النموذج المثالي للتربية عند برتراند راسل – د.محمد عبدالنور

نسعى في هذا العرض المفصّل لفصل “غاية التربية” الوارد في كتاب برتراند راسل “عن التربية”  الواقع بين الصفحة (83) والصفحة (61) والصادر عن دار منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت بترجمة سمير عَبدَة، والصادر لأول مرة بلغته الأصلية سنة 1926بلندن، وذلك لما وجدنا في آرائه من وجاهة قد تعين مجالنا التربوي على استصدار “عهد تربوي جديد” ولما يُتيحه من استيعاب شمولي لتاريخ التربية في كلياتها الرئيسية المتعلقة بالأهداف الكبرى، أو الخطوط العامة التي عليها يتم العمل على إعداد أجيال تتناسب عقليا ونفسيا مع طبيعة المرحلة الحضارية للأمم، وذلك انطلاقا من رؤية تحقيقية متّصلة تقف على النماذج السابقة وذروة تطورها وفقا لما بلغته التجارب التربوية كونيا، وفيما يلي جدول مواد هذا العرض:

  • سؤال التربية، السؤال لماذا نربي؟ قبل السؤال، كيف نربي؟

  • مقارنة التربية: بين الصينيين واليونان.

  • النموذج الياباني في التربية: التضحية بالكثير من أجل شيء واحد.

  • نموذج التربية في انكلترا: تكوين أرستقراطية الموظفين فلسفةً للتربية.

  • الإدماج التربوي في أمريكا: حرية نفسية مقابل تدجين عقلي وحسي.

  • مكانة الأبناء في الفعل التربوي: وسيلة أم غاية؟

  • الحيوية، الشجاعة، الإحساس، الذكاء: خطة راسُل لتربية مثالية.

  • في أن الحيوية أمان من الحسد المفسد.

  • كيف يمكن تحقيق شجاعة لا تقوم على ظلم الآخرين؟

  • الإحساس الفكري سبيلا وحيدة لإحقاق العدل والسلام في العالم.

  • الذكاء بين الرغبات الضيقة والصالح العام.

  • تربية النساء على الشجاعة والحب أصل التغيير الحقيقي.

  • على سبيل الختم.

1- سؤال التربية، السؤال لماذا نربي؟ قبل السؤال، كيف نربي؟

قبل البحث في كيفية تكوين شخص ما لابد قبل ذلك من التفكير في “نوع الشخص” المراد تنشئته، وتكوين رأي واضح عن الغاية من التربية، وذلك حتى نتمكن من تحقيق المبدأ الذي بدونه لا يمكن الوصول إلى تربية حقيقية، بقول آخر إن الأساس الذي عليه تبنى التربية الحقة هو الجواب عن السؤال لماذا نربي؟ قبل التفكير في الجواب عن السؤال كيف نربي؟

إن حُمق المربي يتجلى في عدم وصوله إلى النتائج التي كان يسعى إليها، وقدرة المربي تقاس تحقيقه للنتائج التي كان يرمي إليها في تربيته، وذلك دون النظر إلى صواب الهدف من عدمه، لكن المعيار هنا هو الفاعلية (بلغة بن نبي: صحة الفكرة لا تحدد فاعليتها، قد تكون الفكرة صحيحة لكنها غير فاعلة كما قد تكون الفكرة خاطئة وفاعلة).

2- مقارنة التربية: بين الصينيين واليونان.

كما كان يُجبر صبية أثينا على حفظ إلياذة هوميروس كاملة عن ظهر قلب، أُجبِر صبية الصين على حفظ مأثورات كونفوشيوس بنفس العناية والدقة، وكما كان الأثينيون يُعلّمون نوعا من الاحترام الظاهري للآلهة، بحيث لا يضع ذلك الاحترام حاجزا أمام التفكير الحر، كان الصينيون أيضا يتعلمون طقوسا تتعلق بتقديس الأجداد دون أن يجبروا على الاعتقاد بما كان منطويا في تلك الطقوس. لقد كان ينتظر من الإنسان الصيني المكوّن تربويا إظهار تشكك سهل ولبق في تلك الطقوس، فلا يقدّم أحكاما ونتائج قاطعة، بحيث تصلح الآراء أن تكون موضوعا للنقاش على مائدة الطعام، لا موضوع مخاصمة بين الرجال.

وعلى المنوال ذاته كان أكبر فلاسفة اليونان أفلاطون، فقد وصف بأنه: (أثيني مهذب رفيع، يبدو في بيت العبادة كأنه في بيته)، تماما كما كان حكماء الصين. إذ وباستثناء غوتيه (الشاعر الألماني 1749-1832) لم يكن ذلك دأب حكماء الحضارة المسيحية؛ والمحصلة هي أن الصينيين واليونانيين يتشاركون “الرغبة في الاستمتاع بالحياة”، ومصدر الاستمتاع هنا هو الجمع بين احترام التقاليد والتشكك المهذب، ويعتبر راسل ذلك تعبيرا عن إحساس فائق بالجمال.

لكن بالمقابل اختلف الصينيون عن اليونانيين النشطين في كونهم كسالى، لكنه كسل جعل من انهيار الحضارة الصينية غير ممكن إلا من الخارج، بينما تسبب نشاط اليونانيين في تدمير حضارتهم بأيديهم بواسطة الفنون والعلوم والاقتتال الداخلي بما لم يسبقهم إليه أحد، وقد وجدوا في السياسة والوطنية مصرفا لطاقاتهم، فضلا عن العزل الذي كان يتعرض له السياسيون إلى الريف والتلال لكتابة القاصائد، لكن ليست وحدها التربية مصدرا لذلك الاختلاف، ذلك أن الكونفوشيوسية في اليابان لم تعرف ذلك المثقف الكسول الذي كان عليه في الصين إلا ما ندر.

لقد انتجت التربية الصينية الاستقرار والفنون بينما فشلت في إنتاج التقدم والعلم، وتلك هي النتيجة المتوقعة من تربية قائمة على الشك في الأسلاف والمعتقدات، أما التربية القائمة على الاعتقاد (عدم الشك) فهي لن تنتج استقرارا، بل ستؤول حضارةٌ قائمةٌ على الاعتقاد إلى مآلين لا ثالث لهما: إما التقدم وإما الدمار. والعلم ذاته لابد أن يتحول إلى معتقد إذا أراد تحقيق التقدّم، فهو بعد مهاجمته عقائد الدين يتحول هو ذاته إلى تأسيس عقائده.

نضيف هنا، بأنه لابد من المعتقد سواء أكان دينيا أم علميا، وذلك لحاجة الأمم إلى طاقة تحافظ بها على نفسها، في دنيا مليئة بالتنافس والصراعات، ولايفيد هنا غير الاعتقاد سبيلا للحفاظ على الإنية الحضارية بالطريقة الفاعلة، خاصة في ظل عصر قرّبت وسائل الاتصال فيه بين أجزائها فصار “قرية كونية” لا يفيد فيها غير الاعتقاد الحاسم.

والمعتقد العلمي يحصر العلم في طبقة دون الأخرى، تماما كما كان في الصين حيث كانت نسبة المتعلمين ضئيلة، أما الحضارة اليونانية فقد قامت على الاستعباد حيث لا يصل العلم إلى جميع الطبقات، لذلك كان ضروريا على الصينيين مراجعة ذلك الأساس التربوي كما لم يكن النموذج اليوناني ليصمد إلى أبعد من القرن الثامن عشر حيث كان لابد من تعميم العلم.

3- النموذج الياباني في التربية: التضحية بالكثير من أجل شيء واحد.

التربية اليابانية مثال نموذجي للنزعة المسيطرة على أغلب الدول الكبرى، والتي تجعل من “عظمة الوطن” أسمى هدف للتربية، حيث الغاية تكمن في تخريج مواطنين مخلصين للدولة عن طريق ترويضهم عاطفيا حتى يهبوا كل معارفهم في خدمتها، وقد نجح اليابانيون نجاحا باهرا جعل من راسل يعترف بأنه لا يستطيع إيفاءهم الثناء الذي يستحقونه.

بوصول الأسطول الأمريكي (كومادور بري) إلى اليابان انكشف اليابانيون ووقعوا في ظرف أصبح من الصعب عليهم فيه حماية أنفسهم، الأمر الذي جعلهم ينهجون نمطا قاسيا جدا في التربية إلى درجة أنه يمكن اعتباره – أي النمط التربوي- جريمة لولا أن الخطر الداهم كان يفرض عليهم ذلك، ذلك أنهم واجهوا الغزو الحربي الأمريكي بفعل تربوي موجه لأبنائهم يحمل منطقا عسكريا في الصرامة.

أولا حرّموا الشك في مقدسات الشنتو، ديانة اليابانيين، حتى على الأساتذة الجامعيين، وبلغ تحكم رجال الدين عندهم مبلغا تجاوزوا به عصور الظلام في أوروبا، التحكم الذي انعكس على الأخلاق: الوطنية، احترام الآباء، عبادة المَلِك إلى درجة كاد ينعدم فيها كل تقدّم. فضلا عن أن الخطر الأعظم الذي يتهدد نظاما كهذا لم يكن إلا الثورة في سبيل تحقيق التقدّم.

هكذا كان عيب التربية في اليابان (نقيضا لنظيره الصيني القائم على الشك والكسل)، فقد كان المطلوب من الياباني ، حسب راسُل، الإسراف في العقائد والحماس لأجلها، فأسلوب التربية كان يرمي إلى غرس عقيدة “تحصيل المعرفة” ولو كانت صعبة، وحتى لو شاب تلك المعرفة شيء من الخطأ وعدم اليقين فإنه يمكن إصلاحها بشيء من الجهد، فضلا أن الحذر مطلوب جدا في المواطن التي يكون فيها الخطأ العلمي البسيط يجر إلى كارثة؛ لكن ورغم كل هذه النسبية التي تحوم بالمعرفة فقد كان لابد من أن تكون أساسا للمعتقد عند الإنسان الياباني، فهي تجعل العقل في حالة مستمرة من القلق والتوتر لما تتطلبه من “درجة عالية من الثقافة الفكرية”، ورغم كل ذلك يحكم راسُل بأن تحقيقها ليس مستحيلا لكونها في النهاية تعبير عن “المزاج العلمي”.

وعلى منوال الخطأ الياباني جاءت التربية اليسوعية (نسبة إلى جمعية يسوع التي أسسها الإسباني أغناتيوس ليولا) التي جعلت التربية في خدمة المؤسسة، وهي في المثال اليسوعي المؤسسة الكنسية الكاثوليكية، حينها لا يكون هدف التربية هو صالح التلاميذ لكن صالح المؤسسة، وبصرف النظر عن النظرة الدينية التي تزعم إنقاذ الأرواح من عذاب جهنم فإن الشاهد في المسألة هو مدى تحقيق اليسوعيين للنتائج التي كانوا يسعون إليها، (ومن رغم أن فولتير من خريجي التربية اليسوعية، إلا أنه انقلب عليها وأدار حربا فكرية على اليسوعيين)، ويحكم راسل بأن نتائج التربية اليسوعية لا تتحقق إلا في الآماد البعيدة.

المحصلة هي اضطرار النموذجين الياباني واليسوعي إلى التضحية بالكثير من الملكات من أجل تكوين الفرد الذي يسعون إلى تحقيقه، فكان من النتائج غير المرغوبة القضاء على الخيال المبدع في المجال الفني، تسطيح الفكر، انحلال الأخلاق (وهذا ما قد يبدو مناقضا للتوجهات الدينية لليسوعيين خاصة، لكن التعامل الفج مع الناشئة قد يؤدي إلى انحلالهم أخلاقيا رغم أن التربية تربية دينية بالأساس)، هكذا ومن أجل التخلص من شرور اليسوعيين في فرنسا كان لابد من الثورة، فقد كان خطؤهم الأكبر في التربية هو أن أهدافهم التربوية البعيدة أفقدتهم عاطفة الحب في التربية.

4- نموذج التربية في انكلترا: تكوين أرستقراطية الموظفين فلسفةً للتربية.

رغم المعارضة القوية لرجال الدين على انتخابه مفتشا للمعارف، إلا أن الدكتور ماثيو أرنولد (1822-1888) (هو الإبن البكر لتوماس أرنولد المستشرق صاحب كتاب “الدعوة إلى الإسلام” الذي عمل في جامعتي عليكرة ولاهور بالهند حيث كان أستاذا لفيلسوف الإسلام الحديث محمد إقبال) الذي استطاع أن يؤسس لسياسة تربوية تركت آثارها بشكل جلي على الإنسان الانكليزي، يقرر راسل أن عيبها كان الأرستقراطية التي سعت لإعداد الرجال للوظائف السامية داخل انكلترا وعموم المستعمرات البريطانية. لقد اقتضى بقاء الارستقراطية ونفوذها في بريطانيا إلى فضائل كان لابد من غرسها في نفوس الناشئة هي كما يلي:

  • البدن الصحيح والنشاط الدؤوب.

  • رسوخ معتقدات معينة في النفس.

  • الاحتفاظ بمعايير استقامة عالية.

  • الوعي بأهمية الرسالة المنوطة به.

ولتحقيق ذلك كان لابد وبالمقابل من: 1- التضحية بالقدرات النقدية للعقل والعزوف عن الشك، 2- التضحية بمشاعر العطف والرحمة وإحلال الصلابة مكانها، 3- التضحية بالخيال من أجل العزم والحزم، ولقد كان لهذا أن يحوز نتائج إيجابية لولا أن الشعوب في هذا الزمن لم تعد تطيع الحكام مهما أوتوا من الحكمة، لذلك كانت القسوة البديل الوحيد عن الحكمة، وإن كانت القسوة هي الأخرى ستؤدي حتما إلى الثورة؛ المحصلة أن الدكتور أرنولد أراد التضحية بالذكاء في سبيل “الفضيلة”.

يوجه راسل النقد لهذا النمط بالقول أن الحياة الحديثة تحتاج إلى نوع آخر من الرجال يكونون: 1- أكثر عطفا، 2- أفضل مرونة، 3- أقل اعتقادا في التسلط، 4- أكثر إيمانا بالمعرفة الفنية. في النهاية يجب أن: “يكون رجل المستقبل خادما لمواطنين أحرارا لا حاكما محسنا إلى رعايا معجبين”، وربما أمكن التخلص من تلك التقاليد الأرستقراطية بالتدرج، أو ربما كانت معاهد التربية العريقة في انكلترا أعجز من أن تتكيف مع العصر.

5- الإدماج التربوي في أمريكا: حرية نفسية مقابل تدجين عقلي وحسي.

لقد نجحت المدارس الأمريكية في مهمة لم تسبق إليها على المستوى العالمي، وكانت تلك المهمة: “تحويل مجموعة من البشر متباينة إلى أمة متجانسة”، (ذلك ما يعبر عنه النفساني الأمريكي ومؤسس المدرسة السلوكية جون واطسون عندما قال: أعطني إثني عشر طفلا أصحاء سليمي التكوين وهيء لي الظروف المناسبة وسأضمن لكم تدريب أي منهم على أي اختصاص بغض النظر عن مواهبه وميوله وعرق أجداده)، وما ساعدهم على ذلك كان موقع أمريكا الخاص في العالم بحيث لا يستلزم أن يكون لهم مثلا أعلى يحتذى بما أنهم هم أنفسهم مثل أعلى لغيرهم.

لقد تمتعت أمريكا بميزتين هما: 1- المستوى الاقتصادي العالي، 2- الأمان والقوة وكذا البعد عن خطر الحرب. (بعكس اليابان) وأخرى ثالثة هي خلو نسبي من الأعراف والتقاليد الموروثة المعطِّلة عن تحقيق الهدف المنشود، إضافة إلى ذلك فإن المهاجر إلى أمريكا يجد فيها ميزتان رائعتان هما: 1- شيوع المشاعر الديمقراطية، 2- الرقي الفني والصناعي.

لكن إذا كان المهاجرون أنفسهم يحتفظون بعادات وطنية مزدوجة من قبيل مناصرتهم لبلدانهم الأصلية إذا ما دخلت في صراع عسكري، فإن ذريتهم تفتقد آليا لكل ولاء لبلدان آبائهم الأصلية، لذلك فإنهم ينصهرون بشكل تام ضمن المنظومة التربوية كما أسس لها واطسون، وما يوطد هذا المنزع فإن المحاسن الموجودة في أمريكا تجعلها في غنى عن الاضطرار للمقارنة بينها وبين الدول الأخرى (ولعل ذلك ما يؤسس لانغلاق الفرد الأمريكي على ثقافته باعتبارها الأرقى ولا حاجة له للثقافات الأخرى…).

إلا أن الحقيقة تكشف أن “المستوى الفكري” في غرب أوروبا و”المستوى الفني” في شرقها أفضل من أمريكا، فضلا عن الأوروبيين أقل إيمانا بالخرافات من الأمريكيين، وعموما فإن الفرد الأمريكي أكثر قابلية للتدجين من الفرد الأوروبي، ذلك ما يدعو المنهج التربوي الأمريكي لاحتقار تلك المجالات التي يبدو فيها ضعفه مقارنة بالآخرين؛ هذا وإن كان نجاح المعلم الأمريكي يقاس بمدى تعلقه بأطفاله أكثر من دولته أو كنيسته، لكن ومن رغم ذلك لا تختلف التربية الأمريكية من حيث المنهج عن التربية عند اليابانيين واليسوعيين ذلك أنها جميعا تعتبر الطفل وسيلة لتحقيق غاية المؤسسة سياسية كانت أو دينية.

6- مكانة الأبناء في الفعل التربوي: وسيلة أم غاية؟

إن اعتبار الإنسان وسيلة لا غاية في الفعل التربوي بحجة أن الإنسان إذا كان غاية في حد ذاته فإنه سيموت والغاية يجب أن لا تموت أمر لا يرد، إلا أن راسُل يتحفظ على ذلك بالقول أن الإنسان إذا ما اعتُبر وسيلة فإن تلك الوسيلة قد تكون خيرة أو شريرة، وأن الآثار البعيدة لأعمال الإنسان تبقى غير معروفة ومن ثم فهي تسقط من حساب الناس عامة، فهم ينظرون في الأثر المباشر دون الأثر البعيد، ذلك أن الأثر القريب لفعل الإنسان قد يكون سيئا بينما يكون أثره الأبعد حسنا (نأخذ مثال أفعال السيد الخَضِر مع النبي موسى عليه السلام: قتل الطفل، خرق السفينة كأعمال سيئة يراد منها خيرا بعيدا)

إلا أن القاعدة العامة هي أن جماعة النساء والرجال الأخيار سينتج عنهم خيرا أفضل من جماعة جهلاء أشرار، إلا أن الفارق هنا يكمن في الإحساس الفطري الكامن لدى الناشئة من الأطفال، ذلك أنهم يدركون بغريزتهم الفرق بين من يسعى لإنمائهم من أجل صالحهم الأفضل وبين من يربيهم ليكونوا مجرد أدوات في خطة مخفية لديه.

فلا يمكن للخلق ولا للذكاء أن ينموا نموا طيبا إذا كانا مرفقين بتعليم يفتقد إلى الحب، فالحب عند الطفل غاية في حد ذاته، ومن ثم فهو لا يفكر في استحقاقه لهذا الحب أم لا فضلا عن يعي بأن هذا الحب سيكون له نفع فعلي في النهاية، إلا أنه شعر حقيقة أنه محتاج إلى الحب، هكذا فإن كل الآباء يشعرون بواجب منح الحب لأبنائهم كما يحبون لأنفسهم الحصول على ما يحبون، إذ في النهاية لا تتدخل في المسألة أية قاعدة من قواعد العدل المجردة.

وبالتبع فالمفترض أن يُستأمن على التربية ووضع برامجها هم أولئك الذين تلقوا الشحنة الكافية من الحب من آبائهم، إلا أن الواقع حسب راسُل يثبت العكس، ذلك أن الذين يسيطرون على التعليم في جميع الأقطار المتحضرة – باستثناء الصين والدنمارك – هم أولئك الذين ينقصهم الشعور البديهي بالحب الوالدي، لكن وفي كل الأحوال لا يكفي الحب وحده لإدراك السمو الحقيقي في الإنسان، ذلك أن الوالدين المحبين قد يعلمان أبناءهما كراهية أعداء البلد مثلا، أو حتى اللذين أحبوا الناس جميعا يمكن أن يكون لديهم تصور خاطئ عن الحياة الطيبة كيف يمكن أن تكون.

7- الحيوية، الشجاعة، الإحساس، الذكاء: خطة راسُل لتربية مثالية.

أي طريق للتربية يمكن أن يقارب الكمال المطلوب؟ لا بد بداية من تمييز الصفات المطلوب وجودها في بضعٍ من الناس والصفات المطلوبة في جميعهم، فالصفات التي تنتج رجلا ساميا وراقيا في مجال ما قد لا يستحب تعميمها على الجميع، فالتمييز ضروري بين ما هو مطلوب في مهنة أو حرفة ما مثل هواية الشعر التي تتطلب من الشاعرالذي يحكي عن نفسه:

فيراقب من الفجر إلى المساء      انعكاس أشعة الشمس على البحيرة.

فهذا النزوع التأملي غير مطلوب من الجميع ولا يمكن تصور أن يقوم الجميع بذلك، فالمطلوب أيضا من فريق من الناس الانغماس في أعمالهم حتى يقوموا بها على أتم وجه مصداقا للبيت الموالي للسابق:

النحل الأصفر يتغلغل في العليق المزهر       بلا مبالاة أو نظر لماهية الأشياء.

فما هي إذن الميزات المطلوبة والتي يُستحب وجودها في الناس إجمالا؟ يرفض راسُل في البداية التمييز بين الذكر والأنثى ويعتبر الفرق بينهما تماما كالفرق بين المزارع والطحان، ويقدر أربع صفات يرى أنها يمكن أن تأخذنا إلى طريق السمو بالإنسان وهي: 1- الحيوية، 2- الشجاعة، 3- الحساسية، 4- الذكاء. والمؤكد أنها ليست قائمة مثالية إلا أنها قابلة للتعميم فهي شاملة لنواحي البدن والعاطفة والعقل.

8- في أن الحيوية أمان من الحسد المفسد.

1- الحيوية: هي صفة بدنية أكثر من عقلية، ويفترض أن تكون حيث تكون الصحة التامة، تبلغ ذروتها قبل بلوغ سن الدراسة وتتضاءل بالتدريج مع التقدّم في السن إلى أن تنعدم في مرحلة ما، والحيوية رديف لسعادة الإنسان واستمتاعه بالحياة بغض النظر عن كل الظروف، وهي تجعل الإنسان أكثر عناية بما حوله.

الحيوية تدفع الإنسان للإنشغال عن النفس بما يحقق التوازن العقلي، فمعلوم أن الإنسان ميال إلى العناية بنفسه غير مبال بالآخرين، أقرب إلى الأنانية والعزوف عما يتجاوز جلده، وهو نزوع مضر به يؤدي إلى الملل واليأس، وعلى أسوأ تقدير إلى الهم والانقباض، كل ذلك يمنع الإنسان عن أن يكون نافعا، ذلك أن الحيوية تنمي الاهتمام بالعالم الخارجي والمقدرة على العمل الشاق.

فضلا عن ذلك الحيوية أمان من الحسد، مجلبة للبهجة، والحسد من أكبر مصادر شقاء الإنسان، ولما كان حظ نيوتن مثلا ضئيلا في الحيوية، ذلك الذي أدخله في جدال مع ليبنتز أدى إلى تدمير الرياضيات في انكلترا لأكثر من قرن، الأمر الذي كان يمكن تجنبه لوكان نيوتن حيويا قوي البدن قادرا على الاستمتاع بالحياة.

9- كيف يمكن تحقيق شجاعة لا تقوم على ظلم الآخرين؟

2- الشجاعة: معقد هو مفهوم الشجاعة، فهو ليس التجرد من الخوف بشكل كامل وإنما هو القدرة على ضبط الخوف، ذلك أن عدم الخوف مطلقا أمر غير طبيعي تماما كما هو الخوف غير المعقول الذي قد يصل إلى درجة مَرَضِية والناتج غالبا عن توهم الاضطهاد أو القلق المُربِك، أما الخوف في صورته المعقولة فناتج عن شعور مبهم يمكن التعبير عنه بشكل أصوب بـ”القلق”.

وأغلب الخوف الذي يتملك الإنسان مصدره الإيحاء، كالخوف من الظلام الذي يرجع كله إلى الإيحاء، ومصدر الإيحاء عند الأطفال هم الكبار، وهم يأخذون هذا الخوف حتى عندما يشعر الكبار أنهم أظهروا ذلك الخوف (ومنه الخوف من الله أو السلطان فهو غالبا خوف خفي لكن الصغار يدركونه بغرائزهم)، ومصدر الخوف عند الأطفال هو غالبا ما يكون الأمهات أو الحاضنات، ومن ثم كان من أسباب جاذبية النساء للرجال هو أن خوف النساء يمنحهم مظهر الحُماة غير الآبهين لتعرضهم للأخطار، لذلك كان من الضروري تدريب الأطفال على “استعادة الشجاعة” التي تسببت الأمهات في ذهابها خلال فترة الحضانة، والخوف إذن مصدره الرئيس استخضاع الرجال للنساء بواسطة تحقير الآباء للأمهات. (والمقصود تحديدا هو الخوف الوهمي وأقله الخوف من الفئران والعناكب، وهو أمر جامع لكل النساء كما يبدو من غير استثناء حتى تلك اللواتي يمتلكن شجاعة النضال مثلا من أجل الحقوق أو المسترجلات الهوليوديات مثلا أو من هن على نمطهن)، فما هو العلاج الأبقى للخوف؟

لقد كان محك الشجاعة عند الأرستقراطيات متمثلا في السلوك الغاشم الظاهر في: عدم الفرار من الزحف، الخبرة بألعاب الرجولة، الحفاظ على رباطة الجأش في المُلمّات، وفي العرف الارستقراطي للشجاعة أن الخطأ وعدم الصواب ليس مدعاة للخوف، بل هو تجنب تام وفي كل الظروف لاصفرار الوجه والارتجاف أو أية علامة خوف يسهل لحاظها، ويقدّر راسُل أن ذلك من الأهمية العظمى عند الأمم إذا ما عمّ جميع الطبقات والذكور والإناث، إلا إذا ما انقلبت الشجاعة رديفا للقمع فإنها مجلبة مطلقة للشر.

إن الإنتصار الظاهري على الخوف يترك الخوف يعمل في السر، ذلك الذي ينتج عنه انفعالات سيئة غامضة لا يدرك الناس أن مصدرها الرعب، تماما كذلك الضابط البريطاني الذي أمر بإطلاق النار على طلبة صينيين في ظهورهم دون إنذار، حيث كان الرعب مصدرا لأمر الضابط وفي ذلك لا فرق بينه وبين الفرار من المعركة، تلك هي الحقيقة التي لا يدركها العرف الارستقراطي فيعتبرها من علامات العزم والروح المطلوبين.

إن الخوف والغضب عاطفتان متماثلتان في العرف السيكولوجي والفيزيولوجي، ذلك أن الرجل الذي يغضب لا يمكن أن يمتلك ضربا عاليا من الشجاعة، والقسوة الدائمة إنما هي وليدة الجبن، وعلى هذا الأساس الذي تم التوصل إليه في تعريف الشجاعة يمكن تربية النساء والرجال حتى يعيشوا بلا خوف، إذا وجدوا من يرشدهم، ذلك الذي لم يستطعه إلا عدد قليل من الأبطال والقديسين.

للحصول على شجاعة تقوم على القمع كان لابد من الجمع بين أشياء عدة، قد يكون العنصر الأول (وهو الحيوية) مساعدا عليها لكن ليس ضروريا، فضلا عن أن المران والتدرب على المواقف الخطيرة أمر مستحب أيضا لاكتساب هكذا شجاعة مطلوبة، ويمكن عدّ بعض أهم مقضياتها:

1-  إحترام الذات: يعيش بعض الناس بوحي من أنفسهم، وآخرون ليسوا إلا انعكاسا لإحساسات الآخرين بما لا يمكن أبدا أن يحصّلوا به الشجاعة الحقيقية، ذلك أنهم لا يستغنون عن إعجاب غيرهم بهم ولا يفارقهم الخوف من فقدانه، وكان هذا الإحساس عين ما يسمى بـ”التواضع”، فهو يعني هنا كبت احترام الذات واللهفة لنوال رضى الآخرين، كان مفهوم التواضع يعني التصاغر وسيلةً لرضى الناس، ومن ثم مجلبة للرياء وفساد الطباع، فالمطلوب إذن ليس إلغاء تراتب الآمر والمأمور، ولكن المطلوب السعي لأن تكون أهدافنا نابعة منا ولا مفروضة علينا من غيرنا، ولا أن نفرض على الآخرين أهدافنا.

2- نظرة غير شخصية للحياة: إن الرجل الذي تتركز آماله ومخاوفه حول نفسه لا يمكن أن ينظر إلى الموت باطمئنان، فالموت يهدم لذاته وعواطفه كلها، بالمقابل فإن القديس الذي يحرم على نفسه ملذات الدنيوية، وحجة القديس في ذلك أن تحمل الألم يحمل على السمو وتحقيق النبل، إلا أن ذلك يخلف لديه شعورا خفيا بالحسد يجعل من فرض ما يؤمن به على الآخرين أمرا شرعيا، هذا الذي ينعكس بشكل مباشر على القيم التي تنقلب فيصبح الحسن سيئا والسيء حسنا.

كذلك يقودنا الحب وعلى الأخص الحب الوالدي النابع من الفطرة البشرية التي تقود إلى ما وراء النفس (ميتاسيكولوجي) والنظرة غير الشخصية، هذا الحب الوالدي الذي يمكن أن يمتد ليعم محبة البشر جميعا (إذا ما غرسه الأبوان بشكل مطلق في نفس الأولاد)، وحب الجنس البشري يتجلى أيضا في المعرفة، على غرار ما فعله غاليلي الذي امتدت تضحيته بنفسه بعد مماته وعمت البشر جميعا، وكذلك الأمر ينطبق على الفن؛ والخلاصة هي أن الرجل الذي تتسع دائرة اهتماماته ويفارق مصلحته الشخصية لا يصعب عليه أن يفارق الموت مثلما يصعب على الإنسان البائس الخائر الإرادة الذي يشعر بنفسه صغيرة جدا في نهاية الأمر ليس لاحتقار نفسه وإنما لتقديرها بأكثر من حجمها.

والغريب أن هذا الشعور القائم على حياة الأنانية الشخصية والذي ينتهي بالإنسان إلى الخوف من الموت نابع من الغريزة الحرة والذكاء المتقد، بينما المطلوب أن يجتمع ذاك إلى هذا، ويقصد راسُل بذلك اجتماع الحرية والذكاء بالحب غير المقيد للناس بحيث ينتج شمول في النظر يفارق نوعان من الناس: المنغمس في شهواته، والزاهد عن الدنيا، اللذان سيبدو موتهما أمرا تافها، ويتصور راسُل أن هكذا شجاعة تقوم على الفطرة هي المطلوبة والتي تشكل عنصرا من عناصر الخُلُق الكامل، وليس تلك القائمة على قمع الآخرين وظلمهم.

10- الإحساس الفكري سبيلا وحيدة لإحقاق العدل والسلام في العالم.

3- الإحساس:

إن السلوك المندفع الذي يعتبر في أغلب الأحيان شجاعة يكون أسهل من النباهة في إدراك الأخطاء التي ينطوي عليها ذلك الاندفاع، وتلك النباهة إنما تكمن في الإحساس العاطفي الذي يحصل عندما تغزو الإنسان منبهات كثيرة، لكن الاستجابة الكلية لتلك المنبهات ليس أمرا محمودا بإطلاق، ذلك أن الإحساس العاطفي وحتى يكون إيجابيا لا يجب أن يكون إلا عندما تقتضي الحاجة، والمعيار في ذلك هو ضرورة تأثر المرء بما يحيط به إن سرورا أو مَساءةً، فكيف ذلك؟

إن رغبة الإنسان في أن يظن به الناس خيرا تبقى دافعا يتسلط على الإنسان مدى حياته، ويعتبرها راسل دافع عظيم القيمة لتحقيق السلوك المستظرف، وهو ينشأ عادة بعد الخمس شهور الأولى من الميلاد وينمو نموا سريعا جدا، فالخطوة الأولى للطفل هي الانتقال من الإحساس الحسي المجرد بالمسرات إلى الإحساس العاطفي بها، ذلك الذي يصدر عن الاستحسان الاجتماعي، وسيكون هذا الاستحسان أنفع لو كان الناس أكثر حكمة فيه، إلا أن البطولة للأسف ينالها هؤلاء الأكثر تقتيلا للناس بسبب من أعجاب الناس بهم، لذلك لم يكن الإحساس وحده كافيا لتحقيق الحياة الطيبة.

وثانية المراحل في تطور الأحاسيس عند الإنسان  هي استشعار العطف، أوله بكاء الطفل الصغير عندما يبكي أخوه الأكبر، وسيتوسع العطف عندما لا يكون المصاب موضع محبة، وغايتها استشعار العطف على الأباعد عند حدوث مصيبة وإن لم تكن مشهودة، وإن التوسع في العطف على المظلومين قد لا يتجاوز التفاعل مع رواية راقية، كما قد يتسع العطف إلى الحد الذي تثيره إحصائيات مجردة، وتلك قدرة نادرة ومهمة.

فإذا كان كل الناس يتأثرون بمعاينة آلام المرضى في المستشفيات، إلا أن تأثرهم بإحصائيات مرضى السرطان لا يكون إلا بشكل عابر، وكذلك يفعل الناس مع مصاب قريبهم خلال الحرب مثلا، بينما لا يرف لهم جفن عندما يسمعون عند مقتل مليون شخص في ذات الحرب مثلا، وأخيرا إن الرجل الممتلئ عطفا ووُدًّا للناس قد يكسب عيشه من التحريض على الحرب أو من تعذيب الأطفال! وذلك راجع إلى أن العطف لا يثيره باعث فكري محض.

لقد منحنا العلم مقدرة كبيرة على التأثير في حياة الشعوب البعيدة إلا أنه لم يزد من عطفنا عليها، فهذا الرجل البريطاني الذي يستثمر ماله في الصين، لا يهمه إن كانت الضرائب التي يدفعها توجه لقصف المدنيين ولا أن أرباحه تأتيه من كدح أطفال مرغمين على الأعمال الخطيرة، إنه لا يبالي لأنه لم ير هؤلاء الأطفال أبدا، وأن الباعث الفكري لا يحرك فيه ساكنا (خذ مثال رجال الدولة وأصحاب القرار كيف يتصرفون عند زياراتهم الميدانية بقرارات مباشرة وآنية أمام بعض المآسي الاجتماعية رغم أنهم كانوا يعرفون عنها سواء من الإعلام أو من التقارير التي ترفع إليهم)، وذلك السبب الرئيس في قسوة الاستثمار الصناعي وأن ظلم الشعوب المغلوبة على أمرها أمر مستساغ، لذلك فإن تربية تنتج حساسية فكرية من شأنها أن تعمل على تعميم العدل والسلام في العالم.

11- الذكاء بين الرغبات الضيقة والصالح العام.

4-  الذكاء: لا شك أن كلمة الذكاء تدل على قابلية تحصيل المعرفة أكثر من قابلية التصرف في المعرفة المحصلة من قبل، وأن قابلية تحصيل المعرفة لا تحصل إلا بالتمرين المستمر عليها، أي أن التعليم يجب أن يهدف إلى تدريب الناس على كيفية اكتساب المعارف لا القيام بإعطائهم المعارف ذاتها، لكن الشائع هو أن التعليم يحصل بطرق لا تربي الذكاء، وذلك من خلال تركيز المربين على تلقين “العقائد الصحيحة” للتلاميذ ومن ثم إهمال تنمية الذكاء لديهم، فلا يمكن للحياة الحديثة أن تقوم ولا أن تتطور لولا الذكاء، لذلك اعتبر  راسل أن تنمية الذكاء من أعظم أهداف التربية، فما هو الذكاء الذي يقصده راسُل هنا؟

من المبادئ الغريزية التي يولد بها الإنسان هو حب الاستطلاع، ذلك الذي نجده حتى عند الحيوانات، فالقطط التي تجد نفسها في مكان جديد إذ تأخذ في تشمم كل ركن وكل قطعة من الأثاث، وكذلك الأطفال حين يفتح لهم درج أو ركن اعتادوا على رؤيته مغلقا فإنهم يهتمون به مستغرقين، إلا أن الاستكشاف قد يتحول إلى تجسس يتجلى في محاولة “النظر من خلف الستائر” بعد أن يخيم الظلام، أو قد يكون انتشارا للغيبة، التي لا تعبر عن حب للمعرفة بقدر ما يكون هدفها الأذى، إذ لا نجد أحدا يغتاب الناس بذكر محاسنهم، لذلك كان معظم الغيبة باطلا.

فالغالب أن الإنسان يفقد الدهشة وحب الاستطلاع بتقدمه في السن، مما يورثه التشاؤم فلا يرى الحياة إلا سائرة إلى المجهول المخيف وأن الحياة في الصبا كانت أجمل مما هي عليه الآن، إلا أن الحقيقة لم تكن تغيرا في الحياة الخارجية بل إن الفساد أصاب الحياة الداخلية للإنسان عندما فقد روح الاستكشاف، فصار كل شيئ عنده رتيبا لا يستحق التفاؤل، إذ عندما يموت حب الاطلاع نستطيع أن نقرر أن الذكاء الفعال قد مات أيضا.

وإذا كان علو رتبة التعليم شرطا في زيادة مقدار الذكاء إلا أن المعيار الأوكد في تلك الزيادة هو أن شغف الاكتشاف يزداد كلما تجرد من المنافع الشخصية – مثل التفكير في كيفية الحصول على وجبة الطعام- واتصل بالقضايا العامة، لكن ليس من الواقعي أن نتصور أنه يمكن التجرد من الأهواء آناء الاستطلاع، لكن الأصوب أن يكون ذلك الهوى غير واضح ولا مباشر عند المستطلِع ذاته، وأن اكتشاف الهوى المصاحب للاستطلاع في نظر الآخرين يكون عسيرا.

في مرحلة تالية كان لابد للاستطلاع ولكي يكون مثمرا من “أسلوب فني” يقوم بتنضيد طرق تحصيلنا للمعرفة يتمثل في: 1- تطوير عادات ملاحظة الظواهر، 2- التحلي بالصبر والجد في طلب المعرفة، ويحصل نمو تلك العادات متى وجدت رغبة وتربية عقلية مناسبة لها؛ إلا أن ما قد يعوق نمو الذكاء (الذي هو الأسلوب الفني لتحصيل المعرفة) هو الأهواء الشديدة المرتبطة بالإنسان، ذلك أن العادة والشهوة يحولان دون تقبل الحقائق الجديدة التي يدفع إليها الذكاء، ومن ثم فنحن في حاجة إلى فضائل فكرية أخرى من قبيل “انفتاح الذهن”، ذلك أن أصعب الأمور هو أن نتخلى عن تصورات (غالبا ما تتحول إلى معتقدات) كنا نؤمن بها سنوات عديدة، والأدهى أن نرى في ذلك ما يتناقض مع احترام الذات!  هكذا فانفتاح الأذهان من أجلّ الصفات التي ينبغي طلبها ووجودها في التربية المعاصرة.

هكذا يكون الذكاء بمثابة صنوٍ للشجاعة، فالحياة العقلية الحرة قد تورث الإنسان المتاعب وتحرمه من الدفء، ذلك أنه وبمجرد ميلاد المرء إلى هذا العالم يجد أمامه حشدا من النظم العقلية المتشكلة في إطار مذاهب سياسية وفكرية ودينية مستعدة لتهب له الأمن نظير استرقاقها له، وهذا يجر راسُل إلى مسألة تقوم على شيء من الصعوبة وهي: إلى أي حد يمكن أن تتحرر فيه الحياة الطيبة من حياة القطيع وتكون فيه ممكنة؟

12- تربية النساء على الشجاعة والحب أصل التغيير الحقيقي.

جُبِل الإنسان على حب الوفاق مع الجماعة، وعلى ذلك ينبغي أن يغلب على الرجل العادي دائما ما يطلق عليه جزافا “غريزة القطيع”، والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على بعض مسرات الحياة بغير التعاون الذي يضمنه الوفاق، إلا أنه من المهم أن يحتفظ الإنسان بدائرة صغيرة لا ينفذ إليها الإحساس القطيعي، وهي دائرة تخصصه هو.

فلئن كان خيرا للرجل العادي أن يتبع آراء الثقات، فإنه يستحسن أن يوجد استقلال بالرأي حيثما وجدت المقدرة الخاصة، لكن لا ينبغي أن يجعل الرجل من نفسه “قنفذا” يباعد بينه وبين الناس، ذلك أن معظم نشاط الإنسان تعاوني، والتعاون يجب أن يكون على أساس غرائزي، ومع ذلك من المهم جدا أن نكتسب الشجاعة التي تحملنا على الجهر بآرائنا المخالفة للجماعة عندما نعتقد أنها آراء مهمة، فالشخص الهياب يفضّل أن يظل يائسا على أن يخرج على المألوف في شيء.

إن كراهية الناس لـ”الرواد العقليين” تعود إلى الفزع الذي يلقونه في قلوبهم، ذلك الذي لن يحصل في مجتمع نشأ فيه القوم على الشجاعة، وإن انضمام الناس إلى الجماعات المنغلقة والاستبدادية سببه الخوف، والواقع أن المجتمع الذي يتألف من نساء ورجال نشأوا على الحيوية والشجاعة والاحساس والذكاء لهو أرفع ما يمكن أن تستطيع التربية أن تحدثه، إذ يقل فيه التعساء من الفقراء والمرضى وغير المشبعين جنسيا، بل إن الشيخوخة قد يتم إرجاؤها.

لو رُبي جيل من النساء بغير مخاوف جنسية غير معقولة فإنهن سرعان ما ينقذن الرجال من التعاسة الجنسية، فلقد ساد الظن بأن الوسيلة الوحيدة لحمل النساء على الفضيلة هي الخوف والجبن الحسي والعقلي على سواء، كما أن فقدان النساء للحب يدفعهن لبث الوحشية والرياء في أزواجهن ويشوهن فطرة أبنائهن، وأن تغيير الدنيا يمكن أن يحصل في جيل واحد لولا أن ربيت النساء على الشجاعة، وذلك بأن ينجبن جيلا من الأطفال لا أثر للخوف فيهم ولم تفسد فطرتهم، وسيكونون ذوي استقامة وصراحة، وكرم وود، إن التربية هي مفتاح الدنيا الجديدة.

13- على سبيل الختم:

لو تأمنا الفكرتين الأخيرتين المتعلقتين بالريادة الفكرية والشجاعة الجنسية، لاكتشفنا ربما دلالة قولة راسل الأخيرة: “إن التربية هي مفتاح الدنيا الجديدة”، طبعا هو لا يعني أية تربية، بل التربية التي قدّم لأسسها في هذا النص، وعندما يقول بأنها مفتاح للدنيا الجديدة فإنه يقصد بها أنها صارت ركنا رئيسا في الحياة الحديثة.

فالريادة الفكرية تقوم على شجاعة معنوية تعنى بإعادة تشكيل عالم أفكار الناس (في المجال العام: رجالا ونساء) لتخليصهم من أمراض الأذهان، والجبن هنا هو التهيّب المعنوي الذي يخشى الرجل على صيته ومكانته إذا ما تجاوز حدوده المرسومة، ومن ثم فجوهر الشجاعة الرجالية عند راسل يقوم على الشدّة الذهنية والنفسية، أما الشجاعة المطلوبة من النساء أن تكون شجاعة حسية لتخليص الناس (في المجال الخاص: أزواجا وأولادا) من أمراض القلوب، إذ جبن المرأة يقوم على التهيّب الجنسي –بوصف المرأة كلها مجلبة للإيحاء الجنسي في وجودها الجسدي- الذي يجعلها تتقوقع على تصور جنسي بحت عن نفسها فلا تستطيع مجاوزته، وهنا تحديدا تقوم النظرة الراسلية على ثورة بمعنى الكلمة في المجال التربوي عندما يدعو الرجل إلى الخروج من قوقعة تصور المكانة والسمعة الذي يضطره إلى القبوع فيهما، وكذا دعوته المرأة للخروج من قوقعة تصورها الجنسي والجسدي عن نفسها الذي يضطرها إلى القبوع فيهما.

ولم تكتمل ثورة راسل التربوية إلا عندما أوكل إلى الرجال والنساء مهمتين مختلفين “في عالم التربية تخصيصا”، إذ وبعد قوله بعدم تمييزه بينهما نجده يفاصل صراحة بين الأدوار التربوية للجنسين، الأول ذكري يخص في المجال العام والثاني أنثوي يخص المجال الخاص، وليس الأمر تفاضلا بقدر ما هو تكامل كما تقدّم القول، ذلك أن صلاح المجال العام لا يكون إلا بصلاح المجال الخاص والعكس أيضا، وهذه المفاصَلة تأتي انسجاما مع طبيعة كل جنس، أو كما يقرّر ضمنيا صاحب الذهن الرياضي المتوقّد الذي يصدر كلامه عن وعي كامل بعالم الضرورات المطلقة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك