حول الانتحار – بقلم: خيال بعيد

لا شك أن هناك زيادة في معدلات الانتحار في هذه الأيام ، وربما لأسباب تافهة ، وإن كانت تفاهة السبب لا علاقة لها بشدة الألم التي يشعر بها الإنسان ، وانما تتوقف شدة الألم على شدة تعلقنا بمحبوب أو جزعنا من مكروه ، فربما يتعلق الإنسان بكلب يحبه حبا شديدا ، فإن مات الكلب لم يحتمل ألم فقدانه ، فيقدم على الانتحار ليتخلص من هذا الألم . وذلك لأن الانتحار يتوقف على شدة الألم الذي تصبح الحياة معه لا تطاق ، فإن توهم الإنسان أن في الانتحار خلاص من ألمه أقدم عليه بكل رغبة ، لا لعين ذاته وانما لأنه وسيلة للخلاص من الألم الذي يشعر به . وهذا الألم لا يتوقف على نوعيه المحبوب الذي تعلقنا به أو المكروه الذي نجزع منه ، وانما يتوقف على شدة الحب والتعلق والجزع أيا كان المحبوب أو المكروه ، وربما يقدم انسان على الانتحار ولكنه ينجو من الموت ، ثم تمر الايام فيضحك على نفسه وسذاجته ورعونته عندما أقدم على الانتحار ، وليس ذلك لأنه اكتشف خطأه وانما لأن مشاعره قد تبدلت ، فلم يعد يحب ما كان يحبه أو يجزع مما كان يجزع منه !!

شوبنهاور والانتحار

للفيلسوف الألماني ارثر شوبنهاور رأي في الانتحار ، فهو يحبذه ويدعو إليه عندما يصير الألم بشعا بدرجة لا تطاق . وهو يضرب مثال بالكوابيس التي نراها في النوم ، فعندما تصل الأحداث التي نراها في النوم إلى درجة قاسية من البشاعة فإننا نستيقظ على الفور ونترك هذا العالم الذي نراه في النوم كليا ، فكذلك كابوس الحياة الواقعية يجب أن نستيقظ منه ونتركه كليا عندما تصل الأحداث إلى درجة لا تطاق من القسوة والبشاعة ، والاستيقاظ منه إنما يكون بالانتحار ، فالحياة حلم طويل وبأيدينا أن نستيقظ منه عندما يتحول الحلم الى كابوس !! . ثم إن شوبنهاور ينكر أن الانتحار جريمة أو عمل لا أخلاقي ، وينكر وجود أي حجة فلسفية لتجريم الانتحار أو إثبات أنه منافي للأخلاق ، ويستشهد بمشاعر القارئ عندما يسمع بشخص يقتل الناس لكي يسرق أموالهم ، ومشاعره عندما يسمع عن شخص قام بقتل نفسه ، فإن القارئ في الحالة الأولى يشعر بكراهية القاتل ويرغب في القصاص منه ويود لو رآه معلقا على المشنقة ، بينما في الحالة الثانية يشعر بالعطف والرثاء والشفقة على هذا المسكين الذي قتل نفسه !!

رأيي في الانتحار

في الحقيقة أنا ضد الانتحار ، وأدعو الإنسان للصبر والتحمل مهما كانت بشاعة الحياة وقسوتها ، ومن رضي بقضاء الله وقدره ، وعلم أن كل شئ بقضاء وانه مثاب على صبره ورضاه ، وان الناس غدا في يوم الحساب سوف يتمنون الرجوع للدنيا وان يصب عليهم البلاء والعذاب صبا ، لما يرونه من جزيل الثواب الذي فاز به الصابرون!!، فإنه سوف يصبر ويتحمل ولن ينهار مهما كانت شدائد الحياة واهوالها…فإن لم يكن في قلبك مثل هذا الإيمان فإن في الدنيا وسائل لتخفيف الألم يمكنك أن تلجأ إليها حتى يمر زمن المحنة والعذاب ، وجدير بك أن تتسلى ، ولا معنى للسلوى الا لذة تلطف قليلا من مشاعر الألم ، أو يمكنك أن تشغل وعيك بشئ يجعلك تنسى ما يؤلمك ، مثل أن تسافر الى مكان بعيد تراه لأول مرة فينشغل وعيك بالطارئ المستجد ، أو اشغل وعيك بقراءة وكتابة القصص والروايات ، فإن لم يجدي كل ذلك نفعا معك واشتد عليك الألم ، فقم بإلغاء الوعي ولو بالخمر والمخدرات والحبوب المنومة ، إن كان استمرار الوعي معناه الاقدام على الانتحار .

أما بالنسبة لشوبنهاور

فنعم ( الانتحار ليس بجريمة ) لأن شرط الجريمة هي أن تكون ضد غيرك لا ضد نفسك ، ومن قام بإيذاء نفسه فلا عقاب عليه لأنه لم يرتكب جريمة . ورغم أن الانتحار ليس بجريمة الا أننا نرفضه ، ليس لأنه جريمة وانما لأنه حماقة ، وذلك لأنك تنتحر من أجل الخلاص من الألم ، فهل انت متيقن انك سوف تتخلص من المك بانتحارك ؟؟ وهل انت متيقن أن الموت عدم ؟؟ وماذا لو كان انتحارك سبب لألم أكبر وأعظم مما كنت فيه ؟؟ فأنت لا تخلو من حالين ، فإما انك مصدق بما أخبر به الرسل من عذاب ونعيم في الآخرة ، واما انك تشك في ذلك ، فإن كنت من المؤمنين فلا يمكنك أن تنتحر ، لأنك تهرب من ألم الى ألم اكبر منه ، وهذه حماقة ، وان كنت من الشاكين فلا يمكنك أن تنتحر ايضا ، لأنك بذلك تغامر مغامرة خطرة ، فربما يصدق الأنبياء وتجد نفسك في ألم اكبر بكثير مما هربت منه ، بل لا وجه للمقارنة بينهما ، والهائل العظيم المحتمل مقدم على الصغير الحقير اليقيني عند العقل ، ومثال ذلك لو اخبرك يهودي أن طعامك به سم ، وانت في شدة الجوع ، فأنت هنا على يقين من الخلاص من ألم الجوع لو اكلت ، ولكنك تشك أن الطعام به سم ، فهل سوف تأكل ؟؟ .. بالطبع لو كنت عاقلا لن تأكل ، بل سوف تقول لنفسك ( ألم الجوع يمكن أن اصبر عليه ، اما لو اكلت فيمكن أن اموت ، وألم الجوع اهون من الموت)!! … واما بالنسبة لاستشهاد شوبنهاور باختلاف مشاعرنا تجاه من يقتل غيره ومن يقتل نفسه ، وشعورنا بالكره والرغبة في القصاص تجاه من يقتل غيره ، بينما نشعر بالشفقة والعطف تجاه من يقتل نفسه ، فسبب ذلك هو أن الناس يحبون الحياة ويكرهون الموت ويفرون منه، رغم أن حياتهم مليئة بالمشاكل والمعاناة والآلام ، لكنهم رغم ذلك يحبونها ويفرون من الموت ، ويود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وهذه غريزة في البشر !! . فإذا سمع الناس عن شخص قد انتحر فإنهم يعطفون عليه ويشفقون عليه ، لأنهم يستدلون بذلك على عظم وقسوة ما شعر به من ألم للدرجة التي جعلته يخالف مقتضى غريزته في حب الحياة وكراهية الموت ، وكأن الناس يستدلون في أنفسهم فيقولوا ( لولا أنه تألم ألما لا يطاق لما انتحر ، ولكنه انتحر ، اذن هو قد تألم ألما لا يطاق ) ولذلك يشعرون نحوه بالشفقة والعطف والرثاء !!

هل الانتحار شجاعة أم جبن

اختلفوا حول الانتحار ، فقال بعض المفكرين هو شجاعة لأن المنتحر اقدم على الموت بلا خوف ولا رهبة ، وقال غيرهم بل هو جبن لأن المنتحر هرب من مواجهة الحياة وآلامها . … وعندي أن الانتحار لا هو شجاعة ولا هو جبن وانما هو حماقة فقط لا غير ، لأن الهروب من الألم الشديد ليس جبنا ، فمن هرب من النار الحارقة لا يسمى جبانا ، فالإنسان له طاقة واحتمال وهو معذور إن هرب من ألم لا يطيقه وكذلك هو ليس بشجاعة لأن مواجهة الخطير الهائل لا تسمى شجاعة ، فمن القى بنفسه في معركة مع اسد قوي جائع لا يسمى شجاعا وانما متهورا ، فمن العقل أن يهرب الإنسان من الألم ولكن بشرط ألا يكون هروبه إلى ألم أشد منه ، ومن العقل أن يثبت الإنسان في وجه الأخطار والشدائد والمحن ، ولكن بشرط ألا يلقي نفسه في التهلكة ، فهذه ليست شجاعة وانما تهور ، فالمنتحر لا هو شجاع ولا هو جبان وانما احمق متهور .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك