الشعور واللاشعور واكتشاف الذات عند الفلاسفة

الشعور واللاشعور واكتشاف الذات عند الفلاسفة – بقلم: خيال بعيد

الشعور واللاشعور

من الافكار الشائعة عند علماء النفس انقسام الوعي الى شعور ولا شعور. وهم يعنون بذلك ان اعتقاداتنا منقسمة الى ما نعلمه ونعلم بوجه ابتعاثه لنا وتأثيره فينا والى اعتقادات اخرى موجودة فينا بدون ان نعيها او نعي بابتعاثها لنا او تأثيرها فينا. وهذه الفكرة صحيحة تماما لأن وعي الانسان هو حصيلة نهائية لتجارب وافكار ومواقف وظروف تتراكم على بعضها البعض في الوعي حتى يخفى بعضها على صاحبها نفسه؟ كما ان الكثرة المهولة لهذه الافكار والتجارب تجعلك تغفل عن البعض بالتأكيد. كما ان البعد الزمني بين وقت حصول هذه الاعتقادات والافكار وبين الحاضر سبب اخر لهذه الغفلة . وكذلك فإن انشغال الانسان بالمحسوسات وظروف الحياة قد يجعله يغفل عن كثير مما يوجد في نفسه من اعتقادات وبواعث فلا يلتفت اليها ولا يعيها رغم انها موجود فيه وتؤثر في سلوكه فالانشغال بالمحسوسات قد ينسيك نفسك ومن نسي نفسه فقد نسي ربه .

الفلاسفة واللاشعور

ولكن هذه القاعدة في انقسام الوعي الى شعور ولا شعور لها استثناء واستثنائها هو الفلاسفة. لأنهم اي الفلاسفة يقومون بالبحث في ذواتهم لدرجة قد تنسيهم عالم الناس وعالم المحسوسات وعالم الاحداث الوقتية العابرة وليس من الغريب ان تسمع عن فيلسوف اصطدم بجدار وهو يمشي او وقع في حفرة في الطريق او نسي ان يأكل لمدة يوم او يومين او نسي ميعاد مهم او جلس مع مجموعة من الاصدقاء ثم تسألة بعدها عما دار من حديث في هذه الجلسة فيقول لك لا اعرف ولم اسمع وذلك لانه مشغول بالذات وما فيها وهذا حتما سيجعله يغفل عن المحسوسات الخارجة. ثم هو ربما يقوم بفعل وسلوك ما في موقف ما فتجده يستغرق اوقاتا طويلة في تحليل سلوكه وبواعثه في هذا الموقف فيجد في نفسه اعتقادات وافكار محفورة في ذهنه وربما يتفكر فيكتشف ان سبب انحفارها في ذهنه هو تجربة بعيدة تعود لسنوات طفولته او كيفية تربيته. وهذه عملية تنقيب كاملة في الذات وسبر لاغوارها تثمر اكتشافات عن كل ما انحفر في الذات من افكار واعتقادات واّثارها على السلوك وعلاقة ذلك بالسلوك البشري عامة لانك اثناء بحثك في ذاتك سوف تكتشف طبيعة النفس ا لانسانية عامة وليس طبيعتك انت الخاصة فقط.

سر الاستثناء

وهنا يكمن سر استثناء الفلاسفة من قاعدة انقسام الوعي الى شعور ولا شعور لأن معنى هذه القسمة هو انه يوجد بذاتك اعتقادات وافكار وبواعث لا تشعر بها ولا تشعر بتاّثيرها فيك ويوجد اعتقادات وافكار وبواعث اخرى تشعر بها وتشعر بتأثيرها في سلوكك وافعالك فإذا تمكن انسان من التنقيب داخل ذاته وسبر اغوارها الى درجة ان كل ما بها قد صار مكشوف له ولم يعد في نفسه شئ مغفول عنه فهذا معناه ان وعي ذلك الانسان ليس به شعور ولا شعور وانما وعيه كله شعور فقط لانه يشعر بذاته وكل ما يوجد في ذاته ووجه تاّثير هذه الاعتقادات والافكارعلى سلوكه وافعاله . ولكن ليس معنى ذلك ان التنقيب في الذات قد يوصلك الى كشف كامل لكل ما في الذات بل يمكن ان ينكشف لك اغلب ما في الذات وتبقى امور اخرى خافية عنك لأنك لم تنقب جيدا او هناك شئ خدعك فلم تعرفه على حقيقته او ربما لأن هناك باعث قوي يمعنك من كشف شئ في الذات مثل ان يوجد في نفسك باعث التكبر مثلا فإن هذا الباعث ربما يمنعك من الوصول الى حقيقة تتناقض مع باعثك فيضطرك هذا الباعث الى تجاهلها رغم انها امامك ورغم انها ليست في خفاء شديد او تتطلب تنقيبا دقيقا.




دقيقة مهمة

التنقيب في الذات لكشف كل ما بها لن يفيد ولا يمكن ان يصل لكماله وتمامه الا اذا قمت اثناء ذلك بنفي الاعتقادات الخاطئة وما يبتني عليها من بواعث وافعال لأن هذه الاعتقادات الخاطئة ستكون بمثابة حجب تمنعك من تمام الكشف والبصيرة بما يوجد في الذات ويشير لهذا قول مأثور وهو (الحب يعمي ويصم ) فحب الشئ قد يكون باعثا على غفلة عقلك عن كشف شئ رغم وضوحه وظهوره فالحب والكراهية من اشد البواعث على الغفلة والعمى العقلي وهذا هو السبب في نزوع الفلاسفة للتجرد من العواطف البشرية المعتادة و نفي التعلق بالأشياء حبا وبغضا ولكن هنا معضلة كبيرة يجب ان تحترس منها وهي ان يدفعك ذلك الى محاولة نفي الحب والكراهية من ذاتك تماما حتى (لا يكون لك باعث فترى الاشياء على حقيقتها!!) لأن هذه خدعة نفسية لأن نفي الحب والكراهية من الذات معناه نفي الذات وفقدان الشعور بوجودك حتى تصير مثل ريشة معقلة في الهواء ليس لها استقرار او ثقل.

كيفية تتجنب هذه الخدعة؟

اعلم انه ليس الغرض هو ان تنفي الحب والكراهية والبواعث من ذاتك وانما الغرض هو ان يكون حبك وكرهك وبواعثك في محلها وفي موضعها ولا يمكن ان يحدث ذلك الا اذا جعلت حبك وكرهك وبواعثك تابعة لحكم العقل لا لحكم الهوى فان كنت تحب شئ مثلا بسبب الهوى ثم اشار عليك العقل وقال ان هذا الحب خطأ ويجب الخلاص منه فيجب ان تستمع لصوت العقل وما اشار به ولكن هذا عسير ومؤلم في البداية لانه يحتاج قوة نفسية لمواجهة باعث الهوى وربما يكون حبك او كرهك شديد فلا تقوى اشارة العقل على مواجهته او نفيه ولكن اذا امعنت في مواجهة بواعثك اعطاك هذا قدرة ودربة وجرأة على نفي ما يتناقض مع العقل مما يوجد في ذاتك ووجدت لذة الظفر والغلبة والقدرة على التحكم في الذات والمشاعر ثم انك قد تتأمل في ذاتك بعد عملية نفي البواعث واعادة ترتيب الذات وبنائها فتشعر بجمالها فيزيدك هذا رغبة في مزيد من تحقيق الجمال العقلي لها ولكن احذر ان يجعلك هذا الشعور بجمال الذات تعجب بنفسك لأن العجب بالنفس هو ايضا احد اسباب الغفلة والعمى بل هو اشدها!!

خلاصة

ان بغية الانسان في هذه الحياة هي الكمال ولا يمكن بلوغ كمال الذات الا اذا عرفت كل ما يوجد في ذاتك من مؤثرات وتاّثيرات وبواعث واعتقادات ثم هذه المعرفة لا تكفي بل لابد ان تنفي ما يتناقض مع الكمال وتثبت ما هو كمال ولكن هذه العملية خطرة لأنها تقتضي تحطيم الذات لإعادة بنائها وكيف تضمن انك ستعيد بنائها وتركيبها مرة اخرى؟ وكيف تضمن انك ستقدر على ذلك؟ فإن للنفس طاقة وقدرة ان تجاوزتها حطمتك الاعادي لا محالة ولكن عليك ان تخرج كل ما تحتمله طاقتك وقواك ولا تكلف نفسك الا وسعها ولكن لا تخدع نفسك وتدعي ان الصغائر والبسائط فوق طاقتك واكبر من وسعك كسلا وخوفا من طريق الكمال ومشاقه فإن الخدع النفسية في هذا الطريق كثيرة ومتعددة ومتشعبة ومتلونة تخلع صورة وتلبس صورة اخرى حتى تخدعك باختلاف الصور رغم ان البواطن واحدة فانتبه وتيقظ فإن اليقظة هي اصل كل خير.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك