نبذة عن علم الببليوغرافيا – بقلم: وليد موحن

إن الثورة المعلوماتية التي عرفها العالم إبان القرن الماضي ، لم تقتصر على مجال دون غيره، بل مست جميع ميادين الحياة الإنسانية، ولم ينج الوعاء المعرفي/الكتاب، من أثر هذه الثورة ، بل أصبح هو نفسه، مُنافـَـساً من قبل حوامل أخرى للمعرفة أكثر دقة وأخف حملا وأكبر سعة . إلا أن ذلك لم ينقص من شأنه، بقدر ما كان خادما طيعا له، ساهم في التأريخ له وتوثيقه والتعريف به على أوسع نطاق، فازدهرت العلوم التي تتخذه موضوعا لها وتشعبت. لأن من أولى شروط الإبداع العلمي، معرفة السابق بتجميعه ونشره، “حفظا للطاقات والأموال والأوقات” ، وهذا ما يدخل في صميم العمل البيبليوغرافي.

ففي الوقت الذي عرفت فيه أوروبا انتشارا وذيوعا لعلم الببليوغرافيا منذ عصر النهضة والأنوار .لازال هذا المصطلح إلى حدود يومنا هذا في عالمنا العربي والمغرب جزء منه مبهما وغامضا،تختلف دلالاتها من مفكر إلى أخر ،ومن علم إلى أخر.فهل ذلك راجع إلى أن كلمة ببليوغرافيا لم ترد في المعاجم العربية، أم أن العرب لا يهتمون بالجوانب الشكلية والأمور التنظيمية.

وتوجد كلمات في المعاجم العربية قريبة إلى معنى ودلالات الببليوغرافيا ،كالفهارس وهي أيضا كلمة فارسية معربة معناها الكتاب الذي تجمع فيه أسماء الكتب، وتطلق أيضاً على قائمة محتويات الكتاب.كما تطلق على هذه الببليوغرافيات أسماء قوائم ،أو أوعية . وقد اقترح بعض الببليوغرافيين العرب اسم “الوراقة”كبديل لمصطلح الببليوغرافيا الأجنبي ،غير أن هذا المصطلح لم يلق رواجا وشيوعا في منطقتنا العربية .

ببليوغرافيا : وتسمى باللغة الفرنسية Bibliographieل ويقبلها في الانجليزية كلمة Bibliography أما في الاسبانية Bibliographia وهي من المفاهيم والكلمات والمصطلحات الدخيلة على اللغة العربية ،فهي مشتقة من الكلمة الاغريقية BiblionGraphiaويمكن تقسيمها الى قسمين Biblionومعناه كتيب صغير ،و Graphia وتعني الكتابة أو النسخ ،وكان معناها يتركب من هاتين الكلمتين فكانت تدل على “كتابة الكتب أو نسخ الكتب “.والتعريف الشائع لببليوغرافيا هو قائمة الكتب أو غيرها من الإنتاج الفكري،وبالتالي فهي علم القوائم وقوائم الانتاج الفكري بعامة . .ويمكن أيضا تعرف الببليوغرافيا بكونها قائمة من المراجع مرتبة وفقا لتصنيف معين قصد السماح لجمهرة القراء معرفة الإنتاج المعرفي في حقل معين ،ومجال محدد وقد عرفت منظمة اليونسكو سنة 1950 الببليوغرافيا بكونها ذلك الجزء من علم الكتب ،الذي يعالج الفهرس ،وينوه بوسائل الحصول على المعلومات حول المصادر ،وبصورة عامة ،يمكن القول ،إن الببليوغرافيا تشكل جزءا من علم الكتاب،وإنها تستند إلى البحث ،والدلالة والوصف،والتنظيم ،بهدف تكوين فهارس للمؤلفات قصد التعريف بها تعريفا منظما لتسهيل عملية البحث العلمي .

وحسب قاموس المعاني وهو من القواميس العربية الحديثة نسبيا ،فمعنى الببليوغرافيا يدل على وصف الكتب والمخطوطات او التعريف بها؛ المراجع؛ المَصَادِر؛ بيان بمؤلفات كاتب او بمطبوعات دار الناشر؛ ؛ فهرس؛ فهرسة الكتب؛ مسرد نقدي بالكتب المتصلة بموضوع أو حقبه أو مؤلف ما.

اما حسب القاموس الانجليزي oxford Word power فتعني قائمة من الكتب والمقالات التي يستعين بها الكاتب عندما يكون بصدد كتابة بحث ما.

ويمكن إيراد مجموعة من التعاريف التي تتسع وتضيق طبقا لعاملي المكان والزمان، ومنها:

أ- ” هو علم وصف الكتب والتعريف بها ضمن حدود وقواعد معينة…»
ب- ” يدل على علم مستقل يعتبر من أهم الفروع لعلوم المكتبات والمعلومات ، حيث تغطي البيبليوغرافيا بدراستها وممارساتها شبكة متداخلة من الموضوعات ، ومجموعة معقدة من الأساليب والمعالجات لأنها تتناول الإنتاج الفكري للإنسان في إطاره الذي يتسع كل يوم .”
ج- ” دراسة الكتب (بوصفها) موضوعات مادية بعيدا عن موضوعها أو فحواها الأدبي”

وعموما : فإن البيبليوغرافيا علم مستقل، مجاله الإنتاج الفكري المكتوب ، حصرا وتحقيقا وجمعا وتأريخا وتصنيفا وتوثيقا ووصفا، له قواعده وفلسفته ، وضرورته لا محيد عنها في زماننا أكثر من أي وقت مضى ، للتدفق والانفجار الذي تعرفه مجالات المعلومات والمعرفة الإنسانية والوسائل المعلوماتية، وهو العلم الوحيد القادر على ضبط هذا التدفق وهذا الانفجار المعلوماتي.

وفي الحقيقة يصعب تحديد مفهوم محدد ومضبوط لعلم الببليوغرافيا،ذلك أن قلة من الببليوجرافيين فقط هم من اهتموا بتاريخ الببليوغرافيا . برغم من أن مختلف العلوم والتخصصات والمشارب تشترك في الحاجة الي “الببليوغرافيات” لكونها غير محصورة في العلوم الإنسانية أو الطبيعية.وتنهل منها مجالات وحقول المعرفة والعلم.

ومعلوم أن الباحث والدارس يصعب عليه الاطلاع على مختلف ما دون حول ميدان تخصصه ،من كتب ودراسات وأبحاث خاصة مع الطفرة التكنولوجية ،والدينامكية المعلوماتية ،وأساليب البحث المتطورة .التي تلزم عليه الاطلاع على ما جاد من أبحاث ومقالات لمسيرة مسار العلم والثقافة والعولمة.وفي ضوء هذا الواقع،أصبح الباحث بحاجة قبل كل شيء إلى مؤلفات تعرفه بما نشر وينشر تباعا في المعارف العامة والمتخصصة،حتى يعرف بوجودها،ويهتدي إليها ،وهو العمل الذي تقوم به الببليوغرافيا بأنواعها المتعددة،وخدماتها المتنوعة .فأهمية الببليوغرافيا تنبع من أهمية المعلومات ذاتها،لأنها الوسيلة الأولى،والأداة الأقوى للسيطرة على هذه المعلومات من خلال تنظيمها ،وتحليلها والتعريف بها .

في السنوات الماضية كان يصعب على الباحث كتابة هوامش ،وإحالات،وتنظيم الببليوغرافيا ،إلا بجهد جهيد ومضني،لكن في وقتنا هذا أصبح كتابة نص البحث متنا وهوامش حسب الطريقة التي يفضلها الباحث وتغييرها بسرعة فائقة حسبا ما تقتضيه رغبته من تعديلات وإضافات،وترتيب الببليوغرافيا حسب الحروف الأبجدية بنقرة واحدة على الفأرة بعد أن كانت هذه العملية تأخذ حيزا هاما من وقت المؤرخ،فضلا عما كان ينجم عند بعض الباحثين من أخطاء في ترتيب المراجع رغم حرصهم على تجنبها. ورغم ذلك هذه الببلليوغرافيات تظل قليلة في عالمنا العربي مقارنة بالدول الأوربية والولايات المتحدة الأميركية.

والتاريخ بكونه مجموعة من الأحداث التي وقعت في الماضي وتشكل أساس الحاصر،ومرآة المستقبل ،من التخصصات التي بحاجة خاصة إلى إنتاج وإخراج “بيبليوغرافيات” نظرا لما يعرفه من حركية وتغييرات مستمرة ،واتجاهات مختلفة ،يصعب معها مسك خيوطه وسبر أغواره سوى بتوفر رصيد بيبليوغرافي وزاد معرفي توفره الببليوغرافيات بمختلف أنواعها وأشكالها.

2. الببليوغرافيا وأنواعها .

يمكن تشبيه البيبليوغرافيا بشجرة، يمتص جذعها بواسطة الجذور من كل المعارف، ثم تتفرع منه الفروع وتتشابك ، وكل فرع يتفرع إلى فروع أخرى وهكذا دواليك ، إلى درجة أصبحت معها الأنواع غير قابلة للتحديد ، لكن مع ذلك يمكن تجميعها في نوعين رئيسيين منهما تتفرع باقي الأنواع أو تندرج ضمنهما وهما :

تنقسم الببليوغرافيا من حيت أشكالها وأنواعها إلى قسمين أساسيين هما الببليوغرافيات العامة والببليوغرافيات الخاصة ،وتتفرع من كل واحدة منهما الى فروع وأنواع :

1- الببليوغرافيات العامة

وهي بيبليوجرافيا عامة تشمل مختلف العلوم ،وتبحث في مجمل الحقول ،بكل اللغات ،وتشمل جميع أنواع الإنتاج الفكري من كتب ودوريات،كما تشمل جميع موضوعات المعرفة الإنسانية ،واللغات البشرية،فهي لا تخضع لآية حدود أو قيود موضوعية أو لغوية أو نوعية. وتنقسم هي الأخرى إلى مجموعة من الأقسام والأنواع ، منها الببليوغرافيات العالمية وهي تهتم بكل أنواع الإنتاج المعرفي في الكرة الأرضية ، وهو بدون شك عمل شاق ومستحيل نظرا لما يعرفه العالم من حركية ،وهناك محاولات جادة في هذا المضمار ونذكر على سبيل المثال بيبليوغرافيا مكتبة الكونغرس الأميركية ،ومكتبة باريس الوطنية . وهناك أيضا الببليوغرافيات الوطنية وهي تقوم برصد مجمل ما ثم إصداره في بلد معين من كتب ودراسات ، ونذكر منها الببليوغرافية الوطنية المغربية التي تصدرها المكتبة الوطنية سنويا . وذلك حسب ما ينص القانون المنظم للمكتبة الوطنية الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5171 بتاريخ 22 دجنبر 2003 (ظهير شريف رقم 1.03. صادر في 11 نونبر 2003 الذي ينص في مادته الثانية على إعداد البيبليوغرافيا الوطنية التي تضم كل ما يصدر بالتراب الوطني من كتب ودوريات.

و ابتداء من سنة 2007، والببليوغرافيا الوطنية المغربية متوفرة في نسخة جديدة الكترونية وديناميكية، تشمل مختلف الحوامل : كتب مطبوعة، دوريات، خرائطية، ووسائط سمعية بصرية.

كما نذكر على سبيل المثال فهرس منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط ،أو فهرس منشورات المعرض الدولي للكتاب الدار البيضاء .وبيبيليوغرافيات مؤسسة الملك عبد العزيز

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك