود الأخيرة، وتركز على:
-
دورها في الحركات الفكرية في عصر التنوير.
-
علاقتها ببعض النخب السياسية والثقافية في أوروبا وأمريكا.
-
الطابع الطقوسي والرمزي لها وتأثيره على البناء الهوياتي لأعضائها.
مراجع أكاديمية إضافية:
-
Jacob, Margaret C. Living the Enlightenment: Freemasonry and Politics in Eighteenth-Century Europe. Oxford University Press, 1991.
-
Bullock, Steven C. Revolutionary Brotherhood: Freemasonry and the Transformation of the American Social Order, 1730–1840. University of North Carolina Press, 1996.
(1) الماسونية وعصر التنوير الأوروبي
أهمّية هذا المحور: الماسونية لم تكن مجرد حركة أخوية، بل لعبت دورًا في تشكيل العقل الحديث خلال القرن الثامن عشر، من خلال احتضانها لقيم العقلانية، التسامح الديني، وفصل الدين عن الدولة.
أبرز النقاط:
-
جذبت الماسونية شخصيات تنويرية بارزة مثل فولتير (Voltaire)، بنيامين فرانكلين (Benjamin Franklin)، وغوته (Goethe).
-
شكّلت المحافل الماسونية فضاءات آمنة لتداول الأفكار الليبرالية والتنويرية بعيدًا عن رقابة الكنيسة والدولة.
-
ساهمت في نشر قيم حرية الضمير، والإيمان بالعلم والتقدم، والعدالة الاجتماعية.
مرجع علمي رئيس:
-
Jacob, Margaret C. Living the Enlightenment: Freemasonry and Politics in Eighteenth-Century Europe. Oxford University Press, 1991.
دراسة رائدة تناولت كيف لعبت المحافل الماسونية دورًا في خلق “ثقافة عامة جديدة” ساهمت في تشكيل الديمقراطيات الأوروبية.
(2) الماسونية وموقف الأديان منها (خصوصًا الكنيسة الكاثوليكية والإسلام)
أهمية هذا المحور: الماسونية كانت على الدوام موضوعًا للصراع مع المؤسسات الدينية، خاصة بسبب سرّيتها وطرحها لقيم دينية/أخلاقية موازية للعقائد التقليدية.
أبرز النقاط:
-
الكنيسة الكاثوليكية أدانت الماسونية في أكثر من 20 مرسومًا رسميًا منذ عام 1738، أهمها مرسوم البابا لاون الثالث عشر Humanum Genus عام 1884، الذي اتهم الماسونية بمحاولة “إسقاط الدين المسيحي”.
-
الانتقاد الديني تمحور حول:
-
نسبيّة الماسونية في التعامل مع العقيدة.
-
اعتبارها الإنسان مركزًا للكون.
-
غموض عقيدتها حول “الإله”.
-
-
الإسلام الرسمي (مثل الأزهر وهيئات الإفتاء في السعودية والمغرب) أصدر فتاوى بتحريمها، خاصة بسبب اتهامها بـ”خدمة الصهيونية” أو “تقويض القيم الإسلامية”، ولكن هذه المواقف كثيرًا ما افتقرت إلى دراسة ميدانية أو تاريخية علمية للمحافل.
مراجع موثوقة:
-
Ferrer Benimeli, José A. La Masonería en la España del siglo XX. Editorial Siglo XXI, 1982.
-
Vatican. Humanum Genus (Encyclical of Pope Leo XIII, 1884).
-
محمود حمدي زقزوق. الماسونية في ميزان الإسلام. دار المنار، القاهرة، 1985. [دراسة فقهية تقليدية].
(3) الرمزية والطقوس في الماسونية
أهمية هذا المحور: الرموز والطقوس تلعب دورًا جوهريًا في تشكيل الوعي الماسوني، وتُستخدم كأدوات لتعليم المبادئ الأخلاقية والفلسفية.
أبرز الرموز:
-
الفرجار والمسطرة: يرمزان إلى ضبط النفس والعقلانية.
-
الحجر غير المشذّب: يرمز إلى الإنسان قبل تهذيبه.
-
الهيكل الماسوني: يستحضر صورة هيكل سليمان، وله بعد رمزي في بناء النفس.
طقوس المراتب:
-
يتم الانتقال من مرتبة لأخرى عبر طقوس رمزية وشعائر سرّية تتضمن القسم، المرور بـ”امتحانات”، وتعليم رموز جديدة.
-
تُستعمل الطقوس لبناء “هوية أخلاقية” ولخلق “مجتمع رمزي بديل”.
مرجع أكاديمي رئيس:
-
Snoek, Jan A.M. Initiating Women in Freemasonry: The Adoption Rite. Brill, 2012.
-
Hammer, Rebekah. The Masonic Lodge as a Ritual Community: Symbol, Order, and Meaning. Religions, vol. 10, no. 7, 2019.
يناقش كيف تُستخدم الطقوس لبناء مجتمع متخيل أخلاقي.



