العدالة الاجتماعية في المغرب: من الدستور إلى الواقع – بقلم: رضوان حموني

يتميز حقل القانون داخل الزمنية المعاصرة في المغرب بالتغيير والنسبية، كما يتميز بنقد المرجعيات والثوابت، وهو الحال الذي يؤول في مجمله إلى طبيعة استفادة المواطن المغربي منه بكل شرائحه وطبقاته. والسؤال المطروح في هذا الصدد خاصة في أوساط الرأي العام وارتباطا بالقانون الدستوري؛ يتعلق بسبب غياب العدالة الاجتماعية، وهل غيابها متجدر في المؤسسات السياسية؟ أم هي مبدأ أساسي في مخططاتها، تشتغل عليه ولم يتحقق بعد؟

إن الواقع الصارخ، والفاضح، يسجل بالضرورة معانات الطبقة الكادحة من المجتمع المغربي، أسميها هكذا لأنها أكثر دلالة على الوضعية المعيشية لهذه الطبقة التي تشكل بنية المجتمع المغربي. وضعية أصبح فيها الفرد هشا ومؤقتا وساكنا بلا فعالية، لأنه فاقد لقيمته كإنسان. فكلما قرأت الكتب والجرائد، وشاهدت الأخبار، أجدها لا تخلو من الحديث عن الديموقراطية ، وحقوق الإنسان، وحرية المواطن والحكامة الجيدة، والتنمية بأشكالها ؛ كعبارات متكررة لاطمئنان الرأي العام بشكل نسبي فقط، في إطار حوارات متتالية -إن جاز الحديث عن الحوار لما يتسم به من قواعد وقوانين- وكثيرا ما أسمع كذلك المواطن المغربي يكرر دائما: إذا كنت في المغرب فلا تستغرب، أو مغرب الممكنات، تعبيرا منه على ما يقع في الساحة السياسية من خروقات لقوانين مسطرة في الدستور .

إن العديد من الدراسات الأجنبية انتقدت المؤسسات السياسية العربية في استخدامها لمفهوم الديموقراطية بهذا الزخم دون استثناء أي بلد ، لأن وضعية هذه البلدان لا تسمح باستعمالها، وأن ما يجري فيها هو عكسها باللفظ والمعنى. حيث ينشط مكانها القمع والتخوين والتسفيه، واستئصال الحرية، بالإضافة الى توجيه السلطة الرابعة وإخضاع الكتب والمجلات للرقابة حسب قول الياباني “نوبوأكي نوتوهارا”. كل هذا يندرج في خانة تحتضن غياب حرية الرأي والمشاركة في تقديم الحلول، بل إن العديد من مشاهد القمع التي نعيشها الآن في الشوارع المغربية، بدءا من الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد(المتعاقدين)- عماد المجتمع وغارس قيم المواطنة في قلوب فلذات أكبادنا- مرورا باحتجاجات موظفي قطاع الصحة، وصولا إلى احتجاجات المواطن الفقير على حقه في الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق، كلها من مخرجات غياب العدالة الاجتماعية.

أعتقد أن غياب هذا الحق، وعدم المطالبة بتحقيقها ناتج عن القمع الذي طال الأسرة المثقفة؛ لأن أي مجتمع لا يمكن أن يستمتع برياح التغيير بعيدا عن التمتع بصحة جيدة (تقدم الطب) والإستفادة من نبراس موجه( المدرس) والانتماء إلى بيئة محتضنة (مجتمع صالح). ومما لا شك فيه أن أصحاب الشهادات العليا والابداعات الشخصية في مجتمعنا للأسف، لا نتعرف عليهم في مكان يليق بهم وبمكانتهم العلمية، إلا في بلد أجنبي يتبناه ليستفيد منه، أو في الشوارع المغربية يقمع ويضرب، ثم يأمر بالرجوع إلى منزله الهش لينظر من جديد، ويراقب عن كثب؛ حالة والديه المتشرذمة والمجردة من كل معاني الحياة. بعد أن كانوا يقاتلون لإيصال ابنهم الى بر الأمان بعيدا عن الأمية والجهل، ويتمكن من إيجاد مكان له في سوق الشغل.

أكثر ما يسفر عن المقدمات حول غياب العدالة الاجتماعية في وطننا الحبيب، هو سيطرة الشعور باللاجدوى تجاه ما يقع حتى لدى الطبقة المثقفة. فبعضهم ركب تيار الواقع، وبعضم يبحث عن حياة أفضل خارج البلد، وجلهم في حركة وجهاد دائمين للبحث والتنقيب عن شروط مواتية لتأمين مستقبل لأبنائهم أمام هذا الزخم من الشباب المتخرجين من الجامعات سنويا. إنهم لا يأمنون بفائدة أي عمل سياسي ولا احتجاجي، إيمانا من بعضهم أنها قضية فردية وخاصة بمن يخوضها.

إن ما يجري يتعدى المصالح، وكثيرا منكم يتساءل عن سبب اسهابي في سرد الأحداث وما آل إليه المجتمع المغربي بعد أن أضحى يعيش بالنولستالجيا بعيدا عن تراجيديا الواقع، دون ذكر الأسباب والحلول. أقول أن حقائق ذلك موجود في دستورنا الحكيم (القران الكريم)الذي صار لا يشكل سوى تيارا اجتماعيا لم يعد يؤثر في حياة الناس، ليس فقط في المغرب بل في العالم العربي بأكمله، وعدم ربط المسؤولية السياسية بالأخلاق الدينية العامة كثقافة مرجعية لإصلاح الأمة ونهوضها. أما حقيقة إجابة القرآن الكريم عن هذه المشاكل حتى المتعلقة منها بالوقائع الملموسة التي نعيشها ونحياها يوميا، لابد أن نذكر أنه حث على الأخلاق والعلم والعدل والمساواة والكرامة والحرية، والعمل الدؤوب، والتحلي بالمسؤولية، فشتان بين هذه المبادئ وتطبيقها وتبنيها من طرف مسؤولينا.

فالكل معني بالبحث عن أسباب هذه الأوضاع التي تنخر كيان المجتمع، وتقديم حلول لها. لكن الأهم من ذلك أن نعي أخطائنا أولا ونعمد إلى تصحيحها،وقد لا نستطيع إيجاد الطريق لذلك دون التشبث بالنقد الذاتي. كما يجب على جميع المؤسسات السياسية والهيئات الاجتماعية التحلي بروح المسؤولية وتقبل الرأي العام وتبنيه ومناقشته، لأن غير ذلك لا يؤدي سوى إلى الحضيض نزولا.ولا تفوتني الفرصة أن أذكر أنني بتقديمي لوجهة نظري هاته، لن أدرج نفسي لا في السلفية ولا الرجعية، لكن رأيي يقتضي البحث عن الفاصل بين الحق والباطل فيما يخص تنمية المجتمع بغض النظرعن الاتجاهات السياسية والتيارات الفكرية والأيديولوجية. فإن كانت اليابان في رأي بعض السلفيين رجعية فما معنى الرجعية؟ ومرحبا بها!. وإن كانت المسيحية (بروتستانتية وكاثوليكية) مفخرة للنصارى، واليهودية مفخرة للصهاينة؛ فلماذا نقول ونعتقد دائما أن الديانة الإسلامية (وهي الحقة والصحيحة) مصدرا للوهن والخنوع والخمول والعقم والتخلف، تجنبا لتطيق ما جاءت به من حرية وعدل وكرامة إنسانية، والتوجه إلى تغيير العلاقة مع الممكن.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك