خواطر مجمعة لموضوعات متفرقة

خواطر مجمعة لموضوعات متفرقة – بقلم: خيال بعيد

هذه مجموعة من الخواطر المجمعة حول موضوعات متفرقة، مثل المعرفة المطلقة، البراجماتية، المرأة القارئة .. الخ.

1- المعرفة المطلقة

لو افترضنا ان هناك فيلسوفين أحدهما كان يعيش قبل الميلاد بخمسة اّلاف عام والاّخر يعيش في عصرنا هذا . ولو افترضنا ان كلاهما قد عرف الحقيقة ، فإن هذا معناه انهما قد عرفا شئ واحد !! ، وهذا هو معنى (المعرفة المطلقة ) وربما يصدمك هذا المعنى لأنك واقع تحت تأثير خدعة تطور المعرفة وارتقاء المعرفة اي أن المعرفة تكون صحيحة بالنسبة لعصرها فقط ، ثم ترتقي المعرفة وتتطور، فنكتشف خطأ ما اعتقدنا فيه ، فنعتقد في نقيضه ، لأن المعرفة قد تطورت !! بل واحيانا يقولون ان (المعرفة تكون صحيحة بالاضافة الى من يعتقد فيها فيكون الحق تابع للاعتقاد لا العكس ) اي ان ما اعتقد انه حق فهو حق !! وطبعا كل هذه سفسطة لأن الحق هو حق في ذاته بدون اضافة الى عصر او شخص او امة تماما مثل ان (2+2=4) هي قضية صحيحة صحة مطلقة وهي حق في ذاتها لا بالاضافة الى عصر ولا شخص ولا أمة فإنتبه لخدعة تطور المعرفة وارتقائها فقد ضل بسببها خلق كثير.

2- المرأة القارئة

اشد ما يثير اشمئزازي في هذا العالم هو استغلال العواطف الانسانية من اجل تحقيق مصالح مادية . وليس هناك مثال يجسد هذه الحالة اكثر من تلك الحملة الدعائية المكثفة لإقناع المرأة ان (الرجل يحب المرأة القارئة ) وتلك القصص والحكايات المختلقة عن كيف اعجب بها الرجل في المكتبة او في وسيلة مواصلات وهي تحمل كتاب وكيف انتهى الأمر بالزواج السعيد القائم على التفاهم وتواصل العقول قبل تواصل الاجساد !! فإنكبت المرأة المسكينة على شراء الكتب واحتمال الصداع طمعا في الوصول الى قلب الرجل ، لأنهم اقنعوها ان (اقرب طريق لقلب الرجل هو عقله وليس معدته ) ولا تدري المسكينة ان من اطلق اشاعة (اقرب طريق لقلب الرجل معدته ) هم تجار اللحمة والخضار والبسكويت وان من اطلق الاشاعة الثانية وهي (اقرب طريق لقلب الرجل عقله ) هم اصحاب دور النشر والمكتبات او من لهم اغراض سياسية تعتمد على اقتناع المرأة بأفكار ما، ولا يمكن ان تقتنع بها الا اذا قرأت ولا يمكن ان تقرأ الا بباعث ان (اقرب طريق لقلب الراجل عقله وليس معدته )!!

3- البراجماتية

هي مدرسة فلسفية امريكية ظهرت في اواخر القرن التاسع وكان من فلاسفتها (تشارلز بيرس) وهو واضع المصطلح ، وكذلك (وليم جيمس ) و(جون ديوي ) وكلهم امريكيين. وكانت هذه المدرسة الفلسفية تزعم ان (المعيار الذي نقبل به فكرة او نرفضها هو النفع وفائدتها العملية، فإن كانت مفيدة للبشرية ان تعتقد فيها قبلناها، وان كان الاعتقاد فيها يؤدي الى ضرر رفضناها ) ومعنى ذلك ان هذه المدرسة لا تنظر هل الفكرة حق ام باطل ، وانما هل الاعتقاد في صدقها نافع ام ضار. فإذا قيل لنا (هناك خالق للعالم ) فلا ننظر هل هذه القضية صحيحة ام خاطئة، وانما ننظر هل اعتقاد البشرية في صحتها نافع لها ام ضار . فإن ظهر لنا انه نافع ، اعتقدنا في وجود خالق للعالم ، وإن ظهر لنا أنه ضار رفضناها ، وهكذا الأمر مع كل فكرة. …. رأيي في هذه المدرسة ……… طبعا هذا المذهب باطل، لأنه يلزم عنه ان نعتقد في قضية خاطئة ان ظهر لنا ان الاعتقاد فيها نافع ، فلا نظر هنا الى صدق وكذب ،او حق وباطل، بل فقط النفع والضر . وبصراحة ليس هناك ضرر يمكن ان يصيب الانسان اكثر من اعتقاده في الباطل، فمجرد اعتقادك في قضية باطله هو الشر الاعظم الذي لا يوازيه شر في العالم . فإن كنت تنظر للنفع والضرر، فبحسب معيارك يجب ان تنظر للفكرة من حيث صحيحة ام خاطئة لأن الاعتقاد في الخطأ هو اكبر ضرر. وكذلك معنى كلام هذه المدرسة انه لو قال قائل (2+3=8) فإننا لا يمكن ان نعترض عليه ونقول له ان كلامك خاطئ في ذاته ، بل سوف ننظر لقضيته وفكرته هل هي نافعة ام ضارة !! وكذلك هذا المذهب يقوم على مفارقة سوفسطائية لأن النظر في النفع والضر يكونا بعد معرفة الحق من الباطل ، والصواب من الخطأ ، ولا يمكن ان تعلم النفع والضرر الا بعد معرفة الحق من الباطل والصواب من الخطأ. فلو قال قائل لي (لقد دخل الى منزلك اسد اثناء غيابك ) فإني سوف احاول التأكد من صدق او كذب هذه القضية ، لأن النفع والضر مبني على معرفة صدقها من كذبها ، ولن اقول لنفسي ( يجب ان اعتقد في انه قد دخل اسد الى منزلي اثناء غيابي لأن هذا الاعتقاد نافع ) او اقول (يجب الا اعتقد انه قد دخل اسد الى منزلي اثناء غيابي لأن هذا الاعتقاد ضار ) ومن فعل ذلك فهو شخص احمق لا محالة !!لأنه ينظر لضرر الاعتقاد ونفعه ولا ينظر لكون هذه القضية هل هي صادقة ام كاذبة لأن الضرر والنفع يتوقفا على معرفة كونها صادقة ام كاذبة. بل من عجائب الاشياء انهم تركوا النظر في منافع ومضار الاشياء واتجهوا الى البحث عن منافع ومضار اعتقاداتنا حول الاشياء !!




4- استدراج الفكر

احيانا يكون سبب دخولك الى عالم الفكر هو مسألة واحدة حيرتك ، وتريد ان تجد لها تفسير معقول . ولكن هذه المسألة الواحدة لكي تجد لها تفسير فلابد ان تجد تفسير لألف مسألة.، وكل واحدة منهم لكي تجد لها تفسير فلابد ان تجد تفسير لألف ألف مسألة. وهكذا تجد نفسك امام هاويس من الأفكار قد انفتح على عقلك ، وكل ذلك بسبب مسألة واحدة —- وإن هذا العالم مترابط بشكل يجعلك لا يمكن ان تحيط بجزء منه الا اذا احطت بالكل ، ولا يمكنك ان تفهم ظاهرة فيه على حقيقتها الا اذا فهمت كل ظواهره ، من مبدئه الى نهايته الى يوم القيامه , وهكذا تجد نفسك تنتقل بسرعة البرق عبر مسائل واشكالات لم تكن لتخطر على بالك لولا هذه المسألة الواحدة التي انطلقت منها .. وكأنها شبكة لا متناهية وكأنك انت صيد قد وقع في هذه الشبكة . وربما تكون سعيد الحظ وتنجو من الشبكة بأن تحل كل عقدة فيها ، ولكن ما اقل الحظ السعيد في هذا المضمار، وما اكثر الحظ البائس والتعيس فيه . فإنتبه عندما تفكر في مسألة محيرة صادفتها في حياتك ، فربما تكون هي الطعم الذي يستدرجك الى شبكة الافكار، وما اسهل الوقوع في الشبكة ولكن ما اصعب النجاة منها.

5- الخير والشر

مشكلة الانسان انه يحكم على الاشياء بأنها خير او شر قبل ان يتعلم الحكمة . ولذلك يخطئ في الحكم ، فيكره شئ وهو خير له ، ويحب شئ وهو شر له، تماما مثل الطفل الصغير الذي يكره التعليم والدراسة لأنها تحرمه من لذة اللعب . وهو معذور في ذلك لأنه لا يفهم وجه المنفعة والخير في التعلم والدراسة ، ولكنه يقلد ابويه ويثق في حكمهما بأن ذلك خير، ولذلك يفعله. ولكنه عندما يكبر ويعقل ويفهم الخير والشر فإنه سوف يدرك وجه المنفعة والحكمة من التعلم والدراسة . فتخيل لو انه لم يقلد ابويه ولم يثق بهما في حكمهما على شئ بأنه خير وشر ، ماذا سوف يكون مصيره ؟ فهكذا الأمر بالنسبة للنبي مع امته فهو يأمرهم وينهاهم ويخيرهم تبعا لمعرفته بالحكمة والخير والشر، بينما انت لست بحكيم ولا تعلم الخير والشر فيلزمك ان تقلد طالما انك تؤمن بأن هذا الشخص نبي فعلا. فإن جادلت وقلت بل استعمل عقلي في معرفة الخير والشر، فلا فرق بينك وبين هذا الطفل الصغير الذي استعمل عقله وحكم بأن اللعب هو خير من التعلم والدراسة !! فإن ادعيت الحكمة في معرفة خيرات وشرور الدنيا بحكم الخبرة وطول التجربة وكثرة المطالعة والثقافة، فإن هناك خيرات وشرور الاّخرة وهي لا تدرك بقياس ولا بتجربة فيلزمك ان تقلد من يعلم بها. هذا ان سلمنا لك انك قد احطت بالحكمة العملية الدنيوية بدرجة تجعلك سديد في الحكم على شئ بأنه خير او شر، وان كانت التجربة تشهد ان اشد الناس ندما هم العقلاء . ولا يخدعنك اصحاب الغرور ويزهدونك في التقليد، فإن تقليد من يستحق التقليد هو حق بحكم العقل . وانما العقل ينظر اولاُ هل هذا الشخص يستحق التقليد ام لا فإن حكم بأنه يستحق التقليد فأنت تتبع حكم عقلك إن قمت بتقليده .

6- الكتب والواقع

انما نحن نقرأ الكتب لكي تساعدنا في قراءة الواقع . فقراءة الواقع هي الغاية ، والكتب هي الوسيلة ، ولكن هذه الوسيلة احيانا بل غالبا تكون مضللة ، لأنها تجعلنا نفهم الواقع على خلاف ما هو عليه. بل هي تأخذك من الواقع ومن العالم الذي نعيش فيه الى عوالم مختلقة في الاذهان البشرية وخيالاتها واوهامها . ولذلك فلكي تتجنب هذه الثغرة يجب عليك ان تكون على اتصال دائم بالواقع اثناء عملية القراءة . وان تكثر من مشاهداتك للناس في كافة المواقف والمناسبات، وان تطيل النظر للمحسوسات ومشاعرك الباطنة، وان تضع صورة العالم الذي شاهدته دائما في خيالك اثناء عملية القراءة. ولا تقع في ما وقع فيه البعض، الذين تركوا التأمل في العالم ذاته وانخرطوا في تأمل العوالم الوهمية التي تشرحها الكتب.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك