ماذا تعرف عن “المجتمع المدني” .. نشأته، رواده، ومراحل تطوره

ماذا تعرف عن “المجتمع المدني” .. نشأته، رواده، ومراحل تطوره – بقلم: محمود حديد

يجمع كثير من الباحثين على النشأة الغربية لمفهوم المجتمع المدني civil society، الأمر الذي يجعل من الصعب البحث عن دلالات هذا المفهوم في اللغة العربية، ويلاحظ وجود تقارب، أو شبه تطابق بين الاشتقاق اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي لهذا المفهوم في أغلب اللغات الغربية؛ فمصطلح citizen يحمل في مضمونه معنى «المواطنة» زيادةً على معنى «المدني»، ولفظ «المواطن» باللاتينية «civis» مشتق من «مدينة»، والمواطن burger بالألمانية مشتق من مدينة burg أيضاً، في حين لا تحمل كلمة «مدينة» أو «مدني» في اللغة العربية أي إشارة إلى مسألة المواطنة، وهذا يؤكد أنه من غير المفيد تتبع تطور دلالات هذا المفهوم في اللغة العربية، حتى في اللغات الأجنبية لا يبدو أن البحث عن الأصل اللغوي للمفهوم كثير الفائدةً، إذ يلاحظ أن معظم المعاجم والموسوعات الأجنبية تخلو من الإشارة إلى مصطلح «المجتمع المدني».

ومن ناحية المصطلح يلاحظ أن تتبع مفهوم «المجتمع المدني» في الثقافات الغربية يشير إلى مروره بمراحل عدّة، تمثلت المرحلة الأولى في انتقال المجتمع من الحالةالطبيعية إلى حالة «التعاقد» وتجاوز المنظور الديني، كما تجسد ذلك في كتابات الفيلسوف توماس هوبز Thomas Hobbes والفيلسوف جون لوك John Locke، ومن ثم في كتابات الفيلسوف والمفكر الفرنسي جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau الذي يرى أن الإنسان ينتقل من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية نتيجة لعملية التعاقد؛ وبذلك تظهر المدينة السياسية أو الهيئة السياسية أو الجمهورية، ويتخذ المشاركون فيها اسم الشعب، ويطلق عليهم اسم المواطنين عندما يسهمون في السلطة السياسية، والرعايا بصفتهم خاضعين لقوانين الدولة، وتشير ثقافة التعاقد إلى تحول أسس العلاقات الاجتماعية باتجاه المصلحة الواعية والانتماء الطوعي، ومن ثم ظهور أشكال مجتمعية جديدة بدلاً من أشكال التضامن الاجتماعي التقليدية.

أما الفيلسوف الألماني هيغل Hegel فيرى أن الأفراد عندما يخرجون عن نطاق أسرهم يصبحون شخصيات مستقلة كل منها غاية في ذاتها، تعامل الآخرين على أنهم وسائل لتحقيق غاياتها، ومن ثم ينشأ اعتماد متبادل فيما بين هؤلاء الأشخاص المستقلين وتنشأ روابط وقواعد تنظم العلاقة فيما بينهم، وهذا ما يسميه هيغل «المجتمع المدني».

ويرى كارل ماركس Karl Marx أن المجتمع المدني يشتمل على جماع علاقات الأفراد المادية ضمن مرحلة معينة من تطور القوى المنتجة.

وقد أدخل الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci رؤية جديدة في المضمون الدلالي لمفهوم المجتمع المدني، بحسبانه مجالاً للتنافس العقائدي، فإذا كان المجتمع السياسي فضاء للسيطرة السياسية بوساطة القوة أو بوساطة السلطة؛ فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة العقائدية، ووظيفة الهيمنة hegemony، هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تمارس بوساطة التنظيمات، التي تدعي أنها خاصة، مثل دور العبادة والنقابات والمدارس.

وبصورة عامة يمكن تحديد الشروط التاريخية لنشوء فكرة المجتمع المدني بمفهومها الحديث والمتميز بظهور عدة معطيات منها:

– رسوخ مبدأ تداول السلطة.

– الوعي بأن تنظيم المجتمع شأن بشري غير مقدس.

– تمييز الفرد بصفته مواطناً، أي بوصفه كياناً حقوقياً قائماً بذاته في الدولة بغض النظر عن انتماءاته المختلفة.

– وعي الفرق بين آليات عمل مؤسسات الدولة وأهدافها ووظائفها وآليات عمل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية وأهدافها ووظائفها.

– وعي الفرق بين مؤسسات المجتمع المدني التي ينخرط فيها الأفراد مواطنين أحراراً تآلفوا طوعياً، وبين التكوينات الاجتماعية التقليدية التي يولد الإنسان فيها ويتحدد موقعه فيها منذ الولادة وفق تراتبية معينة محددة سلفاً.

وبناءً على ما تقدم، فإنه من الصعب إيجاد تعريف محدد لمفهوم «المجتمع المدني»، فقد يضيق ليقتصر على التنظيمات والتجمعات المتنوعة التي تهدف إلى احتواء الفاعلين الاجتماعيين (منظمات، جمعيات، نوادي، هيئات) وتنظيمهم، وقد يتوسع ليشمل، إضافة إلى ما ذكر، الأحزاب والحركات السياسية وتنظيماتها.

ولأن مفهوم «المجتمع المدني» في نشأته وتطوره وصولاً إلى صورته الراهنة يرتبط بالتاريخ الغربي الحديث والمعاصر المتزامن مع ميلاد المجتمع الصناعي وميلاد الدولة الغربية بمعناها الحديث والمعاصر، وبالمقابل فإن استيراد هذا المفهوم من قبل المجتمعات العربية بكل حمولته المعرفية وحتى الوجدانية تزامن مع استيراد (وليس بناء) مؤسسات الدولة الحديثة، لذا فإن استخدام مصطلح «المجتمع المدني» غاب أو انحسر فترة طويلة عن الفكر السياسي العربي للقرن العشرين، خاصة في فترة المد الماركسي والاشتراكي الذي تخلى عن مفهوم «المجتمع المدني» أداة تحليلية تخفي أكثر مما تكشف – بحسب رأيه – وتبنّى مفهوماً أكثر قدرة برأيه على تحليل الواقع الاجتماعي وهو مفهوم الطبقة والصراع الطبقي.

ثم عاد مفهوم «المجتمع المدني» إلى الانتشار مع نهايات القرن الماضي، وقد يكون ذلك بسبب طواعية هذا المفهوم لاستخدامه لأغراض أيديولوجية متباينة، إذ تزامن هذا الانتشار مع حاجة المثقفين العرب من أصحاب خطاب التحديث ـ الذي أخفق على أكثر من صعيد ـ إلى أداة عقائدية جديدة لمواجهة الصعود المتسارع للخطاب الإسلامي، أو إلى بديل من الأدوات العقائدية التي ثبت إخفاقها على أرض الواقع (كالاشتراكية مثلاً).

وبما أن الظاهرة الاجتماعية قد توجد قبل وجود تسمية مطابقة لها، فهذا يعني أنه لابد من وجود مؤسسات معينة كانت تؤدي الدور المفترض لمؤسسات المجتمع المدني الحديثة وإن كان وفق أهداف وآليات مختلفة، وهنا يمكن استحضار التجربة الحضارية العربية، كنظام الأوقاف وتنظيم الحرف والمهن والمدارس الدينية والزوايا والتكايا، في حين يصعب العثور على مؤسسات المجتمع المدني ـ وفق صورتها الغربية ـ في المجتمعات العربية.

وفي حين أن بدايات القرن الماضي كانت تشهد نشاطاً كبيراً وقوياً لمؤسسات المجتمع الأهلي ومع أشكالها التقليدية والمرتبطة عضوياً بالثقافة العربية وبالأديان الإسلامية والمسيحية، فقد أُجبرت تلك المؤسسات التقليدية مع بدايات تشكل الدولة الحديثة على الدخول في أطر مؤسسية حديثة، حتى تتمكن من التعاطي مع بقية مؤسسات الدولة، وتوسع نشاطها ليتجاوز مسألة البر والإحسان إلى مجالات جديدة كالتعليم والبيئة والحقوق المدنية، ولعل هذا من أهم الأسباب التي أدت إلى الخلط الحاصل بين مفهوم «المجتمع المدني» و«المجتمع الأهلي» في المجتمعات العربية، والفقرة الآتية تبحث في أوجه التشابه والتمايز بينهما.

أما في المجتمع العربي فلعل أهم ما يميز أداء منظمات المجتمع المدني هو طموحها لتجاوز العمل الخيري باتجاه التأثير في سياسات الدولة في مجالات جزئية محددة، كالمشاركة في التخطيط والتأثير في صناعة القرار، كما أن أداءها يختلف عن العمل السياسي في تعامله مع الجزئيات من دون تقديم تصور عام بديل في الحياة السياسية، أي من دون أن يهدف إلى تغيير السياسة القائمة ونظام الحكم.

والمشكلة التي تواجه المقاربة الموضوعية لواقع المجتمعين الأهلي والمدني في البلدان العربية، تتمثل في أن انتماء الأفراد إلى هذين المجتمعين لايكون على أساس تعاقدي (بمعنى أن يكون هؤلاء الأفراد توافقوا على خلق مجموعة من الروابط ووضع قواعد للعلاقة فيما بينهم بما يضمن المصلحة العامة للجميع)، بل على الأغلب وفق دوافع تقليدية (رابطة قربى، طائفة)، مرتبطة بالولاء للجماعة الأولية التي يتحدّر منها الفرد، كما أن الامتيازات والصلاحيات الممنوحة للأعضاء ضمن هذه التنظيمات في كلا المجتمعين الأهلي والمدني لا تتأسس على الحقوق المدنية بمقدار ما تتأتى من ارتباطات تقليدية، وهذا يعود إلى أن البنى التقليدية لازالت قادرة على سد حاجات أساسية لدى الأفراد، ومن ثمّ تستطيع القيام بدور الوسيط بين الفرد والسلطة، فهي تؤدي دوراً قمعياً مع الفرد فتظلله بنوع من الحماية، ليس بوصفه فرداً مستقلاً ذا حقوق وإنما بصفته خلية فيها، ومن خلال اعترافها باستبدادية الدولة وليس من خلال رفضها.

يزيد في تعقيد العلاقة بين الفرد وتنظيمات المجتمع المدني الاعتقاد السائد لدى كثير من الجماهير أن المؤسسات الحديثة بجميع أشكالها تعمل لمصلحة الدولة وليس لخدمة أعضائها، وهذا ربما يعود إلى أن المطالبة بالديمقراطية في الوطن العربي أصبحت تتخذ شيئاً فشيئاً صورة الحديث عن «المجتمع المدني» ووجوب الاعتراف بوجوده أو بحقه في الوجود أولاً، وحقه في مواجهة سلطات الدولة ثانياً، ومن ثمّ تتقرر العلاقة منذ الوهلة الأولى في صورة صراع أو مجابهة حتمية بين كل من «الدولة» من جهة، والمجتمع «المدني» من جهة أخرى، وذلك بسبب النظر إلى الدولة مرادفة للسلطة، واختزالها إلى إحدى خصائصها أو ميزاتها فحسب وهو حقها في الاستعمال الشرعي للسلطة الزاجرة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 


تعليقات الفيسبوك