عش الدبابير .. عن الدولة والكنيسة في مصر

لن نخالف ضمائرنا و أحكام الكتاب المقدس فما يقوله الرب يطاع وليس ما يقوله الناس .
الأنبا شنودة تعليقا على حكم الادارية العليا الذى يلزم الكنيسة بمنح تصريح زواج للمطلقين مارس 2008
عندما أصدر المستشار طارق البشري كتابة (الدولة والكنيسة ) 2011 كان يضع كلتا يداه فى عش الدبابير , فهذا موضوع قلما يتجرأ أحد على الخوض فيه بمقال عابر فضلاً عن أن يفرد له صفحات كتاب ..
وقد ناقش البشري فى هذا الكتاب العلاقة بين الدولة من خلال مؤسساتها و الكنيسة والتى لا تخلوا من التوتر الذى قد وصل لما يعبر عنه البشري باعلان الخروج على شرعية الدولة من خلال الجهر برفض تنفيذ احكام القضاء و طاعة القوانين .. وحيث أن من يتعرض للمسألة الطائفية لا ينجوا عادة من المطاعن بها فلا يتردد البشري فى أن يعرب عن اراءه بوضوح وبلا مواربة ان موقف الكنيسة القبطية فى حالات عديدة كان أشد تعنتاً من اغلب الاسلاميين الذين تنتقدهم فهى “الكنيسة ” تمنح نفسها سلطة تحديد ما يقع تحت سلطتها الدينية من مسائل بأعتبارها امور عقائدية و تتمسك بالحماية الدستورية لحرية الاعتقاد بها ثم تحتكر تحديد ما هو قول الانجيل /حكم الدين فى المسالة بلا معقب عليها .
وكذلك يبرز قضية وفاء قسطنطين كمثال صارخ لموقف مخزي من الدولة التى اذعنت لسلطة الكنيسة و أفتئاتها عليها فقبضت على مواطنة (يؤكد البشري على صحة أشهارها أسلامها بوضوح ) وسلمتها للكنيسة لتختفى الى الابد !
وعندما اثيرت حولها الاسئلة كانت الاجابة انها مسيحية فيسأل البشري ( هل مفاد كون المسيحي مسيحياً فى مصر أن تسيطر عليه أجهزة الأنبا شنودة فيختفي بين جدران مبانيها ولا يحق لمواطن مصري من بعد ان يسال عنه لانه بموجب مسيحيته قد صار بالحتم الى تبعية أخرى غير التبعية المصرية العامة التي تجمع المصريين كلهم وتقوم عليها الدولة ) ؟
ويعدد البشري نماذج لتجاوز الكنيسة كمؤسسة دينيه طورها الطبيعى و أضلاعها بادور أخري من صميم أختصاص أجهزة الدولة كالتحقيق الجنائى و الاحصاء و المطالبة بأن تراعى الحكام المدنية أحكام المجالس الاكليريكية وارائها الشرعية ورفضها اى رقابة على شئونها الحسابية و المالية من الجهاز المركزى للمحاسبات او غيرة باعتبارها من الهيئات العامة .
ويؤكد البشري على ما هو واضح كالشمس أن مثل هذه المظاهر لا تؤدى إلا لأسقاط قيمة المواطنة كمعيار جامع مشترك فى مقابل صعود الطائفية و الطائفية المضادة
مستشهدا بقول ابراهيم عيسي أن الكنيسة أكبر حزب ديني فى مصر وان الاقباط الذين يرفضون الدور السياسي للمساجد يحولون الكنائس الى ملاجىء سياسية واجتماعية للاقباط , وكذلك علاء الاسوانى عندما يقول أن الكنيسة فى الفترة الاخيرة قد تجاوزت دورها كسلطة روحية لتتحول الي ما يشبة الحزب السياسي .
هل ذكرت ان تاريخ هذه الأقول يرجع الى العام 2008 .. ربما التوقيت له دلالة 🙂
ويفيض البشري فى ذكر الامثلة من مواقف الكنيسة والتى تمثل مقاربة لنظام المله القديم حيث يختص رؤساء الطائفة الدينين بادارة شئونهم منعزلين عن سائر رعايا الدولة , مدلالاً بذلك على عدم رغبة الكنيسة الأندماج في دولة المواطنة الحديثة بل أن يكون أساس تعاملهم مع الدولة باعتبارها ” السلطان ” .. فتكون مخاطبة ومناشدة الرئيس مبارك بان يفعل كذا او كذا من اجل الاقباط بشكل شخصي كسلطان وليس كموظف عام و ممثل للدولة يلتزم بالدستور و القانون .
ويشير البشري الى هؤلاء الذين يبذلون قصاري جهدهم لنفي القداسة عن كل ما هو اسلامي مقابل اعترافهم بالقداسة المسيحية و بعلو بابا الكنيسة شخصياً عن النقد و يفسر ذلك التناقض الصارخ تفسيراً نفسياً بانهم بازاء المقدسات الاسلامية أقلية ينجذبون لغيرهم من الاقليات فى مواجهة الاغلبية التى تختلف عنهم ديانة و اراء , فيكون دفاعهم عن الأقباط ليس خالصاً على قناعة عقلية او أخلاقية وإنما توطئة لأضفاء الحماية المعنوية على أنفسهم .
ويعلن البشري رأيه صراحة ان الكنيسة تمثل عائقا امام الأقباط و الاندماج فى الجماعة الوطنية , فهى تكرس الانعزل القبطى عن المجتمع ثقافيا و سياسيا , فى مقابل تكريس قوة رجال الدين و قدرتهم على توجية الاقباط سياسيا و شحنهم فى مواسم الانتخاب والأستفتاء لأختيار ما تراه الكنيسة من مرشحين و أختيارات يصب فى مصلحة الأقباط (هل تغير هذا الوضع من وقت صدور الكتاب ؟ )
و يبرر البشري أختيارة للموضوع بإنه يتناول مساحة مسكوت عنها (العجيب اننا عندما يرد الحديث عن اى توتر طائفي في مصر يذكر من الأسباب ما ظهر وما بطن وما كبر وماصغر وما علا وما هبط ولكن لا يذكر ابدا أثر الفعل الكنسي فى الحادثة الحاصلة أو في المناخ الطارىء)
ويلاحظ البشري ان مطالب الاقباط تحولت من السائد تاريخيا من المساواة و المشاركة في الشئون العامة و التى تستند للحق فى المواطنة أساسا الى المطالبة بنفى الإسلامية عن الدولة و علمانيتها , وهو موقف سياسي وليس دينى بطبيعة الحال ويربط بينه و بين التغيرات فى سلوك الكنيسة و بروز دورها السياسي .
وفى المقابل يدعي البشري أن الفكر الاسلامي السياسي قد أعمل أجتهاداته بما يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين مختلفى الاديان وأن مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاه من أحكام الشرع الاسلامى بموجب المادة 2 من الدستور (الاسلام دين الدولة ) ! الذى يفيض فى عرض تطورة التاريخي من الدستور الاول 1923 الى حين كتابة سطور مؤلفة .
وبالطبع فحديث المستشار البشري لا يمكن أن يمر بلا تعقيب ..
وان كان الدور السياسي للكنيسة القبطية قد برز بوضوح بمجرد تولي الأنبا شنودة منصب البابوبية و بداية ظاهرة أقباط المهجر و صدامه العنيف مع الرئيس السادات لتبقى الكنيسة فاعلاً سياسياً هاماً فى الحالة المصرية الملتبسة وتتغير علاقتها بالسلطة ما بين مد وجزر بحسب الأحوال الا انه يظهر واضحاً للعيان أن هناك شبة توافق غير مكتوب فى عصر مبارك على أن تدعم الكنيسة الرئيس و يترك الرئيس الكنيسة تمارس سلطتها على أبناء الطائفة وان كان ذلك التوافق قد تعثر فى أواخر سنوات مبارك ثم أنهار فى عهد مرسي القصير الا انه عاد بقوة فى عهد السيسي / تواضروس , حيث علاقة البابا والرئيس هى الافضل تاريخياً بفارق شاسع و واضح , الا ان هذا التوافق والتواد مؤسسين على علاقات شخصية أكثر منها علاقة قانونية وتنظيمية لمؤسسات الدولة والكنيسة مما يقوى دعوى البشري أن الكنيسة تكرس الأنعزال الطائفي للأقباط و تؤسس علاقتها بالسلطة على اسس بعيدة عن المواطنة .
و الواقع ان الفيصل فى نقطة الخلاف حول ما تعتبرة الكنيسة مسألة عقائدية من عدمه و تصديها للأمور كممثل للأقباط هو أمر قبطي بحت طالما كان في أطار المسائل الدينية , لكن الاشكالية تظهر عندما يلجىء قبطى للدولة متمسكاً بحقوق مواطنتة فى مقابل كنيستة كقضية الزواج الثاني و عندما تتصدى الكنيسة كمؤسسة لمسائل ذات طبيعة سياسية فى أطار تمثيلها للأقباط فتظهر الأزدواجية الهوياتية و تتنازع الجهتين الدولة والكنيسة السطوة (القانونية ) على القبطى .. فالهوية الوطنية لا تتعارض مع الهوية الدينية فى الظروف الطبيعية حيث أن الهوية الوطنية قائمة على رابطة قانونية تربط المواطن بالدولة بصفتة مواطن يحمل جنسيتها مما يرتب له حقوقاً و يضع عليه واجبات تجاهها بينما الهوية الدينية رابطة روحية بالأساس , والوضع الطبيعي أن ينتفي التعارض فمن ناحية تضمن حقوق المواطنة حرية المواطن الدينية و تحترمها فى اطار المساواة بين كافة المواطنين ولا يمكن مطالبة شخص بالأنتماء التام لبلد لا يحترم عقائدة و يضن عليه بحقة فى الاعتقاد , ومن ناحية أخري فتصدى المؤسسات الدينية للمسائل السياسية و الادارية العامة يتناقض مع طبيعة الدولة الحديثة ذاتها ومع طبيعة الهيئة الدينية التى لم ينتخبها معتنقى الديانة لتقوم بعمل سياسي فضلا عن غيرهم ممن لا يعتنقون تلك الديانة من الاساس .. لكن الظروف ليست طبيعية 🙂
نعم الكثير من سلوكيات الكنيسة من رفض احترام الأحكام القضائية الى تجاهل الاجهزة الرقابية و الحسابية و الاصرار على سرية أموالها الي توجيه الناخبين فى الانتخابات والاستفتاءات سلوكيات مناهضة للمواطنة و لكن هل توجد أسباب أخري لهذه السلوكيات بخلاف رغبة الكنيسة فى تكريس سلطتها على المنتمين اليها ؟
هل التيار العام في مصر ينظر الي الشعب كمواطنين علاقتهم بالسلطة مبنية على الحقوق التى يتشاركونها على قدم المساواة أم رعايا يقدمون فروض الطاعة والولاء مقابل الحماية و المزايا و كف الأذي ؟
هل يثق عامة المصريين فى عدالة قوانينهم و قضائهم و مؤسسات دولتهم ؟ أم تراهم ينضوون تحت مؤسسات أجتماعية و دينية بديلة تقدم لهم الحماية التى يشعرون بحاجتهم اليها ؟
حتى المستشار البشري فى أطار دفاعة عن المواطنة و الهوية الوطنية يطالب الأقباط بإن يستندوا فى مطالبتهم بالمساواة و الحقوق الأجتماعية والسياسية على الشريعة الأسلامية !
لكنهم لا يعتنقون الأسلام يا سيدى !
بل الواقع أن التغير الكبير فى الكنيسة و تحولها لطرف سياسي فى السبعينات جاء فى وقت صعود التيار الأسلامي الذى يري المادة الثانية نص شكلي لا يقدم ولا يؤخر ويطمحون لأعادة تشكيل الدولة و المجتمع على اسس أسلامية صرفة ويضعون الدين كخيار سياسي و قد ساهم هذا فى أبتزاز الدولة للأقباط بالتلويح بكارت ارهاب الأسلاميين مراراً ..فكيف نطمع أن تؤسس هيئة دينية حياة أفرادها فى دولة على مبادىء و قيم ديانة اخري ؟
فارق شاسع بين اذعان الأقباط لحقيقة أن الأسلام دين الغالبية العظمى من المصريين و تسليمهم بحقهم فى الأحتكام لشريعتهم كأمر واقع و بين” الأيمان ” أن الأسلام يضمن لهم حقوقهم و حرياتهم كأفضل ما يكون فيحتكمون اليه .. وحتى أن أتفقنا مع البشري فى رؤيته أن الأشكالية دون تحقيق المواطنة التامة من خلال الشريعة الأسلامية تقتصر علي رفض الفقة الأسلامي لتولي غير المسلمين الولايات الكبري و أن في الاجتهاد سعه لتجاوز ذلك (وهذا ما لا يقره عليه سائر الأسلاميين ) تظل تسمية مطالبة غير المسلم بالأستناد الى الشريعة لضمان حقوقة و حرياته “المواطنة الكاملة ” مغالطة واضحة .
وبغض النظر عن الجدالات الأسلامية الأسلامية فدولة المواطنة التى تطلق على افراد متنوعي العقائد و الهويات الايدلوجية شعباً لا يمكنها أن تكون كذلك الا بان تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة بتجرد و حيادية بغض النظر عن أنتمائتهم العقائدية و مواقعهم الطبقية و تصنيفاتهم العرقية .. والا فالطائفية بأنواعها هى الحاضر الوحيد تحت أكوام مساحيق الدستور والقانون و المؤسسات .
فلا يوجد سبيل لدرء طائفية الكنيسة أو غيرها سوي الأصرار على أقامة دولة المواطنة الحقيقة وليست التى تظهر كذلك .
أحاديث الطائفية عادة ليست طيبة و لا مشجعة وكثيراً ما تكون مؤلمة و لست طبيبا و لكنى اعرف أن تحمل ألالام تنظيف بعض الجراح أفضل من تركها تسمم حياتنا .
** كتاب المستشار طارق البشري المشار اليه
https://www.goodreads.com/book/show/11329225?ac
أحمد فتحي سليمان
www.facebook.com/ahmed.fathie.7

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك