هل يتأثر الثقافي بالسياسي؟ تونس في عهد النهضة أنموذجاً – يسر بن جمعة

هل يتأثر الثقافي بالسياسي؟

تونس في عهد النهضة أنموذجاً

الثقافة كلمة قديمة جدا يرى الكثيرون أنها مجموعة الأفكار والعادات والعقائد والقوانين والمعارف التي تميز مجموعة بشرية عن غيرها. أما السياسة فهي إدارة شؤون هذه المجموعة البشرية بما فيها الشأن الثقافي. أي أن السياسي هو الذي يوجه الثقافي وليس العكس. وذلك حسب أهمية هذا الشأن، بمعنى أن السياسي إذا وضع الثقافة في أعلى سلم اهتماماته، فستصبح من أولوياته، وبالتالي تتطور وترتقي لكي تكون أهم شأن من شؤون الدولة، والعكس صحيح.

كيف تأثر الوضع الثقافي بتونس مع صعود حزب ” النهضة ” للحكم؟ تولي حزب ” النهضة ” الحكم بتونس بعد انتخابات 2011 أي مباشرة بعد الأحداث التي سميت ” ثورة “، وتحصل على مليون و 400 ألف صوت و 89 مقعدا في المجلس التأسيسي، وتكفل بإصدار دستور جديد للبلاد التونسية صادق عليه المجلس. ورغم أن النهضة لم تكن متفردة بالحكم، إذ شاركها حزب “المؤتمر من أجل الجمهورية” بقيادة المنصف المرزوقي، وهو حزب ليبيرالي ذو توجه قومي، وحزب “التكتل من أجل العمل والحريات”، الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر. رغم هذا الائتلاف في الحكم استطاعت النهضة فرض قوانين جديدة تتماشى مع سياستها الاستبدادية، وتجلت هذه السياسة في حصولها على القدر الأكبر من الحقائب الوزارية وفي مقدمتها وزارات السيادة، حيث كان من نصيبها الداخلية والخارجية والعدل، كما تسلمت النهضة وزارات عديدة لا تقل أهمية مثل التنمية الجهوية والاستثمار والتعليم العالي والهجرة والصناعة والزراعة وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية؛ مما جعل المعارضة تصف الحكومة بكونها نهضوية. ومن أهم إنجازات النهضة إطلاق سراح المساجين السياسيين من الإسلاميين وتعيينهم في الوظيفة العمومية، وقد طالت هذه التعيينات مختلف الأجهزة والمؤسسات الإدارية والسياسية والديبلوماسية. ثم تجنيد الشباب للجهاد بسوريا. وبالتالي فتح باب تصدير الإرهاب وتسويقه على مصراعيه. وبدأت بوادر ثقافة جديدة تتسرب لذهن التونسي وهي ثقافة الموت، فمن المنطقي إذا أن تتراجع ثقافة الفرح والحياة التي تتناقض مع نفسية السياسيين المباشرين للحكم واعتقاداتهم. وشهد الوضع الأدبي والفني تدحرجا عنيفا أدى لسقوطه في الهاوية، وبعد أن كان التونسي يعاني من استبداد مدني ويجاهد من أجل الحياة، أصبح يعاني من استبداد ديني ويجاهد من أجل الموت. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والارتفاع الفظيع في الأسعار، أصبح المواطن التونسي يسعى لتوفير لقمة عيشه فقط.

وبعد متابعة طويلة وعن كثب للتظاهرات الثقافية على امتداد السنوات الأخيرة، اتضح بأن العديد من الدخلاء على الوسط الثقافي عملوا بجهد على تشويه الجمال أينما وجد، في الأدب، في الموسيقى، في المسرح، في الفنون كلها. وسيطر المال الفاسد على الإعلام، فظهر شيوخ الدين على المنابر يخطبون بين الناس ويوجهون ذوقهم وإحساسهم ورغباتهم. وأصبح المواطن العادي يجتهد ليحلل ويحرم لا ليبحث عن مكامن الجمال ويطوره. وسيطرت ثقافة التفاهة والفراغ على عقول الباعث والمتلقي، وحل زمن العبث. فكيف الخروج من هذا القمقم الموبوء؟ وماذا على المثقف الحقيقي فعله لمحاربة الفساد والرداءة والتشويه؟

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك