هل سألت نفسك من قبل: هل الحياة مجرد وهم؟

هل سألت نفسك من قبل: هل الحياة مجرد وهم؟ – ترجمة: ندى علاوي

بعض الأسئلة تزلزل كل كياناتنا الفكرية الراسخة، خاصة عندما تكون موجهة إلى قلب فكرة الوجود.

هل تسائَلتُم يوماً عن معنى الحياة، بصورة خاصة حياتكم؟ حسناً، بالتأكيد فَعلتُم. ولكن، رُبما عليكم التخفيف من همومكم، إذ أن هُناك أكاديميون يقولون إنكم لا تمتلكون حياة. أنتم مُجرد تطبيق!
تلك الفكرة المُربكة أصبحت أكثر شهرة وعُززت من قِبل نيك بوستروم (Nick Bostrom)، وهو أستاذ في جامعة أكسفورد (Oxford University)، الفكرة تُعرّف كالتالي: يَعرف الجميع تاريخياً، عندما أصبحت الحواسيب ذات قدرات أكبر، بدأ المُبرمجون بعمل محاكاة –وهي تقليّد لحالة الحياة الحقيقية في برامج. نمذّج العلماء كلشيء إبتدأً من الأوبئة وصولاً إلى تكوين الكواكب. قريباً ستبرز نماذج إجتماعية معقّدة ومُقنعة مثل لعبة الفديو (SimEarth) التي صممها (Will Wright) وشبيهاتها.

الشخصيات في ألعاب الفديو تلك ليست ذكية جداً- إنها لا تُفكر. إنها ببساطة تستجيب لضربات يدك على مفاتيح أو مقبض التحكم بتصرف حسابي.
لكن الآن، فكر مالذي سيحدث في المئات القادمة من الأعوام، أنها مسألة وقت. عندما تُزوّد المحاكاة بمُجسمات ذات ذكاء إصطناعي مُتقدم. ستتمكّن الشخصيات من تمثيل إهتمامتها الخاصة. وتتجاوز النوايا القوية التي يتحكم بها المُبرمج. ويُفترض إنها عند مستوى معين من التعقيّد ستُصبح واعية.
سنأخذ النتيجة المنطقية المُجردة لذلك. سيستخدم مؤرخوا المُستقبل (أو المراهقين الفضوليين) مهارات برمجية للوصول إلى جهاز حاسوبي كبير الترميز يُمكنهُ بناء محاكاة فديوية على سترويدات (Steroids). وسيتمكنون على سبيل المثال من تشغيل محاكاة للمُجتمع الأوربي في القرن الخامس عشر لمُشاهدة كيف سيبدوا الحال في حِقبة الطاعون الأسود. وهو ما يُسمى بِمُحاكاة السلف. على عكس كيانو ريفيز في فلم المَصفوفة ⁽¹⁾ ، لن يعرف الناس داخل المُحاكاة أن حياتهم مُجرد رمز مُشغل داخل جهاز.
والآن، إذا وَصَلت الأمور لهذا الحد، يُمكنُكم المُراهنة أن المُمبرمجين لن يُشغلوا مُحاكاة واحدة فقط. الذين يَمتلكون سلسلة الألعاب (Grand Theft Auto ) ⁽²⁾ على جهازهم لن يلعبوها مرة واحدة فقط. سيلعبوها مرات عديدة. بِعبارة أخرى، إذا كانت مُحاكاة السلف مُمكنة، سيفوق عددها المُجتمعات الحقيقية كثيراً. وبالتالي فمن المحتمل جداً أن البشرية كُلها عبارة عن مُحاكاة- وبأننا لم نحصل على واحدة من تذاكر اليانصيب تلك التي تجعلنا المُجتمع الحقيقي من الكائنات الحية. كل ما نفعلهُ اليوم (وما فعلناهُ فيما مضى) قدّ يكون مُجرد وهم مُبرمج من قبل حضارة كليغونية ذكية⁽³⁾.
قدّ ينتابُكم الآسى من فكرة إنكم لستم أكثر من برامج تعمل داخل حاسوب. قدّ ترفضون الفكرة بِرُمتها متعجبين. ولكن، إن لم تكونوا في مُحاكاة، فإن بوستروم أشار إلى أن واحدة من الإحتمالات التالية يجب أن تكون حقيقية:

أولاً: المُستوى التقّني للمُجتمعات الحقيقية لن يتقدم إلى أكثر من إنسان قرن الواحد والعشرين. الأجانب ( دون الإشارة إلى ذريتنا) تُدمر نفسها ذاتياً قبل أن تُطور قدرة حسابية إلى درجة تسمح بمُحاكاة السلف. إذا كان هذا ما ستكون عليه الأمور، إذن رُبما أنتم على حق. لكن عليكم أيضاً أن تتوقعوا نهاية وشيكة للمُجتمع البشري. قوموا ببيع عقاركم الحقيقي.

ثانياً: الإحتمال الأخر، رُبما العديد من المُجتمعات طوّرت القدرة على صنع المُحاكاة. ولكن لأسباب غريبة لم يُقوموا بذلك أو لم يكونوا مهتمين أو لن يكونوا كذلك. شخصياً، أجدُ أن إبتلاع هذه النظرية أصعب من إبتلاع كعكة مصنوعة من المسامير.

بدائل المُحاكاة لا تبدو مُقنعة جداً.

فرضية بوستروم مُقلقة. إنها تتطلب طرح بعض الأسئلة البديهية. لنبدأ بالسؤال : هل هُناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت الحياة حقيقة أم وهم؟
سيلاس بين (Silas Bean) ، وهو فيزيائي في جامعة واشنطن (Washington University)، بَحث كيف أن دراسة مُتأنية للأشعة الكونية يُمكن أن تُخبرنا فيما إذا كانت هُناك شبكة حاسوبية تكمُن وراء تجاربُنا المصورة. تُستخدم مثل هذه الشبكة من قبل جميع مُصممي النماذج الحاسوبية الإفتراضية. وتعمل على تجزئة الظاهرة إلى أجزاء مُنفصلة. حسناً، تبين بأنهُ إذا كانت تلك الشبكة دقيقة كفاية- أي مصفوفة بنقاط كافية. فأن تجاربنا الفيزيائية، بما في ذلك الإختبارات الحساسة للأشعة الكونية، لن تتحسسها. قد لا تكون هناك طريقة تجريبية لإخباركم ما إذا كُنتم حقيقيين أو مجرد ذاكرة حاسوبية (Memorex).

بالنسبة للسؤال الأخر، ماذا عن الأشخاص (الأرضيين أو غيرهم) الذين بنوا المُحاكاة التي نعيش فيها؟ من يقول إنهم ليسوا مُحاكاة أنفسهم؟ وإن كانوا كذلك، ماذا عن الأشخاص الذين بنوهم؟
يتعامل بوستروم مع مُشكلة مرآة صالون الحلاقة ⁽⁴⁾ هذه بمُلاحظة أن هُناك حدود للبُعد الذي يمكن للمحاكاة الذهاب به.

إنها حدود تفرضها الكلفة. فبعد كل شيء، يُمكن أن يكون لديكم نسخة من لعبة (Grand Theft Auto) تُدار داخل اللعبة نفسها وربما واحدة داخل الأخيرة. ولكن لا يُمكنكم أن تفعلوا ذلك إلى مالانهاية بسبب التكاليف الحاسوبية. في مكانٍ ما يجب أن يكون هُنالك أساس حقيقي.
عندما تحدثتُ إلى بوستروم حول هذه الفكرة قبل عدة سنوات، سألتهُ التالي: إذا كُنتُ مُجرد مُحاكاة، هل واجبُ عليّ أن أتصرف بشكل أخلاقي؟ مالفائدة من القلق حيال الجماليات الإجتماعية إذا كُنتُ مُجرد رمز؟ بعد لحضات قليلة من التردد، أجاب بوستروم بهدوء ، إنني يجب أن أختار لسلوك الأخلاقي.
طبعاً، ولكن رُبما هو مُبرمج لقول ذلك!
وبعد التفكير مليّاً بذلك. أنا لستُ سعيداً تماماً بفكرة كوني رُبما أقل إنحداراً من فأر مختبر، على الأقل فأر المُختبر حقيقي. كلا، إنتظروا لحظة.. ربما هو أيضاً ليس كذلك.

الهوامش:

⁽¹⁾: المصفوفة (The Matrix) فيلم سينمائي تم إنتاجه في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1999، من تأليف وإخراج الأخوين وتشاوسكي أندي ولاري، وبطولة كيانو ريفز.
⁽²⁾: Grand Theft Auto هي عبارة عن سلسلة ألعاب فيديو تم إنشاؤها في المملكة المتحدة من قبل ديف جونز
⁽³⁾ : Klingonهي أنواع خيالية خارج أرضية مُحاربة تملك مواصفات شبيهه بالبشر تظهر في سلسلة الخيال العلمي (Star Trek).
⁽⁴⁾: مرآة صالون الحلاقة عبارة عن مرآة بداخلها مرآة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك