قصة قصيرة بعنوان اللاجئ رقم 4 – بقلم: د. أحمد صبري عفيفي

كان يظن أن هجران حبيبته له وفقدانها هى أقسى معانى الضياع وأقوى إحساس للغربة ولكنها لم تكن الحقيقة فمع تزايد الأزمة ونشوب الحرب الأهلية وتصاعد ألسنة الدخان فى كل مكان وتهدم أغلب المبانى فقد كل ما يملك من أهل ومعارف وممتلكات وفرضت عليه الظروف ترك كل شئ والذهاب لبلد آخر.

أصبح مجرد رقم……. حقيقة هى فقد أصبح واحداً من الآلآف اللاجئين الذين قد فروا وتركوا ما خلفهم لا من أجل حياة أفضل ولكن من أجل الحصول على حق الحياة فعندما يذكُر ماضيه وظنه بأن مروره بقصة حب فاشلة لم تتم هى شدة لا تزول تأكد بأنها كانت هدنة أعطتها له الحياة.

عنوانه صار مخيم لا يملك فيه غير ملاءته وصحن للطعام وغطاء يستره من أنظار الأخرين أو يقيه من زمهرير البرد وقسوة الرياح فى بلاد لم يظن أن قدمه ستطأها إلا من أجل السياحة والتسوق.

صار مكتئباً أم صار قلقاً هو لا يدرى فمشاعره صارت متضاربة تتجول بين الماضى الحزين والمسقبل المجهول ويصدمها أوجاع الواقع المؤلم وآهات الثكالى ونواح الأطفال.

فترة مؤقتة أم مرحلة؟؟؟ ماذا يٌطلق على هذا الوضع الجديد الذى لم يكن يدر بخلده ولم يساوره خياله أن يكون يوماً ما مصيره الذي سيق إليه, فلا طعام كافى ولا شراب ولا عمل فكل شئ بحساب وأصبحت حياته عبئاً على الآخرين يصعُب تحمله بل أصبح هو عبئاً على نفسه جل أمنيته قدرته على إحتواء ذاته وتقبُلها على ما هي عليه.

بمن يهتم؟ وبماذا ينشغل؟ قديماً كان يتمنى المشاركة فى الأعمال التطوعية لمساعدة كبار السن إما بزيارتهم أو تقديم يد العون لهم في دور المسنين لكنه الآن أصبح هناك من يقوم بمساعدته وخدمته لا من قبيل الترويح على النفس ولكن لإبقاءه على قيد الحياة.

كان يحب الأطفال بشدة ما جعله يشفق على اليتيم ومن فقد بعض أسرته حتى وإن كانوا أحياء ولكن لم شمل الأسرة أصبح درباً من الخيال فما أكثرُ اليتامى والثكالى من حوله وما يُضيره فقد الكثير من الأهل وصار وجودهم لجواره عائلة بلا عائلة.

هو ليس غريباً لكنه عابر سبيل بلا متاع ولا هدف واضح ولا جهة محددة هو مجرد شخص لم يعد يملُك سوى جسد منهك وروح بالكاد تنبُض بما تبقي من حياة فساعات اليوم فى حياة أى لاجئ عبارة عن عدة أوقات من المعاناة نصيبه فيها لقيمات تُقمن الصلب وبعض الكوابيس وقت النوم تمنعه من الشعور بالهروب من ما يمُر به ولو للحظات.

كل مرة يفيق من نومه يتخيل أن هذا الحلم أو الكابوس سينتهى ولكنه يفأجا بأنها حقيقة لا تتزعزع وواقع مرير كلما أغمض عينيه تذكر كل لحظات الماضي وتمني عودتها حتى لحظات الشقاء بكل ما فيها من معاناة كانت أهون وأخف وطأة من ما يعانيه خاصة فقده لهويته فهو لا يدرى لأى قطعة أرض ينتمى ولأى مجموعة من البشر ينتسب ولأى حدث قد يحزن أو يسعد إن المشاعر إختلطت وغلُب عليها الحزن والتعاسة وكأنه بات مكتوباً عليه أن ينسي كل ما مر به من مرارة ويتقبل كل ما هو آت بنفس راضية وقلب مفتوح وإيمان راسخ في القلب بحكم الله وقضائه.

لم يذكر كلمة اللجوء خلال حياته إلا لله سبحانه وتعالى لذلك عندما تحول الإحساس لصفة ملاصقة له أصبح لزاماً عليه أن يستكمل هذه المقولة باللجوء لله ليخرجه هو ومن حوله من الشدة وضيق حالهم إلى وطن جديد لا يحملون فيه أى شعور بغربة وتختفى منه المظالم إنه وطن جديد موقعه مختلف عن مسقط ميلاده وحبه في القلب سينمو مع الأيام عندما يتحول لقبه من لاجئ رقم 4 إلى صفة مواطن يحيا من أجل دينه ومجتمعه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك