الوجه الآخر لسيد قطب.. من سيد قطب إلى نيتشه إلى جاك دريدا

إلى التي سارت معي في الأشواك
فدميت ودميَت، وشقيتُ وشقيَت
ثمّ سـارت في طريق، وسرتُ في طريق
جريحين بعد المعركة
لا نفسها إلى قرار، ولا نفسي إلى استقرار…
سيد قطب

 

إن ما أثار رغبتي لكتابة هذا المقال كان مروري على شذرة كتبها الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه في كتابه الذي يقدم فيه نفسه بعنوان “هذا هو الانسان”، حيث ذكرتني تلك الشذرة بمقال كتبه سيد قطب في مجلة الكاتب المصري عام 1946 عندما كان ناقداً ادبيا بعنوان النقد والفن. وكنت قد قرأت ذلك المقال منذ مدة طويلة الا أنه ظل عالقا بذهني لما كان له من تأثير شديد على قراءتي للأدب.
عندما يدور الحديث عن سيد قطب يدور بما مر به من تطرف وتشدد واتجاهه الى التكفير والعنف، فقد كان قطب بعد انضمامه للاخوان المسلمين منظرا تكفيريا بامتياز وله دور كبير في انتشار الفكر المتطرف والارهاب بالفعل، الا أن اغفال الوجه الاخر له ولتاريخه في النقد الادبي لهو شيء من الظلم وانتقاء غير موضوعي لشكل التقديم لهذه الشخصية.

فعلىى سبيل المثال كان سيد قطب أول من قدم نجيب محفوظ وكان يُظهر بوضوح اعجابه الشديد بكتابته عند تناول أعماله في النقد، فقد تناول اكثر من عمل لنجيب محفوظ، مثل خان الخليلي والقاهرة الجديدة، والعديد من القصص والروايات، فكان اول من آمن بنجيب محفوظ وكتب عنه بكلمات قوية واسلوب جذاب، ليقدمه الى الناس بعدما عانى محفوظ لفترة من تجاهل النقاد.
وقد كان ذلك سببا في صداقة نجيب محفوظ بسيد قطب، وقد امتدت صداقتهما الى ما بعد تحول سيد قطب من الناقد الادبي الى الاخواني المتطرف حتى قبل اعدامه بفترة قصيرة عندما زاره محفوظ وتحدث عن هذه الزيارة قائلا: ”

“ذهبت إليه رغم معرفتى بخطورة هذه الزيارة وبما يمكن أن تسببه لى من متاعب أمنية، وفى تلك الزيارة تحدثنا عن الأدب ومشاكله ثم تطرق الحديث إلى الدين والمرأة والحياة، كانت المرة الأولى التى ألمس فيها بعمق مدى التغيير الكبير الذى طرأ على شخصية قطب وأفكاره، لقد رأيت أمامى إنسانا آخر حاد الفكر متطرف الرأى، ويرى أن المجتمع عاد إلى الجاهلية الأولى وأنه مجتمع كافر لابد من تقويمه بتطبيق شرع الله انطلاقا من فكرة «الحاكمية» وسمعت منه آراءه دون الدخول معه فى جدل أو نقاش حولها، فماذا يفيد الجدل مع رجل وصل إلى تلك المرحلة من الاعتقاد المتعصب”.

أما عن الكلمات التي تشابهت بين مقال سيد قطب وكتاب فريدريك نيتشه فكانت عن علاقة ما نقرأه بما نعيشه وأن الكلمات والالفاظ ليست سوى وسائل نستمد من خلالها المعنى الذي تكون من خلال تجاربنا الشخصية فالشعور والتفكير وكل ما ينعكس علينا من قراءة الكتب ليست الا المشاعر والافكار الكامنة بداخلنا والتي تراكمت نتيجة مشاهداتنا الحسية والواقعية ونتيجة خبراتنا التي تكونت من تجارب عايشناها، فكان سيد قطب يقول:

“وأنا أزعم أن اللفظ الذي لم ينبعث من فم القائل إلا بعد وجود صورة معينة يرمز إليها في ذهنه.. هو كذلك . لا ينشئ في ذهن السامع صورة لا عهد له بها من قبل، ولكنه يقتصر على استدعاء الصورة أوالصور الكامنة في نفسه، والتي يرمز لها هذا اللفظ عنده

وقد يختلط علينا الأمر في بعض الأحيان، فنحسب أن لفظاً معيناً قد أنشأ في أنفسنا إنشاء، صورة لا عهد لنا بها البتة. وتفسير هذا أن هذه الصورة لابد أن يكون لنا بها صلة سابقة، نتيجة لتجربة شخصية أو إنسانية، ثم خفيت علينا وبعدت عن وعينا، حتى استدعاها ذلك اللفظ حين سمعناه أو قرأناه. وهنا نصل إلى النتيجة الأولى من هذا البحث، وهو مناقشة مدى حق القارئ في نقد ما يلقى إليه من الأعمال الفنية، والحكم عليها حكماً موضوعياً على قدر الإمكان”

اما كلمات نيتشه فيقول:

“ليس بإمكان أحد بالنهاية أن يسمع من الاشياء ، بما في ذلك الكتب، اكثر مما يعرف مسبقاً. فما لم يكن للمرء من معرفة به عن تجربة معاشة، لا يمكن له أن يسمعه. لنتصور الان حالة قصوى حيث يروي كتاب احداثاً تقع خارج الامكانات التي تمنحها التجارب المتداولة، بل وحتى النادرة منها، بحيث يغدو لغة أولى لسلسلة جديدة من التجارب، في مثل هذه الحالة سيكون من المتعذر سماع أي شيء، أن تفهم ستة سطور من كتاب زرادشت فذلك يعني أنك عشت تلك السطور”

فليس ما نفهمه من الكلمات في النهاية سوى ما يعبر عنا نحن وليس عن ما تقصده الكلمات حقاً.

وكما تتشابه نظرة سيد قطب مع نظرة نيتشه في هذا الموضوع فهي ايضا تتطرق الى بعض افكار جاك دريدا مؤسس المدرسة التفكيكية والذي كان يرى أن النص لا يمكن صياغته بشكل دقيق ومباشر أبداً ، وأن النص يحتفظ بواقعه الخاص منفصلا عن الواقع المرئي او مايسميه “الحضور”.. فقد تطرق سيد قطب، بشكل غير مباشر، لفكرة مهمة تناولها دريدا وهي التأجيل، فمثلا يقول دريدا :

” أقول مثلا رأى صديقي .. /وأضيف/ … قطاً ابيضاً / ثم أكمل / في الحديقة.. وأتابع الحديث/. فعند كل كلمة أضيفها يتغير معنى العبارة ويتغير معنى كلمة قط، فبالتالي إن كل معلومة تضاف تؤدي الى تأجيل المعنى الكامل للعبارة. إن معنى او مدلول أي شيء نقوله دائماً مؤجل لأنه يعتمد على ما سنضيف والأمر الذي سنضيفه يعتمد معناه على ما سنضيفه لاحقا وهلم جراً”
ويقول سيد قطب:

” والألفاظ التي نتعامل بها الآن لم نضعها نحن، ولم نشترك في وضعها، وقد تم هذا في عصور سحيقة، تعدّ بالقياس إلينا، في طفولة الإنسانية. فكان من أثر هذا أننا نراها اليوم ألفاظاً غامضة، مجملة الدلالة؛ وكثير منها ليس له في أذهاننا معنى دقيق محدد.

وقد لا يظهر هذا في «أسماء الذوات»؛ ولكنه يظهر واضحاً في «أسماء المعاني» حيث تصلح اللفظة الواحدة للدلالة على عشرات الصور والحالات المتعلقة بالمعنى الواحد، تختلف في اللون والدرجة، ويبقى اللفظ الدال عليها واحداً في جميع الأحوال.

خذ مثلاً كلمة «الحب». فانظر: كم من الصور تنطوي تحتها، وكم من الأحاسيس تعبر عنها. وهي لفظة واحدة لا تفرق بين حالة وحالة، إلا في سياق معين تقاس به مقدرة القائل على الأداء، وتكشف فيه اللفظة عن رصيدها المذخور من الحس والشعور.

ما مدلول لفظة (الحب)؟

أولاً – بالقياس إلى ما يُحَبّ: تراه حب الحياة، أم حب الطبيعة، أم حب الجمال الحي، أم حب الوطن، أم حب الأسرة، أم حب الأصدقاء، أم حب النفس، أم حب المجد، أم حب المال، أم حب الجنس، أم حب الفن، أم حب الدين.. إلخ ما يصح أن يكون محبوباً في الحياة؟

وثانياً – بالقياس إلى نوع الحب: تراه الحب البريء، أم الحب المشوب؟ وحب الألفة الوئيدة، أم حب المفاجأة الهاجمة؟ وحب الأثرة والغلبة أم حب التضحية والإيثار؟ وحب الاستعلاء والسيطرة أم حب التفاني والامتزاج؟ وحب الشهوة العارمة أم حب القداسة المتصوفة..؟ أم هو الحب الذي تتداخل فيه شتى هذه الظلال والألوان؟.

وثالثاً – بالقياس إلى درجة الحب وحالته: تراه الحب الصاعد إلى الآفاق أم الهابط إلى الأعماق؟ وهو المقبل يكسب كل يوم ويربي أم هو المدبر يخسر بالزمن ويذوي؟ وهو الثائر العنيف أم الهادئ الراضي؟ وهو المكروه المملول أم المتطلب المرجو؟ أم هو الحب الذي فيه من هذا وفيه من ذاك؟

كل هذا وعشرات من أمثاله تجمله لفظة «الحب» الواحدة، ويفصله الإحساس الواسع، المجرب لهذه الصنوف والأشكال.

ومثل الحب، البغض، والغيرة، والحنان، والقسوة، والمروءة، والنذالة، واللذة، والألم.. إلى آخر «أسماء المعاني» التي تجمل مدلولاتها هذا الإجمال، وتتسع بعد ذلك لعشرات من الصور والأحوال
وبديهي أن واضعي اللغة الأوائل لم تكن خواطرهم تزدحم بكل هذه الصور؛ لأن أحاسيسهم وأذهانهم صورة واحدة، أو عدة صور، مقيدة على كل حال، بمدى تجاربهم في عالم الحس والخيال.

والذين جاءوا من بعدهم لم تحفزهم حاجة ملحة إلى وضع ألفاظ جديدة، مفصلة على قدِّ كل حالة من الحالات؛ لأنهم وجدوا في إبهام الألفاظ الموضوعة من قبل وإجمالها ومرونتها ما يساعدهم على تحميلها صوراً وأشكالاً وحالات جديدة لم تخطر على قلوب واضعيها الأولين”. فكان قطب يرى أن لفظة واحدة لا تكفي ليصل الينا المعنى الحقيقي منها، بل تحتاج الى ما يتبعها من كلمات اخرى، لتوضيح المعنى والذي في كل الاحوال يظل بالنسبة الينا ليس هو مايحمله النص بالفعل لما لهذه الالفاظ من مدلولات غامضة غير دقيقة.

وبعد، فأن ما كان لسيد قطب من موهبة في النقد ورؤية منفتحة للأدب تجعلنا ندرك هذا الفرق الشاسع بين سيد قطب المنتمي للجماعات المتشددة والذي وصفه نجيب محفوظ: حاد التفكير والرؤى وصاحب اعتقاد متعصب، وبين سيد قطب الناقد المنفتح والاديب، ثم نتساءل، كيف يمكن أن يتحول شخص من هذه الحالة لتلك، وما سبب هذا التحول؟ فليس سيد قطب فقط من مر بهذا التحول فنذكر مؤخراً مثلا شخصيات اخرى مثل فضل شاكر الفنان الذي كان يحظى بحب وتقدير الجميع لما له من موهبة غنائية وصوت عذب فيتحول الى ارهابي دموي لا يفكر سوى في القتل.. فمن أين يأتي التشدد الذي يدفع بالبعض الى هذا الحال؟ خاصة وانّا ندرك أن مثل تلك الشخصيات كانت تحمل قدراً كبيراً من الثقافة وحب الانسانية وليست شخصيات جاهلة او تفتقد للثقافة.. أيمكن أن يكون التوغل في تفاسير النصوص الدينية وكتب التراث سبب من اسباب ذلك؟!!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك