ما لا تعرفه عن نوسْتْرَداموس أشهر منجّم في التاريخ

نوسْتْرَداموس Nostradamus هي الصيغة اللاتينية التي استخدمها ميشيل دي نوستردام Michel de Nostredame عندما نشر كتابه الشهير «النبوءات» Les Prophétiesت(1555م)، وهو طبيب ومنجِّم فرنسي. ولد في سان- ريمي- دي- بروڤنس- Saint-Rémy-de-Provence في جنوبي فرنسا وتوفي في مدينة سالون Salon في المنطقة نفسها. كان والده جوم Jaume كاتباً بالعدل، وكان جده لأبيه Guy Gassonet يهودياً تحول إلى الكاثوليكيةنحو عام 1455 واتخذ لنفسه الاسم المسيحي بيير نوستردام. وكان جداه لأبيه وأمه بارعين للغاية في الرياضيات والطب. ومن إخوته وأخواته الثمانية برز أخوه جان Jean قوَّالاً وراوي شعر بارعاً، وضع كتاباً عن كبار الشعراء القدامى في منطقة البروڤنس. لا يُعرف كثير عن طفولة نوسْتْرَداموس سوى أنه تلقى تعليمه الأساسي على يد جده لأمه، ثم انتسب إلى جامعة أڤينيون Avignon لدراسة الطب والفلك وهو في الخامسة عشرة من عمره. وعند انتشار الطاعون في المدينة أُغلقت الجامعة، فانتقل نوسْتْرَداموس إلى جامعة مونبلييه Montpellier، وبدأ ممارسة مهنة الطب نحو عام 1526، واشتهر بابتكاره طرائق جديدة وناجعة في محاربة الوباء فذاع صيته شافياً.

وفي عام 1531 دعاه الطبيب والعلامة اللغوي جوليو شيزاره سكالِجيرو[ر]J.C.Scaligero إلى زيارته في مدينة آخِن، حيث استقر مدة أربع سنوات، تروي بعض المراجع أنه تعلم في أثنائها اللغة العربية واطّلع لدى سكالِجيرو على كتب ومخطوطات عربية في الطب والفلك والفلسفة كانت محظورة من جانب محاكم التفتيش الإسبانية والكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، فتفتحت آفاق معرفته ووعيه. كما تزوج هناك وأنجب ابنتين، إلا أن الوباء حصدهما مع والدتهما، مما أدى – إلى جانب ضغط الرقابة الكنسية – إلى مغادرته فرنسا إلى إيطاليا ثم إلى شمالي فرنسا وغربيها، إلى أن عاد إلى منطقة البروڤنس نحو عام 1545 ليشارك مجدداً في حملات قاسية وناجحة ضد أوبئة عدة دهمت المنطقة حينذاك، حتى استقر أخيراً في سالون وتزوج الأرملة الثرية آنْ بونْسارAnne Ponsard وأنجب منها ثلاث بنات وثلاثة أبناء، وأسهم مع زوجته في مشروعات ري وزراعة ناجحة في محيط سالون بحيث اطمأنت العائلة إلى وضعها المادي.

بدأ نوسْتْرَداموس تدوين نبوءاته نحو عام 1547، إلا أنه لم ينشرها حتى عام 1555 بعنوان «مئويات» Centuries والتي عُرفت من ثم في طبعاتها الموسعة والمنقحة اللاحقة بعنوان «نبوءات»؛ وهي مجموعة من الرباعيات quatrains الشعرية المقفَّاة، كل خمس وعشرين منها تعادل مئة بيت (مئوية centurie). احتوت الطبعة الأولى المئويات السبع الأولى مع رسالته الموجهة إلى ابنه البكر سيزار César التي يؤكد فيها أنه ليس نبيّاً، وإنما هو يُفرغ ما في روحه من رؤى لتحذير البشرية وتنويرها. أما طبعة مدينة ليون عام 1568 فقد احتوت المئويات الثلاث الأخيرة، إضافة إلى رسالته إلى ملك فرنسا هنري الثانيHenri II.

وقد زاد هذا المؤلَّف في شهرة الشافي ومبتكر الأدوية العشبية والمربيات والعطور وأسلوب الاقتداء بالطبيعة في العيش. ومن ناحية أخرى أثار المؤلَّف اهتمام دوائر عديدة من حيث موضوعه (القدرة على التنبؤ، ومصداقية ذلك)، وكذلك من حيث أسلوبه التعبيري. فما يلفت النظر على الصعيد العلمي آنذاك هو أن نوسْتْرَداموس لم يكتب مؤلفه باللغة اللاتينية، وإنما بالعامية الفرنسية المتفرعة من الأصل اللاتيني، والتي صارت من ثم لغة فرنسا القومية. وهذا ما ساعد على انتشار الكتاب ورواجه بين عامة القرّاء من غير النخبة المثقفة باللاتينية. والجانب الآخر هو القيمة الأدبية لهذا المؤلَّف من حيث غنى قدرته التعبيرية شعراً عن أمور بالغة التعقيد والخطورة والجرأة، كموضوع النبوءة، مما اضطر نوسْتْرَداموس إلى اللجوء إلى أسلوب التورية والمجاز والترميز للدلالة عمّا يريد قوله من دون التورط في صدام مع الكنيسة ومع كثير من الأعداء المحتملين، مما أثبت الطاقة التعبيرية لهذه اللغة وغناها المتنوع وأسهم في احتلالها مكانة اللغة القومية للشعب الفرنسي. وما يجدر ذكره هنا هو أن التنجيم  حينذاك كان قد بلغ إحدى ذراه التاريخية في معظم أنحاء أوربا الغربية. ومن دلائل ذلك أن ملك فرنسا هنري الثاني قد التقى نوسْتْرَداموس مرات عدة وأكرمه بهدايا ملكية. أما زوجته كاترين دي مديسيسCatherine de Médicis فقد طلبت من نوسْتْرَداموس أن يقرأ لها طالع أبنائها من هنري الثاني ومستقبلها الذاتي. وعندما تُوِّج شارل التاسع ملكاً لفرنسا صار نوسْتْرَداموس طبيبه الخاص عام 1560.

تعرضت «نبوءات نوسْتْرَداموس» لتأويلات متعددة من قبل علماء ودجالين من مختلف المستويات الاجتماعية والفكرية، مما أدى في عام 1781 إلى حظرها وسحب نسخها من السوق من قِبل المجلس الكاثوليكي للرقابة على المطبوعات. لكنها بقيت مثار جدل وتأويل وترجمة متعددة حتى اليوم، ولاسيما ما يتعلق بأحداث الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية وهتلر والنازية، حتى أحداث مركز التجارة العالمي في 11/أيلول/سبتمبر/2001. ويرى بعض الباحثين أنه ليس في «النبوءات» من جديد، إذ إنها قد وردت باللاتينية في كتابات كثيرة أسبق، ولاسيما عند سافونارولا[ر].

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك