أزمة لغة أم أزمة أمة أم الاثنين معًا – بقلم: د.معاذ الروبي

تلعب اللغة دوراً هاماً في تطور الشعوب والمجتمعات فهي المفتاح الأول ليتواصل الناس فيما بينهم وليعبروا عن أفكارهم بكل وضوح .. وكلما زادت عمليات تحديث اللغة وتنقيحها كلما زاد الإنسجام داخل الأمة الناطقة بها وقل ما يعرف بسوء الفهم وما ينتج عنه من تفرقات واختلافات وصراعات.

لذلك تحرص الشعوب المتقدمة على الإهتمام بلغاتها وجعلها تواكب العصر قدر المستطاع وهذا ملاحظ بقوة للمتتبع أو المتابع للغات الأوروبية وغيرها حيث نجد إصدارات سنوية للقواميس والمعاجم فيها من الإضافات ما يضمن عصريتها ومن الحذف ما يبعدها عن الشيخوخة ويعيد لها شبابها .. وبالطبع فإن كل ذلك يتم وفقاً للدراسات والأبحاث التي يجرونها .. وهكذا فهم يسابقون الزمن في جعل لغاتهم سريعة التعلم سهلة التعليم .. فبساطة ووضوح أي لغة يتناسب طردياً مع سهولة تعلمها ومن ثم إنتشارها وازدهارها.

من هنا وجب علينا مواجهة أنفسنا (كناطقين بالعربية) والاستفهام منها بكل صراحة وتصالح مع الذات ..
لماذا أصبحت لغتنا هي أساس تخلفنا بدل تحضرنا؟
لماذا أصبحت لغتنا هي مفتاح إختلافنا بدل توحدنا ؟
لماذا أصبحت لغتنا عبئاً علينا لا سنداً لنا ؟

والعديد العديد من الأسئلة المحزنة والمحرجة التي تصادفنا أو نصادفها كل يوم.

لقد كنت سابقاً مع تعريب العلوم في الدول العربية و المستعربة ومع تدريس التخصصات الجامعية العلمية باللغة الأم لهذه الدول.

ولكن عند التعمق بالمسألة أكثر والولوج فيها إكتشفت مدى الأزمة والمشكلة التي تعاني منها اللغة العربية فهي ( ويا للأسف ) لغة وإلى الآن مختلف حتى على عدد كلماتها ( أساس أي لغة ) بل وبشكلٍ كبير ، فهذا المرجع يتحدث عن وجود 12 مليون كلمة وذلك 5 وذاك 50 ( فروقات بالملايين !! ).

وهذا يجعلها لغة مشتتة مبعثرة مترامية الأطراف متشعبة الإتجاهات متعددة الأوجه والوجهات والأخطر أنها أصبحت عصية على كونها لغة تناسب العلوم .. (حيث يتطلب الأمر الكثير من الموضوعية والحصرية والوضوح والدقة في المعاني).

من هنا عارض الكثير من الباحثين في بلادنا تعريب العلوم وتدريسها بالجامعات باللغة العربية لكون التدريس باللغات الأخرى ( انجليزية أو فرنسية وو ) أسهل بكثير .. وهكذا فشلت العديد من محاولات علمنة هذه اللغة لإفتقاد السلاسة والإنسجام والمعنى الموحد عند الترجمة.

فهل هي مشكلة لغة فعلاً ؟

أم مشكلة أمة (تراهن على الحداثة دون تحديث لسانها) ؟
أم الاثنين معاً!

من هنا تحتّم علينا العودة إلى الماضي لنفتش عن الكثير من الإشكالات التاريخية لنضع علامات تعجب كبرى ونبدأ بطرح الأسئلة لعلنا نجد بعد ذلك إجابات نبني عليها حلولاً لمستقبلٍ أفضل.

فكيف للغة شبه جزيرة العرب أن يكون أهم و أعظم لغوي و نحوي فيها أعجمياً ( سيبويه : ولد في البيضاء في إيران ) حتى أنه كان يلقب بإمام النحاة ؟؟!!

وكيف لأهم وأقدم معاجمها وقواميسها ( بدأ تدوينها في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ) أن تًُخطّ وتُكتب بأيدي أعجمية ممن تعلموها وتحدثوها لاحقاً ؟؟!!

فمثلاً سنجد أن ستة من بين أهم وأول سبع معاجم لغوية من كتابة مؤلف أعجمي (مستعرب) !!

المعجم
نبذة مختصرة
المؤلف
العين
عربي ولد في عُمان
الخليل بن أحمد الفراهيدي
البارع في اللغة
أعجمي ( كرد )ولد في ديار بكر جنوب شرق تركيا
أبو علي القالي
تهذيب اللغة
أعجمي ولد في هراة في أفغانستان
أبو منصور الأزهري
تاج اللغة وصحاح العربية المعروف بالصحاح
أعجمي ولد في فاراب في كازاخستان
أبو العباس الجوهري
أساس البلاغة
أعجمي ولد في زمخشر في أوزبكستان
الزمخشري
لسان العرب
أعجمي ( أمازيغ )ولد في قفصة في تونس
ابن منظور
القاموس المحيط
أعجمي ولد في كازرون في إيران
الفيروز آباد

هذا يضعنا أمام تحدٍ عظيم يبدأ بالبحث والتحري حول كمية ونسبة ما في اللغة العربية من مفردات وقواعد أجنبية دخيلة .. مروراً بمدى تأثيرها عليها (سلباً أو إيجاباً).

وليس إنتهاءاً برصد الوقائع والظروف والأسباب التي أدت لحدوث هذا اللغط اللغوي سواء كانت سياسية أو دينية أو حتى إقتصادية فالإرتزاق باللغة (خط ومعاني كلمات وشعر ووالخ) موجود قبل الإرتزاق بالدين مع كونه زاد معه وبعده!

ونختم بالقول:

إن أهمية حل هذه المشكلة كامن في كونه بداية لحل باقي المشكلات التي تعيقنا عن اللحاق بباقي الأمم على صعيد الإصلاح الديني والتقدم الإجتماعي وما يتبعه من إستقرار سياسي فنمو وازدهار إقتصادي.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك