ما خطورة الطريقة التي يتعامل بها ترامب مع الحقائق العلمية؟

ما خطورة الطريقة التي يتعامل بها ترامب مع الحقائق العلمية؟ – ترجمة: مصطفى شهباز

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يسيطر على الدولة الفيدرالية (مجلس الشيوخ والنواب والرئاسة وقريباً المحكمة العليا) يتصرف وكأن لا قيمة للحقائق العلمية، مجرد آراء علمية. وإن من حق الجميع أن يمتلك رأياً فيها.

ربما هذه ليست مفاجأة. العلم أمر جديد ظل يحبو في التاريخ الثقافي الإنساني. حيث كانت الأساطير وما زالت هي التي تشكل صورتنا لهذا العالم المُحيّر.

لدى الإنسان قدرة فطرية على ابتكار القصص المعقولة التي تقدم تفسيرات مريحة للقضايا التي لا نفهمها. طرق التفكير العلمي ليست طبيعية لنا بدرجة كبيرة واستعمال هذه الطرق العلمية (التجميع المنهجي للبيانات، ترتيبها وتحليلها واختبار النظريات المحيطة بها) هي أمور اكتشفت في وقت متأخر من التاريخ الثقافي البشري وهي تتقدم بشكل متقطع وعادة ما لا يكون هذا التقدم بالمستوى المطلوب.

جاءت العلوم الطبية المبكرة قبل 3500 سنة من مصر، وعلوم الفلك من العراق في نفس الفترة. فيما قامت الحضارة اليونانية والرومانية بتوسيع علوم الرياضيات والعلوم الطبيعية الأخرى لنمذجة العالم المادي الملموس ووضعت النظريات العلمية التي تنافس -عادة دون جدوى- الروايات الأسطورية القديمة حول تدخلات الآلهة في الطبيعة. فيما قام العالم الإسلامي في تنظيم العلوم التجريبية وقدم مساهمات مهمة فيها وكذلك في مجال التفكير الاستقرائي والاستنباطي، كل هذا قبل ألف عام فقط. في حين قدمت بلاد فارس، الهند، والصين مساهمات مستقلة في هذه الجوانب.

أوروبا التي كانت غارقة في الجهل في العصور الوسطى استطاعت أن تلحق الركب باستعارة المعارف في عصر الحروب الصليبية ومن ثم السيطرة المفاجئة وقيادة التقدم العلمي في عصر النهضة والتنوير.

شهدت ال400 سنة الماضية تقدم علمي مذهل، علومنا الرياضية، قدرتنا على قياس ورصد الأشياء الكبيرة والصغيرة، وما نملكه من مجموعة واسعة ومتنوعة من البيانات التجريبية على كل موضوع يمكن تصوره، لكن لا داعي للاستغراب فنحن كائنات ذكية استطعنا اكتشاف الكثير من أسرار الكون.

لكن بقي تصميم أدمغتنا ينتمي لما قبل 50 ألف عام مضت. اعتماد الأدلة، اتباع البيانات، واتخاذ القرارات المدروسة علمياً هو نهج جديد بالنسبة لنا لحل المشاكل. كثير من الناس أكثر راحة في قبول الروايات التقليدية بالرغم من كونها زائفة.

نحن البشر نتمسك بحماسة باعتقاداتنا حتى عندما تكون مخالفة للأدلة العلمية الواضحة. محاولة إزاحة هذه الاعتقادات الزائفة بالحقائق العلمية نادراً ما تحقق النتيجة المطلوبة. في كثير من الأحيان يصبح الاعتقاد أكثر رسوخاً في حالة من العناد. وحتى بعد عرض الحقائق العلمية هناك من يجادل ويتجاهل ويعتبرها كقضايا مُهدِدَة، متمردة ومُدَنِسَة.

المفارقة المذهلة للحياة الحديثة هي التضاد بين السهولة الفائقة للوصول لكل المعلومات والمعرفة البشرية واستمرار انتشار السذاجة والجهل. الإنترنت هو وسيلة رائعة لنقل الحقائق، ولكنه يحمل القدرة على نشر التضليل والمعلومات الخاطئة. المعلومات الخاطئة تنتشر في كل وقت.

القضية الأوضح للتعبير عن الموضوع هي ما حصل في سنة 1998 حينما نشر الطبيب البريطاني أندرو ويكفيلد ورقة بحثية تبين أنها غير صحيحة تماماً عن ارتباط اللقاحات بالتوحد. تم كشف الاحتيال الذي قام به ومنعه من مزاولة الطب. أدين بثلاث أحكام بسوء ممارسة الطب، الكذب وعدم المسؤولية. كما تم مراجعة ادعاءاته بصورة مستقلة وباستخدام كمية كبيرة من البيانات حول العالم ولم يتم تأكيدها أبدا.

لا يوجد إنسان على وجه الأرض فقد مصداقيته أكثر من أندرو ويكفيلد. ويبدو من المستحيل أن أي شخص واع قد يقتنع بأكاذيبه. لكنه حظي بولاء الكثير من منكري فوائد اللقاحات. حيث انخفضت معدلات التلقيح في الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا وايرلندا. مئات آلاف الأطفال تركوا بدون لقاحات مما أدى الى تفشي الحصبة والنكاف وغيرها من الأمراض التي تسبب الموت والعوق. لم يؤثر منكري اللقاحات على صحة وسلامة أطفالهم فقط بل على سلامة الآخرين. حيث أصبحت اعتقاداتهم الخاطئة مشكلة صحية عامة.

لكل فرد الحق في الرأي حول موضوعات غير قابلة للتقصي الموضوعي أو في كل الحقائق العلمية التي ما زالت ملتبسة و تخضع لتفسيرات بديلة.

وهذا الوصف يشمل الكثير من الأمور. الكون كبير ومُحير والبقاء على الإجابات المحدودة ربما يحرمنا من أسئلة جوهرية. لكن الحقائق العلمية هي حقائق وينبغي أن لا تكون قادراً على تجاهل الحقيقة بسبب اعتقادات شخصية قد لا تؤذيك فقط وانما تؤذي الآخرين.

التلقيح لايسبب التوحد. التطور هو المسؤول عن الحياة كما نعرفها. عمر الأرض ليس 6000 سنة. اللامبالاة البشرية هي السبب في الانقراض الكبير الذي يحدث للكائنات حالياً.

الحقائق يمكن التأكد منها بصورة موضوعية في حين أن المعتقدات تصدر عن إيمان أو قناعة ذاتية. قد تحتاج الحقائق لإعادة نظر عن ظهور بيانات جديدة، لكن العملية تسمح بالتصحيح الذاتي ولا تغلق الباب أبدا في وجه الحقيقة. فيما يكون الإيمان في الغالب شخصية وتعسفية ومصحوبة بكثافة عاطفية تقاوم الانفتاح نحو الحقيقة الواقعية والتصحيح الذاتي.

الآلهة المفترضة تحب النكات والصدف الخاصة بها. وبينما كنت أكتب عن الدفاع عن حقائق العلم المملة بالضد من الروايات الخيالية والأساطير، خبر عاجل على التلفاز استحوذ على انتباهي. مراهق يسقط في الثلج وينتهي به الحال أسفل المياه المتجمدة لمدة 15 دقيقة قبل أن يتم إجراء التنفس الاصطناعي له، بدى أن لا أمل منه واقترح المسعفين أنه قد أصيب بالسكتة الدماغية بعد إجراء الفحوصات ولكن عندما بدأت الأم الثكلى للصبي بالصلاة بصوت عال، تحرك فجأة وبدا أنه استعادة الحياة كما في روايات الأديان.

هنالك طريقتان تتنافسان لتفسير ما حدث، قصة مثيرة أو حقيقة مملة. شعر المارة من أمام الحادث بالإثارة معتبرين أن شهدوا “معجزة حقيقة”. وصل الرب إلى غرفة المستشفى لإجابة دعوات الأم. الإنسان هو مركز الكون يقوم بلعب دور كوني برعاية إلهية. وطالما أننا نستطيع التأثير على الرب من خلال صلواتنا، فإننا نملك بعض السيطرة على مصيرنا.

الجواب الممل للحادثة: انخفاض حرارة الطفل في المياه المتجمدة قلل من عملية الأيض في جسمه ووضعه حالة سمحت له بوقت أكثر للبقاء على قيد الحياة. احصائياً يمكن توقع نسبة من المراهقين التي يمكن أن تنجو في هذه الحالة وفي نفس الظروف. نجاة هذا المراهق هو أمر غريب طبيعي وليس معجزة الهية.

المشكلة في الاعتماد على الحلول التي تقدمها المعجزات أنها تمنعنا من ابتكار وتطوير حلول واقعية. لدى العلوم الطبية الكثير من الأمراض التي لم تستطع علاجها لكنها الخيار الأفضل بدل الصلاة. الاعتماد على الله لحل مشاكل الإنسان يبدو أمر بعيد المنال ويمنعنا من تحمل المسؤولية لفعل ماهو صحيح.

هل يمكننا تحسين محو الأمية العلمية وزيادة العقلانية في عملية اتخاذ القرار؟ انتصار جهل ترامب على الواقع لا يوحي بالثقة حول عقلانية الإنسان أو مستقبل بلادنا والعالم. ربما إن عملية ترسيخ الاعتقادات الزائفة هي كثيفة ومؤدلجة إلى درجة أكبر من أي وقت مضى للخضوع إلى للحقيقة.

لكن هنالك سبب للأمل بأننا بمجموعنا ليسنا اغبياء بالدرجة التي يعاني منها العديد من السياسيين الذي يتحكمون بالسلطة حاليا. دفع المال مسيرتنا السياسية إلى مرتبة متدنية من الفساد واستغلال السلطة للمنافع الشخصية. للولايات المتحدة الأمريكية تاريخ طويل من تصويب عملية اتخاذ القرار والكثير من البلدان الأخرى تتبع سياسات أكثر اتفاقاً مع التفكير العلمي من الولايات المتحدة الأمريكية.

وضعنا الحالي غير مستقر. مع تدهور المناخ، واستنفاد الموارد وبروز الصراعات والأمراض في عالم يواجه انفجار سكاني فعلى القرارات أن تكون أكثر عقلانية (لمواجهة التحديات) أو نابعة من اعتقادات شخصية. توقعي هو أننا سنكون أكثر ذكاءا عندما نواجه الكارثة، لكنني قلق من أننا قد نتصرف بصورة عقلانية في وقت متأخر.

المصدر: المشروع العراقي للترجمة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك