كيف تعامل المصريون القدماء مع أحلامهم؟

كيف تعامل المصريون القدماء مع أحلامهم؟ – محمد شعبان

لعبت الأحلام دوراً كبيراً في مصر القديمة على المستويين السياسي والاجتماعي. وكان لها مؤسساتها المتخصصة في تفسيرها، بل وصناعتها، وكانت وسيلة لإصباغ الشرعية الدينية على بعض الحكام.

لم يكن المصريون القدماء ينظرون إلى الحلم باعتباره حدثاً نفسياً داخلياً. وبحسب الدكتور أحمد كامل عاطف في كتابه “الأحلام في عقيدة المصريين القدماء”، إنهم كانوا يعتقدون بوجود قوى خارجية غيبية، حملت الأحلام إليهم طبقاً لأحوالهم، ثم كان للحلم مغزى على المستويين العقائدي والاجتماعي.

أحلام الملوك: التوظيف السياسي

ظهور الآلهة في أحلام الملوك تحمل دلالة معينة. أشار كامل في كتابه إلى أنه غالباً ما تكون الرسالة المتلقاة بواسطة الحلم سياسية أو تاريخية، كأن يطلب الإله من الملك إصلاح وترميم هيكله المتهدم، وهذا ما يبرر أعمال سونسرت الأول في معبد اليفانتين في أسوان. وقد يعد الإله بتحقيق النصر قبيل قيام المعارك الحربية، كما حدث لكل من أمنحتب الثاني ومرنبتاح، وفي بعض الحالات كان الإله يعلم فرعون المنتظر بأنه اختاره ليعتلي العرش، وهو ما حدث لـ”تانوات آمون”، الذي فسر رؤياه باعتلائه عرش كوش ومصر، أو كما رأى تحوتمس الرابع أثناء غفوته الإله حور إم آخت، يعده بالعرش شريطة أن يزيح الرمال عن تمثال أبي الهول بالجيزة، الذي يمثل أحد مظاهره.

وكثيراً ما ازداد تمسك بعض الملوك بالدين وكرامات معبودهم الأكبر “آمون رع”، كلما شعر أحدهم بشبهة يمكن أن تمس شرعية ولايته للعرش، حينئذٍ يسارع عبر الأحلام إلى تأكيد تدخل “آمون” رب الدولة بنفسه في اختياره، أو يسارع بتأكيد بنوته المباشرة له نتيجة لتقمصه روح أبيه حين أنجبه.

وأوضح كامل أن هذا حدث مع تحوتمس الرابع، الذي كان له عدد من الأخوات من أمهات مختلفات، وفي سبيل تأييد حقه في العرش، أشاع قصة عُرفت اصطلاحاُ باسم “قصة الرؤيا”، ومؤداها أنه في إحدى رحلات صيده للغزلان بصحراء الجيزة آوى إلى الظل بجوار تمثال أبو الهول، وأخذته سنة من النوم، فرأى الإله فيها يتحدث إليه، ويقول له في ما روي: “ولدي تحتمس.. تأملني فأنا أبوك، إني واهبك ملكي على الأرض لتصبح سيداً على الأحياء وستكون لك الأرض بطولها وعرضها”.

تفسير الأحلام، الرموز ودلالتها

من المبادئ المهمة التي اعتمد عليها المصريون القدماء في تفسير أحلامهم، أن أي حلم يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة تبعاً للشخصية، لذلك يجب معرفة تخصص هذا الشخص ووضعه وحالته الاجتماعية، ومركزه المالي، وحالته الصحية وعمره، بحسب ما يقول المؤلف.

ورغم ذلك، وجد اتفاق ما على تفسير عدد من الأحلام الرمزية. على سبيل المثال، الذي يقوم بأعمال بناء في بيته، يعني أن حياته ستدوم طويلاً، والتفسير نفسه ينطبق أيضاً على من مات في منامه. وإذا رأى رجل في حلمه أنه ينظر في بئر ماء عميقة، فهذا يعني أنه سيوضع في السجن، فالبئر العميقة تؤكد على فكرة احتباس الماء. ومن رأى نفسه مع من هو أكبر منه، بُشر بالترقية إلى منصب أكبر. أما اشتعال النار في الفراش، فهو نذير بطلاق الزوجة، ورؤية الرجل نفسه في المرآة كناية عن نفس ثانية معه، أي أنه سيتخذ زوجة ثانية.

وفي العادة، يفسر الحلم في أحداث مشابهة، فمن يرى أنه يشرب دماً فهو ينتظر كفاحاً أو عراكاً، ومن يحلم بأنه يشرب من البول الخاص به، سوف يعيش بفضل ابنه، لأن مدلولات البول والنطفة وكذلك الابن متداخلة، والسيدة التي تلد قطة ستلد أبناءً كثيرين، لأن القطة خصبة الإنجاب.

أماكن تفسير الأحلام: دور الحياة

عُرفت دور الحياة في مصر منذ الدولة القديمة. ذكر كامل أنها كانت توجد في المعابد الكبيرة مثل معبد الإله “مين” في مدينة “فقط” جنوب مصر، ونُظر إليها باعتبارها نوعاً من الأكاديميات أو المعاهد العليا أو الجامعات أو المكتبات، إذ جمعت بين العلوم المختلفة وكذلك العلماء والكتبة الذين لقبوا بألقاب عديدة منها “كتبة دار الحياة العارفون بالأشياء” و”علماء دار الحياة”، و”هيئة دار الحياة”، وكان يفترض بهم الإلمام بالسحر وفنونه والطب والمعارف العامة والدين.

وبالإضافة إلى تفسير الأحلام، كان يُرجع إلى علماء دور الحياة، من أجل بعض الشؤون الدينية، والتحري عن الصيغ السرية للآلهة، وتأليف أناشيد التعبد للملوك، وتبين العلامات الإلهية في الحيوانات المقدسة، وصياغة الألقاب المناسبة لها.

صناعة الأحلام: استدعاء الآلهة

في مصر القديمة معابد مكرسة لحضانة الأحلام، أي صناعتها أو إحداثها عمداً، مع كهنة مقيمين بشكل دائم عرفوا بـ”سادة الأمور السرية”، وذلك لأغراض متعددة، منها تشخيص الأمراض والتعامل مع العلل عبر استدعاء الآلهة في الأحلام. فمن ينام في مكان مقدس يأمل أن تحضر الآلهة إليه، وإن لم يعط إجابة على الأسئلة بواسطة فم خاص، فإنه ربما يجد الإجابة في الدعاء والصلاة، وفق ما ذكر الكتاب.

أصحاب الأحلام المتوقعة تطلب منهم ممارسة أنواع مختلفة من السلوكيات، منها عدم الإسراف في أنواع معينة من الأطعمة والمشروبات، مثل النبيذ واللحوم والبقول، وكذلك أي تعاملات جنسية. وكان عليهم أن يجتازوا طقوس التنظيف في الماء البارد. وفي الليل كانت هناك خدمات على ضوء المشاعل تشتمل على صلوات جياشة. وفي النهاية، كان المرضى ينامون في مهجع خاص، فيه عدد كبير من الثعابين الصفراء التي لا تؤذي.

وعند استيقاظهم في اليوم التالي، بخبر المرضى أن الإله أتى في أحلامهم ونصحهم باستخدام دواء معين وأغذية، كي يتعاملوا مع أمراضهم وعللهم، وفي بعض الحالات كان المرضى يتم شفاؤهم في الليل.

أحلام الخوف

ذكر الكتاب أن المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن أحلام الخوف أو الكوابيس تصيب أصحابها بأضرار صحية، تحدثها عن طريق أساليب شيطانية، وعن طريق الأموات أو القتلى، وأن منع ظهورها ومعالجتها يكون عن طريق السحر أو الدواء.

تغطية الوجه، التي ما زالت عادة شرقية حتى الآن، هي إجراء احتياطي وقائي اتبعه المصريون القدماء ضد ظهور أحلام الخوف. وهناك وصفات طبية كان يتم تحضيرها لحماية السيدات الحوامل من الكوابيس، لأنها تهدد بحدوث أضرار للجنين وهو في رحم أمه.

وكانت هناك تعويذة أو رقية، يقولها المرء الذي يصاب بالأرق نتيجة هذه الكوابيس، وتتلى بعدما يأخذ خبزاً وأعشاباً طبية طازجة نقعت في جعة ومر، ويقوم بتدليك وجهه بها، فتذهب عنه كل الأحلام الشريرة التي يراها. وكان على الفرد ألا يحكي تفاصيل حلمه المزعج حتى لا يصبح حقيقة.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





-->

تعليقات الفيسبوك