“إسلام بلا مسلمين ومسلمين بلا إسلام” هل قالها محمد عبده؟ – بقلم: سامح عبد الله

قرأت للشيخ محمد عبده عدداً لا بأس من فكره ولم أقرأ هذه العبارة التى لا يعرف غيرها الغالبية العظمى من الناس والتى تقول “إسلام بلا مسلمين ومسلمين بلا إسلام” بل أن الدكتور محمد عمارة الذى اقترب جداً من مؤلفات هذا الإمام لم يستطع أن بقدم لنا دايلاً دامغاً على صحة نسب هذه العبارة اليه!.

والحقيقة أن البعض يمكنه أن يتشكك فى جدوى هذا النقاش الخاص بمصدر هذه المقولة غير أن هذا الشك سرعان ما يتبدد إذا علمنا أننا نركن إلى هذه العبارة وبكل أريحية لكسب تفوق وفضل على الآخر دون أن نأخذ بأسباب هذا أو ذاك!..

ذهب الشيخ إلى فرنسا وتأثر بالتقدم الهائل الذى لحق بالحضارة الغربية هناك وعاد إلى مصر متأثراً بها ومتمسكاً بكل الثوابت الحسنة.

لكنه لم يقل هذه العبارة التى يتخذها كثيرون سنداً لتفوق الإسلام واحتكاره للإخلاق وسبل التقدم وهذا غير صحيح على الإطلاق وإذا كان الدين يعد مصدراً هاماً للإخلاق إلا أنه ليس هو المصدر الوحيد وليس هو أيضاً المصدر الحاسم وإلا كان شعب مثل الشعب الياباني من أخطر شعوب الأرض على القيم والأخلاق أو كان الشعب الهندى بكل طوائفه خطر على العقيدة أو كانت شعوب أوربا العلمانية من أكثر الشعوب همجية وهذا غير صحيح على الإطلاق!..

لا الشعب الياباني هكذا ولا القومية الهندية هكذا ولا علمانية أوربا هكذا بل على العكس تماما إن هذه الشعوب توصلت إلى الأخلاق بغير دين وتوصلت إلى التقدم بغير حافز رجل دين .

إذن هناك مصادر أخرى للأخلاق والتقدم لم يكن الدين معول في صنعها!..

تعالوا سريعا نطرق باب التجديد عند محمد عبده والذى بدأه مبكراً جداً.

بداية ننوه إلى أن الإمام محمد عبده قد ابتعد عن خوض غمار السياسة كما خاضه رفيقه جمال الدين الأفغانى ولعل ذلك مبعثه رغبة الرجل في أن يستمر في طريق التنوير متجنباً الصعوبات الكثيرة التى واجهت رفيقه بسبب خوضه العمل السياسى والظلم الذى لاقاه وكان الإمام يرى أن عمل الأفغانى بالسياسة كان خسارة كبرى للأمة فقد كان أعرف الناس بالاسلام وكان من الممكن أن يقدم للفكر الإسلامى الكثير والكثير لكن ذلك لم يحدث بسبب السياسة حتى أنه تعرض من جرائها إلى الاعتقال والنفى!..
من هنا عُرف عن محمد عبده أنه جمع بين الواقعية السياسية والمثالية السياسية في نفس الوقت وهو ما دفعه لعدم الاصطدام بالسلطة القائمة في عهده إنما قدم مجرد النصح والتذكرة.

لكن في المقابل خاص الإمام معارك إجتماعية كبرى حول مفهوم الدين وأثره في تشييد مجتمع سليم صالح متكافئ منظم يأخذ بالجانبين الإسلامى والحضارى الحديث ولذا بدأ رسالته بنظره نقدية للمجتمع الاسلامى “إذ وجد أن هذا المجتمع يحتوى على جميع التناقضات وحدث فيه انفراج كبير بين الدين والواقع وبين القول والفعل واختلط الظلم بالعدل والحق بالباطل وتناسى الناس حكاماً ومحكومين فهم العدل حتى عم الفساد في المجتمعات الإسلامية ”

وكان يرى” أن الدين الإسلامى يهدف إلى تأسيس مجتمع سليم حضارى ويحض على التسلح بالعلم مع الإيمان واستخدام الأدوات الحديثة”> وعلى ذلك فقد فهم أن الدعامات الرئيسية التى يقوم عليها المجتمع السليم هى الدين والأخلاق والعلم وبجانبهم دعامة وضعية هى القانون والذى يشكل أداة أساسية لتحقيق الضبط الإجتماعى.

ولقد اتجه الإمام إلى اعتماد المصلحة الاجتماعية كأساس لبعض الأحكام الشرعية في محاولة لاظهار توافق وصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان وإنها قابلة للتجديد حسب تغير الحوادث ونادى بفتح باب الاجتهاد وذم التقليد واعتمد مذهباً في التفسير يقوم على التفسير الاجتماعى العقلى للنصوص وبقول آخر تفسير سياق النص في إطار الواقع ومن هنا فيمكننا أن نقول أن منهجه كان عقلياً وواقعياً ولقد كان بحق مصلحاً اجتماعياً ومجتهداً ومجدداً بنى اجتهاده في غالب الأحوال على المصلحة رغم أن هذا الطريق ليس سهلاً سيما مع هذا الجمود الذى كان سمة هذا العصر الذى شق محمد عبده غماره!..

أما إذا أخذنا بعض تطبيقات المصلحة الاجتماعية عند الإمام محمد عبده فسنجد أنه لم يكن مع تعدد الزوجات إلا لضرورة قصوى وأن تفسير النصوص المتعلقة بالتعدد تأخذنا في الحقيقة نحو عكسه. فالله عز وجل يقول:” فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة”
وقال أن تعدد الزوجات دون شروطه يؤدي إلى إحداث تفكك عائلى وينتج عن ذلك إنشاء علاقات إجتماعية ومجتمع غير مترابط يقوم على الحقد والتشاحن!..
ويؤكد الإمام على أن شيوع تعدد الزوجات بين العامة والخاصة بدون مراعاة الضوابط الشرعية المحددة يعد أمراً منكراً منافياً للشريعة الغراء ولحكمة التعدد حيث يدل على عدم الفهم الصحيح فى حكمة الله فى مشروعية التعدد وهذا ما لا يجيزه العقل ولا تجيزه الشريعة الغراء

أحل الإمام ودائع التوفير والأرباح الناتجة عنها وقال هى من أقسام البيع لا من قسم الاستغلال وقد قال بصدد ذلك رداً على سؤال بشأن هذه الودائع بالآتي: ” ولا يخفى أن إدارة البريد هى مصلحة غنية عن مصالح الحكومة وأنها تستغل المال الذى يودع فى صندوق التوفير فينتفع المودع والعمال والمستخدمون فى المصلحة والحكومة فلا يظلم أحدهم الآخر والأرجح أن ما قالوه ( أى العلماء والمفتى ) ليس من الحيل الشرعية وإنما من قبيل الشركة الصحيحة”
وكذلك أحل التأمين على الحياة والمبالغ المجمعة من أقساط عقد التأمين سواء أخذها صاحب التعاقد نفسه أو ورثته عند موته!..

ولم ير الإمام في النقاب أى دليل من الدين بل كان يراه وأد للمرأة يتنافى مع مقاصد الشريعة ولم يقل أن من يخرج عن الحجاب يخرج عن الدين!..

رأى الإمام في الفنون الحديثة مثل التصوير والرسم والنحت وغيرها من الأشياء التى لا تتعارض مع الإسلام بل على العكس إنها من وسائل العلم الحديث التى يمكن أن تفيد الإنسان!..

هذه نبذة بسيطة من بعض تطبيقات المصلحة عند الإمام لم نشأ سوى أن نأخذ قشور منها تاركين التفصيل إلى موضع آخر!..

نعود إلى حيث بدأنا!..
لم يقل الايمام أن الأخلاق حكراً للمسلمين أو للإسلام أو لأى دين أو طائفة.

لم يقل بتفوق حضارة على أخرى على أساس دينى واعتبر أن الدين أحد المقومات العظمى للأخلاق لكن ليس وحده.

طرق الإمام باباً كان موصوداً وعندما ولجه وجدنا خلفه كنوزاً من الحكمة والعقل والمصلحة وقد كانت حبيسة كهوف مظلمة هى عقول هؤلاء الذين لا يرون في التجديد سوى كل شر ولا يرون في العقل سوى كل ضلال.

أيها السادة لم يقل الإمام محمد عبده “رأيت هناك إسلام بلا مسلمين ورأيت هنا مسلمين بلا إسلام “، كان الرجل أكبر بكثير من تلك المقولة ونحن وبكل أسف مانزال لا نعرف عن الامام غيرها!.. كان الرجل مجدداً ومصلحاً ومفكراً بينما نحن لا نجد أية غضاضة في أن نقول ” هذا ما وجدنا عليه آباءنا”

نقولها بأية لغة وبأى معنى وبأية دلالة لكننا في النهاية نقولها!.. إن التفوق ليس سهلا ولا يمكن أن يُختزل في مقولة كهذه لم تنسب لصاحبها وقد كان يحمل مشعل التنوير في عصره ولا يمكن أبداً أن نركن إلى عبارة ثم نبيت ساكنين بين جنباتها منتظرين التفوق الذى لن يأت!..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك