ثقافة وفنون

تجديد الخطاب الديني أم تجديد الخطاب السياسي؟! – بقلم: د. محمد عجلان

تجديد الخطاب الديني أم تجديد الخطاب السياسي .. أصبحت فكرة “تجديد الخطاب الديني” موضة المرحلة، لا يكف متخصص أو غير متخصص عن الإدلاء بدلوه فيها، بل وصل الأمر أن بعضهم يتحدث عن الفكرة دون فهم لمعناها ولا إمكانات تحققها على الأرض. بالطبع أحد أسباب طرح الفكرة هو حالة المواجهة مع الإرهاب الأسود، والتي تستدعي البحث عن المواجهة وتجفيف منابع هذا الإرهاب، والتي يزخر بها الخطاب الديني السائد، فتكفير الكتّاب والمبدعين ليست غائبة عن أحد، بل فتاوى القتل والتطهير الديني ليست خافية على كل ذي عينين. كما أن نداء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بضرورة تجديد الخطاب الديني كان لها نصيب الأسد في تحريك الجميع نحو التعاطي مع هذا الموضوع، سواء عن قناعة بضرورته، أم تلبية لنداء الرئيس طمعًا في إعلان الولاء والسير على الخط المرسوم.

بداية نود أن نسأل: هل هناك فصل ما بين الخطاب الديني والخطاب السياسي؟ لأن طبيعة هذه العلاقة سوف تحسم طبيعة النداء بالتجديد من قبل السلطة السياسية، وإمكانات تحققه فعليًا على الأرض. لو ألقينا نظرة سريعة على طبيعة العلاقة ما بين السلطتين السياسية والدينية على مدار التاريخ الإسلامي، سوف نجد أن ثمة حالة من الالتصاق التاريخي لم تنفك في أي مرحلة، والالتصاق المقصود هنا لا يعني حالة من التوافق الدائم، ولكن مقصده أن السلطتين خرجتا من مصدر واحد، فمنذ وفاة الرسول ﷺ حدث هذا التداخل، فـ “الخليفة” هو بالأساس خليفة للنبي، بكل ما تحمله هذه الخلافة من صبغة دينية، وفي الوقت عينه هو حاكم المسلمين. حتى مع تغيير التسمية لـ “أمير المؤمنين” هروبًا من إرهاق الناس بخليفة خليفة.. إلخ، فلم تخرج التسمية أيضًا عن الصبغة المختلطة، ديني / سياسي.

وهذا بخلاف ما حدث في أوروبا على سبيل المثال، فالسلطتان في الغرب كانتا منفصلتين بشكل كبير، فإحداهما سلطة زمنية والأخرى سلطة روحية، ثم تحولت السلطة الروحية مع مرور الوقت إلى سلطة فاعلة حتى في السلطة الزمنية ذاتها. لكن ما حدث في تاريخنا الإسلامي يختلف عن ذلك تمام الاختلاف، فالحاكم منذ البداية حمل السيفين معًا، سيف السلطة الدينية وسيف السلطة السياسية، مما أدى لإصابة السلطة الدينية بحالة من الضمور في علاقتها مع السلطة السياسية، وإن بقيت ممارستها لقوتها على المجتمع قائمة، ولكنه توظيف لصالح السلطة السياسية في معظمه. فحقيقة الأمر أن من لا يملك قراره لا يملك الحق في توجيه القطيع لصالحه، فبقيت حالة التعالق قائمة وتصب على الدوام في صالح السلطة السياسية، ويُلْقى للسلطة الدينية بالفتات، فليس من حقها أن تطالب بأكثر من ذلك، فالحاكم ليس في حاجة لرجال الدين ليكتسب شرعيته، فشرعيته كامنة في تسميته كـ “خليفة” بالأساس.

ولو انتقلنا لموضة تجديد الخطاب الديني، سنجد أنها ليست جديدة، ولكن كما سبق وذكرت حرّكتها موجة الإرهاب الأسود، وأضفت عليها أهميتها دعوة رأس السلطة السياسية. وإذا كنا قد انتقلنا من الدولة بصبغتها الدينية لنعيش في دولة على الطراز الحديث، إلا أن هذا التحول ليس سوى تحول ظاهري فقط، كأعرابي ارتدى أحدث الأزياء العالمية، بينما هو يسير خلف أغنامه في مجاهل الصحراء. فإذا كانت الدولة الرسمية تطالب بفصل الدين عن السياسة، إلا أنها لا تتورع في توظيف الديني لخدمة السياسي إذا دعت مصلحتها لذلك، وهذا واضح لا يحتاج لدليل، بدءًا من دعوات المشاركة في الانتخابات من رجال دين على الفضائيات، وصولًا لاعتبار الممتنعين خوارج العصر، رغم أن الامتناع حق دستوري كما هي المشاركة تمامًا، كما أنه ليس من حق رجال الدين الدخول إلى دائرة السياسة إذا كانت الدولة جادة في فصل الديني عن السياسي.

سؤال آخر: هل النظام السياسي جاد بالفعل في دعوته لتجديد الخطاب الديني؟ وهذا تجاوز لسؤال كان من المفترض طرحه، ألا وهو: وما علاقة النظام السياسي أساسًا بالخطاب الديني، أليس نظامًا علمانيًا يدعو لفصل الدين عن السياسة؟ لكن سنتجاوز عن هذا السؤال كي نحاول الإجابة على السؤال السابق عليه، حول جدية النظام في دعوته. الانغلاق مرتبط بالدعوات السلفية التي ترى المجد كله في الماضي، وأنه لا أمل في مستقبل إلا باستنساخ هذا الماضي وإسقاطه على الحاضر، وبالتالي فإن أي دعوة لتجديد الخطاب الديني، هي في الوقت عينه محاولة لتجاوز هذا التصور المنغلق، ولكن هل تجاوز هذا النظام السياسي نفسه الماضي؟ لا أتحدث عن الماضي البعيد الضارب في عمق التاريخ، ولكن الماضي الذي قامت ضده ثورة يناير في مصر، أم أنه مازال غارقًا في ممارسات الماضي؟ هل دولة تشرعن محاصرة كل من يطرح فكرة مخالفة للموروث، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، جادة بالفعل في تجديد الخطاب الديني؟ هل دولة من بين قوانينها قانون “ازدراء الأديان” يقف كسيف مسلط على رقاب أصحاب الرأي جادة في تجديد الخطاب الديني؟

إذا كانت السلفية رديفة الانغلاق وعبادة الماضي، على الصعيد الاعتقادي، وصاحبة مصلحة على أرض الواقع كأي تنظيم آخر، فإنه يمكننا القول إننا لا نعاني فقط من سلفية دينية، بل نعاني أيضًا من “سلفية سياسية”، إن جاز التعبير، مرتهنة لأساليب حكم تمت الثورة عليها، وتسعى لتحقيق مصالحها الخاصة كالسلفية الدينية تمامًا، وفي نفس الوقت فإن هذه السلفية السياسية تساعد بوجودها – سواء أدركت أو لم تدرك – السلفية الدينية على تحقيق رسالتها على مستوى الفكر ومصلحتها على صعيد الواقع المادي. فإذا كانت السلطة السياسية جادة في دعوتها، فالأولى بها أن تبدأ بتخليص نفسها من سلفيتها وتقهقرها نحو الماضي بأشكاله وأساليبه، فلن تجدي الدعوات شيئًا، فمع كثرة الدعوة لتجديد الخطاب الديني نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا. وكأن الدعوة ليست سوى توجيه نحو شكل معين من الخطاب الديني، وهو الخطاب الهادئ الذي لا يمثل إزعاجًا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مفهوم النظام السياسي عن تجديد الخطاب الديني قاصر من ناحية، ودعوته للتجديد لا تتسق مع توجهات النظام ذاته، فإذا أردت أن تقدم خطابًا جديدًا، وفي ظل حالة التأثير القوي للسياسي على الخطاب الديني، خاصة الرسمي منه، يجب أن تقدم المناخ العام المناسب لهذا التجديد، لكن أن تحاصر كل ذي رأي باسم ازدراء الأديان أو غيرها من القوانين المشبوهة، ثم بعد ذلك تتحدث عن تجديد؟ لو لم يبدأ التجديد في رأس السلطة السياسية، فلن يصل أبدًا إلى الأطراف، هي علاقة طردية، تجديد خطاب ديني يحتاج لتجديد خطاب سياسي، إن لم تقدم الأولى، فلا يمكنك أن تنتظر شيئًا من دعوتك لإحداث الثانية.

المقال منشور من قبل في مجلة ميريت الثقافية

المكتبة العامة

موقع المكتبة العامة يهتم بنشر مقالات وكتب في كافة فروع المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى