أنا وماري (قصة قصيرة) – بقلم: سامح عبد الله

الإسكندرية الأول من فبراير ١٩٩٢

العاشرة مساءً من ليلة هادئة ممطرة وشوارع خاوية وأضواء مصابيح خافتة وصوت السيمفونية التاسعة التى ناجى فيها بتهوفن ربه تتصاعد فتهزني كما لو كنت استمع إليها من قلب أوبرا فيينا!

كل هذا كان كافياً لأن تمتد يداى بأوراقي القديمة أتحسس ملامح الماضى التى لم يغادر مخيلتي أتجرع فيها كل الأحاسيس..شوق..ألم..حزن..فرح..دمع وابتسامات!

وقعت يدي وأنا أطرق الماضى هكذا مرتجفاً برواية توفيق الحكيم “عصفور من الشرق” التى قرأتها أكثر من عشر مرات وعند كل مرة أشعر أنني أتلمس حروفها للمرة الأولى!

لكن الرواية تأخذ مبلفاً عندى أكثر من حروفها التى عشقتها وأكثر من كلماتها التى كنت أصغي إليها!..
لقد كانت الرواية تحمل خطاب هو أعظم ما يمكن أن يحتفظ به إنسان ضربته الوحدة حتى صار بين أصدقاء مثل الموسيقى والكتاب والسيجار والليل وفنجان القهوة!

لقد كانت الرواية تحتضن خطاب منها!

جلست على المقعد (الهزاز) في مواجهة مدفأة صغيرة وقطرات المطر تنقر زجاج نافذتي ثم صرت فى لحظات فى قلب الماضى..إنه خطاب من ماري!

تغير لون الورقة وأخذ في الاصفرار لكن حروفه وكلماته كانت موقودة في لون قلب متوهج بالنبض.
رحيقها المعتق في مخيلتي كان يتصاعد من وريقات الرواية وصوتها الهادئ الدافئ ينسال إلى مسامعي كخرير جدول عذب وبريق عينيها يبدد قتامة الليل.

غريب أن تبقى زهرة هكذا يانعة طوال العمر وليس غريباً عندما تكون هذه الزهرة هى ماري!..

*****
مدرسة مصطفى كامل الإعدادية
٩ فبراير ١٩٧٥.
حصة الدين!..

الأستاذ عبد الحميد يدخل الفصل متجهماً كالعادة وكان أول من ينظر إليه في الفصل هو أنا، ليس بالطبع إعجاباً بي إننى أحسبه يقول عند كل مرة “أليس هناك من يخلصنا من هذا الهم الثقيل”!..
بالطبع كنت هَمٌ ثقيل ولما لا وقد كنت وحدي الذي يسير عكس التيار ..كنت تقريباً الذي لا يقول له “آمين” كما يحب هو أن يسمعها من كل المتواجدين .

لم أكن أفعل شيئاً سوى أننى أُعمل عقل تلميذ في الصف الثالث الاعدادي يحتاج أن يتعلم ويحتاج أن يتلقى إجابة تقنع تساؤلات بريئة لكنه لم يطق ذلك ولم أذكر يوماً أنني أكملت حصة الدين دون أن أُطرد منها لا لشىء سوى أنني لا أقول “آمين ” إلا بما أُقنع به.

في هذه الحصة سألته كيف أن إمرأة دخلت الجنة في هرة ولم يقم يوم الحساب وقلت له إنها قصة جميلة تحض على الرفق بالحيوان وأنا أقبلها هكذا وبكل اقتناع لكن كقصة!

وهنا قامت القيامة وقال لي بتهجم وغضب شديدين: قصة!

تقول قصة!
تقول على الحديث قصة!.
ثم كان القرار التقليدي “أخرج بره الفصل”
أنت مطرود!.
فى الواقع لم تكن هذه أول قيامة ولن تكون الأخيرة!..
وهكذا كان يفعل الأستاذ عبد الحميد مع طفل الخامسة عشر!

خرجت مطروداً بعيد عن رضاء الأستاذ عبد الحميد إلى هذا الفضاء داخي،أحدث نفسى بعدما ضاقت بي نفس الأستاذ وبينما كنت أتمشى ببطء بهذا الرواق لمحتها تقف بمفردها هى الأخرى، فقلت ربما هى مطرودة مثلي من حصة العلوم!..
اقتربت منها برفق ودار بيننا هذا الحديث:
أنا: إنتى مطرودة؟!
هى: نعم ..قالتها مندهشة؟!..مطرودة؟!..
لا…أنا كنت منتظرة أبله تهاني عشان حصة الدين لكن هى مش بتيجى كالعادة!..
أنا:..إنتى..؟
هى: أيوه..أنا مسيحية!.
أنا: وليه أبله تهانى مش بتيجى؟
هى: أنا زى ما أنت شايف وحيده وهى مش معقول تيجى عشان درس لبنت واحده!..
هى: وأنت ليه بره الفصل؟
أنا: لا أنا مطرود!..الأستاذ عبد الحميد مش بيحبنى،دايماً بسأله أسئلة مزعجه فيطردنى! مافيش حصة دين كملتها من أول السنه!

في هذا اليوم الربيعي من شهر مارس سرنا معاً أنا وماري..ذهبنا إلى حديقة المدرسة وقد تجاذبنا ببراءة طفلين حديث عفوى صنعه لنا القدر!..الأستاذ عبد الحميد لا يطيقنى وأبله تهاني لا تحضر!..
لقد كانت قسمة عادلة على أية حال!..طردني مدرس الدين فلم تحضر مدرسة الدين!..
امتدت يدي بتلقائية نحو زهرة حمراء قطفتها وقد حان وقت قطفها ومددت يدي إلى ماري وقلت لها: تفضلي!..
قبلتها مني وقالت لي: لما اللون الأحمر ..هناك ألوان كثيرة ؟
قلت لها: أحب هذا اللون!.
فقالت: أنا أيضاً أحب هذا اللون!

منذ هذا الوقت أحببت الأستاذ عبد الحميد الذي لم يحببنِ يوماً وهى أحبت أبله تهاني التي لم تحضر لها يوماً وصرنا طليقين كطائرين يحلقان في الفضاء بعيداً عن كل ما يقيد الروح!.
كانت ضحكاتنا تحمل حباً وسلاماً وصفاءً لم يستطع كل من الأستاذ عبد الحميد أو أبله تهاني أن يصنعاه لنا!..
*****
كلية الحقوق..الرابع من مارس ١٩٨٢.

في منتصف المدرج أقصى اليسار جلست أستمع إلى محاضرة في أصول الفقه للدكتور عمر بركات أستاذ الشريعة الإسلامية.
كان عالم بمعنى الكلمة مثقف يجمع بين أصول الفقه ووسائل تجديده وله مقال أسبوعى في جريدة الأهرام كنت أحرص على مطالعته وتدبر ما فيه وكنت أرى نفسي فى أفكار وأراء هذا الرجل.

بجانبي كانت تجلس ماري!..
لم نفترق منذ أن جمعنا القدر للوهلة الأولى بمدرسة مصطفى كامل الإعدادية
كنت أُبسّط لها بعض المفاهيم الفقهية وأصحهها أيضاً وهى كانت تنصت!..
أحاول أن أتمالك نفسي وأنا أنظر إلى عنيها وكلما همست أو أومأت كانت دقات القلب تعلو على صوتي المتهج!..أى فتاة أنتي يا مارى!..
*****

الجماعة الإسلامية!..

كان نشاط الجماعات الإسلامية يأخذ في التزايد في تلك الفترة في جامعات مصر وكان لكلية الحقوق نصيب كبير تحول إلى شبه سيطرة على كل النشاط الطلابي وانتشر الحجاب بين الفتيات وحدث التصنيف على أساس الثياب للمرة الأولى فى جامعاتنا!.. وكنت أنا من المنبوذين في نظرهم!..
شخص يسير عكس التيار يقترب من العلمانية أكثر من قربه للدعوة
والحقيقة لم أكن علمانياً بل على العكس كنت مخلصاً للشريعة لكن ليس على طريقتهم!..
كنت قد أعددت بحثاً قدمته للدكتور عمر بعنوان ” فصل الفقه عن الدولة”
كانت الدعوات تتزايد والأصوات ترتفع بنقل تجربة السودان لتطبيق الشريعة الإسلامية ولم أكن في الحقيقة اتخوف من تطبيق الشريعة بل كان كل خوفي من هؤلاء الذين يزعمون إنهم يطبقون الشريعة!..
كان جوهر البحث يدور حول المسائل الخلافية التى يتغير الحكم المستنبط بناءً عليها حسب اختلاف الزمان والمكان مثل الإجماع والقياس و الإجتهاد وغيرها عن الدولة..
وقلت لماذا نتقيد بفتوى أو رأى فقيه لم يعد مناسب للعصر ومستجداته!..
لماذا لا نفصل هذه المصادر من الفقه عن الدولة ولا نقحمها فيما لم يكن موجوداً من حوادث وقت صدور فتوى مستمدة منها..هناك علي سبيل المثال أقوال فقهاء أجلاء قِيلت في مناسبات عدة في التجارة والمعاملات المالية وحتى في المعاملات الأسرية ولم تعد موافقه للعصر وليس بمقدور أى تشريع من التشريعات أن يتبناها!..ما طرحته إذن هو أن يتحرر العقل بشأن مالم يأت به نص قطعي الدلالة من القرآن الكريم ومن الأحاديث المتواترة
ثم نتركه للتشريع ينظمه حسب الزمان والمكان ولا مانع من أن نسترشد ببعض أقوال الفقهاء في هذا الشأن دون الإلتزام بما انتهوا إليه و منهم من كان يتواضع للعلم بأن جعل رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأى غيره خطأ يحتمل الصواب بكل أريحية ودون أدنى تعصب!..
هذه كانت النقاط الرئيسة في البحث ولقد كرمني الدكتور عمر بنشره بمجلة كلية الحقوق التي تنشر لأساتذة كبار لكن الذى حدث كان رغم الجو القاتم خارج التصورات!..
لقد أُهين الدكتور عمر بسبب نشر هذا البحث أما أنا فقد تلقيت سيل من الاتهامات كان أقساها هو اتهام الخروج على الدين!..
هكذا تأخذ الفكرة صاحبها إلى الكفر مع أنها فكرة!..مجرد فكرة!..
لا تبتفى إلا حفظ الدين وليس الخروج عليه وحتى لو كنت قد أخطأت فهل هذا هو الجدال الحسن الذي أوصى به القرآن!
وكان مؤلم أن ذراعى كاد يُكسر فلقد جذبنى أحدهم بقوة بدلاً من أن يجادلني بالتي هى أحسن!
والحق فقد دافع عني بعضهم ممن ينبذون العنف!..
أما ماري فلم تنجو هى الأخرى من التعرض وكان ذلك يمثل جرحاً غائراً في نفسي!..
لقد تعرض لها بعض الحمقى في عقيدتها!..

احتجبت بضعة أيام عن الكلية ولم يكن بجاني سوى تلك التي تناست حزنها وباتت تمحو بكلتا يديها حزني!..
كانت هى المرة الأولى التى تمتد فيها أناملها تربت فوق كتفي!..
لقد منحتنى يداها القوة وأنا الرجل القوى!.
هذه الأنثى تحمل كل أسراري معها
تعلم عن نفسي أكثر ما أعلمه أنا عنها!..
*****
كان أحد أيام شهر رمضان!.

عندما دق جرس “التليفون” كنت قد ألقيت جسدى بعض الوقت انتظاراً لموعد الإفطار ودخلت في قيلولة بسيطة رفعت السماعة فإذا بها تسألني بطفولتها الجميلة:
هو آذان المغرب فاضل عليه كتير؟
أبصرت إلى ساعة الحائط المعلقة بغرفتي وقلت لها: تقريبا ٣ ساعات!
قالت: ياااه…أصل أنا جعت أوى!..
كانت هذه العبارة الطفولية كفيلة بأن تعيدني إلى يقظتى ونهضت من رقدتى وقلت لها: نعم؟!
جعتى أوى؟!
قالت: أصل أنا قلت أجرب أصوم النهارده!
ثم سألتني: أى دعاء ممكن اقوله عند الإفطار.؟!
قلت لها: اللهم إنى لك صمت وعلى رزقك أفطرت!..
نصوم لله ونفطر على رزقه ثم تدعو الله بما تحبي!..
عند الإفطار تمتمت بدعاء كثير إلى ربي الذي لا يعجزه سبب وكيف وهو رب الأسباب!..
فى تلك اللحظات أشهدته أنني أحب هذه الفتاة!..
كانت أمي ترقبني وتبتسم!..

*****
تخرجت في كلية الحقوق!..

كنت أول دفعتي وقد خُيّرت بين العمل معيداً بالجامعة وبين العمل بالنيابة العامة فاخترت الأخيرة وقلت أن هذا لن يمنعني من مواصلة الدراسة لكن في الحقيقة اخترت العمل بالنيابة لأننى أردت أن أحمل رسالة القضاء!.. أردت أن أرى المجتمع بعيون أخرى و أن أرى نصوص القانون دون مثالية الشروح!
*****

أنا لا أُحضر العطر إليكِ بل أُحضركِ أنتِ إلى العطرِ!..

احتفلنا أنا ومارى..كنت أحب القهوة معها… أرقب أناملها الرقيقة وهى تضع قطعة السكر بفنجاني فأذوب أنا قبل أن تذوب قطعة السكر!..
أحضرت لها عطر ” الجيرلان” الذى أحبه كما هى العطور الفرنسية التى أحببت رحيقها فقط عندما تمتزج برحيقها فيتوارى العطر خجلا تاركاً عبيرها يشع بداخلي!..
سألتني ذات يوم لماذا كل هذه العطور؟
كذبت ولم أقل لها الحقيقة!..
لم أقل لها إنني أغار عليها من أن يقدم لها أحد غيرى عطراً!..
ولو استطعت لأحضرت لها عطور الدنيا كلها!..
.*****
كنيسة السيدة العزراء!..

الأميرة بفستانها الأبيض يوصيها الأب بزوجها ويوصي زوجها بها!..
اقتربت من الكنيسة برجفة قلب تكاد تَهوِى بجسدى..تصرعه وأكثر من عشر سنوات تمر أمام عيني
كل لحظة فيها ترجفني!..
كنت أحاول أن أقبض على باقة الورود الحمراء التي طالما أهديتها إليها!..كنت أحاول ألا تَخار قواى
وقفت بباب الكنيسة عند مقعد شاغر!..
كنت قد جئت إلى هنا معها عدة مرات في مثل تلك المناسبة لكن اليوم غير أي يوم وتلك اللحظات ليست مثل أى لحظات!.
وقعت عيني بعينها فحدثتها بعين تزرف دمعاً..
هل تذكرين أول وردة قدمتها لك؟
نعم أذكر!.. كنا طفلين!..
لقد أحضرت لك اليوم كل ورود الدنيا!..
وضعت باقة الورود الحمراء فوق مقعد الكنيسة الشاغر وانحنيت لها وأخذت في الرحيل!..

عند خروج ماري من الكنيسة أخذت باقة الورد ورحلت إلى بلاد بعيدة مع زوجها أما الورود فأجزم أنها ما تزال برحيقها الذى لن ينضب أبداً!..
*****
الأسكندرية..الأول من فبراير ١٩٩٢!..

بعد مارى مرت بي نساء كثيرات..
كلهن ذهبن ولم يبق بريق أيًا منهن إلا كما تبقى الومضة، وبقيت تلك الأميرة معلقة في ذاكرتي ومخيلتي وكياني وها أنا أكتب قصتنا وأعلم أن حروفها ستعبّق كل حياتي وإلى الأبد!
قطرات المطر التي كانت تنقر زجاج نافذتي كانت في الحقيقة تنقر ذاكرتي!..
ذهبت أخلد إلى النوم لعل طيفها يأتيني!..

أنا وماري…من #رجفة_قلب

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك