ذو القرنين.. درس عند أرسطو وأيّد المثلية وحرية الفكر ولم يقابل يأجوج ومأجوج !

ذو القرنين.. درس عند أرسطو وأيّد المثلية وحرية الفكر ولم يقابل يأجوج ومأجوج ! – بقلم: حمودة إسماعيلي

يختلف الفقهاء والمفسرون في نبوة ذي القرنين، لكنهم يتفقون في كونه شخصا يقترب بعدله وحكمته من الأنبياء المرسلين. الإشكال هنا هو في كون ذو القرنين شخصا حقيقيا كان موجودا فعلا غير أنه يختلف اختلافا كليا عن الصبغة التي دهنته بها المرويات الدينية.

هناك شخص واحد في تاريخ البشر عرف باسم ذو القرنين كحاكم وقائد لجيش عظيم، ولم يأتي اللقب كما تذهب التخاريف الدينية إلى أنه عاش قرنين من الزمان أو لأنه سافر عبر قرني الشمس (من منطقة شروقها إلى غروبها)؛ سبب التسمية أبسط من هذا وهو ارتدائه لقرنين (تاج) برأسه إشارة لانفتاحه الثقافي أمام المصريين، لكسب ودهم نظرا لحمولة رمز القرنين الثقافية والدينية، فالقرنين هما إشارة لرمز البقرة السماوية والقمر والشمس والتي تعتبر رموزا إلهية تضرب قدما في تاريخ مصر الديني، وتكفي الإشارة إلى مدينة الإسكندرية التي لا تزال تحمل اسمه لحد الآن، وذلك لتسليط الضوء على تجدر العلاقة بين الاسكندر ومصر.

هذه السلوكات تنم عن ذكاء استراتيجي ورؤى فلسفية منفتحة، وهذا يأخذنا لمرحلة تنشأته ثقافيا والتي تمت على يد أرسطو، وحتى بعدما انخراط في التوسعات السياسية كإمبراطور، ظل مواظبا على افتتاح رسائله لأرسطو ب”معلمي العظيم”.

نأتي لزاوية الصلاح بنظر الدين، الاسكندر شخصية يونانية، بمعنى أنه وجيشه من أحفاد باخوس إله المتعة والخمر، ما يعني أنهم كانوا يحتفلون بالخمر والمتع عند فتح أي منطقة، عبر كامل قارة آسيا ! أيضا المجتمع اليوناني كان يعتبر المثلية سلوكا ثقافيا راقيا وليس شذوذا أو أمرا محرما، كل هذا يبرز الاسكندر كحاكم متهتك ومشجع على الضلال من الزاوية التي أتطرق لها هنا؛ زيادة على أنه اشتهر بمزجه للثقافة الهيلينية بالمعارف المشرقية، حتى أنه سعى لتأسيس أضخم مكتبة بالعالم (ولا يمكن أن تفكر بتأسيس مكتبة ضخمة بتوجه فكري معين أو ديانة يتيمة!) والتي بناها البطالمة بعده، بعكس من يقومون بحرق الكتب والمكتبات المخالفة.

قصة لقائه بيأجوج ومأجوج، هي من أسوأ السيناريوهات العنصرية التي يمكن أن تقرأها، والتي يفتخر بها الدين ! لأن يأجوج ويأجوج لم يكونا سوى شعب الهند القديم، فالقصة هي تدليل مشوه ومحرف لمعركة هيداسبس ضد مملكة بورافة للراجا بور، والتي اعتبرت أصعب المعارك بالنسبة لجيش الاسكندر، يأتي تشويه القصة عندما رفض الجنود مواصلة الزحف مطالبين بالعودة، لأن امبراطوريتي الناندا مكادهية والكنكريداي البنغالية لم يكن من المرجح التغلب عليهما أو استمالتهما (وطول المسافة استنزف جهد الجيش). وقد ذكر المؤرخ اليوناني بلوتارخ وصفا يبرز مكمن تحريف المشهد، حيث قال بأن صعوبة المعركة مع الراجا بور أجبرت الجيش على التوقف وعدم تجاوز نهر الغانج كما أراد الاسكندر، وكانت الامبراطوريتين المتبقيتين تقعان خلف النهر، الغريب في الأمر أنه تم تحوير نهر الخانج لسد ولجبلين وما سواه من إبداعات توراتية وقرآنية، وجعل شعبي الهند والبنجاب وهم أناس عاديون إلى مخلوقات متوحشة ومفترسة تتكاثر في مكان غابر بالعالم وتتحين فرصة الانقضاض على سكان كوكب الأرض، لولا لطف الله وحنكة ذو القرنين الأشبه بالصبي منه بالنبي ! والذي كانت تدفعه روحه الفروسية المتأثرة بأدب هوميروس وليس السماء السابعة.

لقد تبنى الإسلام رؤية اليهود السابقين في كتبهم لهذه الأسطورة العنصرية، وهذه الرؤى اشتقت من مخطوطات كاليسثينيس، وهي عبارة عن روايات قديمة تخلط سيرة الاسكندر بالتخاريف السحرية ترويجا لعظمته ودعما لرؤى الاستعلاء على الأقوام المختلفة، وهذه الصياغات لا تجد حرجا بأي خلط حتى لو التقى الاسكندر بحمودة إسماعيلي وكان إنسان برأس تنين، وهي صياغات تتهافت عليها المجتمعات التي لا تستخدم عقلها، لتطبطب على واقعها الآمن والمبارك والأقل انحطاطا من أقوام خرافية، وتدعم بها سخافاتها المرضية المتوارثة.

بعيدا عن تخبطات القدماء، لا يزال الناس يسعون لتأكيد وجود هذه الأقوام البشرية المتوحشة بقناعة وجدية، تارة بأنها بمكان ناء في روسيا أو الصين، تارة تحت الأرض، هناك من يمزجهم حضاريا باعتبارهم شعبي الولايات المتحدة وروسيا، بل هناك من ينتج برامج تحذيرية منهم كأنه شارك بمعركة هيداسبس وعايش الاسكندر وسلم على الراجا بور !

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك