رسائل إلى شخص لا يقرأ (1) – د. محمد عجلان

رسائل إلى شخص لا يقرأ .. عزيزي الأُمّي، تحية طيبة وبعد، أعرف جيدًا أنك لن تقرأ ما أرسله إليك، أراك الآن تتحسس السطور، وتزدحم على رأسك خفافيش السؤال، يدور بعقلك العديد من التوقعات، آخرها بالتأكيد ما سيرد في هذه الرسالة. ربما هي صديقتك القديمة التي تركتها بالصف الثاني الإبتدائي كي تساعد أباك في الحقل! ربما، لماذا لا، فقد استطاعت أن تستمر في رحلة التعليم حتى أتمت المرحلة الإعدادية، كانت حينها حديث القرية والقرى المجاورة، فهي الوحيدة من بين قريناتها التي وصلت إلى هذا المجد، لذا فبإمكانها كتابة مثل هذا الخطاب الذي بين يديك! وبالطبع لن تفهم مطلقًا أن ختم البريد على المظروف ليس من المكان الذي تسكنه زميلة طفولتك، ولا حتى أي من أقاربك وزملائك.

كل ما في الأمر أيها الصديق المجهول أني لم أجد من أكتب له، كل الناس يتجاهلون ما أكتب، يمرون عليه كأنه العدم، فلم يعد ثمة فارق بين من يقرأ ومن لا يقرأ، فقلت ربما منحتك الرسائل سعادة من نوع ما، سعادة فقير يجد عملة نقدية قديمة، هو يعرف أنها غير صالحة للإنفاق، ورغم ذلك يسعده أنه حظي بشيء وسط عالم شحيح. وماذا يريد الكاتب أكثر من زرع بسمة على شفة غريب، ها أنا أزرع بسمة على شفتيك، إلا لو رفضت بالطبع أن تستلم رسائلي من ساعي البريد، ولا أظنك تفعل، فلا أحد يرفض رسالة بحجة أنه لا يقرأ، سوف تستلمها، وبحكم كونك تسكن بعيدًا عن العمران، وسط حقلك مع بقرتك وحمارك وطفلك الذي لم يتجاوز الرابعة بعد، لن يساعدك أحد على قراءتها.

ما زلت حائرًا يا صديقي ماذا أكتب لك، هل أكتب عن حياتي الشخصية؟ أكتب عن الوضع العام، أحدثك في قضايا فكرية شغلت الساحة الثقافية بطائلٍ أو بدون طائل؟! لو كنت أمامي لسألتك، لكن بناء على عدم معرفتي بمزاجك، سأنوّع لك، مرة رسالة شخصية، وأخرى حول مفهوم ملتبس في رؤوس الكثيرين، وسأحدثك في شأن سياسي يوم أن تحظى بعشاءٍ شهي، ربما بطة ادخرتها زوجتك لليلة حمراء، فهي لم تسمع عن الفياجرا بعد، وأنت بالتأكيد لست بحاجة إليها، أثق في قدرتك أيها العزيز، لو قرأت هذه الجملة لربما ابتسمت، ربما مسحت على شاربك كأحد فتوات الزمن البعيد، لكن للأسف لن تقرأ. وأعدك أني سأمنحك نصًا أدبيًا لتتحسس سطوره قبل أن تنشره مجلة شهيرة، سأرسل لك نسخة مكتوبة بخط اليد، وسأرسل للمجلة نسخة مكتوبة على الكمبيوتر، ربما يسعدك الخط المكتوب أكثر، لأنه يذكرك بالأمل الذي سقط منك في الصف الثاني الابتدائي، الأمل الذي ابتلعته ظروف أبيك، ودهسه موت أمك المفاجئ.

لن أطيل عليك عزيزي الأُمي، سأكتفي بهذه المقدمة في رسالتي الأولى، وستصلك رسائلي تباعًا، أتمنى أن تسعدك الفكرة، وألا أكون قد أثقلت عليك حين أردت قتل وقتي.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك