قصص مكذوبة في السيرة النبوية وتاريخ الصحابة !

قصص مكذوبة في السيرة النبوية وتاريخ الصحابة – بقلم: باسم محمد حسن

امتلأت الكتب التاريـخية الدينـية، والتي تـختص بأخبار السـيرة النبوية، وقصص الصحابة والتابعين، بالعديد من المغالطات والأكاذيب والحكايات المدسوسة، وظلت تتداول على لسان العوام إلى أن وصلت لدرجة المأثورات على منابر الصلوات، ودروس الوعاظ، وطلبة العلـم، بالرغـم من أن تـحقيق تلك القصص من الأمور اليسيرة على أي عالـم مـحدث.

وفي مقالتنا اليوم نستطلع بعض تلك القصص المكذوبة والأسانيد الحقيقية لكل قصة، ودرجة مصداقيتها.

اليهودي جار رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تعتبـر قصة الرجل اليهودي جار رسول الله في المـدينة، والذي كان يضع القاذورات والشوك بـجوار بيته الشـريف، أحد أشهـر القصص المكذوبة والمتداولة علة ألسنة العامة، والقصة في سندها متداولة عن حـديث لأبي هريرة يقول «كنا جلوسًا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اذهبوا بنا نعود جارنا اليهودي. قال: فأتيناه، فقال: كيف أنت يا فلان؟ فسأله، ثم قال: يا فلان، اشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فنظر الرجل إلى أبيه، فلم يكلمه، ثم سكت، ثم قال وهو عند رأسه، فلم يكلمه، فسكت، فقال: يا فلان، اشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فقال له أبوه: اشهد له يا بني. فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال : الحمد لله الذي أعتق رقبة من النار»، وبالرغـم من ضعف الرواية والـحديث، إلا أن العامة والزهاد زادوا في القصة، فاخترعوا لليهودي تلك القصة المشهور؛ ليسوغوا زيارة الرسول له، وهي في كل الأحوال كاذبة؛ فاليهود لم يكونوا بـجوار رسول الله، بل ظلت أحياؤهم معروفة في منطقة «بني النضيـر وقينقاع»، ولم يـحدث أن خالط اليهود المسلمون لهذه الدرجة من القرابة، كذلك كيف يمكن تصور سكوت الصحابة عن ذلك الفعل، وهـم أكثر حـمية للرسول الكريـم ودفاعًا عنه، لذلك، وبـمجرد قراءة القصة بكل ظروفها العامة نكتشف حـجم التدليس الواضـح والمكشوف.

قصة العنكبوت والحمامة على غار ثور:

لانريد تشتيت معلوماتكـم، بل إعادة صياغتها من جديد، وقصتنا التالية هي أيضًا قصة مشهورة، ليس عليها دليل واحد يؤكدها: فالـجميع يعـلـم أنه، وفي هـجرة الرسول إلى المدينة خرج مع صاحبه «أبي بكر الصديق»، وكان فتيان قريش قد أدركوهـم على باب غار ثور بـ«عنكبوت» قد نسـج خيوطه، وحـمـامتين ترفرفان بـجانب شـجرة أنتبها الله بالقرب من الغار، وفي الـحقيقة فإن القصة ليست صـحيحة، بالرغـم من أنها سُـجلت في العديد من الأحاديث المروية، فالـشاهد هنا ورود اسـم «بشار الـخفاف»، وهو منكر الحديث عند البخاري، وضعيف عند العديد منهم، كذلك الناقل له هو «المعلي بن زياد بن الحسـن»، وقد ذكره الإمام ابن كثيـر بأنه «ضعيـف وكثيـر الغلط»، كذلك ذكر ابن كثيـر في كتابه «البداية» أن القصة بها العديد من المكذوبين المدلسين، واستدل بقوله تعالى «فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها»، وهو ماينفي أن الـجنود تلك كانت لتكون عنكبوت وحـمـاتين لانتفاء الرؤية في الأساس، كذلك لم يرو أبو بكر صديق الرسول ماذا حدث في تلك الواقعة، ولم نر حديثًا واحدًا منسوبًا إليه، بالرغـم من كل ذلك، وهو ما يضعف موقف القصة.

قصة عمر بن الخطاب مع القتلة:

جاء أشـخاص بقاتل، وقالوا: يا أمير المؤمنين! نريد منك أن تقتص لنا من هذا الرجل؛ فقد قتل والدنا، قال عمر بن الخطاب: لماذا قتلته؟ قال الرجل : إني راعى إبل، وأعز جمالي أكل شجرة من أرض أبوهم، فضربه أبوهم بحجر، فمات فأمسكت نفس الحجر، وضربته به، فمات.

قال عمر بن الخطاب: إذن سأقيم عليك الحد، قال الرجل: أمهلني ثلاثة أيام؛ فقد مات أبي، وترك لي كنزًا أنا وأخي الصغير، فإذا قتلتني ضاع الكنز، وضاع أخي من بعدي ،فقال عمر بن الخطاب: ومن يضمنك، فنظر الرجل في وجوه الناس، فقال: هذا الرجل. فقال عمر بن الخطاب: يا أبا ذر هل تضمن هذا الرجل؟ فقال أبو ذر: نعم يا أمير المؤمنين،

فقال عمر بن الخطاب: إنك لا تعرفه، وإن هرب أقمت عليك الحد، فقال أبو ذر أنا أضمنه يا أمير المؤمنين.

ورحل الرجل ومر اليوم الأول والثاني والثالث، وكل الناس كانت قلقله على أبي ذر؛ حتى لا يقام عليه الحد، وقبل صلاة المغرب بقليل جاء الرجل، وهو يلهث وقد اشتد عليه التعب والإرهاق، ووقف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. قال الرجل : لقد سلمت الكنز وأخي لأخواله، وأنا تحت يدك لتقيم علي الحد،  فاستغرب عمر بن الخطاب، وقال: ما الذي أرجعك؟ كان ممكن أن تهرب! فقال الرجل: خشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس، فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس. فتأثر أولاد القتيل، فقالوا: لقد عفونا عنه، فقال عمر بن الخطاب: لماذا؟ فقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس».

أعتقد أننا قرأنا هذه القصة مرارًا على «فيسبوك» وخلافه، وهذه القصة للأسف مكذوبة، ولم نرها مدونة سوى في كتاب «إعلام الناس بما وقع للبرامكة» للقاضي «الإنليدي»، وهو ما يعني أن القصة دونت بعد 700 سنة من حـكـم ابن الخـطاب، كذلك قال القاضي «شرف الدين حسين بن ريان» «من أغرب ما سـمـعت في حياتي من الأخبار وأعـجبها!»

قصص مكذوبة متنوعة:

  • ومن القصص الغريبة المتداولة أن السيدة عائشة كانت تُعطر النقود للصدقة، وهو أثر عنها لم نره مكتوبًا في أي كتاب!

  • كذلك عـمر بن الخطاب لم يئد ابنته الصغـيرة؛ لأن أول زوجة تزوجـها هي «زينب بنت مظعون» أخت «عثـمـان بن مظعون»ـ وقال الواقدي وابن الكلبي في الرواية التي ذكرها بعد ذلك ابن كثـير «أن عـمر تزوج زينب في الجاهلية، وأنـجب منها أول بناته وهي حفصة، التي ولدت قبل بعثة النبي بـخمس سنوات»؛ وبالتالي هي أكبر أولاده، ولم نر عـمر فعل ذلك من وأدها كأختها السابقة، وهذا مايُكذب القصة جـملةً وتفصيلًا.

  • وقصة أن الشيطان تمثل في صورة شيـخ نـجدي لقادة قريش في دار الندوة، وهو من أشار عليهم بقتل الرسول في الواقعة الشيهرة، قصة كاذبة أيضًا؛ لأنها منقولة عن «مـحمد بن إسـحاق»، وهو كاذب ومدلس، كذلك كل من نقل عنهم كانوا مُبهمين لم يستدل عليهم، إلا القليل، وذكرهـم السيوطي في «تدريب الراوي» أنهم ضعفاء الحديث، واتفق معه الحافظ ابن حـجر، وابن كثيـر، والواقدي، وابن الكلبي، والبخاري، وغيرهـم في ضعف الرواية نصًا، لكن صدقها موضوع في اجتـماع قريش في دار الندوة.

  • ومن القصص الغريبة والمشهورة جداً قصة «القبطي» الذي سبق «ابن عـمرو بن العاص»، وعندما تعرض للظـلم والضرب سافر إلى عـمر، وعرض شكواه، إلى نهاية القصة المعروفة، وهي قصة رائعة وعظـيـمة، لكن غريبة وواهية أيضًا؛ فقد ذكرت في كتاب «فتوح مصـر» لابن عبد الـحكـم، منقطعة السند عن «أبى عبدة عن ثابت البُنانيعن حُمَيْد عن أنس»، وبالبحث عن القصة من طرف «حُمَيْد» بصفته راويًا للقصة وجدنا أن عدد الرواة مـمن نقلوا قصصه كانوا 73 شـخصًا لم يكن منهم «أبو عبدة أو ثابت البُناني»، وهو ما يعني أنهم واهون وضعفاء، لم نـجدهـم في أية قصة في الأساس، كذلك السند مقطوع من فتوح مصـر، والتـخريـج للرواة ليس حقيقيًا، فـجعل القصة ضعيفة جدًا، لكن، وللأمانة العلمية، فإن الكثير يؤكد تلك القصة لتأكيد قول عـمر «متي أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، وهي مقولته في تلك الواقعة، لكن الأسانيد ليست في صالـح المؤكدين.

المصادر

  • قصة الجار اليهودي

  • الحافظ ابن كثير في ” البداية ” ( 3/181)) عنه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 11/407/12155 ) البغوي في ” تفسيره ” ( 4/174 ) للآية “قصة العنكبوت والغار “

  • قصة “تـحكيم أبليس في دار الندوة ” :- لحافظ ابن حجر في «طبقات المدلسين» في الطبقة الرابعة رقم (9) وقال: «محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بالتدليس ابن حبان». اهـ. الإمام النسائي في «الضعفاء والمتروكين» رقم (241) – أورده الإمام الذهبي في «الميزان» (3/357

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك