تذكير أم تأنيث؟ كيف يؤثر الجنس في اللغة على ثقافتنا وأفكارنا؟

تذكير أم تأنيث؟ كيف يؤثر الجنس في اللغة على ثقافتنا وأفكارنا؟ – ترجمة: أحمد خطاب

الجنس اللغوي يؤثر على العمليات المعرفية

لو قمت بدراسة لغة أجنبية، فستعرف أن في لغات عديدة، الأسماء   -حتى الجمادات- لديها جنس نحوي. الروسية والفرنسية والأسبانية والعربية كلها أمثلة على تلك اللغات. في اللغة الفرنسية، الخمر والشيكولاتة أشياء مذكرة ، أما في اللغة العربية، فالشوربة والنتيجة السنوية أشياء مؤنثة. متحدثو هذة اللغات يجب أن يراعوا تحديد جنس الكلمة مع أدوات وضمائر محددة، يجب عليهم أيضًا أن يعدِّلوا الصفات وحتى الأفعال بما يتوافق مع جنس الكلمات.

كما تبين أن الجنس النحوي في اللغة يمكن أن يكون له تأثير هام ومفاجئ على الإدراك المعرفي. في إحدى الدراسات على سبيل المثال، طُلب من متحدثي اللغة الروسية أن يجسدوا أيام الأسبوع، فقاموا باستمرار بتجسيد الأيام المذكرة -في اللغة الروسية- (الإثنين والثلاثاء والخميس) كذكور، والأيام المؤنثة (الأربعاء والجمعة والسبت) كإناث. وعندما سُئلوا لماذا فعلتم ذلك؟ لم يتمكنوا من شرح الأمر!

إذًا الجنس اللغوي يمكن أن يمتد لعميات ذهنية أخرى، مما يؤدي بنا للتصنيف والحكم على الأشياء الجامدة والأسماء المجردة أن لها جنس بالفعل! بالرغم من أننا ندرك أفضل بالمنطق، إلا أن الروس في هذه الدراسة أُختبروا بلغتهم الأصلية، فهل يمكن للجنس اللغوي أن يؤثر على معالجة المعرفة للمتحدثين عندما يتحدثون بلغة أخرى تمامًا؟

في عام 2002شرع الباحثون في الإجابة على هذا السؤال، قاموا بعمل قائمة مكونة من أربعة وعشرين عنصرا لهم أجناس متضادة في اللغتين الأسبانية والألمانية: في كل لغة نصف الأشياء كانت مذكرة والنصف الآخر كان مؤنثًا وكانت مكتوبة باللغة الإنجليزية وتحدث الباحثون بالإنجليزية، كان هناك فريق يتحدث الأسبانية كلغة أصلية والآخر يتحدث الألمانية كلغة أصلية، وكلاهما يتقن الإنجليزية، طلب الباحثون من الفريقين أن يصفوا كل عنصر في القائمة بثلاث صفات.

في جميع المجالات، أثر جنس الأشياء على حكم المشاركين، على سبيل المثال، كلمة “مفتاح” مذكرة في الألمانية ومؤنثة في الأسبانية. متحدثوا الألمانية في هذة الدراسة مالوا لوصف المفاتيح على أنها صلبة وثقيلة وخشنة ومعدنية ومفيدة. من ناحية أخرى، متحدثو الأسبانية استخدموا كلمات مثل ذهبية ومعقدة وصغيرة ومحببة قليلا وصغيرة عند وصفهم للمفاتيح!. كلمة “جسر” مؤنثة في الألمانية ومذكرة في الأسبانية، بتأكد كافٍ قام متحدثوا الألمانية بوصف الجسور أنها جميلة وأنيقة وهشة ومرهفة! بينما متحدثوا الأسبانية قالوا إنها كبيرة وخطيرة وقوية وصلبة وشاهقة.

في نفس الدراسة، متحدثو الألمانية والأسبانية نظروا إلى أزواج من الصور، كل زوج متضمن صورة لشيء وصورة لشخص، قيّم المشاركون كم التشابه بين الصور. لم تُكتب وسوم على الصور ولم يتحدث المشاركون خلال هذة المهمة، كل من متحدثي الأسبانية والألمانية قاموا بالحكم على الأزواج بأنها متشابهة عندما كان الجنس النحوي للأشياء متوافق مع الجنس البيولوجي للأشخاص في الصور.على سبيل المثال، زوج متكون من جسر ورجل بدا لمتحدثي الأسبانية أنه متشابه، لكن لم يكن كذلك بالنسبة لمتحدثي الألمانية مطلقًا!

كما أظهرت هذة الدراسات، فالجنس النحوي يمكن أن يؤثر على طريقة تفكير الناس، حتى لو كانوا يتحدثون بلغة خالية من الأجناس النحوية، أو لا يتحدثون بأي لغة على الإطلاق!

كثير منا يعتقد أننا نعيش في عالم ما بعد التمييز على أساس الجنس، تاركين أسوأ تحيز لنوع الجنس خلفنا، لكن لو أن الأعراف المجنسة للغات ستؤثر على أفكارنا، فتجعل المفتاح يبدو أجمل والجسر يبدو أكثر ثباتًا، فيبدو أننا لسنا متحررين بعد من الصور النمطية للأجناس، الملامح الصغيرة وغير الملحوظة للغة يمكن أن تؤثر على أفكارنا وأحيانا بشكل أكبر من ذلك، بعد معرفتك لكل هذا، تخيل كيف تؤثر اللغة على ثقافتنا ومجتمعنا وأحيانا على أفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا!

شيء محير .. أليس كذلك؟!

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك